; المجتمع التربوي (1367) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1367)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1999

مشاهدات 85

نشر في العدد 1367

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 14-سبتمبر-1999

وقفة تربوية

من العاقل؟

قيل لعلي رضي الله عنه: صف لنا العاقل؟

قال: الذي يضع الشيء مواضعه>

قيل: فصف لنا الجاهل؟

قال: قد فعلت، «يعني الذي لا يضع الشيء مواضعه».

«المستطرف ص 25».

من الدعاة من يسيء للدعوة أكثر مما ينفعها، بتصرفاته غير العاقلة التي يترتب عليها الكثير من الضرر، بل قد تسبب الفتنة للكثير من الناس فيبتعدون عن الخير والحق بسبب تصرفاته غير العاقلة التي لا تضع الشيء في موضعه.. فيتكلم مع فئة من الناس بما لا تدركه عقولهم، أو يتشدد في أمر من أمور السنة مما لا يترتب عليه إثم في تركه، بينما يتساهل في أمور الواجب.. أو ينكر المنكر بطريقة فظة غليظة يترتب عليها منكر أشد منه.

إننا بحاجة إلى دعاة عقلاء، يضعون الأشياء في مواضعها الصحيحة، فلا يهمل الواحد منهم أبناءه وزوجته على حساب الدعوة، وكذلك لا يهمل الدعوة في سبيل أبنائه وزوجته، ولا يضحي بماله كله ويترك أبناءه عالة على الناس بل يعطي لكل حق حقه، ويضع كل شيء في وضعه الصحيح.

أبو خلاد

الداعية.. ومتغيرات العصر

يعيش الدعاة إلى الله اليوم في سفينة تتلاطمها أمواج المادية العاتية بانحلالها الخلقي، وبأخلاق الاستغلال والأنانية، وحب الذات، والبخل والغفلة، وحب المال.. كما تقف أمور معينة حجر عثرة أمام سفينة الدعوة وهي تمخر البحر مخرًا، تتمثل في: أفكار خبيثة، وعادات مريضة، وقوانين هزيلة، وبروتوكولات وضيعة، وقدوات سيئة تجد من يحميها، ويدافع عنها من المغرر بهم، ومن أصحاب الأنفس الحاقدة، والمصالح الشخصية الهابطة. 

فأين يقف الدعاة ؟!كيف السبيل لنجاة سفينتهم من التأثر بمتغيرات العصر وتطوره السلبي؟ 

يقول الشهيد سيد قطب - رحمه الله – منبهًا الدعاة إلى خطورة الانزلاق في تيار الانفلات:

 والعاقل «الواعي» الذي لم يأخذه الدوار الذي يأخذ البشرية اليوم، حين ينظر إلى هذه البشرية المنكوبة، يراها تتخبط في تصوراتها، وأنظمتها وأوضاعها، وتقاليدها، وعاداتها، وحركاتها كلها، تخبطًا منكرًا شنيعًا.. يراها تغير أزياءها في الفكر والاعتقاد.. تجري وراء أخيلة وتقذف بأثمن ما تملك، وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من أحجار وأوضار!

«خصائص التصور الإسلامي: سيد قطب 91، 99».

وبعد هذا التنبيه الصادق نصبر أنفسنا بأننا أمل الأمة، وعماد مستقبلها، ودعاة الإنقاذ للبشرية جمعاء، وعلى أيدينا ستنجلي الغمة، ويتبدد الظلام وسينبثق النور - بإذن الله.

ولكن علينا توضيح المعالم والتصورات للجيل الجديد من الدعاة الذين نموا في وسط هذا التيار الملوّث، ولم يكن لهم حظ وافر من فهم أصول الثوابت والأركان الشديدة للدعوة.

فإليهم أكتب سلسلة من الأفكار والتصورات اجتهدت في عرضها، مستندًا إلى كتاب هذه الدعوة القرآن الكريم - وبشرحه وتفصيله - السنة النبوية الصحيحة - على أن تنشر في حلقات متتالية إن شاء الله. 

عدنان محمد القاضي 

لن أرد عليك مثلها!

كثير ما يصادف الشخص منا عند قضاء حاجاته اليومية - وخاصة معاملاته بالجهات الرسمية - مواقف قد تجعله بحالة تعجب وذهول لما يراه من ضيق الصدر ونفاد الصبر من طول وقت المعاملة أو موقف عارض يحصل له من الشخص المقابل، فما يكون منه إلا أن ينفجر غضبانًا كالبركان، ويقيم الدنيا ولا يقعدها لمجرد أنه غير متحلٍ بصفة سعة الصدر والصبر، فتراه يرد الإحسان بالإساءة، ويسمع الموظف ما يكرهه ولا يليق به.

 هذا في زماننا الحاضر، بينما في المقابل نرى هذا المثال لموقف حصل لخادم النبي صلى الله عليه وسلم ربيعة بن كعب عندما منحه الرسول صلى الله عليه وسلم أرضًا بجانب أرض أبي بكر، لكن ربيعة اختلف مع أبي بكر على نخلة، فقال له: هي في أرضي، فقال له أبو بكر: بل هي في أرضي، فنازعه، فأسمعه أبو بكر كلمة كرهها، فلما بدرت منه ندم عليها وقال: يا ربيعة رد علي مثلها حتى يكون قصاصًا.

فقال له ربيعة: لا والله لا أفعل ولا أردها عليك، فقال له أبو بكر: إذن آتي رسول الله وأشكو إليه امتناعك عن الاقتصاص مني! وانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فمضى ربيعة في أثره وتبعه. 

فتبعه قومه بنو أسلم وقالوا: هو الذي بدأ بك فشتمك، ثم يسبقك إلى رسول صلى الله عليه وسلم فيشكوك؟! 

فالتفت إليهم وقال: «ويحكم أتدرون من هذا؟! هذا الصديق وذو شيبة المسلمين وشيخهم ارجعوا قبل أن يلتفت فيراكم فيظن أنكم إنما جئتم لتعينوني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله فيغضب النبي صلى الله عليه وسلم لغضبه، فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة». فرجعوا!

أي تربية هذه التي تربى عليها هذا الصحابي وأي حسن ظن الذي ظنه في قومه؟ 

ثم أتى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم وحدثه بما كان، فرفع الرسول رأسه إلى ربيعة وقال: يا ربيعة مالك والصديق؟! فقال له: يا رسول الله أراد مني أن أقول له كما قال لي فلم أفعل. فقال: «نعم، لا تقل له كما قال لك، ولكن قل غفر الله لأبي بكر»، فقال له: غفر الله لك يا أبا بكر.

فمضى أبو بكر، وعيناه تفيضان من الدمع وهو يقول: جزاك الله عني خيرًا يا ربيعة بن كعب... جزاك الله عني خيرًا يا ربيعة بن كعب».

 فهل يعي أهل زماننا هذا الموقف؟

عبد العزيز الجلاهمة 

نجاح الدعوة.. بالأخلاق الحسنة

حسن الخلق عامل جذب روحاني يحبب النفوس في دين الله

طريق الدعوة إلى الله طريق صعب المسالك، يتطلب من الداعي الحكمة والعلم والصبر والوعي، وفوق ذلك أن يكون حسن الخلق، مستقيم السلوك، طيب المعاملة. 

لعل هذه الصفة، لو تحلينا بها تمامًا، لحققنا غايتنا المنشودة ولوصلنا إلى قلوب الناس بقليل مع العناء والتعب، وذلك أن النفوس تكون أقرب إلى حسن الخلق من سيئها، إذ تأنس به وتقبله وتلتف حوله وبالتالي تعمل على ترجمة أقواله وأفعاله إلى واقع ملموس بينما تبقى الأقوال مجردة والدعوى فاترة باردة عديمة القبول لسيئ الأخلاق.

وحسن الخلق صفة ذكر الله سبحانه وتعالى أنها من صفات أنبيائه ورسله وخاطب بها القدوة المثلى والأسوة الحسنة - رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿لَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ (آل عمران: 159).

يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في هذه الآية: «أي لو كنت سيئ الخلق قاسي القلب لانفضوا من حولك، لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ».

ويضيف - رحمه الله -: «فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدنيا تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدنيا تنفر الناس عن الدين وتبغضهم إليه مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول فكيف بغيره؟ أليس من أوجب الواجبات وأهم المهمات الاقتداء بأخلاقه الكريمة ومعاملة الناس بما كان يعاملهم به صلى الله عليه وسلم من اللين، وحسن الخلق، والتأليف امتثالًا لأمر الله وجذبًا لعباد الله لدين الله». (1) 

وهذا ما كان يميز شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ويجعلها أقرب إلى النفوس وبالتالي كانت دعوته تسير من نجاح إلى نجاح حتى أخرج أمة بكاملها من الظلمات إلى النور لتحمل بعد ذلك على عاتقها نشر الإسلام في العالم غربه وشرقه.

 كما مدح الله سبحانه هذه الأخلاق الحسنة في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم فقال ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، وإذ أكد المعني بالمحسنات اللفظية لتضيف إليه الغاية في المدح والعظمة في الخلق، وجاء في تفسير القرطبي: «هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم». (2) 

ولو تأملنا سيرته العطرة لوجدنا مصداق ذلك في نجاح دعوته نجاحًا قياسيًا في فترة زمنية قصيرة وما كان ذلك ليتم لولا ما تحلى به صلى الله عليه وسلم من أخلاق حسنة، ولين، ورأفة، ولعل ذلك يظهر جليًا في الأمثلة التالية التي تعبر عن هذه الحقيقة. 

موقفه عليه الصلاة والسلام من الأعرابي الذي بال في المسجد: فقد جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه - قال: بينما نحن المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فزجره الصحابة وقالوا: مه مه، فقال رسول الله: لا تزرموه دعوه، فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن ثم أمر رجلًا فجاء بدلو من ماء فسكبه عليه. (3)

خلق رفيع وأسلوب حكيم رصين، ودعوة بليغة. فماذا كانت النتيجة؟ 

جاء في البخاري أن هذا الرجل هو الذي قال: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنًا أحدًا، فقال له النبي لقد حجرت واسعًا». (4)

 لقد اعترف هذا الأعرابي بأن أسلوب النبي كان الأمثل، وأن طريقته هي التي تقرب النفوس إليه مما جعله يدعو الله أن يرحمه ومحمدًا فقط دون الصحابة الذين زجروه!

موقفه من الشاب الذي أستاذنه في الزنى: روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي إمامة قال: إن فتى شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنى، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ادنه فدنا منه قريبًا، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك، قال ولا الناس يحبونه لبناتهم.. حتى ذكر له كل قريباته وقرره هل تحبه لهن وهو ينفي ثم وضع يده عليه ودعا له قائلًا: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه» فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء». (5) 

هذا الموقف الحكيم يشدد على الدعاة إلى الله عز وجل أن يعتنوا بالرفق والإحسان إلى الناس، ولا سيما من يرغب في دخولهم إلى الإسلام أو يزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم. (6)

 والأمثلة العملية في حياة النبي وسيرته أكثر من أن تحصى، كما جاءت النصوص والأحاديث تبين أن حسن الخلق أعظم من العبادة نفسها، روى أبو داود عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم». (7)

وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق». (8) 

وإذا كان حسن الخلق مطلبًا للمسلم العادي فلا شك في أنه في حق الداعي أوجب وأقـــوى ليكون سلاحًا طيب النفع بعيد الأثر.

إن المدعو يتطلع دائمًا إلى قدوة صالحة في محيطه يتمثل بها ويقتدي بآثارها فتكون عونًا له على الاستقامة، وبالتالي تبرز أهمية تخلق الداعي بالخلق الحسن، ليكون بالفعل عامل جذب روحاني للمدعوين يقتربون منه فيغرفون من معين أخلاقه الصلاح والاستقامة، وينهلون من بحر علمه الزاد والتقوى ومن ثم يحققون النجاح المرجو في أعظم مهنة، وأفضل عمل، وأنبل غاية ألا وهي الدعوة إلى الله تعالى.

حماد المحمد بن شحاد

الهوامش

(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان - ص 122.

(2) تفسير القرطبي ج18، ص 148.

(3) مسلم کتاب الطهارة 1/236. 

(4) البخاري مع الفتح - كتاب الأدب 10/438.

 (5) أحمد في المسند 5/256 والسلسلة الصحيحة للألباني ج 1 رقم 370. 

(6) الحكمة في الدعوة لسعد بن علي القحطاني – ص 193.

(7) أبو داود في سننه ج13/107 مع عون المعبود. 

(8) الترمذي في سننه ج10/342 مع التحفة.


حوار حول فقه الدعوة 

أساسيات في منهج الاقتداء بالسلف

بقلم: محمد عبد الله الخطيب (*)

  • أساس منهجية الاقتداء بالسلف تلزمنا بربط سلوكنا برابطة الولاء لهم وألا نتخذ مواقف حرفية اتخذوها أو نخوض في مذاهب تعرضوا لها في زمانهم ثم انقرضت.. فهذا فهم خاطئ لمدلول التأسي 

لقد تعلمنا من أنبياء الله ورسله - عليهم أفصل الصلاة والسلام- أنهم عالجوا علل زمانهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، من منظور العقيدة، والفهم الصحيح يقضي بالالتزام بالمنهج الذي ساروا عليه، وإعمال منهجهم يقتضي منا اليوم التصدي لكل هذه المشكلات من النحل الزائفة والمذاهب الباطلة مع مراعاة مقتضى الظروف والزمان والمكان والحال من خلال منهج متوسط وهو الذي عليه جماهير الأمة.

والكثير من الشباب اليوم يمتلئ حيوية وحماسًا لنصرة دينه وغيرة على مقدسات الإسلام، وهذه ظاهرة إيجابية صحية، ودليل على يقظة روحية تبشر بخير كثير والحمد لله لكنها تحتاج دائمًا إلى الترشيد والرعاية والتوجيه، لقد التقيت شابًا من هؤلاء، وكان بيننا حوار مفيد، يكشف عن جوانب تحتاج إلى تأمل ونظر. 

فقد سألته عن أمرين:

الأول عن اهتماماته في مجال الدعوة؟ 

الثاني: عن مصدر الزاد الروحي والفكري الذي يتلقى عنه.

فقال لي: أما عن الأمر الأول: فأهم شيء عندي هو الاشتغال بتصحيح العقيدة، وأما الأمر الثاني فاهتمامي منصب على كتب السلف في العقيدة، فهي مصدر الحق، كرسائل الإمام ابن تيمية ورسائل الإمام ابن القيم، رحمهما الله تعالى.

ثم امتد الحوار، وظهر أن مسائل العقيدة التي تشغله هي التي طرأت على المسلمين في قرون ماضيات، وبعضها بقايا بدع لا تزال موجودة في بعض البلدان الإسلامية.

ثم تركز الحوار حول مدلول مصطلح العقيدة وما يناقضها قديمًا وفي عصرنا، وتطرق الحديث إلى أنه لا يكفي لمعرفة ما يناقض الإيمان أن نقرأ كتب السابقين وحدهم، رغم أنها بكل المقاييس من أعمق البحوث في هذا الميدان وغيره، وأنهم جزاهم الله خير الجزاء أدوا أعظم الأدوار في هذا الميدان ووقفوا بالمرصاد لكل خروج أو انحراف، لقد جدت في الأمة قضايا هي من صلب الإيمان وهي كثيرة ومتنوعة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والإحاطة بها إلا بالرجوع إلى علماء وفقهاء العصر.

ولقد أحسست بأن الشاب لا يقتنع بما أقول فكان ولا بد أن أعود إلى الماضي، أضرب له الأمثلة، لعلها توضح ما أقول؟

 فقلت له: إن عظمة أسلافنا - رضي الله عنهم - تكمن في تعلمهم حقيقة الإيمان، ثم معرفتهم بما يهدمه ويناقضه حتى وإن كان الذي يهاجم قضايا الإيمان ويشكك فيها، يرتدي ثوب الإسلام، ويتذرع بالعقل، فقد نظروا إلى ما وراء ذلك بعمق، وأدركوا أبعاد المواقف وأن العبرة للمعاني لا للألفاظ والمباني وإليك البيان.

أولًا: حين هجمت الفلسفة الإغريقية على الساحة العلمية، في فترة غفلة من المسلمين، أحدثت هزة عميقة في عقول الذين درسوها وتأثروا بها، قبل أن يحصلوا معرفة بالإسلام تحصنهم وتعصمهم من التأثر بنظرة الفكر الوافد إلى الكون والحياة والإنسان، لم تكن أرض القلوب والعقول عند البعض قد صارت صلبة، تستطيع أن تقبل الصحيح وترفض الزائف.

لكنهم لما توسعت معرفتهم بالإسلام، وازداد عمق الإيمان، وجدوا تعارضًا بين ما تقرره العقيدة الإسلامية، وبين ما تقرره الفلسفة، فماذا يصنعون؟ لقد عمد البعض إلى تأويل النصوص الشرعية لتتفق مع أصل الفلسفة وكان المفروض عكس ذلك. 

ولكن الله سبحانه وتعالى قيض للمسلمين علماء ربانيين أبرارًا، وقفوا في وجه الانحراف الفكري، وأكدوا أن الحقيقة التي يجب ألا تغيب هي أن نصوص الوحيين «الكتاب والسنة» هي الأصل الوحيد في معرفة الحق الذي أوحى به الله عز وجل، وأنه لا يجوز لمسلم أن يستقبلهما بمقررات سابقة ثم يبحث عن طريقة يوفق فيها - بزعمه - بين النقل والعقل.

ثانيًا: حين غزت الصوفية المنحرفة بعض المسلمين، وانتزعت فريقًا منهم من ميدان العمل والجهاد، وألقتهم على هامش الحياة، فأصبحوا يتأثرون ولا يؤثرون ويظنون أنهم يحسنون صنعًا، وأن غيرهم هو المقصر.

عندها قام علماء محققون، يصححون هذه المفاهيم، ويبينون بوضوح أن العبادة في الإسلام لیست محصورة في صلاة وذكر وصوم ونحو ذلك، بل إن معنى العبادة يشمل كل عمل من أعمال القلوب والجوارح، وخاصة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه العبادة تطالب كل مسلم أن يكون يقظًا لكل الجوانب الفكرية والأخلاقية والمعاملات في أمته، فما رآه صالحًا أيده ودعا إليه، وما رآه فاسدًا حذر منه وسعى في النهي عنه بأسلوب عفيف، وأدب كريم، لا يسب ولا يلعن، فالمسلم ليس بلعان ولا طعان ولا فسوق.

 ثالثًا: وحين قصر بعض العلماء في رسالتهم ولم ينهضوا بما فرضه الله عليهم من التعليم والبيان والدعوة إلى الحق، هب رجال مخلصون دعوا إلى الجهاد، وفتح باب الاجتهاد ونبذ التقليد، ولقد وضحوا لنا أن حصر الأجيال في حدود رؤية جيل واحد، أمر خطير، وأرشدونا إلى وجوب اجتهاد كل جيل في كل ما يجد ويتطور في حياة الناس. 

رابعًا: ونحن يا أخي اليوم في زمان تهجم فيه على المسلمين مسائل لها مساس بالعقيدة، ووجدت مشكلات تؤثر في سلوك أبناء المسلمين، ولا شك أن مشكلات تؤثر في الاهتمام بها جميعًا واجب إسلامي.

 وهذه بعض الأمثلة توضح لك ما أريد:

1 - إقصاء الإسلام عن الحياة: هذه المسالة تحمل في طياتها، إبعاد الناس بالترغيب والترهيب عن منهج الله عز وجل، وعلاقتها بالعقيدة نأخذها من نصوص الوحي، فنحن نقرأ مثلًا قول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59)، ولا يجوز أن ينحصر مفهوم تطبيق الشريعة في العقوبات ونظام الأحوال الشخصية كما يفهم الكثير من الدعاة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.

2- انتشار المذاهب الهدّامة في بلاد المسلمين، كالعلمانية والشيوعية والرأسمالية والوجودية والاشتراكية، هذه المذاهب أنشأت حالات فكرية ونفسية وأخلاقية لم تألفها أمة المسلمين من قبل، وظهر في بلاد المسلمين أناس يصلون خمسهم ويصومون رمضان ويحجون بيت الله، ثم هم يحملون في عقولهم وقلوبهم دعوات أخرى، ولا يشعرون بالإثم أو بالتناقض، وهذا يرجع إلى أسباب منها:

- النظر إلى الإسلام - بسبب غلبة الجهل – كما ينظر أبناء الغرب اليوم إلى دينهم. 

- تغليب المصالح الخاصة على الدين في القضايا التي تتعارض فيها المصالح مع دين الله عز وجل. 

 - الاعتقاد بأن تشريعات الإسلام لم تعد مناسبة للعصر!!

من هذه الإشارة يتضح أن هذه المذاهب الجديدة أثرت في العقيدة تأثيرًا مباشرًا، فالعلمانية مثلًا تؤمن ببعض الوحي وترفض منه كل ما يتعلق بشؤون الحياة، وتدبر معي كيف يقرر ربنا الكريم أن هذا الموقف مرفوض بموازين الإيمان: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ 

(البقرة: 85).

3- احتلال الأعداء الأرض الإسلام: كما هو الحال في فلسطين وغيرها، وهي بلاد يعيش جيلنا مأساتها، أما البلاد التي كانت تدين بالإسلام وهي تئن من قيود المحتل الغريب كالجمهوريات الإسلامية التي يسيطر عليها الروس، فإنها منسية من قبل عامة المسلمين... ووا أسفاه.

إن احتلال غير المسلمين لأرض الإسلام يحمل في ثناياه سعي المحتل إلى بث فكره وما يدين به أو توهين فكر المسلمين وإبعادهم عن الإسلام بقصد سلبهم من دافع المقاومة ورفض السيطرة الغربية، فالقضية في حقيقتها صراع عقدي.

وبعد ضرب الأمثلة قلت لمحدثي:

 هذه القضايا وأضرابها من أهم ما يجب أن يهتم به العاملون للإسلام باعتبارها قضايا تمس «الإيمان»، وقد رأينا كيف كان علم العلماء المحققين شاملًا لما أنزل الله، وكيف كان اهتمامهم بالواقع شاملًا أيضًا لما يجري في حياة الناس.

وهنا هو الشاب الطيب رأسه وقال: وهل يفهم من كلامك أن علينا أن نعقد هدنة مع بدع مثل «الدعاء عند القبور» و«ما أحدثه الطرق الصوفية»؟!

 قلت: لم أقصد هذا بكلامي، فالبدعة مرفوضة سواء كانت قديمة أو جديدة، ولكني أدعو إلى ضرورة الاهتمام بجميع المشكلات التي تمس «الإيمان» وإدراك تفاوتها في الخطورة بحيث نولي أشدها خطورة اهتمامًا أكثر من التي تقل عنها في الأهمية.

 وهنا قال محدثي: هل تستطيع أن توجز ما تريد أن تصل إليه من حوارك معي؟ 

قلت: أريد أن أقرر أن:

 1 - أساس منهجية الاقتداء بالسلف تلزمنا وتفرض علينا أن نربط سلوكنا برابطة الولاء لهم، والاتباع والسير على منوالهم، ولا نتخذ مواقف حرفية أو جزئية اتخذوها، أو الخوض في مذاهب تعرضوا لها في زمانهم وانقرضت فهذا فهم خاطئ لمدلول التأسي بهم.

2- إن الاقتداء الصحيح إنما ينبثق من وعي بأصول الفهم ومناهج النظر، وضوابط الاستدلال المعتبرة لديهم من خلال إدراك شامل، ومستوعب لمعطيات الشرع، من أجل تحقيق عبودية الله في الأرض.

3- ضرورة الاقتداء بهم في صفاء العقيدة والبعد عن شوائب الابتداع في الدين وتربية النفوس على النقاء والإخلاص بالدعوة في يسر وسهولة، ووضوح وضرورة ارتباط العقيدة بمشكلات الواقع، إذ إنها تمثل منهجًا عضويًا في بناء متكامل، فلا معنى لبقائها على هامش الحياة، فالعقيدة تعتبر أساسًا لحياة راشدة، ومرتكزًا لنظام قويم، فهل يصح أن تبقى العقيدة بمعزل عن قضية أساسية مثل «رد الأمر إلى الله» و«الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى»؟

4- كما أنهم رضوان الله عليهم فقهوا سنن الله في الكون، والمعرفة الدقيقة بأسباب النصر ومقدماته، والتزموا بهذه السنن، بما كفل لهم التمكين والنجاح، تحقيقًا لوعد الله الذي وعد به عباده المؤمنين.

 5- كما أنهم رتبوا الأولويات، ترتيبًا دقيقًا قام على تقديم الأصول على الفروع والواجبات قبل المستحبات، واهتموا بالكليات قبل الفرعيات، والمتفق فيه قبل المختلف عليه، وأعمال القلوب قبل أعمال الجوارح، فمراعاة هذه الأشياء بدقة تخدم بحق قضية الإسلام اليوم، والتدرج في الدعوة

مطلوب والبعد عن إصدار الأحكام مطلوب.

6- لقد استوعبوا قضايا العصر وواقعه، وأوجدوا البدائل المناسبة للكثير من مشكلاته، والتزموا بدقة بالتمييز بين ما يتفق مع أصول الشريعة فعملوا به، وما يخالفها فتركوه وابتعدوا عنه، و«الحكمة ضالة المؤمن» وهكذا يجب أن نكون.

7- أرى ضرورة أن يعدد المسلم مصادر ثقافته الإسلامية، لأن البعد الثقافي الواحد يظهر جانبًا من ساحة الواقع وضروراته، ويغيب ساحات أخرى أو يهمشها، ولربما كان الذي اهتم به قد أصبح ثانويًا في تأثيره.

 8- وأدعو إلى إدراك المتغيرات في الأجيال المتعاقبة وفي عصرنا، وأحذر من خطورة حصر الأجيال في فهم جيل واحد واعتبار مشكلاته مشكلات الإنسان في كل عصر.

9- وأرى أن النظرة الجزئية إلى الإسلام تقدم دين الله تعالى إلى الناس بصورة لا يدركون عنها أن الإسلام يخاطب الإنسان باعتباره مخلوقًا غير مجزأ، ولا ريب أن هذه مسألة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة التي ترفض أن يعبد الإنسان ربه ببعض الشعائر وبعض الأخلاق بينما يعبد غير الله تعالى السياسة والاقتصاد ونحو ذلك. 

وأخيرًا.. أخشى أن يكون حب السلامة من وراء التقديم الجزئي للإسلام من قبل بعض العاملين في الحقل الإسلامي، بحيث ينظر هؤلاء إلى ما يسمح به فينشطون في الدعوة إليه، فمن علم من نفسه ذلك فقد وجب عليه أن يراجع إيمانه ويتوب لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175) ويقول: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 13)، ويقول: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).

(*) من علماء الأزهر الشريف

 

آفات على الطريق

اليأس والقنوط.. الآثـار والعلاج

بقلم: د. السيد محمد نوح (*)

  • من آثارهما على العمل الإسلامي: تعطيله وإيقافه أو التراخي فيه أو الانحراف به
  • ومن وسائل العلاج قوة المعرفة بالله والاعتبار بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وقصص الأنبياء

بعدما تم تحديد ماهية اليأس والقنوط، والمظاهر الدالة عليهما، ووضعهما في ميزان الإسلام، وبيان الأسباب والبواعث الحاملة عليهما، وآثارهما المرتبة على العاملين، نتطرق في هذه الحلقة إلى آثارهما على العمل الإسلامي، ثم نستعرض أساليب العلاج والوقاية منهما. 

في البداية نتأمل في بعض آثار هاتين الآفتين - وليس الآفة الواحدة - على العمل الإسلامي، ونراها كما يلي:

1. التعطيل والإيقاف:

إذا سيطر اليأس والقنوط على القائمين على أمر العمل الإسلامي حملهم ذلك على تعطيل وإيقاف هذا العمل بدعوى الملاحقة من الأعداء وأنه لا فائدة ولا جدوى ولا ثمرة تذكر من وراء هذا العمل.

2- العمل بتراخٍ وتوانٍ وتسيب:

وحتى على تقدير عدم التعطيل والإيقاف للعمل يكون البديل عن ذلك العمل بتراخٍ، وتوانٍ، وتسيب، وفي فضول الأوقات، وعندما يصل العمل الإسلامي إلى هذا المستوى تطول الطريق، وتعظم التكاليف، ويتمكن الأعداء، فيعيثون في الأرض فسادًا، ويعبثون بالقيم العليا، والمبادئ السامية، ويستبيحون المحرمات من الدماء، والأموال، والأعراض، والأوطان ونحوها. 

3- الانحراف بالعمل عن مساره الصحيح:

 وإذا لم يكن التعطيل والإيقاف، وكذلك إذا لم يكن العمل بتراخٍ وتوانٍ وتسيب، فإنه يكون الانحراف بالعمل عن مساره الصحيح بدعوى تفادي التصادم مع المناوئين استمرارًا للعمل وإنجاحًا له، أو بدعوى عدم جدواه وفائدته بالأسلوب التقليدي القديم، أو بغير ذلك من الدعاوى والمبررات

خامسًا: علاج الياس والقنوط والوقاية من ذلك:

يتحقق باتباع هذه الخطوات:

1 - المعرفة الحقة بالله - عز وجل - مع حسن الظن به سبحانه وتعالى:

وذلك بدوام النظر في آيات الله المنظورة في الكون وفي النفس، وآياته المسطورة في كتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك يعرفنا بالله - عز وجل - معرفة حقة تقود إلى حسن الظن به سبحانه وتعالى، وأنه ناصر دينه، معين مؤيد أهله وأولياءه ماداموا آخذين بأسباب النصر، والتأييد، والتمكين، ولا سيما قد جاء في الحديث القدسي: 

«أنا عند ظن عبدي بي ....». (1)

إذ هو سبحانه يقول في كتابه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ (المائدة: 3).

كما يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ (النور: 55).

ويقول أيضًا: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 173).

ويبين أنه يبتلي عباده المؤمنين بما يبتليهم به تمحيصًا لهم، إذ يقول: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 141).

ويقول تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (آل عمران: 179).

ويقول أيضًا: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (العنكبوت: 2 - 3). 

وكذلك لكشف المنافقين والأدعياء، والدخلاء إذ يقول: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (التوبة: 42).

وهكذا تقود المعرفة الحقة بالله إلى حسن الظن به سبحانه، بما يدفع اليأس، ويقتلع القنوط من الأساس والجذور.

2 - اليقين أن اليأس والقنوط من أخلاق الكافرين الضالين لا من أخلاق المؤمنين الصادقين:

إذ المؤمنون الصادقون عارفون بربهم، واثقون من وعده لهم بالنصر، وتبعًا لذلك فإنهم يوالونه - سبحانه - بمحبته وتعظيمه وطاعته، والنزول على حكمه في كل ما يأتون، وما يذرون، وإن نزل بهم من الشدائد والمحن ما نزل فمن أين يأتيهم إذن اليأس والقنوط، ولا سيما أنه قد جاء في الحديث ما يكشف عن ذلك، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير - وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن -إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». (2)

 بخلاف الكفار الضالين فإنهم غير مؤمنين بالله، وبالدار الآخرة، وتبعًا لذلك فهم آيسون قانطون من رحمته في الدنيا والآخرة، والمؤمن الحق يخاف أن يتصف بصفتهم من اليأس والقنوط فيكفر بالله، ويضل عن سبيله، ويحرم خير الدنيا والآخرة، لذلك يجاهد نفسه أن تقع في اليأس والقنوط، بل يعمل للتخلص منهما، إن ابتلي بهما، ليحيا ويموت والله عنه غير ساخط ولا غاضب.

٣ - دوام النظر في قصص الأنبياء والمرسلين: 

ذلك أن قصص هؤلاء الأنبياء والمرسلين مليء بصور لا حصر لها من المحن والشدائد ووجهت منهم بالصبر والتحمل، والعمل مع الثقة في الله، والأمل والرجاء أن يعينهم على تجاوز هذه المحن والشدائد وقد كان:

 هذا إبراهيم - عليه السلام - يلقى في النار، فلا بيأس، ولا يقنط، وإنما يضرع إلى الله، وكله أمل ورجاء أن يجيب الله دعاءه قائلًا: «حسبنا الله ونعم الوكيل» (3)، ويستجيب الحق - سبحانه وتعالى - له فيحول هذه النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﴿قولۡنَا یَـٰنَارُ كُونِی بَرۡدࣰا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَیۡدࣰا فَجَعَلۡنَـٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِینَ  وَنَجَّیۡنَـٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِی بَـٰرَكۡنَا فِیهَا لِلۡعَـٰلَمِینَ (الأنبياء: 68 - 71). وهذا موسى - عليه السلام - يخرج ببني إسرائيل ليلًا من مصر إلى فلسطين ويتبعه فرعون وملؤه، وحين يتراءى الجمعان يقول أصحاب موسى في خوف وهلع ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (الشعراء: 61)، ولكن موسى المؤمن بربه الواثق من وعده له بالنجاة والنصر يقطع هذا الخوف، ويبدده مطمئنًا لهم بقوله: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (الشعراء: 62) 

وفعلًا يحقق الله له ما وعده به فيقول: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (الشعراء: 63 - 66).

وبقيت هذه آية للأجيال اللاحقة تأخذ منها الدرس والعبرة وزاد الطريق، إذ يقول - سبحانه -:  ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ (الشعراء: 109).

 وهذا زكريا يبلغ من العمر عتيًا، ولا يُرزق الولد، فيدعو ربه في ثقة وأمل ﴿قائلًا قَالَ رَبِّ إِنِّی وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّی وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَیۡبࣰا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَاۤىِٕكَ رَبِّ شَقِیࣰّا وَإِنِّی خِفۡتُ ٱلۡمَوَ ٰ⁠لِیَ مِن وَرَاۤءِی وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِی عَاقِرࣰا فَهَبۡ لِی مِن لَّدُنكَ وَلِیࣰّا  یَرِثُنِی وَیَرِثُ مِنۡ ءَالِ یَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِیࣰّا (مریم4:6) رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ (الأنبياء: 89).

وحقق الله له ما رجاه وما طلبه بقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (الأنبياء: 90) ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ. (آل عمران: 39) ﴿يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (مريم: 7).

وهكذا من ينعم النظر في سير الأنبياء والمرسلين عمومًا يجد فيها زادًا غنيًا لمقاومة حال اليأس والقنوط، بل على العكس فإن هذا الزاد يسري إلى القلوب حاملًا معه الثقة في الله - عز وجل، والرجاء والأمل، وصدق الله العظيم إن يقول: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ (هود: 120) ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ (يوسف: 111). 

ويقول: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ  (الأنعام: 90).

4- دوام النظر في سيرة وسنة نبينا وإمامنا محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص:

 إذ فيها ما يغرس الثقة في النفوس، ويزرع الأمل والرجاء في الصدور. 

يقول ابن سيد الناس: «وروينا عن عثمان بن طلحة من طريق ابن سعد قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل - يعني النبي صلى الله عليه وسلم- يومًا يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فغلظت له، ونلت منه، وحلم عني، ثم قال: يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت، فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ، وذُلت، فقال: بل عمرت وعزت يومئذ، ودخل الكعبة، فوقعت كلمته مني موقعًا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال وفيه أنه - عليه الصلاة والسلام - قال له يوم الفتح: يا عثمان، ائتني بالمفتاح، فأتيته به فأخذه مني، ثم دفعه إلي، وقال: خذها تالدة، خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت المعروف، قال عثمان: فلما وليت ناداني فرجعت إليه فقال: ألم يكن الذي قلت؟ قال: فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي حيث شئت، فقلت: بلى أشهد أنك رسول الله» (4).

 وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفًا أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه أسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فمكث فيه نهارًا كاملًا، ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا، فسأله: أين صلى رسول صلى الله عليه وسلم؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد الله: فنسيت أن أسأله: كم صلى سجدة» (5). 

وفي مرسل الزهري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال لعثمان يوم الفتح: ائتني بمفتاح الكعبة، فأبطأ عليه، ورسول صلى الله عليه وسلم ينتظره حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، ويقول: ما يحبسه؟ فسعى إليه رجل وجعلت المرأة التي عندها المفتاح - وهي أم عثمان واسمها سلافة بنت سعيد- تقول: إن أخذه منكم لا يعطيكموه أبدًا، فلم يزل بها حتى أعطت المفتاح، فجاء به ففتح، ثم دخل البيت، ثم خرج، فجلس عند السقاية، فقال علي: إنا أعطينا النبوة والسقاية والحجابة، ما قوم بأعظم منا، فكره النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة، فدفع المفتاح إليه» (6).

وفي الهجرة من مكة إلى المدينة مكث صلى الله عليه وسلم مع الصديق - رضي الله عنه- في غار ثور ثلاث ليال، وقد تمكن المشركون من اقتفاء أثرهم إلى الغار حيث رأى الصديق أقدامهم، فقال: «يا نبي الله! لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا».

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اسکت یا ابا بكر: اثنان الله ثالثهما». (7)

وإلى هذا اليقين الصادق والتوكل الكامل أشارت الآية: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ  (التوبة: 40).

وتمثل هذا النصر في قوله سبحانه: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (التوبة: 40).

إلى غير ذلك من صور اليقين بوعد الله، والثقة بنصره في أشد ساعات المحنة، وأحلك أوقات الشدة، والعيش فيها يقضي على اليأس والقنوط، ويجعل مكانه الثقة بالله، وأنه لا يتخلى عن عباده

المؤمنين الصادقين.

 الهوامش: 

(1) الحديث أخرجه البخاري في: الصحيح كتاب التوحيد باب قول الله تعالى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.. (آل عمران: 28) وباب قول الله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ (الفتح: 15) 9/147، 148، 117، ومسلم في الصحيح كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب الحث على ذكر الله تعالى، وباب فضل الذكر، والدعاء، والتقرب إلى الله تعالى 4/2061 رقم 2675 /2، وكتاب التوبة باب الحض على التوبة والفرح بها 4/2 – 21 رقم 2675/1، والترمذي في السنن: كتاب الزهد: باب ما جاء في حسن الظن بالله  4/514 – 515 رقم 2388، وكتاب الدعوات: باب في حسن الظن بالله - عز وجل – 5/543 رقم 2603، وابن ماجه في السنن: کتاب الأدب: باب فضل العمل 2/1255- 1256 رقم 2822 والدارمي في السنن: كتاب الرقاق: باب حسن الظن بالله 2/305  وأحمد في المسند 2/251، 315، 391، 413، 445، 480، 482، 516، 517، 524، 534، 535، 539، 3/310، 277، 491، 4/106 كلهم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - إلا ابن ماجه فإنه عنده من حديث واثلة بن الأسقع، وزاد أحمد روايتين من حديث أنس بن مالك، وروايتين من حديث واثلة بن الأسقع، وعقب الترمذي على حديثه بقوله: هذا حديث حسن صحيح.

 (2) أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب الزهد والرقائق: باب المؤمن أمره كله خير 4/2265 رقم 2999 / 64 والدارمي في السنن: كتاب الرقاق باب المؤمن يؤجر في كل شيء 2/ 318 كلاهما من حديث صهيب مرفوعًا، واللفظ لمسلم، وكذلك أخرجه أحمد في المسند 5/ 24 من حديث أنس بن مالك مرفوعًا بنحوه.

(3) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب التفسير: سورة آل عمران: باب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ.. الآية 6/ 48-49 من حديث ابن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام - حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل»، وبإسناد آخر عنه ايضًا قال: «كان آخر قول إبراهيم حين التي في النار حسبي الله ونعم الوكيل».. والحديث وإن كان ظاهره أنه موقوف، لكن له حكم المرفوع، لأن مثل هذا لا مجال للرأي والاجتهاد فيه.

(4) انظر: عيون الأثر في فنون المغازي، والشمائل، والسير: فتح مكة: باب إبقاء ابن طلحة على السدانة رغم الذي كان بينه وبين الرسول قبل إسلامه 2/231، وفتح الباري 8/18 – 19 حيث عزاه إلى ابن إسحاق، من حديث صفية بنت شيبة، وقال: «إسناده حسن». 

(5) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب المغازي: غزوة الفتح: باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم من أعلى مكة 5/ 188 - 189، وحجة الوداع باب حجة الوداع 5/222 - 223، ومسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب استحباب دخول مكة للحجاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها 2 / 966 - 967 رقم 1329 / 388 - 394 كلاهما من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - واللفظ للبخاري.

(6) الخبر أورده ابن حجر في: فتح الباري 8/18، وعزاه إلى عبد الرزاق، والطبراني.

(7) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للدكتور: أكرم ضياء العمري 1/ 211 نقلًا عن فتح الباري. 

(*) أستاذ الحديث وعلومه بكلية الشريعة - جامعة الكويت 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2059

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

192

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟