; المجتمع التربوي: المجتمع (1497) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: المجتمع (1497)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2002

مشاهدات 56

نشر في العدد 1497

نشر في الصفحة 54

السبت 20-أبريل-2002

الإدارة بالإقناع

  • اعتماد المسؤول على نفوذه الرسمي فقط لفرض القرار على العاملين بداية سقوط المؤسسة

  • "الشواهد القرآنية تدل على عمق تأثير الإدارة بالإقناع على نوعية الأداء وتنفيذ المهمة بأعلى جهد"

مهيوب خضر محمود- m_ qub@hotmail.com

مبدأ الإقناع أو الإدارة بالإقناع يمثل أحد مبادئ الإدارة الإسلامية العظيمة التي كان لها أبلغ الأثر في رقي الحياة البشرية وتطورها منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام وحتى يومنا هذا. وعبر السطور التالية أحاول أن أقف قليلًا عند تقويم هذا الأسلوب.

إن ظاهرة ضعف تطبيق القرارات الإدارية الصادرة عن الهيئات العليا في المؤسسات المختلفة أصبحت همًّا يؤرق الجميع، فكم من القرارات كانت مجرد حبر على ورق ولم يتجاوز مصيرها رفوف المكاتب أحيانًا أو سلات المهملات أحيانًا أخرى.

كما أن حالة تمرد الموظفين على مثل هذه القرارات ومحاولة التحايل عليها بطرق التفافية وتفريغها من محتواها الحقيقي إلى أن يتطور الأمر فينشأ ما يسمى بالإدارة غير الرسمية إلى جانب الإدارة الرسمية في المؤسسة نفسها ... هذه المسألة تمثل همًّا آخر يحتاج إلى تفكير وعلاج.

إن مأساة ممارسة العملية الإدارية من خلال الأوامر لا التزام منهج القرآن في الإقناع لهي سبب رئيس لا يمكن التغافل عنه يؤدي إلى ظهور الأعراض التي ذكرناها.

شواهد من القرآن

يشير القرآن الكريم إلى أهمية ممارسة منهج الإدارة بالإقناع في مواضع عدة، منها قوله سبحانه وتعالى: 

 ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًّا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة: 260).

هنا لم يكتف الله سبحانه وتعالى بتوجيه الأمر المجرد لسيدنا إبراهيم عليه السلام. في حين أن هذا أمر مقبول عندما تكون الحالة بين رب كريم وعبد من عباده. ومع هذا أشار الله إلى مبدأ الإقناع.

يتكرر الموقف مع سيدنا موسى عليه السلام في قوله عز وجل: 

﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (الأعراف: 143).

مثل هذه الشواهد القرآنية تدل على عمق تأثير مبدأ الإدارة بالإقناع على نوعية الأداء والعطاء وتنفيذ المهمة بأعلى جهد بشري ممكن دون وجود أي لبس أو تردد من قبل المنفذ على نوع وشكل القرار المتخذ، وهذه بدورها تشكل نقطة الانطلاق الصحيحة.

حتى في أمور الحلال والحرام لزم الرسول خطى القرآن الكريم في اتباع منهج «الإقناع. فعن أبي أمامة أن فتى من قريش أتى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله ائذن لي في الزنى"، فأقبل القوم عليه وزجروه فقالوا: "مه مه". فقال: "ادنه" فدنا منه قريبًا، فقال: "أتحبه لأمك؟!" قال: "لا والله جعلني الله فداك". قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم". قال: "أفتحبه لابنتك؟!" قال: "لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك". قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم". قال: "أفتحبه لأختك؟!" قال: "لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك". قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم". قال: "أتحبه لعمتك؟!" قال: "لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك". قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم". قال: "أتحبه لخالتك؟!" قال: "لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك". قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم". قال: فوضع يده عليه وقال: "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه". قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.» «رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح».

خطورة فرض القرار

كم من المدراء والمسؤولين اليوم يعتمدون على صلاحياتهم ونفوذهم الرسمي فقط في كثير من المؤسسات لفرض القرار الإداري على المؤسسة والعاملين فيها، وهنا تكمن نقطة الضعف وبداية السقوط.

ويضع علماء الإدارة القائد في منزلة أكثر علوًّا من منزلة الرئيس انطلاقًا من قدرته وفاعليته على استخدام منهج الإدارة بالأهداف من خلال نفوذه الشخصي الذي يفضي بظلاله على جميع العاملين في المؤسسة، فالقائد هو من يقود جميع أفراد مؤسسته بالإقناع، والرئيس هو من يسيطر على بعض موظفي المؤسسة بالأوامر وحدها.

لا غبار- إذن- أن للنجاح في العملية الإدارية أسسًا ومبادئ يجب اتباعها، ومما لا شك فيه أن مبدأ الإدارة بالإقناع كمنهج قرآني يتربع على عرش هذه القائمة، فهو يشكل المفتاح الذي يجعل منك قائدًا فعالًا ومؤثرًا وناجحًا.

 

■ الهجرة ... أمة ووطن

  • دارت معركة المسلمين الأوائل في مكة مع أنفسهم أولًا .. فالذي لا ينتصر على نفسه لا ينتصر على غيره

  • "الهوان الذي تعيشه الأمة حاليًّا لن ينقشع إلا حين يكون للمسلمين دولة تحسن رسالتها المادية و الروحية"

د . أمين رمضان- aminrg@hotmail.com

ستظل الهجرة معلمًا بارزًا في تاريخ الدعوة الإسلامية، وسيظل استدعاؤه لوجدان المسلمين حيًّا، طالما عانى المسلمون هذا الهوان المذل من المناوئين للإسلام ليل نهار، وطالما بقي الصراع بين الحق والباطل على وجه الأرض وطالما حاول المسلمون إحياء دولة الخلافة بشقيها الأمة والأرض.

عندما اختار الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه الهجرة لتكون هي البداية للتاريخ الإسلامي، قال: إنها فرقت بين الحق والباطل، أي أنها كانت فرقانًا. وهو الوصف نفسه الذي وصف به الله تعالى. أول مواجهة بين المسلمين والمشركين في بدر قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأنفال: 41).

هذا الفرقان بين الحق والباطل رصيد تملكه البشرية، إن أرادت أن تسمو بحياتها وتحيى حياة ربانية، وهو قبل ذلك رصيد للمسلمين من العار عليهم أن يهملوه أو يبحثوا عن رصيد آخر زائف لحياتهم.

الذي يستمع إلى الخطاب الديني من خطب أو محاضرات كلما هل عام هجري جديد، يجده يركز على الأحداث التي تمت فيها، فيتحدث حينًا عن معجزة خروج النبي أمام أعين المشركين، دون أن يروه أو يتحدث عن مبيت الإمام علي كرم الله وجهه في فراشه أو يتحدث عن الغار وما حدث فيه أو يتحدث عن قصة سراقة إلى آخر هذا الحديث، وكل ذلك حق، يجب على المسلمين أن يستلهموا منه الدروس والعبر.

الميدان الأول للمعركة

لكن للهجرة معلم كبير هو الذي أعد النبي من أجله، هذا الجيل القرآني الفريد على ثلاثة عشر عامًا في مكة، ليقيم به دولة الإسلام، فكانت الهجرة هي ذلك الإعلان وتحوَّلت الدعوة إلى دولة، ليظل في حس المسلمين دائمًا، أن الإسلام دين ودولة دين يدين ويخضع له شعب ودولة دستورها القرآن.

لذلك دارت معركة المسلمين الأول وهم في مكة مع أنفسهم، فالذي لا ينتصر على نفسه لا ينتصر على غيره كانت الضمائر هي الميدان الذي واجهوه بصدق، لأن المسلم الصادق هو الذي يستشعر رقابة الله هذه الرقابة هي التي جعلت الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يزوج ابنه بائعة اللبن التي قالت لأمها حين طلبت منها خلط اللبن بالماء: "إذا كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا".

فانسابت العبرات من عيني عمر، وطلب من ابنه الزواج من تلك الفتاة الصالحة، فنبت من ذريتها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. وهكذا تكون الجيل الإسلامي الأول في مكة، والركيزة التي يرتكز عليها، في الضمائر والشعائر هي لا إله إلا الله، فتمكنت العقيدة في النفوس، كشجرة عميقة الجذور وارفة الظلال أو بتعبير القرآن: 

﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا «إبراهيم: 24-25».

انصهار أرض وأمة

هذا الجيل كان لا بد له من قاعدة أو أرض، ينطلق منها، لأن رسالة الإسلام التي عرفها، رسالة عالمية، هدفها تحرير كل الإنسان في كل الأرض، قال تعالى:

«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» «الأنبياء: 107».

وهكذا، كانت الهجرة انصهار أرض ارتفعت عليها راية لا إله إلا الله وأمة مرجعها الأول والأخير، حكم الله. هذه الدولة هي التي حملت الرسالة، وانطلقت تحرر الإنسان من العبودية إلا لله، وعاشت الإنسانية في ظلها الوارف أسعد أيامها.

ما أحوجنا اليوم إلى استشراف هذه المعاني والعالم تسيطر عليه قوى مادية غاشمة والمسلمون يُذبَّحون وتُستلب أرضهم وتُنتَهك أعراضهم، وليس هناك من يدافع عنهم.

ما أحوجنا لأن نعرف أن ذلك الهوان لن ينقشع بأمر الله، إلا حين يتحقق ذلك المعنى من الهجرة، وهو أن يكون للمسلمين دولة تحسن رسالتها المادية والروحية.

الرابط المختصر :