; المجتمع التربوي (1514) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1514)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 17-أغسطس-2002

مشاهدات 53

نشر في العدد 1514

نشر في الصفحة 54

السبت 17-أغسطس-2002

وقفة تربوية

متى يتأثر الناس بالداعية؟

يقول الشيخ محمد الصباغ في كتابه: «من صفات الداعية» ص ٥٢: «وإننا نقرأ في التاريخ أن معظم الدعوات التي لاقت رواجًا عند الناس. ولا سيما المنحرفة منها، كان دعاتها من أشد الناس زهدًا، ولذلك كان الناس يجتمعون عليهم ويسيرون وراءهم. ولقد أعجب المنصور بعمرو ابن عبيد «القدري» لأنه رفض أن يأخذ عطيته، ومدحه مدحًا لم يحظ به أحد من الناس من أجل ذلك كان على الداعية أن يرفض أي نفع مادي يمكن أي يأتيه عن طريق دعوته، فإن ذلك أدعى إلى تأثر الناس به».

فالناس جبلوا على التأثر بمن يرونه مخلصًا لفكرته، متحمسًا لها. يدعو بها بتجرد دون أن يكسب من ورائها دينارًا أو درهمًا، أو منصبًا أو أي مكسب شخصي، وهكذا نرى المؤثرين من الدعاة في هذه الحياة سواء كانوا من الصالحين أو الفاسدين والمفسدين، نرى فيهم خصلة مشتركة، وهي التجرد الكامل للفكرة والاستعداد للتضحية من أجلها، وعدم التكسب من ورائها. فمتى أخلوا بتلك الشروط بطل التأثر بهم. وسقطوا من أعين الناس، لأنهم يفقدون بذلك مصداقيتهم ويوصلون إلى الناس رسالة مفادها أنهم يتسترون بهذه الدعوات من أجل مصالحهم الخاصة. وما أجمل ما قاله سيد قطب-يرحمه الله. في هذا الشأن إذ قال كلماتنا عرائس فإذا متنا من أجلها دبت فيها الروح.

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

السعادة الحقيقية

نسبة السعداء بين المتدينين أضعاف نسبتهم بين غير المتدينين

القرآن نبه إلى توقع المتاعب الدنيوية ودعا إلى مواجهتها بالرضا والاطمئنان

حذر الرسول من التكالب على الدنيا حتى لا تسبب الشقاء للمرء 

مصطفى فودة

السعادة.. ذلك الهدف البعيد القريب الذي يلهث المرء وراء تحقيقه لنفسه وأولاده، منذ أن يعي الدنيا حتى يفارقها قل من يلحق بها باعتبارها قيمة معنوية لا تفوقها إلا الحياة نفسها، بل إنها تتفوق على الحياة ذاتها إذا عاش الإنسان في شقاء دنيوي، أو عاش في الآخرة متأبِّدًا في جهنم، وفي مثله قال القرآن الكريم: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (سورة الزخرف: آية رقم 77).

لم يجد الفلاسفة للسعادة سببًا واحدًا جامعًا مانعا يجلبها إلى كل إنسان، وإنما وجدوا أن أسبابها متعددة، فما يمكن أن يجلبها لهذا قد لا يجلبها لغيره وهكذا، لأن ذات كل إنسان مقرونة بظروفها، وما هي في الواقع إلا ابنة تلك الظروف في سعادتها أو شقائها، برغم أن لها يدًا -غالبًا- في صنع تلك الظروف التي قد تسعدها، أو تشقيها، بما وهبها الله من عقل به تختار ومن إرادة وقدرة بهما تعمل.

لكن ديننا الحنيف نبه المسلم إلى أن عليه أن يتوقع المتاعب الدنيوية بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (سورة البلد: آية رقم4)، والكبد كما جاء في المعجم الوسيط المشقة والعناء اللذان إذا عاش الإنسان فيهما انتفت سعادته وأحاط به الشقاء. وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (سورة الأنبياء: آية رقم 35).

لقد جاء هذا التنبيه القرآني للمسلم ليخفف عنه شقاءه بالمصائب الدنيوية، إذا قدرت عليه، لأن من يتوقع البلاء يكون وقعه عليه أخف والتخلص منه أسهل أما من يفاجأ به فإن مصيبته به تكون أعظم، والتخلص منها أصعب. ورسولنا الكريم ﷺ لشدة حرصه على سعادة أمته دنيا وأخرى لحظ بعين بصيرة نبوته أن الناس تتصارع على عرض الدنيا فتشقى، لذا لفتهم برفق بالغ إلى عدم التكالب عليها، كي لا يسببوا الشقاء لأنفسهم وللآخرين، وذلك بدعائه لنفسه بقوله: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين»، لكنه في الوقت نفسه خشي عليهم من شقاء الحاجة للغير فنبههم إلى ضرورة عملهم لدنياهم وآخرتهم في أن معًا، فقال: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا». 

وعلى المسلم وهو يعمل لدنياه أن يرضى بما قسمه الله له منها لأن الرضا نصف السعادة، وإلا سلط الله عليه الدنيا يركض فيها ركض الوحوش في البرية، ولن يناله منها إلا ما قسمه الله له، وكان عند الله مذمومًا، كما جاء في الحديث القدسي.

دراسة غربية

لم تُولِ البشرية عنايتها بدراسة السعادة إلا مؤخرًا، ومن الأبحاث التي أجريت في هذا المجال ما قام به الدكتوران وليم مورو، أستاذ علم النفس بجامعة «ميتشجان» و «دينر» أستاذ علم النفس أيضًا بجامعة «الينوي»، إذ قضيا عشر سنوات في دراسة السعادة.

بين الباحثان في دراستهما أن هناك صفات تميز السعداء من الناس عن غيرهم هي: 

حب السعيد لنفسه، فالسعيد لديه تقدير عال لذاته، ويعتقد في الأغلب أنه أكثر ذكاء، وأقل تحيزًا، وأفضل قدرة على الانسجام مع الآخرين وأحسن صحة من سواه.

شعور السعيد على نحو نموذجي بتحكمه في حياته بخلاف التعساء المحرومين من القدرة على التحكم في حياتهم كالسجناء وشديدي المرض والرازحين تحت وطأة أنظمة الحكم الاستبدادية والفقراء جدًا، فكل هؤلاء أشقياء لأنهم لا يملكون التحكم في حياتهم.

  • شعور السعيد بالتفاؤل. 

  • انبساطية السعيد سواء كان يعيش وحده، أو مع الآخرين. وقد يرد تساؤل هنا هو: هل السعادة هي التي تجعل الناس أكثر ودًا وانبساطًا، أم هل الود دون الانبساطيين هم كذلك لأنهم سعداء؟

التدين والسعادة

بناء على دراسة أجرتها منظمة «جلوب»، وجد الباحثان أن نسبة السعداء بين شديدي التدين ضعفا نسبة السعداء بين من هم أقل تدينًا. 

وتوصلت دراسة أخرى أجريت في ١٦ قطرًا وشملت (١٦٦) ألف فرد إلى أن الإقرار بالسعادة يزداد كلما اشتدت قوة الانتماء الديني، وتكررت ممارسة الشعائر الدينية في صورة جماعية. 

ولعل هذا يبين لنا نحن المسلمين أن ديننا كان حريصًا على سعادتنا عندما جعل صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بـ (۲۷) مرة، وجعل الخطوة إلى المسجد ترفع الإنسان عند الله درجة، وتحط عنه خطيئة، وأن الرسول الله كان لا ينطق عن الهوى، كان إذا حزبه أمر قال لبلال أرحنا بها يا بلال، يقصد الصلاة.

الغني ليس سببًا وحيدًا للسعادة

أدرك الزهاد أن السعادة في التقوى، وليست في جمع المال عندما قال أحدهم: 

وَلَستُ أَرى السَعادَةَ جَمعَ مالٍ

وَلَكِنَّ التَقيَّ هُوَ السَعيدُ

وهي كذلك بالفعل، كما أظهرت تلك الدراسة. وقد رأينا الجانب الديني، أما الجانب المادي فتقول الدراسة عنه أثبت البحث أن امتلاك الثروة الكثيرة لا يحقق السعادة لمالكيها إلا بنسبة لا تعدو (۲۹%) منهم، وحتى الأغنياء جدًا في أمريكا ليسوا بأكثر سعادة من متوسطي الدخل إلا بدرجة ضئيلة، مما أكد ضعف الارتباط بين زيادة الثروة والسعادة.

إن الأهم في تحقيق السعادة للأغنياء ومتوسطي الحال التمتع بالحقوق المدنية وطول فترة بقاء الحكومات الديمقراطية.

السن والعِرْقُ والسعادة

أظهرت حصيلة (١٤٦) دراسة أجراها باحثون من جامعة: «أريزونا». أنه ليست هناك سن معينة، أو انتساب لعِرْقٍ بعينه، يجعل الإنسان أكثر سعادة، فالأمريكيون المنحدرون من أصل إفريقي لا تقل نسبة شعورهم بالسعادة عن المنحدرين من أصل أوروبي عند تشابه الظروف الحياتية عند هؤلاء وأولئك.

رحلةٌ طويلة ... فأين المنتهي؟!

عبد الله بن محمد القاضي

menu123@ayna.com

قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (سورة الزمر: آية رقم 67)، قال صاحب الظلال «نعم. ما قدروا الله حق قدره وهم يشركون به بعض خلقه»، وهم لا يعبدونه حق عبادته، وهم لا يدركون وحدانيته وعظمته ولا يستشعرون جلاله وقوته: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سورة الزمر: آية رقم 67). وكل ما يرد في القرآن وفي الحديث من هذه الصور والمشاهد إنما هو تقريب للحقائق التي لا يملك البشر إدراكها، ومنه هذا التصوير الجانب من حقيقة القدرة المطلقة التي لا تتقيد بشكل ولا تتحيز في حيز، ولا تتحدد بحدود.

روى البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا. ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».

قال البخاري في شرحه: « لَمَّا أُمِروا باستدفاع البلاء بالذكر والدعاء والصلاة والصدقة، ناسب ردعَهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخصَّ منها الزنا؛ لأنه أعظمها في ذلك، وقيل: لما كانت معصية الزني من أقبح المعاصي، وأشدها تأثيرًا في إثارة النفوس وغلبة الغضب، ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة رب الغيرة وخالقها سبحانه وتعالى وقوله ﷺ: «لو تعلمون ما أعلم» أي من عظيم قدرة الله وانتقامه من أهل الإجرام لضحكتم قليلًا، قيل معنى القلة العدم، والتقدير لتركتم الضحك ولم يقع منكم إلا نادرًا لغلبة الخوف واستيلاء الحزن».

قال تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (سورة البقرة: آية رقم 28) فو الله إنها لرحلة طويلة وشاقة وعسيرة، وإنها لعلى الكافر أشد طولًا، وأشد مشقة وعناء، وعسرًا، أما المؤمن، فعزاؤه في ذلك أن الله قد وعده بجنة عرضها السموات والأرض، وهي المحطة الأخيرة الأبدية والسرمدية خالدين فيها مادامت السموات والأرض، وأما الكافر فينتهي به المطاف إلى نار جهنم والعياذ بالله خالدًا مخلدًا فيها مادامت السموات والأرض، بجوار عمالقة العصيان وفطاحلة التمرد، أمثال فرعون وهامان وقارون، وأمثالهم من الذين كانوا يحاربون الله ورسوله في الدنيا، وكأمثال مشركي وكفار قريش، وكأمثال اليهود والنصارى الذين ابتغوا غير الإسلام دينًا، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (سورة آل عمران: آية رقم 85).

تصور هذه الرحلة الطويلة للإنسان من عالم الملكوت مرورًا بالدنيا، ثم دار البرزخ ثم المستقر في الآخرة الاستقرار الأبدي والسرمدي إما في الجنة، وإما في النار، ولا ثالث لهما، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (سورة ابراهيم: آية رقم 27).

۳۰ وقفة في فن الدعوة) ٢ من ٤)

القول اللين.. سحر حلال

لا يملك الدعاة سوطًا يقودون به الناس إلى الجنة. وإنما حبًا وأملا في هدايتهم

لا تكثر من استخدام كلمة «أنا» واحذر القدح في الهيئات بأسمائها إلا لضرورة

                                           د. إسماعيل الزعبي (*)

 (*) أستاذ بكلية الشريعة ومنتدب بكلية التربية -جامعة الكويت

ذكرنا في العدد الماضي أن الدعوة فن يجب أن يجيده الدعاة الصادقون إلى الله باعتبارهم ورثة الأنبياء والرسل، وأهل الأمانة الملقاة على عواتقهم، محذرًا من أن أي خطأ يرتكبه الداعية يؤثر في الأمة كلها، وقد يتجه بسفينتها إلى غير طريق النجاة. وأشرت إلى أن هناك آدابًا لا بد أن يتحلى الدعاة بها، حتى يكونوا رسل هداية، ومشاعل حق وخير، وذكرت ثمانية من تلك الآداب. واليوم نواصل استعراض المزيد منها:

۹ -عدم الإحباط من كثرة الفساد والمفسدين 

المفسدون في الأرض كثيرون، فلا تُصاب نفس الداعية بالإحباط، ولا بخيبة أمل، وهو يرى الألوف المؤلفة تتجه إلى اللهو واللغو، بينما القلة القليلة تتجه إلى العلماء والمساجد، يقول الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (سورة الاحزاب: آية رقم 62). وقد ذكر الله تعالى في محكم تنزيله أن أهل المعصية أكثر، وأن الضلال أكثر، وأن المفسدين أكثر، فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سورة سبأ: آية رقم 13)، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (سورة الانعام: آية رقم 116)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يوسف: آية رقم 103)، وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يونس: آية رقم 99).

 فنحن لا نملك سوطًا ولا عصا، ولا عذابًا، ولا حبسًا، إنما نملك حبًا، ودعوة، وبسمة، نقود الناس بها إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فإن استجابوا حمدنا الله، وإن لم يستجيبوا أوكلنا أمرهم لله الذي يحاسبهم.

فلا يحبط الداعية ويقول: «ما للذين يحضرون الدروس قلة بالنسبة لمن يحضر اللغو واللهو؟!

 إنها سنة الله. 

قال بعض العلماء «الكفار في الأرض أكثر من المسلمين، وأهل البدعة أكثر من أهل السنة والمخلصون من أهل السنة أقل من غير المخلصين». 

كذلك يجب على الداعية أن يعيش واقع الناس وأن يقرأ حياتهم، ويتعرف أخبارهم، قال سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (سورة الانعام: آية رقم 55). 

ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن يعيش رسوله أربعين سنة في مكة قبل الوحي، فعاش في شعابها وأوديتها، وعرف مساربها ومداخلها، وعلم الأطروحات التي تقع فيها، كما عرف بيوت أهلها. لكن الكفار اعترضوا وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ (سورة الانعام: آية رقم 8)، فالله سبحانه وتعالى ذكر أنه لا بد أن يكون بشرًا، يعيش أمال الناس، وهمومهم ومشكلاتهم، ويعرف احتياجاتهم.

فحق على الداعية أن يقرأ واقعه، ويستفيد من مجتمعه، وأن يعرف ماذا يدور فيه وماذا يقال وما القضايا المطروحة ويتعرف حتى إلى الباعة. وأصناف التجار والفلاحين، وطبقات الناس، وأن يلوح بطرفه في الأماكن، ومجامع الناس والأسواق والمحلات والجامعات والأندية، حتى يكون صاحب خلفية قوية، ويتحرك في واقع يعرفه؛ لذا جعل أهل العلم من لوازم الداعية أنه إذا أتى إلى بلد أن يقرأ أولًا تاريخه، وكان بعض العلماء إذا سافر إلى بلد ما، يقرأ مذكرات عنه. وعن تاريخه، وجغرافيته، وطبائع الناس فيه ومتنزهات أهله وكيفية التربية فيه. إلخ حتى يتعامل معه على بصيرة.

۱۰- عدم المزايدة على الشريعة:

بعض الوعاظ والدعاة يحملهم الإشفاق والغيرة على أن يبالغ، فتجده إذا تكلم عن معصية جعل عقابها أكثر مما حدد الله عز وجل، حتى إن من يريد أن ينهى عن الدخان وشريه قد يقول: «يا عباد الله، إن من شرب الدخان حرم الله عليه الجنة وكان جزاؤه جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا».

هذا خطأ لأن هناك موازين في الشريعة. هناك شرك يخرج من الملة. وهناك كبائر، وصغائر ومباحات. وقد جعل الله لكل شيء قدرًا. 

فعلى الداعي الا يهول على الناس، وكذلك لا يبالغ في جانب الحسنات كالحديث -وهو ضعيف الذي يقول: «صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بلا سواك» (۱).

وينبغي أن يكون الإنسان متزنًا في عباراته ويعرف أنه يوقع عن رب العالمين، وينقل عن معلم الخير ﷺ.

11- تجنب الاستدلال بالأحاديث الموضوعة:

 على الداعية الا يستدل بحديث موضوع إلا على سبيل البيان، ويعلم أن السنة ممحصة ومنقاه، وأنها معروضة، لذلك لما أتي بالمصلوب -هذا الذي وضع أربعة الاف حديث على أمة محمد ﷺ كذبًا، وزورًا -أتي به إلى هارون الرشيد ليقتله، فسل هارون السيف عليه، قال: اقتلني أو لا تقتلني، والله لقد وضعت على أمة محمد أربعة آلاف حديث قال هارون الرشيد: «ما عليك يا عدو الله يتصدى لها الجهابذة يزيفونها، ويخرجونها كابن المبارك، وأبي إسحاق». فما مر ثلاثة أيام إلا نقاها عبد الله بن المبارك وأخرجها، وبين أنها موضوعة جميعها. 

فالأحاديث الموضوعة-ولله الحمد-مبينة. وأحذر الدعاة من أن يذكروا حديثًا موضوعًا بدعوى أنه في مصلحة الدعوة إلى الله، وإنما المصلحة -كل المصلحة -في الاستدلال بما ورد صحيحًا عن رسول الله ﷺ وليس بالأحاديث الباطلة، ذلك أن ضررها على الأمة عظيم، لكن يجوز للداعية أن يبين للناس -في محاضرة أو درس أو خطبة -الأحاديث الموضوعة حتى يتعرفها الناس.

أما الأحاديث الضعيفة فلها شروط للاستدلال بها، إذ يستدل بالحديث الضعيف بثلاثة شروط 

الأول: ألا يكون ضعيفًا شديد الضعف.

الثاني: أن تسانده القواعد الكلية في الشريعة وتؤيده. 

الثالث: ألا يكون في الأحكام بل في فضائل الأعمال.

 ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - يرحمه الله - عن الإمام أحمد أنه قال: «إذا أتى الحلال والحرام تشددنا، وإذا أنت الفضائل تساهلنا» (۲)، وهذا كلام جيد، علمًا بأنه غير مجمع عليه.

12- الابتعاد عن القدح في الهيئات والمؤسسات والجمعيات والجماعات بأسمائها:

مما يجب على الداعية ألا يقدح في الهيئات ولا المؤسسات بذكر أسمائها، وكذلك الجمعيات والجماعات وغيرها - إلا لضرورة - بل عليه أن يبيَّن المنهج الحق، ويوضح الباطل، فيعرف صاحب الحق أنه محق، ويدرك صاحب الباطل أنه مبطل؛ لأنه إذا تعرض للشعوب جملة، أو للقبائل بأسمائها، أو للجمعيات، أو للمؤسسات أو للمشركات... إلخ، نفر هؤلاء الآلاف منه، وتركوا دعودته، وهذا خطأ.

في الأدب المفرد يروى عنه أنه ﷺ قال: «إن من أفرى القرى أن يهجو الشاعر القبيلة بأسرها» (۳)، فالتعميم عرضة للخطأ.

لا بد أيضًا أن يكون الداعي لبقًا في اختيار العبارة حتى يدخل القلوب، ولا يثير عليه العامة، فإن الناس يغضبون لقبائلهم، وشعوبهم، وشركاتهم ومؤسساتهم، وجمعياتهم. فلينتبه لهذا، وعليه ألا يظهر نفسه بهالة المستعلى على جمهوره وأصحابه، وأحبابه، وإخوانه، وعلى المدعوين، كأن يقول – مثلًا - قلتُ وفعلتُ، وكتبتُ وراسلتُ وألفتُ!

فإن (أنا) من الكلمات التي استخدمها إبليس، قال ابن القيم في كلامٍ ما معناه: اجتنب ثلاث كلمات (أنا)  (لي) (عندي) فإن إبليس قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وقال فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف:٥١] وقال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨].

ولكن تصلح «أنا» في مثل: أنا مقصِّر، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله

أنا الفقيرُ إلى رب السماواتِ 

أنا الْمُسَيْكِيْنُ في مجموعِ حالاتي

كما مدح أحدهم ابن تيمية فقال:

أنا المُكَدِّي وابنُ المُكَدِّي 

وهكذا كان أبي وجدِّي

 فواجب الداعية أن يظهر دائمًا بالتواضع، وأن يلتمس الستر من إخوانه، وأن يبادلهم الشعور بالود، وأن يطلب منهم المشورة والاقتراح، وأن يعلم أن فيهم من هو أعلم منه، وأفصح منه، وأصلح منه.

 ۱۳- أن يجعل الداعية لكل شيء قدرًا:

لا ينبغي للداعية أن يعطي أي مسألة أكبر من حجمها، يقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (سورة المائدة: آية رقم 3). 

فلا يعطي الداعية المسائل أكبر من حجمها، وكذلك لا يصغر المسائل الكبرى، أو يهونها عند الناس. ومن الأمثلة:

بعض الدعاة يعطي مسألة تربية اللحية أكبر من حجمها حتى كأنها التوحيد الذي يدخل به الناس الجنة، ويخلدون فيها أو يدخلون بتركها النار ويخلدون فيها. 

لا... إنها من السُّنن الواجبات، ومن حلقها فقد ارتكب محرمًا لكن لا تأخذ حجمًا أكثر من ذلك. وكذلك إسبال الثياب، والأكل باليسرى، وغيرها من المسائل التي لا ينبغي للداعية أن يعطيها أكبر من حجمها، فقد جعل الله تعالى لكل شيء قدرًا. وعلى الداعية أن يفعل كما فعل النبي ﷺ فقد تكلم عن التوحيد في جل أحاديثه ومجالسه، لكنه أعطى المسائل حجمها حتى لا يصاب الناس بإحباط.

 لكن المشكلة أن تصف للمدعو المسالة السهلة فتكبرها عندها، وتصغر له المسألة الكبرى.

فأحيانًا يهون بعض الناس من السحر. واستخدامه، ويقول هو ذنب مع العلم بأنه عند الكثير من أهل العلم «مخرج عن الملة». وحده ضرب الساحر بالسيف.

وأحيانًا يقلل بعض الدعاة من شأن الحداثة أو الهجوم على الإسلام في بعض الصحف والمجلات، ويقول هذا لا يؤثر. 

١٤ -اللين في الخطاب والشفقة في النصح وطلب المشورة

على الداعية أن يكون لينًا في الخطاب، فقد كان كلام الرسول ﷺ لينًا، ووجهه بشوشًا، كما كان ﷺ، متواضعًا، محببًا إلى الكبير والصغير يقف مع العجوز والفقير ويقضي حاجتهما، ويأخذ الطفل ويحمله، ويذهب إلى المريض ويعوده ويتحمل جفاء الأعرابي، ويرحب بالضيف، وكان إذا صافح شخصًا لا يخلع يده من يده حتى يكون هو المنتهي، وإذا واقف شخصًا لا يعطيه ظهره حتى ينتهي، كما كان دائم البسمة في وجوه أصحابه ﷺ، ولا يقابل أحدًا بسوء.

 فإذا فعل الإنسان ذلك كان أحب إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة. 

قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سورة آل عمران: آية رقم  159).

وأرسل الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام إلى أطفي طاغية، فأوصاهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (سورة طه: آية رقم 44).

فالقول اللين سحر حلال، قيل لأحد أهل العلم: ما السحر الحلال؟

قال: «تبسمك في وجوه الرجال».

وقال أحدهم يصف الدعاة الأخيار من أمة محمد ﷺ «حنينون لينون، أيسار بني يسر، تقول لقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري». 

فأدعو إخواني الدعاة إلى لين الخطاب، والا يظهروا للناس التزمت ولا الغضب، ولا الفظاظة في الأقوال والأفعال، ولا يأخذوهم أخذ الجبابرة، فإنهم حكماء معلمون أتوا رحمة للناس قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: آية رقم 107).

فالرسول ﷺ الرحمة، وأتباعه رحمة، وتلاميذه رحمة والدعاة إلى منهج الله رحمة، وعلى الداعية كذلك أن يثني على أهل الخير وأن يشاور إخوانه فلا يستبد. يستبد برايه والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (سورة آل عمران: آية رقم 159)، ويقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الشورى: آية رقم 38). 

فيشاور طلابه، ويشاور إخوانه وأهل الخير ممن هم أكبر منه سنًا، ويشاور أهل الدين، ولا بأس بأن يعرض عليهم حتى المسائل الخاصة كي يثقوا به مخلصين له النصح، ويكونوا على قرب منه كما يشاور أهل الحي والجيران، فإن الرسول ﷺ حظي بحب الناس بسبب المشاورة، فكان يشاورهم حتى في المسائل العظيمة التي تلم بالأمة. كنزوله في يوم بدر، ومشاورته لأصحابه في الأسرى (٥) والغنائم، وغيرها من القضايا الكبرى.

فعلى الداعية أن يشاور المجتمع، وأن يطلب اراء الناس، وإذا وجد مجموعة منهم يقول: ما رأيكم في كذا وكذا. فإن رأي الاثنين أفضل من رأى الواحد، ورأي الثلاثة أفضل من رأي الاثنين قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (سورة آل عمران: آية رقم 159). 

الهوامش

(1) انظر الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني رقم (۲۲).

(2) مجموع الفتاوى ١٨/٦٥.

(3) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم ١٢٦ وهو صحيح، انظر الصحيحة للألباني ٢/٤٠٢.

 (4) زاد المعاد ٢/٤٧٥.

(5) انظر فتح الباري ۱۳/۳۳۹ باب رقم ۲۸.

الرابط المختصر :