; المجتمع التربوي: المجتمع (1526) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: المجتمع (1526)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 09-نوفمبر-2002

مشاهدات 63

نشر في العدد 1526

نشر في الصفحة 48

السبت 09-نوفمبر-2002

وقفة تربوية 

التفكير السلبي

هو كل تفكير لا يتماشى مع الضوابط الشرعية والعقلية والمنطقية، مما يؤدي بصاحبه للكثير من الأمراض العضوية والنفسية والعزلة عن المجتمع، وتفويت الكثير من الفرص التي كان من الممكن استغلالها للانطلاق والنجاح. 

والتفكير السلبي له أشكال عدة، منها ما يتعلق بالعقيدة، أو السلوك ومنها ما يظهر عند المعاملة.

ولقد ضرب لنا القرآن الكريم والسنة المطهرة أمثلة كثيرة على التفكير السلبي، وما حدث لصاحبه من خسارة في الدنيا والآخرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: التفكير السلبي لفرعون عندما كان يقول إنه هو الرب الأعلى، استنادًا لدلائل ضعيفة، وكذلك ما فعله النمرود مع سيدنا إبراهيم – عليه السلام – بتفكيره السلبي، عندما ظن أنه عندما يفرج عمن حكم عليه بالإعدام ويعدم البري، فقد أصبح إلها! ولم يتعب إبراهيم – عليه السلام – كثيرًا بنقض هذا التفكير عندما طلب منه أن يأتي بالشمس من المغرب، وكذلك ما ذكره القرآن عن قصة قارون وتفكيره السلبي، بأن الملك الذي بحوزته إنما هو نتاج ذكائه ودهائه وعلمه، وتخطيطه، فخسف الله به وبداره الأرض جزاًء لمثل هذا النوع من التفكير السلبي. 

كما حذر المولى سبحانه وتعالى المؤمنين من إقناع الشيطان لهم بالتفكير السلبي عندما يهمون بالصدقة، فيخوفهم الفقر: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ (البقرة: ٢٦٨) أي يخوفكم عند الإنفاق بالفقر. 

كما بين في أكثر من موضع التفكير السلبي للشيطان الذي اعترض على أمر السجود بأن المادة المخلوق منها وهي النار أفضل من الطين، ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: ۱۲).

أبو خلاد

الفريضة بـ ٧٠.. والنافلة بفريضة

رمضان شهر الرضوان.. والروح والريحان

  • الصيام.. القيام.. تفطير صائم.. السنن الرواتب.. قيام الليل.. ليلة القدر والاعتكاف قوة للأبدان وصفاء للأرواح وأبواب للجنة

  • عرف الصالحون قيمته.. فكانوا رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار

د. حمدي شلبي(*)                                 (*) أستاذ بجامعة الأزهر

شهر رمضان ليس كسائر الشهور، لما فيه من الخير الكثير والثواب العظيم، وقد أدرك سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين قيمة هذا الشهر فإذا هم فيه كما وصفهم القائل: «رهبان بالليل، فرسان بالنهار».

 قال عبد العزيز بن مروان – رحمه الله: «كان المسلمون يقولون عند حضور شهر رمضان: اللهم قد أظلنا شهر رمضان وحضر، فسلمه لنا وسلمنا له، وارزقنا صيامه وقيامه، وارزقنا فيه الخير والاجتهاد والنشاط وأعدنا فيه من الفتن». 

وقال معلى بن الفضل - رحمه الله -: «كان المسلمون يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم».

وقال يحيى بن أبي كثير – رحمه الله: «كان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلًا». 

لقد عاش أسلافنا الكرام رضي الله عنهم أحلى أيامهم مع الذكر والفكر والعمل الصالح فنالوا شهادة الرضوان من الرحمن جل جلاله، وأكرمهم بالروح والريحان. 

وإن مما يبعث المسلم الصادق على شحذ همته أن على ثواب العمل الصالح على سبيل التفصيل حتى يلحق بركب الصالحين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

ثواب الصيام

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله ﷺ: قال الله عز وجل: «كلُّ عَمَل ابن آدَم له إلا الصومَ، فإنه لي وأنا أجْزِي به».

وفي رواية أخرى عن مسلم في صحيحه: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه، من أجلي، للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: 

«إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، من دخل شوب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا» (رواه البخاري ومسلم وابن خزيمة في صحيحه). 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: 

«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، (رواه البخاري ومسلم). 

القيام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة ثم يقول: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري ومسلم).

وفي رواية أخرى عند النسائي في سننه: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». 

وفي حديث للنبي ﷺ «... قد أظلكم شهر كريم مبارك من فعل فيه خصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه»، أو كما قال له ﷺ. 

تعجيل الفطر

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (رواه البخاري ومسلم).

ثواب من فطر صائمًا

عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، «عن النبي الله قال: من فطر صائمًا كان أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا» (رواه الترمذي في سننه وصححه وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان).

وعن أم عمارة الأنصارية رضي الله عنها: أن النبي ﷺ دخل عليها، فقدمت إليه طعامًا فقال: «كلي» فقالت إني صائمة، فقال رسول الله ﷺ «إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا»، وربما قال «حتى يشبعوا» (رواه الترمذي في سننه وحسنه، وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان). 

السحور

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «تسحروا فإن في السحور بركة» (رواه البخاري ومسلم). 

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «السحور كله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحرين» (رواه أحمد بإسناد صحيح). 

ثواب إحياء ليلة القدر

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري ومسلم. 

ثواب الاعتكاف

عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «من مشى في حاجة أخيه كان خيرًا له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله عز وجل جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق، كل خندق ابعد ما بين الخافقين» (رواه الطبراني بإسناد جيد، والحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال: صحيح الإسناد، وانظر كتاب مجمع الزوائد للهيثمي8/192)

ثواب العمرة

عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة، أو حجة معي» (رواه البخاري ومسلم).

ثواب قراءة القرآن وتعليمه للناس 

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعيد. يقول الصيام: أي رب، إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان» (رواه أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير، والحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال: صحيح على شرط مسلم). 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه اناء الليل وأطراف النهار فسمعه جار له فقال: يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل» (رواه البخاري في صحيحه). 

وروي الترمذي في سننه بسند حسن عن - أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ.

 «يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين». 

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله: أوصني، قال: عليك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله قلت يا رسول الله زدني، قال: عليك بتلاوة القرآن، فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء» (رواه ابن حيان في صحيحه).

وفي رواية أخرى عن ابن ماجه في سننه بإستاد حسن «يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم أية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مئة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابًا من العلم عمل به أو لم يعمل به خير لك من أن تصلي ألف ركعة».

ثواب السنن الرواتب

عن أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد مسلم يصلي الله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بني الله له بيتًا في الجنة، أو إلا بني له بيت في الجنة» «رواه مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه». 

وفي رواية أخرى عن الترمذي بزيادة: 

«اربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الغداة (الصبح)».

وإذا كان المؤمن يحرص على هذه الرواتب في غير رمضان، فإنه حري به أن يكون اشد حرصًا عليها في هذا الشهر، فالنافلة فيه بسبعين، والقلب أشد إقبالًا على الله، والنفس أكثر صفاء، والهمة أعلى رغبة في: نيل ثواب الطاعات والقربات. 

ثواب قيام الليل واغتنام ساعة الإجابة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (رواه مسلم في صحيحه).

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في الليل الساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة» (رواه مسلم في صحيحه). 

وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه سمعت رسول الله ﷺ يقول: 

«أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نیام تدخلوا الجنة بسلام» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).

وفي رمضان يحس المسلم بلذة القيام بين يدي الله رب العالمين، ويستشعر حلاوة المناجاة، وتزداد الرغبة في التوبة والإنابة، فيخشع القلب، وتدمع العين، وتصفو النفس، وتتفتح أبواب الرحمة والمغفرة.

 وصلاة الليل خالية من الرياء، ووالله إن لها الحلاوة حلاوة الإيمان ولذة المناجاة، وهي تكفير السيئات ومطردة للداء عن الجسد، كيف لا وهي شعار الصالحين الصادقين الذين أحبهم الله عز وجل فأذن لهم بذكره وشكره.

وها هو سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه يسأل النبي ﷺ: «يا رسول الله: أخبرني يعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: لقد سالت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل» ثم تلا ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (السجدة: 16،17) (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه في سننه وقال: حديث حسن صحيح).

وهكذا... فإن المسلم يتقلب في شهر رمضان في أنواع شتى من الطاعات وصنوف عدة من العبادات.. وكلها وسائل لقوة الأبدان وسمو الأرواح.

الصوم.. مدرسة الأخلاق

  • رمضان.. ميدان يتسابق فيه المؤمنون لإرضاء الله والفوز بجنته

السيد علي إسماعيل

وعاد رمضان ليحمل أرواحنا وأفئدتنا إلى عنان السماء، نتطلع عبر أيامه ولياليه إلى معالي الأخلاق وكريم الصفات.

ألا ليت كل ايامنا رمضان.. الذي تهفو إليه الأفئدة والأرواح، حيث تصفو النفوس وتتطلع إلى الكمال.. يفطر الصائمون.. يتزاور الأحباب.. يتصدق المتصدقون.. يعتمر المعتمرون.. يقيم الليل القائمون.. يتوادون ويتحابون.. ويدعون ربهم بأن يتقبل منهم أعمالهم.. وتتضاعف الحسنات.. كل الحسنات.. ويبقى الصوم وحده لله عز وجل.. يكافئ الصائمين بما شاء سبحانه، قال تعالى في حديث قدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» (متفق عليه).

وإذا كان الناس في رمضان يتطلعون إلى كريم الأخلاق ومعالي الصفات.. فأولى بهم أن تكون تلك طبيعتهم في أدق تفاصيل حياتهم اليومية.

ولقد جاء الإسلام ليهذب الاخلاق التي هي جوهر الإسلام وحقيقته، وصدق المصطفى ﷺ حين قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. فكل العبادات في الإسلام تهدف إلى غاية واحدة الا وهي إثراء قيمة الخلق في نفوس العباد، ولهذا جاءت أحاديث نبوية متعددة في هذا الجانب، منها قوله ﷺ: «إن من خياركم أحسنكم خلقًا» (متفق عليه). 

وعندما سئل ﷺ عن أحب عباد الله إلى الله تعالى، قال: «أحسنهم خلقًا»، وقال له: «إن المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (رواه أبوداود).

وجاءت هذه الأحاديث وغيرها لتؤسس الأخلاق الإسلامية، وترسي قواعد المجتمع المسلم الذي هذب النفوس ودربها على التسامح والصفح والحلم، وغير ذلك من المعالجات المتأنية للعديد من الأمراض التي تؤثر سلبًا على نقاء المجتمع المسلم وصفاته وعندما حث النبي ﷺ على هذه الأخلاق، أعطى المجتمع الإسلامي صورة حية وواقعية تمثلت في اخلاقه ﷺ حتى قبل دعوته للإسلام.. فكان القدوة الحسنة.. والقرآن الذي يمشي بين الناس.. والسراج المنير، وهو يؤصل بين أصحابه هذه الأخلاق السامية والآداب الرفيعة، فكان ﷺ سمحًا كريمًا وشجاعًا صامدًا صبورًا، وعادلًا لا يظلم أبدًا، صدوقًا أمينًا طوال حياته.. قبل الدعوة وبعدها.

ومن أوضح الأخلاق وأكثرها ارتباطًا بالصيام خلق الأمانة.

فبينهما علاقة وطيدة تخرج عن المعنى الضيق الذي يفهمه الناس من أنها مقصورة فقط في رد الودائع، بل إن معناها أشمل من ذلك بكثير، وهذا ما سنوضحه في السطور التالية:

فلقد أخرج الخرائطي - بإسناد حسن – في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته» وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لما تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٥٨)، وضع يده على سمعه ويصره، فقال: «السمع أمانة، والبصر أمانة» ...

فمن أمانة الصائم أن يغض بصره عن النظر إلى كل ما يذم ويكره، وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله.. ومن أمانة الصائم أن يحفظ لسانه عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء، ومنها كذلك إلزام لسانه السكوت وشغله بذكر الله وتلاوة القرآن، وهذا هو صوم اللسان.

وقد روى أبو هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله أنه قال: «إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، وإن أمرؤ قاتلة أو شاتمه فليقل إني صائم.. إني صائم»، كما أنه من الأمانة أن يكف الصائم سمعه عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن «كل ما حرم قوله حرام الإصغاء إليه»، وكذلك كف بقية الجوارح عن الآثام، كما ينبغي أن يكون قلب الصائم – بعد الإفطار – معلقًا مضطربًا.. ينتظر هل يقبل صومه أم لا؟ روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون، فقال: إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه لطاعته؟ فسبق قوم ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون (إحياء علوم الدين - الإمام أبو حامد الغزالي).. 

 

سلاح المؤمن

د. زكريا المصري

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث حق على الله الا يرد لهم دعوة الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع» (رواه البزار، الترغيب والترهيب ج ۲ ص ۸۹، كتاب الصوم رقم الحديث ٣٠).

والدعاء يتضمن معنى الخضوع لله تعالى، لأن الداعي يشعر بضعفه أمام خالقه فيلجأ إليه لطلب العون والمساعدة في تلبية حاجاته من جلب نفع أو دفع ضر، ولذلك قال فيه ﷺ: «الدعاء مخ العبادة»، أي خلاصتها وروحها، فهو سلاح للمؤمن إذا كان مستوفيًا لشرط الإجابة، وهو أن يكون طعامه وشرابه ولباسه وكسبه حلالًا، ولذلك قال لسعد بن معاذ «يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة» وأما الكسب الحرام فإنه يورد صاحبه النار، كما قال ﷺ «كل لحم ثبت من سحت فالنار أولى به». وقد ذكر النبي الرجل أشعث أغبر يطيل السفر أي في كسب الرزق، يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأني يستجاب له؟

ولا يخلو الداعي من تحصيل خير بدعائه، لأن الله تعالى يستجيب له على نحو ينفعه وإن لم يشعر بذلك، فقد يستجيب دعاءه على نحو ما دعا، وقد يستجيب له بأن يصرف عنه من السوء بمثل دعوته وقد يؤخر له ذلك إلى يوم القيامة ليثيبه عليه، كما أخبر النبي ﷺ بذلك، فلا ينبغي للمرء أن يتعجل في دعائه، فيقول: دعوت فلم يستجب لي. 

وينبغي أن يتخير الداعي أوقات الإجابة في دعائه، وأفضل هذه الأوقات والأحوال حين يكون المرء ساجدًا في صلاته، فقد قال الله تعالى ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (العلق:19) كما قال رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثر فيه من الدعاء فقمن - أي جدير - أن يستجاب لكم» وذلك لأن السجود قمة الخضوع لله تعالى فإن المرء يضع فيه جبهته على الأرض، وهي أشرف أجزاء البدن، فيكون بذلك قريبًا من الله تعالى.

 

تكبيرات الصلاة

إن الصلاة عماد الدين إن صلحت استقامت حياة المسلم، وإن فسدت انحرف وانجرف وبات على خطر عظيم، من أجل ذلك كانت مكانة الصلاة في الإسلام عالية، وعنايته بها بالغة؛ لأنها باب الخير كله، إن تحققت المحافظة عليها وأحسن أداؤها.

وبسبب ذلك، كان حرص الشيطان على إفساد صلاة المسلم، ليفسد – بالتالي – حياته كلها، وذلك هو الخسران المبين، وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: «إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته، فيلبس عليه حتى لا يدري كم صلى. فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم» (رواه الترمذي).

ولقد سأل عمرو بن العاص رضي الله عنه رسول الله ﷺ قائلًا: يا رسول الله.. حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي؟ فقال رسول الله ﷺ ذلك شيطان يقال له (خِنزب) فإن أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (أخرجه مسلم). 

وعن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل.. حتى ثوب للصلاة أدبر.. حتى إذا قضي التثويب أقبل.. حتى يخطر بين المرء ونفسه، ويقول اذكر كذا.. واذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، (رواه مالك والبخاري ومسلم).

من أجل ذلك تأتي أهمية تزويد المصلي بكل وسائل الوقاية وأدواتها من همزات ووسوسات الشيطان، حتى يبقى كيده ضعيفًا.

وتبقى تكبيرات الصلاة من أقوى وأفعل الأسباب في دفع الوساوس الشيطانية، ولجم حالات الشرود التي تنتاب المصلي. 

فالتكبيرات منبهات متعاقبة تواكب كل حركة من حركات الصلاة.. تبدأ بتكبيرة الاستفتاح، ثم تكبيرة الركوع، فتكبيرات السجود، ثم تتكرر في كل ركعة حتى نهاية الصلاة. 

فالتكبير لجوء إلى الله من كل وسواس واستقراء به على كل خناس به يتحقق الاستعلاء الإيماني على كل هبوط واستخذاء شيطاني يؤكد ذلك الخطاب القرآني القائل: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 200-201)، وصدق رسول الله ﷺ؛ حيث يقول: «الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ».

 إن من شأن التكبير، أن يشعر المسلم بعظمة الله تعالى، فيصغر في عينه كل شيء. وتتلاشى أمامه ومن تفكيره كل الشواغل والملهيات، فالله أكبر من كل كبير. وأعظم من كل عظيم، والله فوق كل شيء وقبل كل شيءوأهم من كل شيء. وبذلك تتحقق منعة المصلي وعصمته من كل الشواغل والمشاغل الدنيوية. 

قال رسول ﷺ: "إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا عليهما السلام بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فعدد الأولى والثانية والثالثة والرابعة ثم قال: وأما الخامسة فأمركم بِذكر الله كثيرا وَمثل ذلِك كَمثل رجل طلبه الْعَدو سرَاعًا فِي أَثَره حَتَّى أَتَى حصنا حصينا فأحرز نَفسه فِيهِ وَكَذَلِكَ العَبْد لَا ينجو من الشَّيْطَان إِلَّا بِذكر الله".

 كتاب الترغيب والترهيب للإمام الغزالي).

 

التضحية من أجل صلاة الفجر

جدير بمن يتكاسل عنها.. أن يعاقب نفسه على ما فاته من خير

عبد العظيم بدران

ما مدى استعدادك للتضحية من أجل صلاة الفجر؟!

كأنك ركزت فكرك على كلمة (التضحية) متأملًا!

ومتسائلًا بينك وبين نفسك: (تضحية)؟!

ألهذا الحد يحتاج الأمر إلى (تضحية)؟! 

أطمئنك يا صديقي أنها تضحية في مقدورك، وهي ميسرة وسهلة لمن يستعين بالله عز وجل وإنه ليسير على من يسر الله له. 

تعال معي لنرى حقيقة التضحية المطلوبة منك للفوز بدرة صلاة الفجر

استعدادك للتضحية

(ومن أتاني يمشي...) أعرف جيدًا أنك تحفظ هذا الحديث قال رسول الله ﷺ يقول الله - عز وجل: مَنْ جَاء بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا أَوْ أزْيَد، وَمَنْ جَاءَ بالسَيِّئَةِ فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أغْفِرُ. وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيني بِقُرَابِ الأرْض خَطِيئةً لا يُشْرِكُ بِي شَيئًا، لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغفِرَةً» (مسلم وأحمد وابن ماجه).

ما رأيك في هذا (العرض المغري)؟

أليست فرصة مفتوحة لا يضيعها إلا غافل؟ 

الحديث يقول: ومن تقرب شبرًا تقربت منه ذراعًا...

والآن أقول لك يا صديقي:

هيا لتتقرب إلى المولى عز وجل شبرًا.. هيا لنبذل جهدًا يسيرًا، تطيقه ونحتمله، في سبيل الحصول على الجائزة التي تنتظرنا، وهي تقرب الله عز وجل منا - بالعون والهداية والتوفيق – ذراعًا. فما طبيعة هذا التقرب الذي هو بمسافة شير؟ 

قليل من الجهد.. قليل من الاهتمام قليل من العمل.

فربما كان هذا الجهد في نومك على الأرض قبل الفجر بدلًا من نومك على السرير، فذلك أنشط لجسدك أن يهب للصلاة.

وربما كان في ترك السمر والمواعيد غير المجدية، ومشاهدة التلفاز، والانصراف مبكرًا إلى النوم حتى وإن هاجمتك الألسن وطاردتك الهواتف والاتصالات مرة بعد مرة، فتركها أفضل بكثير من ضياع صلاة الفجر.

وربما كان في إلحاحك على زوجتك أو والدك أو والدتك أو أخيك أو جارك أو صديقك أو مؤذن المسجد أو أحد المصلين في الا يدعك ولا يمل منك

حتى تنتظم في صلاة الفجر.

وربما كان في ركعتين بنية قضاء الحاجة قبل أن تنام، تلح فيهما على الله تعالى أن يرزقك صلاة الفجر بالمسجد في جماعة، وأن يجعلك مقيم الصلاة.

وربما كان في الاهتمام والاغتمام طوال اليوم إذا فاتتك صلاة الفجر مرة. 

وربما كان في إثارة الموضوع للنقاش بينك وبين العديد من أصدقائك وإخوانك وزملائك ومعارفك. 

وربما كان في البحث بطريقة أو بأخرى عن الوسيلة المناسبة لك حتى تحصل على هذه الدرة الغالية.

«جد تجد، ليس من سهر كمن رقد.. تالله لو صحت أجسامكم ومرضت قلوبكم لكنتم أهون على الله من الجعلان» «من محاضرة اقصد البحر وخل القنوات، لفضيلة الشيخ علي عبد الخالق القرني».

ركعتا الفجر.. كم بيتًا في الجنة بني لك؟

اقرأ معي هذا الحديث عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ. قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ».

قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ. 

وقَالَ عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة

وقال عمرو بن أوس: مَا تَرَكْتُهُنَّ منذ سمعتُهنَّ من عنبسة 

وقَالَ النَّعْمَانُ بنُ سَالِمٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ من عمرو بن أوس ترى كم بيتًا في الجنة بني لك، وكم فرصة ضيعت بسبب عدم التفكير في هذا العرض المغري أيضًا.

 إن إنسانًا تفوته ركعتا الفجر – النافلة – ثم يحزن لأجل أنه ربما يتكاسل عن بعض النوافل الأخرى التي يستحق بها بناء بيت له في الجنة.. هذا الإنسان جدير بأن يعاقب نفسه في اليوم التالي عقابًا لها، على ما فاته من خير، وكي لا تضيع فرصة كهذه مرة أخرى. 

الجنة وما أدراك ما الجنة ريحانة تهتز وقصر مشيد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة.. ظل محدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة.. قصور وأنهار.. أشجار وثمار.. سعادة لا تنقضي لذة لا تنقطع راحة أبدية لا سأم ولا إثم.. روح وريحان.. نخل ورمان.. رؤية الرحمن.. طمأنينة ورضوان.. صحبة الأنبياء والمرسلين والصحابة والأخيار.. اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من غير سابقة عذاب أو مناقشة حساب يا أكرم الأكرمين.

واللهُ وليُّ توفيقي وتوفيقك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 180

136

الاثنين 17-ديسمبر-1973

يوميات الحج