; المجتمع التربوي: المجتمع (1614) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: المجتمع (1614)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 20-أغسطس-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1614

نشر في الصفحة 54

الجمعة 20-أغسطس-2004

مفاهيم إسلامية

الحرص على دوام الأخوة

• إذا كنا نريد حقًا الوصول إلى الحق فعلينا ترك عبادة الذات وطرح الأحقاد التي تفسد كل شيء، وترك الأضغان التي لا تهلك إلا أصحابها.

•  تتخفين وراء شهوة الجدل والانتصار إلى ادعاء أن المخالف قد خرج من الملة وأفضى إلى الردة مهما يكن الأمر المختلف عليه.

• الخلاف موجود في كل المجتمعات، ولكن لا بد أن يحاط بأدب الاختلاف الذي التزمه جيل الصحابة والتابعين.

الشيخ محمد عبد الله الخطيب-

 من علماء الأزهر الشريف.

إن للمسلمين الصادقين صفات وسجايا تعلموها في مدرسة القرآن الكريم وسنة الرسول العظيم -صلى الله عليه وسلم- حتى عرفوا بها وعرفت بهم، وكانت حياتهم وعلاقاتهم مثالًا يحتذى، فاختفى من مجالسهم ونواديهم ما غلب على كل ناد، مما يثير الخلاف أو يوجب الجدال، فانصرفت همتهم إلى العمل بالله لله.

هذه هي مفاهيمهم التي يلتقون عليه فيجب على الأخ المسلم، حين يختلف في الرأس مع أخيه، أن يتذكر أن لقاءهما لهدف لا يصد التخلي عنه، وهو إقامة منهج الله في الأرض وأنه محدود بحدود لا يصح مجاوزتها، وهي رابطة القلوب واجتماع الكلمة، فإذا استقر هذا في نفسك ناقشت بقدر، وخالف بحساب، ووقفت من دراسة الأمر مع أخيك عند القدر الذي يمسك مكانته في قلبك ومكانتك في قلبه.

ومن الواجب أن تستحضر دائمًا ما أنذر به القرآن، وما حذرت منه السنة، قال -تعالى-: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓاْ (سورة الأنفال: ٤٦)، «ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» الحديث.

الاجتماع على الأصول: كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويعمل بمقتضاها يلتقي معك في ظل التوحيد، وتجمعه وإياك رابطة الإسلام، وتعصم دمه وماله وعرضه حرمة الأخوة في الله، فوطن نفسك على أن يكون هذا في حسك، ولا تتخفين وراء شهوة الجدل والانتصار إلى ادعاء أن المخالف قد خرج من الملة وأفضى إلى الردة مهما يكن الأمر المختلف عليه.

 إحسان الظن بالمخالف: وتذكر أدب الإمام الشافعي إذ يقول ما جادلت أحدًا إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه دوني، ومتى أحسنت الظن بالمخالف الذي تلتقي معه على الأصول، قربت منه نفسك، وقرب منك رأيه فاتبعته إن بدا لك في قوله الحق، وانصرفت عنه في الحالة الثانية وأنت تلتمس له العذر، وهذه أخلاق المسلم الحق الذي ينصر الحق بارتقائه فوق حب الانتصار والتغلب على الآخرين، فكن من هذا النوع الصادق الأمين.

ذم الجدال والمكابرة: لم يكن شيء أبغض إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الجدال والمكابرة حتى قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك الجدال وهو مخطئ، وببيت في ريضها وفي أعلاها لمن ترك الجدال وهو محق». وقد ربى الصحابة على ذم هذه الأشياء والنفور منها؛ لأن رائحتها تزكم الأنوف، وتمحق الأخوة بين المؤمنين.

 جواز تعدد الصواب: بمعنى أن يكون فريقا الخلاف كل على رأي وكل رأي منهما صواب، وقد استمد هذا التوجيه من هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم رفع إليه أمر خلاف الصحابة في تطبيق قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة» (سيرة ابن هشام)، أصاب من أخذ بحرفية الأمر فأصر على مواصلة السير حتى وصل إلى بني قريظة ولو لم يصل العصر إلا بعد الغروب.

     والذي أخذ بروح النص فاكتفى من تنفيذ الأمر بالإسراع في الخروج وآثر الصلاة لوقتها، فإذا الرسول -صلوات الله عليه- يزكي الرأيين، ويثني على الفريقين.

 الرثاء للضال لا الشماتة فيه: وهذه الخصلة من الصفات المهمة لمن يسير في حقل الدعوة إلى الله، ويتعامل مع الناس ويصبر عليهم، ذلك أن المخالف في بعض المسائل يكون -أحيانًا- واضح الهوى، بحيث تجد نفسك في حل من أن ترميه بالضلال، ولكن أدب المسلم مع هذا الصنف يقتضيك أن تشعر نحوه بالرحمة والرثاء، وهو أولى من الشماتة والتشهير، ويعطى الفرصة لعله يعود إلى الصواب، وكان عمر دائمًا يردد: لا تعينوا الشيطان على أخيكم، ولكن أعينوه على شيطانه، هذه بعض الملامح التي لها أثر طيب في حياة المجتمع المسلم من الشعور بالأخوة، والبعد عن مظاهر التعصب.

وكل من صحب القرآن وتأمل عصر الصحابة تأكد له أن وحدة المسلمين الأساس الذي لا يضحى منه بمثقال الذرة في سبيل أي هدف آخر، ونشير فيما يلي إلى خلق كريم هو أدب الخلاف.

أدب الخلاف: حدثنا التاريخ أن الحسن والحسين -رضي الله عنهما- شاهدا في صباهما شيخًا لا يحسن الوضوء، ومنعهما الحياء أن ينكرا عليه، فزعما له أن بينهما خلافا، أيهما أحسن وضوءًا من الآخر، وأنهما ارتضياه حكمًا، فتوضأ كل منهما أمامه فلم يلبث الرجل أن أدرك أن وضوءهما حسن، وأنه هو الذي لا يحسن الوضوء، ثم قام فتوضأ.

وكل مسلم يخرج من حظ نفسه مكلف أن سلك هذا الطريق.

 وأنت يا أخي إذا وجدت من نفسك سعة للإنكار بمثل هذا الأسلوب فما أجمله، فإن عز عليك فكلمة طيبة ونصيحة رقيقة جديرة بأن الهدى إلى الحق وترد إلى المعروف، وقال بعضهم والاختلاف في حد ذاته ليس انتقاصًا للمجتمعات، أو أنه سبب في تراجعها، بل على العكس، كلما زاد الاختلاف اكتسب المجتمع قوة، بشرط أن تتوافر الأجواء المطلوبة، وألا تطفى هذه الاختلافات ليتحول المجتمع إلى فوضى أو ينحرف عن مساره، إنما يجب أن نستفيد من هذا الاختلاف، كما استفاد منه المسلمون الأوائل الذين تركوا لنا بعده حضارة راقية وعلمًا فريدًا.

 والخلاف موجود في كل المجتمعات، ولكن لا بد أن يحاط بأدب الاختلاف الذي التزمه جيل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأجيال الصالحة.

 ما أجمل خلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع معارضيه: فهذا عتبة ترسله قريش مفاوضًا، وعارضًا على الرسول المال والسيادة والعلاج إن کان به مرض أو مس من الجن، وهو يصغي ليه دون مقاطعة، حتى إذا ما انتهى من كلامه الذي يعرف الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه كلام باطل سخيف، ولكنه أدب الاختلاف الذي التزمه يسمع للرأي الآخر دون مقاطعة، قال له يا أبا الوليد أفرغت من كلامك، فقال: نعم، قال: إذن، اسمع ما أقول، وأخذ يرتل عليه آيات من القرآن، حتى رجع إلى قومه بغير الوجه الذي ذهب به (سيرة ابن هشام).

 نحتاج نحن في هذا الزمان وفي كل زمان ومكان أن نرتقي إلى أدب النبوة الذي أصل قواعده في هذا الدين العظيم، إذا كنا نريد حقًا الوصول إلى الحق، فعلينا ترك عبادة الذات وطرح الأحقاد التي تفسد كل شيء، وترك الأضغان التي لا تهلك إلا أصحابها، وهذه الأمراض من أخطر الأمراض على المجتمع والفرد.

 وما أجمل أدب الخلاف عند أسلافنا وهو الذي يجب أن نتأسى به، وأن نتخلق به في الرضا والغضب، إن كنا حقًا ندعو إلى الله أو نرجو الخير للناس.

 فهذا هو الشافعي يقول عن مالك: مالك بن أنس معلمي، وعنه أخذت العلم، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم.

     وهذا هو مالك يقول في أبي حنيفة: لو جاء إلى أساطينكم؛ أي أعمدة البيوت، فقايسكم على أنها خشب لظننتم أنها خشب.

 وهذا هو الإمام أحمد يقول لابنه الشافعي رحمه الله، كالشمس لدينا، وكالعافية للناس، فانظر لهذين من خلف أو عوض.

وهذا هو أبو حنيفة يقول عن مالك: ما رأيت أسرع منه بجواب صادق ونقد تام.

 ثم جاء زماننا هذا لتحمر الوجوه. وتنتفخ الأوداج، وتتعالى الأصوات، ويزداد التجريح والتكذيب، ويسيطر جو المماراة والجدل العقيم، والانتصار للنفس دون الانتصار للحق عند كل خلاف، فهل هذا هو أدب الخلاف الذي انتهجه (المسلمون الأوائل)؟ وهل هو الطريق للوصول للوحدة التي نريدها؟

 نسأل الله أن يجمع القلوب المتشتتة، وتتلاشى سحب الأحقاد والضغائن، وتتألف الأنفس على طاعة الله واتباع رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

أم المؤمنين خديجة. -رضي الله عنها-: «السيدة الأولى في المجتمع الإسلامي».

محمد مصطفى ناصيف.

السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية الأسدية، هي الأم الأولى للمسلمين من أكرم عقائل قريش وأرفع بيوتاتها، كان لقبها في الجاهلية «الطاهرة».

 أول المسلمين برسول الله، تزوجت من أبي هالة بن زرارة التميمي، واقترنت بعده بعتيق بن عائد المخزومي، استعانت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأرسلت برفقته ميسرة، الذي أسرع يخبرها عن محمد -صلى الله عليه وسلم- وما حققه فبعثت إليه تعرض عليه الزواج منها، ولها أربعون عامًا، وكان -صلى الله عليه وسلم- في سن الخامسة والعشرين، وأقامت معه خمسًا وعشرين سنة، أنجبت له أولاده، وهم: القاسم، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، أما إبراهيم فكان من السيدة مارية القبطية، وجميعهم توفوا قبله سوى فاطمة فقد ارتحلت إلى جوار ربها بعده بستة أشهر.

      وارتحلت أم المؤمنين خديجة إلى الرفيق الأعلى في رمضان من السنة العاشرة من النبوة، وهي في الخامسة والستين من عمرها، ودفنت بالحجون، ونزل النبي الكريم في حفرتها.

      لم تجد البشرية زوجين أسعد بيتًا، ولا أصدق وفاء من محمد رسول الله -صلى الله عليه سلم- وزوجته خديجة الكبرى -رضي الله عنها- أم المؤمنين الأولى، قال عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني أولادها، وكان لا يكاد يخرج من بيته حتى يذكر خديجة -رضي الله عنها- فيحسن الثناء عليها.

      وقد حزن عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حزنًا شديدًا، ولم ينس لها وفاءها وإخلاصها طول حياته، حتى صويحباتها، أليس في هذه السيدة الفاضلة من خلق وفضائل ما هو قدوة وأسوة واهتداء لبناتنا، -رضي الله عنها- وأرضاها؟

 

العمل الدعوي العام، المنهج والضوابط (٤ من ٥)

دور الدعاة والأدباء والمصلحين. 

•  فعل الخير والاهتمام بالوسائل الدعوية ركائز مهمة يقوم عليها العمل العام.

د. حمدي شعيب.

hamdy_shoaib@hotmail.com

تناولنا في الأعداد السابقة ستا من ركائز العمل الدعوي العام، وتتناول في هذا العدد ثلاث ركائز أخرى مهمة، هي:

•  الركيزة السابعة: فعل الخير، وهي ركيزة تفتح الأبواب الموصدة أمام الفكرة، وذلك من خلال فتح القلوب، ومعالجة النفوس التي تحب فعل الخير إليها، فهي تقوم على فقه (استعباد) قلوب الناس على حد قول القائل: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الإنسان إحسان

وتلك ركيزة يستشعرها أبناء التيار الإسلامي من باب مسؤوليته، وتمثيله لتيار جاء ليحمل الخير للبشرية التعيسة الرافضة الجامعة، ومن باب تلك العاطفة الجياشة التي يحملها دعاة التيار الديني دومًا في كل عصر وفي كل موقف، حتى لمخالفيهم، ذلك التيار الذي يحمل شعارًا، وأمرًا ربانيًا، لبث الخير أينما حل: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (سورة الحج: 77)، وهذا التيار هو طليعة أمة اكتسبت خيريتها من الخروج إلى الناس، كل الناس لتقودهم إلى خيري الدنيا والآخرة: أمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، منطلقة من قاعدتها أمة الإيمانية، ولتكون شهيدة عليهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (سورة آل عمران: ۱۱۰).

     وصفة حب الخير اكتسبها وتربى عليها كل من أقر بأن قائده وزعيمه -صلى الله عليه وسلم- الذي وصفه الحق -سبحانه- بأنه:﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (سورة التوبة: 128).

      وتدبر ما ورد في قصة صاحب الجنتين: عندما نتأمل الرجل المؤمن في حواره، وعرض أفكاره، ونقف عند نقطة مهمة جاءت على لسانه، والحوار في مرحلة ساخنة: وهي نصيحته المشفقة: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (سورة الكهف: 39). لقد أرشد الرجل المؤمن صاحبه الكافر، وهو يحاوره إلى التصرف اللائق الصحيح الذي يشكر فيه ربه، ويعمل دور الدعاة والأدباء والمصلحين على دوام نعمة الله عليه، وطالبه بأن يلجأ إلى الله، وأن يعلق الأمر على مشيئته، ويجعله مرهونًا بقدرته، وأن يستمد قوته من قوة الله سبحانه (۱).

      وتأمل هذا السلوك الفريد، وكيف أن الرجل المؤمن قد راعى حق الصحبة ولو مع الكافر، ولم يشعر بالصغار أمام ملكه الواسع، بل أعلن لصاحبه في اعتزاز وإيمان، تلك النصيحة الراقية الخالصة المخلصة، في كيفية الشكر، وكيفية حفظ نعم الله؟ وتذكر فقط مغزى تلك النصيحة المشفقة التي جاءت في سياق الآيات التي تلاها أمام عتبة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاْحِدٌ فَاسْتَقِيْمُوْا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوْه. (فصلت: 1).

لقد أعلن -صلى الله عليه وسلم- أنه منهم، ولكن الفرق أو تميزه عنهم هو أنه رائد أهله: رائد يحمل رسالة ربانية تدعوهم إلى توحيده سبحانه، ثم تأخذ بيدهم إلى الاستقامة والهداية. لذا فإننا لا نستغرب سلوك الرجل المؤمن مع صاحبه.

       وكذلك نتذكر ما ورد في قصة الغلام والراهب (۲). وكيف أنه بعد أن استقر الإيمان في قلبه بدأ بالاختلاط والخروج إلى الناس، وقدم إليهم الخير والخدمات الجليلة، وفي هذا رد على الذين يزعمون أن فعل الخير لا يجدي في الدعوة إلى الله، وأن على المسلمين إقامة الحكم الإسلامي، أما شغل النفس بإطعام الجائع وكسوة العاري وبناء المساجد والمستشفيات، فإنه مضيعة للوقت، وهذا الحديث يرد عليهم، فقد أجرى الله على يد الغلام إبراء الأكمة وشفاء الأبرص، وغيرها من الأمراض؛ مما جعل الناس يتعلقون به ويقبلون على دعوته (۳).

 وكذلك لا تعجب لسلوك رواد التيار الديني المعاصر مع قومهم، خاصة مخالفيهم، وذلك لأنهم يستمدون فكرتهم وعاطفتهم من معين واحد، ومن منطلق واحد، ويكفينا في هذا المقام، أن نورد مجرد عينة من خطابهم، حيث يقولون في أدبياتهم: 

«ونحب كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم، إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا، وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا» (٤).

•  الركيزة الثامنة: الاهتمام بدور الأدب،

 وهو الجناح المهم من أجنحة الآلة الإعلامية، التي تهدف إلى مخاطبة العقل الباطن للأمم، دون ضجيج، فتتشكل به العقليات على المديين القريب والبعيد.

      وهنالك قاعدة أبدية مطردة، وسنة اجتماعية ثابتة وهي أن:

 أدبيات كل عصر ما هي إلا مرآة صادقة للحقبة الزمانية والمكانية التي تصدر عنها.

 ومن هنا يبرز دور الأدب، ويبدو أهمية المحافظة على قيمته الأخلاقية، والثقافية كعنوان للمرحلة التي تعيشها الأمة. 

بل إن دوره يتعدى ذلك ليصبح عاملًا خطيرًا في عملية التغيير الحضاري، وتأمل ما سطره شهيد اليمن القاضي الشاعر محمد محمود الزبيري: «كنت أحس إحساسًا أسطوريًا بأني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان» (٥).

      ولو تصفحت ملفات الأدب المصري وبالتالي تابعه الأمين الأدب العربي عمومًا، في حقبة الستينيات من هذا القرن، وهي مرحلة عنفوان الحقبة الناصرية لوجدت على صفحة مرآته تبدو صورة سافرة لتقديس الزعامة، وصورة تمجيد الاشتراكية والشيوعية.

 والآن ومنذ نهاية التسعينيات تبدو صورة الصراع بين الفكرة الإسلامية، وحامليها من أبناء التيار الإسلامي من جهة، ومحاولات تجفيف منابعها بقيادة المستظلمين، أو ما يسمونهم بالمستنيرين كجناح أدبي وإعلامي من أجنحة الهجمة العلمانية الشرسة من جهة أخرى، حيث تبدو هذه الصورة مترجمة بمرآة الأدبيات التي تشهد على عصر هذه الحقبة المصرية العصيبة، فلا يكاد يمر يوم إلا ونشهد جولات متجددة للصراع المستميت من قبل رموز التيار الإسلامي لكشف الكتابات الإلحادية، والأفكار الشاذة لدعاة التغريب والعلمنة كقضية نصر أبو زيد وحسن حنفي، وإخوانهما الذين يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون.

 ونحن نتجاوز تلك القاعدة المهمة إلى قاعدة أخرى مرتبطة بها، وهي أن:

 الأدبيات تعتبر أيضًا خير شاهد على عصر الفكرة التي تدور في عقل صاحبها، والمرحلة الفكرية والثقافية، بل والتربوية التي يمر بها.

      ومن هنا يأتي دور الدعاة والمصلحين وكل القائمين على عملية التغيير الحضاري للأمة بالاهتمام بهذا الجانب، ومحاولة تشجيع أصحابه؛ لأن المشروع الحضاري مشروع مؤسسي متكامل وشامل؛ أي ذو أجنحة من أهمها جناح الأدبيات كواجهة إعلامية له.

      وكذلك هو مشروع جهادي، وإذا كان الجهاد مراتب أربعة هي مرتبة جهاد النفس، وهي تكون بالعلم، والعمل بهذا العلم والدعوة إليه، ثم الصبر على جهاد الدعوة، وذلك كما توضحه (سورة العصر). ومرتبة جهاد الشيطان، وذلك بسلاح اليقين ضد شبهاته، وبسلاح الصبر ضد شهواته، كما توضحه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (سورة السجدة: 24)، ومرتبة جهاد الكفار بالسيف والسنان، أو ما يقوم بعملهما، ثم مرتبة جهاد المنافقين بالكلمة واللسان (٦).

      وإذا كان لكل عصر طغاته، وإذا كان كذلك لكل مرحلة دعوية أعداؤها، وبالتالي كان لكل عصر جهاده وأسلحته المكافئة؛ لذا فإن في هذا العصر الذي كثر فيه السحرة وغاب عنه عصا موسى -كما يقول الشيخ الغزالي رحمه الله- فإن من أبرز أنواع الجهاد المكافئ والمناسب له جهاد الكلمة، وهو المقدم في مرحلة يطفو على سطحها زبد المنافقين.

       فالفكر لا يجابهه إلا الفكر، ومن باب أن الهجوم خير وسيلة للدفاع فالنصر دومًا يأتي لأصحاب المبادرة الذين يدخلون على عدوهم الباب، ولقد قص علينا ربنا أن التيه كان عاقبة قوم فرطوا في مهمتهم، ونكصوا عن الهجوم عندما أمرهما رجلان من صالحيهم، بقولهما ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ (سورة المائدة: ٢٣)، ولا نقول إنه هو السلاح الوحيد، بل هو أحد أجنحة ومراتب الجهاد الواجب عدم التفريط فيها.

     ولا ننسى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يجاهد الكفار بالسلاح في ميدان المعركة، وفي نفس الوقت كان لا يهمل سلاح الكلمة في ميدان الفكر، وكان -صلى الله عليه وسلم- دائم التشجيع للقائمين على المؤسسة الإعلامية أو الأدبية، مثل كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة رضوان الله عليهما، وكان يدفع أحد أبرز رموز الآلة الإعلامية الأدبية، وهو حسان بن ثابت رضوان الله عليه، ويأمره اهجهم وروح القدس يؤيدك.

وفي نفس الوقت كان من أبرز الستة الذين حكم عليهم بالإعدام غيابيًا، وأمر باستحلال دمهم، أولئك القائمون على الآلة الإعلامية الأدبية المعادية من شعراء المشركين، ومن أبرزهم تلك الحية الرقطاء التي كان شعرها كلسع النار على ظهر المؤمنين، وهي (عصماء بنت مروان) التي قتلها (عمير بن عدي بن  الخطمي)، وقد خلد الحبيب -صلى الله عليه وسلم-  فدائيته، فقال لأصحابه: «إذا أردتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي» (۷).

      ولو تأملنا كيف كان للأدب العالمي دوره الإنساني ومشاركته في عملية التغيير الحضاري، عندما يخاطب العقل الباطن للبشرية فيؤدي إلى تغيير النفوس، وهل هناك أروع من تحفة (شكسبير)، التي بلغت القمة في تصوير جشع يهود وهي (تاجر البندقية)؟

وكذلك نتذكر رائعة (جون شتاينيك) وهي (اللؤلؤة)، والتي أبرزت عمق الصراع الإنساني مع المال.

      وأيضًا قصة (مزرعة الحيوان) للكاتب العالمي (جورج أورويل)، وهي ترمز إلى التجربة الشيوعية في روسيا، وامتدت لتمثل كل تجارب الانقلابات العسكرية ذلك المسلسل الذي ابتليت به أمتنا من مشرقها إلى مغربها، ولم يزل؟ 

وحول دور الأدب كعامل تغييري حضاري يتجه إلى عقل الأمة الباطن، نجد أن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- يقول: «ما أحوج الناس إلى قاص صدوق» (۸) والحق سبحانه يوجهنا: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (سورة الأعراف: 176).

      من هنا نخلص إلى أهمية هذا الجناح أو المؤسسة الإعلامية، بما فيها الأدب والتي يجب تقدير رموزها، ولا بد من لمسة تشجيع لهؤلاء المجاهدين بقلمهم ولسانهم، فنقدرهم ونوجههم: أن أخلصوا، واكتبوا: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (سورة محمد: ٣٥).

•  الركيزة التاسعة مراعاة نوعية الوافدين:

 وهي الركيزة التي تهدف إلى أهمية حسن اختيار الشخصيات أو الرموز الدعوية المقبولة اجتماعيًا لدى الآخر.

 ونحن نعلم أن لكل ظرف أو مناسبة رجالها، وكذلك فإن الآخر يختلف حسب تباين المستوى والمكانة سواء اجتماعيًا، أو تعليميًا، أو ثقافيًا، أو ماديًا أيضًا.

 والرمز أو الشخص الذي يكون مقبولًا لدى رجل الشارع العادي، قد لا يكون كذلك للفئة النخبوية.

     لذا فإن حسن الاختيار من الأهمية بمكان، وتدبر أيضًا نوعية الرسل الذي كان يرسلهم الحبيب -صلى الله عليه وسلم- إلى القبائل والملوك.

الهوامش:

(1) مع قصص السابقين في القرآن: د صلاح الخالدي - طبعة دار القلم. دمشق 2/140. (۲) صحيح مسلم كتاب الزهد والرقائق. باب قصة أصحاب الأخدود 4/2299 ورقمه ۳۰۰۵، ورواه الترمذي في سننه في كتاب التفسير. تفسير سورة البروج ٤/437.

(3) صحيح القصص النبوي: د. عمر الأشقر. طبعة دار النفائس - الأردن ٣١٥.

(4) مجموعة الرسائل: رسالة دعوتنا - الإمام البنا ۱۳.

(5) ديوان ثورة الشعر الزبيري ١٠، نقلًا عن شعراء الدعوة الإسلامية الجدع وجرار 1/22.

(6) زاد المعاد: ابن القيم 3/9-۱۲ بتصرف. 

(7) إمتاع الأسماع المقريزي ۱/101-۱۰۲ نقلًا عن المنهج الحركي للسيرة النبوية منير الغضبان 2/354/346.

(8) تلبيس إبليس: ابن الجوزي ۱۲۰.

الرابط المختصر :