; المجتمع التربوي (1632) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1632)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2004

مشاهدات 55

نشر في العدد 1632

نشر في الصفحة 52

السبت 25-ديسمبر-2004

د. حمدي شعيب

hamdy Shaib@ botmail.com

فقه الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية

ظاهرة سلطة الفكر... وفكر السلطة (٢)

 هناك قناعة بأن سلوك أي فرد أو جماعة أو أمة من الأمم ما هو إلا ترجمة لما يحملونه من أفكار، وأن السلوك يرقى أو ينحط تبعًا لنوعية الأفكار المحركة.

والأفكار بدورها لا ترقى ولا تسمو إلا من خلال بيئة أو مناخ صحي، والمناخ الصحي لا يكون صحيًا، إلا من خلال وجود سلطة صحية، لذا فإنه يتبين لنا أهمية الأفكار وأهمية أن يكون لها اليد العليا في توجيه السلوك

ويتبين لنا كذلك أهمية سمو ورقي تلك الأفكار، إذا أردنا سلوكًا فرديًا وجماعيًا راقيًا.

ودومًا هناك تدافع وصراع بين السلطة والأفكار، من أجل أيهما يحكم، وأيهما له اليد العليا.

عندما يكون فكر السلطة هو الحاكم وهو المهيمن، يختزل المجموع في شخص السلطة المتحكمة، ويصبح المحكومون مجرد قطيع غنائي يقاد بسوط فكر السلطة.

ولكن عندما تكون السلطة أو الهيمنة للأفكار، أي يصبح للفكر سلطة على الحاكم والمحكوم، يصبح كل فرد سواء في قاعدة الهرم الاجتماعي أو في قمته، له كيانه الخاص المستقل الحر.

وهذه الحرية المستقلة للفرد؛ لا تكفي الانضباط والتوافق، مع حركة المؤسسة أو حركة المجتمع ككيان واحد، أي أن حركة الفرد الحرة لا تخل بحركة المجموع أو المؤسسة.

ويعيش المجتمع في منظومة تهيمن عليها الفكرة، فتتمتع بالحرية والعدل، وتسير بتناغم وتوافق وتناسق بوسائل متكاملة شاملة، نحو غايتها الثابتة المعروفة للجميع.

هيمنة الفكرة.. والوصول إلى النضج:

وعندما تصل أي مؤسسة إلى تلك المرحلة من هيمنة سلطان الفكرة، وتتخلى عن هيمنة فكر السلطة، وتتحقق منظومة الحرية المنشودة داخلها، فإن ذلك يعني قمة النضج البشري.

 وكما نعرف أن مراحل تطور ونمو الطفل تمر خلال ثلاث مراحل:

 المرحلة الأولى: مرحلة الاهتمام بالشيء، أو مرحلة الارتباط والتمحور حول الأشياء.

 المرحلة الثانية: مرحلة الاهتمام بالشخص أو مرحلة الارتباط بالأشخاص.

المرحلة الثالثة: مرحلة الاهتمام بالفكرة (1).

 ولهذا تعتبر المرحلة الأخيرة قمة النضج البشري.

 فهي مرحلة العبور من مرحلة الإمعية والاتكالية على الغير، إلى مرحلة الاعتماد على الذات، مرحلة الاستقلالية، مرحلة الحرية، مرحلة القناعة بالفكرة ووسائلها وغايتها.

 فإذا كان مقياس نضج الفرد بلوغه المرحلة الأخيرة، فكذلك فإن مقياس نضج أي جماعة أو مؤسسة أو أمة ، كذلك هو وصولها إلى مرحلة الاهتمام بالأفكار، مرحلة الارتباط بالمبادئ أو التمحور حول قيم معينة.

 إنها العبور المنشود: عبور العقبة من هيمنة الشخص إلى هيمنة الفكرة.

ويبلغ كمال النضح بكمال قيمة تلك الأفكار ومدى رقيها، وترقى الأفكار وتسمو حتى تبلغ القمة في الكمال عندما تكون ربانية المصدر والوسيلة والغاية.

 الاجتهاد.. قمة الإبداع البشري

ومن باب آخر فإن الفرد يمر في تطوره الفكري عبر ثلاث مراحل:

 المرحلة الأولى: مرحلة التلقي، واستقبال المعلومات والأفكار، من أي مصدر.

المرحلة الثانية: مرحلة الاستيعاب، وربط الأفكار المتوافقة والمتباينة بعضها البعض.

 المرحلة الثالثة: مرحلة الإبداع والابتكار، وبروز حصيلة الأفكار (۲)

لهذا فإن الفرد يبلغ قمة تطوره إذا بلغ مرحلة الإبداع الفكري.

 وكذلك أي تجمع إنساني، سواء مؤسسة أو أمة، فإنه يقاس كمال نضجه بوصوله مرحلة التجديد والإبداع.

وبناء عليه فإن أي مؤسسة لا تبلغ مرحلة النضج حتى تنطلق من قيد التحجر القيمي والتكيف الفكري والجمود العقلي، وتطلق الحرية للابتكار والتجديد والإبداع داخلها.

ولما كان الاجتهاد يعتبر ابتكارًا وتجديدًا فكريًا، لذا فإننا نقر بأن الاجتهاد هو قمة الإبداع الفكري الإنساني.

النضج الإنساني

وبناءً على ما سبق فإن الفرد أو الجماعة أو الأمة، يبلغ كمال النضج عند اجتماع شرطين:

 الأول: أن تكون حركته في الحياة مدفوعة بقيم أو مبادئ أو أفكار سامية المصدر والوسيلة والغاية.

الثاني: أن تكون حركته هذه متميزة بالإبداع والتجديد والتطور والاجتهاد الدائم.

استبداد تربوي!:

فإذا كنا على دراية وبغض للاستبداد السياسي الذي هو أكثر ألوان الاستبداد ظهورًا وحنقًا للتعبير، وتحجيمًا للحرية، وحنقًا للأفكار، ولأنه من الأسباب الرئيسية والأساسية لتخلف أي أمة.

 فإن الخطورة أن تغفل لونًا آخر من الاستبداد: وهو  الاستبداد التربوي، الذي نغفل عنه من باب مشكلاتنا الداخلية، حتى  اتهمنا من غيرنا بسيطرة نظرية المؤامرة علي عقولنا، فكل مصائبنا من الآخر وليست منا، وتأخرنا سببه غيرنا، وذلك عكس ما قرره القرآن الكريم في محنة تعرضت لها الدعوة الإسلامية ألا وهي محنة أحد: فبين أن الخلل هو داخلي أولًا: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:165)

فالاستبداد التربوي، يتمثل فيما تمارسه كثير من المؤسسات التربوية من انتقائية مغلظة في المادة العلمية التي تقدم للمربين، تفضي إلى لون من الحجر يضرب على عقول الناشئة، فتحرم من حقها الطبيعي في الاطلاع على مختلف المعطيات المعرفية مع التوجيه السديد في ذلك، كما تمارس كثير من المؤسسات التربوية أيضًا منهج التلقين والحشو الذي تصادر فيه حرية التعليق وإبداء الرأي فيما يعرض في مادة التعليم، وبهذا الحجر في مادة التربية، وهذه المصادرة لحرية التعليق وإبداء الرأي تكونت أجيال  صفتها في الفكر خطئة ضيقة، توجهها في معالجة القضايا.. النظر من زاوية واحدة، وليس التعصب الذي يسود اليوم كثيرًا من الفئات الإسلامية إلا مظهرًا من مظاهر هذا الفكر الخطي أو ه ثماره المرة (٣).

نحو مناخ صحي:

لذا فإننا بعد أن حللنا ظاهرة سلطة الفكر وفكر السلطة: نعود إلى تحليل أحداث غزوة ذات السلاسل بناء على فقهنا لهذه الظاهرة، ومن منظور قناعتنا بأهميتها وخطورتها كسنة إلهية اجتماعية ثابتة، على حركة الفرد والمجموع، بل وفي عملية التغيير الحضاري.

ففي موقفه ﷺ من اجتهادات عمرو رضي عنه في أحداث غزوة ذات السلاسل يضح لنا عدة أمور طيبة:

١- مدى الرقي في احترامه للعقليات: ومدى مساحة الحرية الفكرية والمرونة التي كان يبثها في نفوس المحيطين به، لذلك تحرك فكر عمرو رضي الله عنه ونضج مع المنهج الجديد، فاجتهد على حداثة إسلامه، ولم يقع بخلده أن هناك سيفًا سلطويًا سيحجم فكره، أو سيعاقبه حتى ولو أخطأ.

 لأنه رضي الله عنه فهم منذ أول يوم تعرف فيه على هذا الدين، أنه انتقل إلى حياة أخرى، إلى حياة ينظمها منهج، وتجمعها غاية ربانية يدور الكل حولها ولخدمتها لا لخدمة فرد أو سلطة.

بل إن هذا المنهج الذي من ثوابته معاقبة المخطئ: قد استثنى الاجتهاد الفكري، وكافأ المجتهد حتى ولو أخطأ، وإذا حكم الحاكم فاجتهد، فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر(٤) 

٢- مرونته ﷺ القيادية: فهي تتفق مع مرونة القائد المظفر طالوت عندما غلف أوامره، حتى ولو كانت ذات سمة عسكرية، بشيء من المرونة فقال: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (البقرة: 249)

٣- سماعه ﷺ لتحفظات وشكوى الصحابة -رضي الله عنهم- حول اجتهادات عمرو رضي الله عنه هو من باب عمل الجسور بين القائد وأتباعه.

فليس هناك أقسى من وجود الحواجز البشرية أو النفسية التي تمنع وصول كلمة الفرد أو شكواه أو رأيه إلى مسؤوله أو قائده.

٤- سماعه ﷺ لردود عمرو رضي الله عنه: في حرية بالغة، هو من باب سمة العدل التي يجب أن تتميز بها القيادة، فمن الظلم أن يتم الحكم دون سماع الطرف الآخر.

٥- وهو كذلك من باب احترامه ﷺ: للآخر، وعدم حجره على رأيه، أو بمعنى آخر معاصر هو احترام تعدد الصواب في المسألة الواحدة.

٦- سرعة التحقيق: في الخلافات التي دبت بين الصحابة رضوان الله عليهم، مما يوضح سمة قيادية رفيعة  وهي حسن إدارة الأزمات.

الهوامش

(1) مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مالك بن نبي، بتصرف.

(۲) دراسة في البناء الحضاري، محنة المسلم مع حضارة عصره، د.محمود سفر، بتصرف.

(٣) دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين: د. عبد المجيد النجار- ٧٤.

(٥) رواه البخاري.

«سعد بن أبي وقاص»

الرامي الأول

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الذي لا يأتيه الباطل: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: 15)

نز لت هذه الآية الكريمة في سعد بن مالك بن أبي وقاص القرشي الزهري، سابع سبعة في الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة وآخرهم موتًا، وهو أحد الستة أهل الشوري، من أعظم الفرسان، وأول من رمى بسهم في سبيل الله.

دعا له رسول الله ﷺ أن يكون مستجاب الدعوة، فكان فتح الله على يديه فارس بقيادته لمعركة لقادسية، وأطفأ نار المجوس، وفتح مدائن كسرى، كما أن رسول الله ﷺ لم يقل لغيره «فداك أبي وأمي» وقد قالها له رسول الله ﷺ يوم أحد، كما روى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يفدي أحدًا بأبويه غير سعد بن أبي وقاص.

وقال سعد «رضي الله عنه»: «نزلت هذه الآية فيَّ، كنت رجلًا بارًا بأمي فلما أسلمت قالت: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتعير بي قال: لا تفعلي يا أم فإني لا أدع ديني، قال: فمكثت يومًا وليلة لا تأكل فأصبحت وقد جهدت، فقلت: والله لو كانت لك ألف نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء، فلما رأت ذلك أكلت

وشربت..» فنزلت الآية.

ولما قتل عثمان بن عفان «رضي الله عنه» اعتزل الفتنة ولزم بيته وأمر أهله ألا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجمع الأمة على إمام، ولما حضره الموت دعا بجبة من صوف وقال: كفنوني بها فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر وهي علي دائمًا أخبئها لهذا.

ومات «رضي الله عنه» بالعقيق سنة خمس وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة، وحمل إلى المدينة المنورة ودفن بالبقيع ومن جملت من صلت عليهم زوجات النبي «أمهات المؤمنين»

محمد مصطفى ناصيف.

سمية رمضان[1]

تجربتي في التحرك بالقرآن

هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا، دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي فلا نكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح.

 أي: نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعًا للقلب وذهابًا للهم وجلاء للحزن.

 سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جدًا وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.

الميراث

 الميراث حد من حدود الله لم يتركه لبشر مهما كان، وبحكمته وعدله سبحانه أحاط الميراث بسياج، وحذر كل من تسول له نفسه إحداث ثغرة في سياجه المتين فوضع لنا سبحانه الأنصبة وحدد ما مقدارها ومن يستحقها وأوصانا بذلك في أولادنا، وحبًا في المولى جل وعلا أردنا أن نصطحب آيات المواريث نتحرك بها ونطبقها فتكون بنا ناطقة محذرة.. ناصحة.. وكان اللقاء.. فسخرناه لخدمة بعض آيات المواريث شرحًا وتفسيرًا مع التعرض للجوانب الفقهية منها، وبعد أن انجلت الغشاوة عن العيون وزال وقر الآذان وارتفعت الأكنة عن القلوب كان الاتفاق على التحرك بالآيات التي بدايتها:

 ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١)

وبدأت التجارب تنساب كأنها شلال بديع من عجائب صنع الله فقد جاءتني امرأة وقالت لي: إن أمي توفاها الله وتركتني وأخي وبعد وفاتها أخذت كل ذهبها كما هو العرف في بلادي، فكما أن الأرض تكون للولد حتى لا يرثها غريب... كذلك الذهب يكون للبنات حتى لا ترتديها غريبة، وقد توفيت أمي منذ سنوات والذهب بحوزتي الآن لم يأخذ منه أخي شيئًا، وأريد يا أختاه أن أتحرك بآيات المواريث.. فماذا أفعل؟ وكان بين أمي وبين زوجة أخي مشاحنات ولن أطيق رؤيتها وهي ترتدي ذهب أمي التي طالما أذتها وقاطعتها.

قلت لها: حبيبتي.. إن الميراث هو ملك الله، ولكن الله سبحانه استخلفنا فيه، وبعد وفاة أي منا تقوم آياته سبحانه بتوزيع هذا الميراث بإرادة الله وإذنه، فهذا الذهب ليس من حقك فهو حق الله يستخلفه كيف شاء.. وسبحانه يتوعد من ينازعه حقه بأشد العقاب.

وضعت الأخت السائلة وجهها بين كفيها وقالت: معاذ الله.. فلم يكن قصدي التعدي على حدود الله، ولكنها أعراف توارثناها، قلت لها: لذلك نحن نتحرك بالقرآن ليذوب كل ما هو لغير الله سبحانه.. فهذه أهواء اتبعها الناس، ما أنزل الله بها من سلطان، حبيبتي استعيني بالمالك الأصلي واخضعي لحكمه ووزعي ما يملك على من يستحق بتشريعه سبحانه، وإن كان لك حق عند أخيك فطالبي بحقك ونفذي حكم الله وأمره، وبعد أن يأخذ كل ذي حق حقه له بعد ذلك أن يتنازل بكامل رضاه وإرادته، وليس بسيف الحياء واتباع الأهواء والأعراف.

 قالت الأخت السائلة: بمشيئة الله سأتحرك بالآيات، وجاءتني بعد عدة أيام ووجهها ممتلئ بشرًا وفرحًا، وقالت لي: يا أختاه أراحتني الآيات الكريمة من كابوس كان يجثم على صدري.. فقد شعرت بعد أن تركتك وكأني سارقة.. وممن سرقت؟ من الله سبحانه فهو ملكه يتصرف فيه بإرادته وحكمته وقد أخذت منه ما لا أستحق ومن غير إذن مالكه الحقيقي فقد كنت أتصور أن أمي هي المالكة فظننت أنها بوفاتها قد فقدت ملكيتها لكل شيء وورثها الخالق ووزعها، فكانت المخالفة وبإحساس بأني سارقة.

 قلت لها: إنه إحساس مرهف جدًا ويدل على عظم تأثرك وإصرارك على أن تجعلي الآيات تنطق بأفعالك وتصرفاتك، ثم قالت الأخت السائلة: ذهبت إلى أخي وأخذت معي كل ذهب أمي، ثم تلوت عليه الآيات، وقلت له آن الأوان أن يكون الله هو الفيصل بينا ولنأخذ أجر التحرك بهذه الآيات الكريمة، وقمنا بتوزيع الذهب مرة أخرى بما أراد الله وليس بما أردنا نحن، وعندما قال باستحياء: إني منازل لك عن حقي كاملًا، قلت له: لا فبعد أن تأخذ حقك ويصبح في حوزتك عندها تفعل ما تشاء بكامل رضاك، ولا تقرر الآن فعندك من الأيام يومان.

وبعد هذين اليومين جاءني أخي ببعض الذهب، بعد أن احتفظ ببعضه، وقال لي: «إن هذا هدية مني إليك» وأقسم لك يا أختاه إني قد فرحت بهدية أخي كما لم أفرح بكل ما كان لدي من ميراث ما أنزل الله به من سلطان وإن لآيات الميراث فضلًا كبيرًا علي.

 فشكرًا لمنزل القرآن ثم شكرًا بهذا اللقاء.

 كم كان وقع كلام الأخت طيبًا على نفسي فقد اجتازت أسوار الأهواء والأعراف ولجأت إلى حصن الله فشعرت بالأمان وسعادة الإيمان.

 والتجربة الثانية: سمعتها عندما كنت في زيارة لإحدى الأخوات أهنئها بزواج ابنتها حيث قالت لي الأخت المضيفة: الحمد لله أن قادك الله إلينا فإن بيني وبين أمي بعض الخلاف ونريدك حكمًا بيننا، وكانت الأم تجلس بجوار ابنتها، فهي لم تنجب غيرها وليس لديها في الدنيا سواها لذلك فهي تقيم معها حيث لا تستطيع لها فراقًا، نظرت إلى الأم العجوز حيث بدت الحيرة والقلق على وجهها.

أمي لم تنجب غيري

قالت لي الأخت المضيفة: يا أختاه.. كما تعلمين فأمي لم تنجب غيري وأنا وهي كتوأم الروح ولها أخ لا يأتي حتى لزيارتها أو السؤال عنها وبالطبع بعد وفاتها لابد أنه سيكون له نصيب من الإرث لا بأس به فكيف يتمتع بمال أمي وهو لم يقم بأي حق من حقوقها؟ لذا فإني أتوسل إلى أمي أن تكتب كل ما تملك لي حتى لا يتسنى له أن يتمتع بأي من أموالها، ولكن أمي تقول لي إني أريد ذلك ولكني أخشى الله.. لذا فنحن نريد رأيك ومشورتك؟

 نظرت إلى الأم بحب كبير وقد احتضنتها عيناي وقلت لها: أريد سماع رأيك فيما قالت ابنتك، قالت لي الأم: إني أخشى من الله كما أن الأعمار بيديه وحده، فكيف لو سبقتني ابنتي فهل يطردني زوجها وأولادها من ملكي ويأخذون مالي وأنا حية أرزق؟

ردت ابنتها بسرعة تريدين أن تعيشي بعدي يا أمي؟ قالت الأم: يا ابنتي.. الأعمار لا يعلمها إلا الله، وقد كانت الابنة تمتلئ شبابًا وحيوية.. والأم عجوز بوجهها مسحة عجيبة من هدوء الإيمان، وبادرت موجهة كلامي إلى الابنة: إن هذه الأمور حبيبتي قد حسمها الخالق من فوق سبع سموات منذ أمد طويل، وعندما قالت أمك إنها تخشى الله فلها كل الحق في خشيتها تلك.. فتوزيع الميراث من حدود الله لا يتجرأ شاب عاقل على أن يتعداها .. فما بالك وأمك تعد نفسها للقاء الله؟ وكما قالت أمك فالمال بعد وفاتها ليس مالها فهو حق الله وميراثه يوزعه كيفما شاء وأراد سبحانه، وما تطلبينه من أمك هو عين التحايل على أحكام الله إلا أن تهديك شيئًا لسبب تراه خلاف حجب الميراث عن آخرين، وقصة مسخ اليهود قردة بسبب تحايلهم على أوامر الله ليست ببعيدة، ألم تسمعي قول الله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾  (النساء: 1١)

رددي الآية الكريمة واسألي نفسك لما أنزل الله سبحانه هذه الآيات على رسوله ﷺ؟ ولماذا عانى رسول الله ﷺ ما عانى وما لاقي في سبيل أن تصل إلينا هذه الآيات الكريمة؟ هل فعل ذلك صلوات الله وسلامه عليه لتصبح هذه الآيات الكريمة محبوسة في مصحفك المزين وقد غلت حركتك بقيود الأهواء فلا تستطيعين بالآيات حراكًا، أم أنزلت لتملأ بها الدنيا صدقًا.. وعدلًا... ونورًا.

وحتى تستريح نفسك وتهدأ استمري في ترديد حكم الله ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ﴾ ( النساء:١٢)

أما النصف الآخر فليس لك أن تتحكمي فيه أو تتصرفي فيه فهو ملكه سبحانه.. وبحكمته وعدله ستكون قسمته فاجعلي ثقتك ويقينك بالله كبيرًا .. وتذكري حبك لله وتذكري صلاتك له سبحانه، وصيامك وصدقتك وإنك تفعلين كل ذلك لله، وأن حكمه فيما يؤرقك لا يقل أهمية عن صلاتك وصيامك وزكاتك، فالكل طاعة لله واستسلام لحكمه وعندها سترتقي نفسك من لعاعة الدنيا إلى حب فردوس الآخرة، وأحسب أختاه أنك على خير فيكفيك فخرًا، أنك من نتاج وتربية هذه الأم العظيمة، واستأذنت في الانصراف وأنا أدعو لهما بالتوفيق.

رضا وانسجام

وفي يوم الدرس جاءت الأم وابنتها في رضا وانسجام وقالت لي الابنة بضحكة خلابة جميلة، وصفتك ممتازة، فقد هدأت تمامًا وبدأت أشعر أن كل هذه التفاهات هي التي ينفخها الشيطان فتظهر لنا على غير حقيقتها، والحمد الله ارتاحت نفسي تمامًا لما أراد الله بل لا أجد في صدري أي ضغينة أو كراهية لخالي فقد تركت الأمر برمته لله، ولم ينقض العام إلا والابنة وقد واراها الثرى ومازالت الأم، فيما أعلم حية ترزق،  فسبحانه جل شأنه والحمد لله أن تحركت أختي بالقرآن وقالت: سمعنا وأطعنا قبل أن يتحرك عليها التراب فيعلوها وتصير أسفله.

 وهذه ثالثة: وقد توفي عنها زوجها وترك لها أولادًا متزوجين وآخرين في وصايتها وأمانتها فما كان من الأم إلا أن امتنعت تمامًا عن توزيع الإرث وجعلت كل شيء كما كان في حال حياة أبيهم بدعوى أن أولادها الصغار يحتاجون إلى المال لتربيتهم كما تربى الإخوة الكبار، فوافق الأولاد: واحد منهم على استحياء والآخر على كراهية، والثالث بالقهر والإذلال، وكان زوجها قد ترك لها محلًا من المحلات الكبيرة فيه الكثير من خيرات الله ورويدًا رويدًا بدأت تجارتها في الكساد ولو استمر الأمر على حاله حتمًا سيؤدي هذا إلى خراب الدار، فلجأت الأم إلى المسجد وواظبت على حضور الدروس لعل الله ينجيها وأولادها من هذا المستقبل الحالك السواد، وعندما اتفقنا على التحرك بآيات الميراث قالت الأرملة: لعل ما حدث لتجارتنا من كساد، أني تألهت بأفعالي مع الله فقررت ونفذت بدون الرجوع إلى أحد أو استشارة مخلوق، ندمت الأخت على ما فعلت واجتمعت بأولادها وقررت تقسيم الميراث كما أراد الله سبحانه وليس كما أرادت هي ... وبدأت تعمل في نصيبها ونصيب أولادها الصغار حتى راجت تجارتها بفضل الله ثم بفضل تحركها بآيات الميراث، وقد تربى صغارها وأعطتهم حقوقهم وتبقى لها الكثير الذي قطعته من ثمار تقوى الله والتحرك بآيات الله.

 لقد آن لنا جميعًا أن نطمس ظلام الأهواء بنور أتباع الرحمن.. فكم من العادات التي توارثناها ما أنزل الله بها من سلطان... وكم من العادات التي نتحرك بها وفيها نهي واضح وصريح من رب العباد أن نقربها ... وكم من العادات صارت من كثرة ممارستها ووراثتها وكأنها من الإسلام والإسلام منها براء.. فنحن في أمس الحاجة لعرض كل أفعالنا على آيات القرآن وشريعة رسولنا ﷺ فما توافق معهما.. فعلى الرحب والسعة، وما تعارض معهما من عادات تركناه وعلينا أن نتحرك بالآيات ونلتزم بالشريعة وهذا كفيل بسحق العادات الباطلة وفنائها، وعندها سنصبح بإذن الله مجتمعًا يرى الآخرون فينا قرآنًا متحركًا، وعندها سنرث الأرض كما وعدنا الرحمن فنملأها نورًا ورحمة وحبًا.

[1] اكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية

الرابط المختصر :