العنوان المجتمع التربوي: المجتمع (1718)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-سبتمبر-2006
مشاهدات 56
نشر في العدد 1718
نشر في الصفحة 52
السبت 09-سبتمبر-2006
ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
الغربة
عبد الله عيسى السلامة
الغربة أنواع. وسنكتفي بالحديث عن نوعين منها: الغربة عن الله عز وجل، والغربة عن النفس.
الغربة عن الله عز وجل: وهذه أخطرها وأقساها. وأكثرها تشتيتًا لقلب المرء ولبه، وإضاعة لمعالم الحق والباطل. والخطأ والصواب والخير والشر. في ذهنه فما أكثر ما يرى الحق باطلًا، والباطل حقًا، والخطأ صوابًا، والصواب خطأً. والخير شرًا، والشر خيرًا، والعدو صديقًا، والصديق عدوًا. ونراه يتبع أشد أعدائه خطرًا عليه، حتى دون أن يراه لأنه يزين له أمورًا واضحًا فيها السوء فاقعًا فيها الفساد. إنه الشيطان!
كما نراه يترك صحبة الأخيار من البشر. ويفرح بصحبة الأشرار الذين يزينون له الضلال، ويصدونه عن سبل الهدى والرشاد، متوسمًا فيهم الإخلاص وحب الخير له!
وكما ينطبق هذا النوع من الغربة على الأفراد، ينطبق في كثير من الأحيان، على التجمعات من قبائل وأحزاب وشعوب. فتراها تحب أعداءها، وتعجب بهم، وتقتدي بهم وتحسب الواقع الحي الصارخ، في عالمنا الذي نحيا فيه، أوضح من أن يحتاج إلى دليل أو برهان!
الغربة عن النفس: وهذه الغربة تأتي في الدرجة الثانية من حيث الخطورة على الإنسان.
فإذا اغترب المرء عن نفسه أضاعها، أو أضاعته. فلا يعرف لها قدرًا، ولا هدفًا، ولا طريقًا، ولا معنى. فيظل ذهنه وعاء فارغًا أبدًا، يستقبل كل فكرة صالحة أو فاسدة، ويتبع كل من يبتسم في وجهه، دون أن يدري أهو صالح أم فاسد.
وهذا مما نراه كثيرًا في عالمنا كذلك. وفي سائر المجالات: سياسية، واجتماعية وثقافية. وحسب المرء أن يلقي نظرة على ما يموج حوله من صراعات فنية، أو أدبية، أو سياسية، أو حتى في مجال اللباس والطعام والشراب -وكلها أو جلها واردة مستوردة من بلاد بلغ فيها الفساد والضلال أقصى مدى- ليرى الضائعين الغرباء عن أنفسهم يتساقطون في مهاويها المهلكة كما يتساقط الفراش في النار، أو الذباب في وعاء من الحلوى المسمومة
أيحتاج الأمر إلى ذكر أمثلة أو نماذج، مما هو سائد من ألوان الرقص والغناء، و«الفيديو كليب»، و«السوبر ستار»!؟ أو من أنواع الفن الحديث، والأدب الحديث، مما تلتهمه الأجيال «الحديثة» فيلتهم عقولها وقلوبها بـ «حداثة!» مدمرة نادرة. !؟ نحسبنا في غنى عن هذا!
وقديمًا قال الشاعر الجاهلي، زهير بن أبي سلمى، في معلقته:
ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه
ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
والسؤال هنا: من يكرم هؤلاء الناس «المغتربين» الذين غربوا أنفسهم عن عمد وتصميم، وبزهو وفرح. غربوها عن خالقها، وعن ذواتها؟؟
من يكرم الحكام الذين استهانوا بكرامة شعوبهم؟؟
هل تكرمهم شعوبهم، التي سحقوها بالقهر والتجويع والإذلال؟ «ومعلوم بالطبع، لدى الشعوب وحكامها، أن فنون النفاق والتزلف، لا تدخل في باب التكريم؛ لأنها عمليات خداع يمارسها المنافقون مع الحكام، رغبًا ورهبًا. ويعرفها الحكام منهم، ويطربون لها».
أم تكرمهم حكومات الدول الأجنبية، التي يتذللون لها، ويحكمونها في مصائر أوطانهم وشعوبهم!؟
ومن يكرم الشعوب؟ هل يكرمها حكامها الذين استعبدوها، وخضعت لهم، وهي تقرأ في تاريخها عزة المؤمنين في مواجهة حكامهم. وترى في حاضرها كيف تتعامل شعوب الأرض الحية مع حكامها؟ أم تكرمها شعوب العالم، وهي ترى ما تعاني منه، من ذلة واستعباد في بلادها، ساكنة خانعة مستسلمة!؟ كلَّا. لقد قال شاعر آخر، يحمل بين جنبيه عزة المسلم وأنفة الرجل الأبي:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها
هوانًا بها، كانت على الناس أهونا
الأمان في وصايا لقمان
توحيد الله وبر الوالدين والصلاة لا يمكن أن يجتمع معها سوء خلق أو كبرياء
سناء محمد الشاذلي
النجاة كل النجاة فيما ألهمنا الله من وحي مسطر في الكتاب والسنة يحتوي على أطواق نجاة جاهزة ميسرة لكل من أراد الوصول إلى شاطئ الخير والأمان.
ذلك الوحي الذي فرط فيه من قبل بعض المسلمين مما أثر في الحياة العامة ولم يبلغوه على الوجه الصحيح مما أفقد الشرق والغرب خصائص الإنعام الإلهي والأمان الروحي، ذلك الوحي الذي جمع بين ثلاثة جوانب رئيسة لتجنب الخلافات والصراعات كحق الله، وحق النفس، وحق الآخرين.
وقد أحسن الحكيم لقمان في وصاياه العظيمة إذ انطلق من عمق المشكلة مركزًا على جميع الحقوق ومبينًا العلاج الناجح للحياة العامة -في سورة حكيمة بدأت بالحكمة التي تجلت في كتاب الله دومًا- يلفت الانتباه إلى قاعدة مهمة تقول: «إن من تمام الإنعام الاحتكام إلى كتاب حكيم من رب عليم»؛ لذا كانت بداية السورة: ﴿الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾( لقمان:1-2) كحكمة تتبنى أولى اللبنات التي يقوم عليها المجتمع، إذ خص لقمان ابنه في وصايا جمعت كل الحقوق كفرد يساهم في بناء المجتمع الصالح، ومعلوم أن صلاح الفرد من صلاح المجتمع، لذا ابتداء استطاع لقمان أن يهيئ ابنه لأمر هذه الوصايا. بالولوج إلى قلبه ليفتحه متلطفًا بكلمة «بني» التي تشعر الولد بمكانته لدى والده، ليتقبل الولد النصح ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان:13) وهو السر الذي غفلت عنه أطياف شتى لم تعلم أنها ظَلمت وظُلمت، وأن إعصار العلمانية قد اشتد لقلة معرفته «بالتوحيد» ذلك التوحيد الذي يؤمن الطريق لكل من سار عليه، ذلك التوحيد الذي إذا عم البشرية علت وإذا فقدته زلت؟!
وهناك مغزى آخر أراد لقمان أن يبسطه لولده كوصية أخرى تحمل أسمى معاني «الأمان» عندما بسط له آية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ (لقمان:14) رابطًا بين طرفين.
الأول: أن من وحد الله حق التوحيد وأدى ما عليه فإنه حتمًا سيحسن إلى والديه.
الثاني: «إعمال الفكر في نعم الله» فلئن أمر الله سبحانه بالإحسان للوالدين لما يتحملانه من جهد ومشقة كرد الإحسان بالإحسان -فمن الأولى تذكر نعم الله دومًا ومن ثم إخلاص العبادة له.
ومن حق إلى حق ينتقل بنا لقمان إلى حق آخر لو فرط فيه لعم الفساد وهو حق الآخرين في عدم التعرض لهم «بالظلم» ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ (لقمان:15)أي مثقال مظلمة أو خطيئة -وهو بذلك يركز على أمرين أيضًا أحدهما: بعد أن علم الإنسان أن الشرك ظلم له فمن الواجب أن ينتقل إلى مرحلة أخرى «تحرم ظلم الغير». ثانيهما: أن في لفظه: ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ (لقمان:15) تنفيرًا للإنسان من الظلم الذي اختير له لفظة «خردل» على صغرها. لينفر ابنه من أدق المظالم فضلًا عن أجلها، ومعلوم ما للظلم من نتائج وخيمة على المجتمع.
وتمضي بنا الآيات لنبحر معها إلى شاطئ آخر ملؤه الخير والسعادة النفس مستودعه بين جنبات الإنسان﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان:17) كحقوق خاصة ينتفع بها العامة مبتدئًا بالصلاة التي تمثل قمة الهرم بخصائصها الروحانية، والمكانية والوقتية فضلًا عن أنها سد منيع وحاجز حصين في وجه الفحشاء والمنكر.
وقد أحكم لقمان وصيته تلك عندما ذكر ولده بإقامة الصلاة كفرد صالح ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «كفرد مصلح» وتذكيرها إياه بالصبر عما يمكن أن يصيبه من حمل رسالة «الأمر والنهي».
ولننتقل الآن إلى «تاج الوصايا» الذي يشعرك بأنه رباط ذلك كله وأنه المعين على التماسك إذا ما حدث خلل ما، حيث يذكر لقمان ولده بأن توحيد الله، وبر الوالدين والصلاة. لا يمكن أن يجتمع معها سوء خلق، وكبرياء مختلق لذا تراه يعرض على ولده ختام مسك تفوح رائحته بأنواع شتى من محاسن الخلق، اختار منها الأهم -النهي عن الكبرياء والاعتدال في المشي.
وقد أحسن لقمان حين اختار لفظة «تصعر» فالصعر داء يصيب الإبل فيلوي عنقها، وكذا المتكبر لا يمكن أن يرى بوضوح هذه الوصايا. أما غض الصوت فهو يأتي في السياق نفسه الذي يتسم صاحبه بالكبرياء عن قبول الحق لذا تراه يرفع صوته.
فهل تعي البشرية أنه ما من سبيل لها إلا بالاحتكام إلى القرآن والسنة وتعاليم الإسلام؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل