العنوان المجتمع التربوي (عدد 1231)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
مشاهدات 75
نشر في العدد 1231
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
▪ وقفة تربوية.. القيادة والجندية في سورة الكهف (1 من ٢)
يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (سورة الكهف:٩٤- ٩٦).
في هذه الآيات نموذج رائع للشروط والآداب التي تكون بين القيادة والجنود، والنتائج المترتبة على مثل هذه القيادة الناجحة، والجنود الذين تتوافر فيهم أخلاق الجنود والالتزام بشروط القيادة من غير معصية لله تعالى، ويلاحظ أن هذه الآيات تنقسم إلى شقين: الأول: يخص القوم الذين نادوا ذا القرنين ليحل لهم الإشكال بينهم وبين يأجوج ومأجوج، والثاني: يخص العمل والنتائج التي ترتبت بعد هذه المناداة والقبول من ذا القرنين.
الشق الأول: إن طلب القوم مساعدة ذي القرنين يمثل عدة أمور:
1. الثقة بقدرة القائد.
2. إقرارهم بوجود مشكلة عجزوا عن حلها.
3. قبولهم اتخاذه قائدًا لهم.
4. قبول ما يتخذه القائد من أسباب لحل المشكلة.
الشق الثاني: يتكون من عدة أمور:
1. طلب العون منهم فالقائد لا يمكن أن يحل المشكلة وحده دون عون منهم.
2. تحديد القائد لنوعية العون الذي يريده منهم وهو «بقوة» أي ليس بتثاقل وكسل واتكالية.
3. إذا ما تحقق العون بنوعيته التي أرادها القائد كانت النتيجة قبول القائد بالمسؤولية التي أنيطت به، وهنا تكمن في قبوله لبناء السد.
أبو خلَّاد
▪ مفاهيم دعوية.. رسائل الإمام الشهيد حسن البنا
بقلم: الدكتور عصام العريان
تعرفت على رسائل الإمام الشهيد حسن البنا عقب تعرفي على دعوة الإخوان المسلمين مباشرة، أي في النصف الأول من السبعينيات من هذا القرن الأخير في الألفية الثانية حوالي عام ۱۹۷۳م، وقد درست منها رسالتين لهما خصوصية عند الإخوان المسلمين وهما: رسالة التعاليم، ورسالة المؤتمر الخامس، سواء في لقاءات خاصة مع إخوة كرام سابقين أو في معسكرات الجامعة.
وبلغ من إعجابنا بسلاسة الأسلوب وسهولة العرض، وسرعة النفاذ إلى القلب، أننا لم نجد أفضل منها لطباعته وتوزيعه على المشاركين في أنشطة النشاط الإسلامي في الجامعات المصرية، فكان إن طبعنا رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان «إسلامنا»، وطبعت جامعة عين شمس رسائل أيضًا حوالي عام ١٩٧٦م، وقد ساهم نشر هذا الفكر الصافي الواضح عن الإسلام في تصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة عند الشباب، مما عاد بهم إلى الوسطية المعتدلة بعيدًا عن الغلو والتطرف، كما أوضحت لهم سبيل العمل للإسلام وفق منهج أقرب ما يكون إلى منهج النبوة الشريفة.
ثم دارت بي الأيام وقرأت كثيرًا في المكتبة الإسلامية، ودرست كثيرًا في العلوم المختلفة. وشاركت كثيرًا في الندوات والمؤتمرات داخل وخارج مصر، داخل وخارج العالم الإسلامي، وكنت أرجع دائمًا إلى هذه الرسائل فأجد فيها معينًا لا ينضب، صافيًّا، واضحًا لحلول سهلة وبسيطة لقضايا شائكة ما زالت محل بحث ونقاش وجدال، وقد تتسبب في فرقة بين أبناء الإسلام المخلصين له الراغبين في العمل لرفعة شأنه وإعادة العمل بأحكامه.
وعايشت كثيرًا من العاملين والمنتسبين والمحبين للإخوان المسلمين، فهالني أن أكثر هؤلاء لم يدرس الرسائل دراسة وافية مستبصرة، بل قرأها ولا شك قراءة عادية، وقد تكون عابرة، لم يقف عند منهج الإمام، ولا تبين مواضع الألفاظ، ولماذا اختار الأستاذ هذا اللفظ وعدل عن غيره، بالقطع هناك من درسها بعناية إلا أن أكثر من رأيتهم قرأها بصورة مبسَّطة وقرأ بعضها فقط، وقد يكون ذلك بسبب ازدحام المكتبة الإسلامية الشديد، وما تضخه المطابع يوميًّا من عشرات الكتب والبحوث، وكذلك الاهتمام الشديد بالعودة إلى كتب التراث، رغم معاناتي الشديدة من الذين لم يتقنوا قراءة كتب الأقدمين لأنهم لم يمتلكوا الأدوات الصحيحة لقراءتها، وكذلك الانشغال الشديد بالعمل اليومي الدعوي والانهماك في الصراع السياسي والفكري، وقد يكون سهولة الرسائل وبساطتها عاملًا صرف البعض الذين يحبون الغموض والتكلف والتقعر.
لهذه الأسباب جميعًا، ولغيرها، ولحبي لهذه الرسائل أردت أن أقوم بشرحها والتعليق عليها.
وقد قمت بتدريسها لشباب المسجد الذي أصلي فيه في دروس أسبوعية، وقمت بنشر حلقات تحت عنوان «مفاهيم دعوية» حول الرسائل أيضًا في جريدة «الأسرة العربية» التي حظرتها السلطات المصرية.
وصرفتني شواغل كثيرة من النشاط السياسي والنقابي والدعوي، ودراسة الحقوق ودراسة الشريعة فضلًا عن دراسة الطب عن الانصراف لهذا الأمر وإعطائه ما يستحقه من الاهتمام، حتى أذن الله لي وشرح صدري للبدء في كتابة بعض التعليقات التي تيسرت لي من حصيلة مدارستي الطويلة لهذه الرسائل ومسيري في طريق الدعوة إلى الله عز وجل منذ قرابة ربع قرن من الزمان، ومعاناتي في مناقشات طويلة داخل وخارج الحقل الإسلامي.
ونظرًا لصعوبة العودة إلى المراجع، ولطبيعة الرسائل ذاتها سأترك العنان لخواطري الحرة مراعيًّا التنبيه قدر الإمكان للبيئة التي تمت الكتابة فيها، والظروف السياسية والاجتماعية المحيطة، منبهًا إلى المفاهيم التي يبرزها الإمام الشهيد والاختيارات الدعوية والفقهية التي استقاها من فهمه للإسلام ودراسته لسيرة النبي ﷺ وتميزها عن غيرها من المدارس الإسلامية والدعوية، مستعينًا بمذكرات الدعوة والداعية «مذكرات الإمام الشهيد»، ورابطًا بين التطبيقات الدعوية المختلفة التي تمارسها الدعوة والجماعة في ظروفها المختلفة.
وأسأل الله تعالى أن يعينني على إتمام هذه التعليقات، وأن يتقبلها مني، وأن يتغمد إمامنا الشهيد بواسع رحماته، وأن يسكنه فسيح جناته ولنبدأ في التعليقات.
▪ دعوتنا
هذه رسالة قديمة من رسائل الدعوة، كانت ولا زالت تنشر دائمًا في إطار ما يسمى به الرسائل الثلاث وهي بالإضافة إليها رسالة «إلى أي شيء ندعو الناس؟»، و«نحو النور».
وتشكل هذه الرسائل الثلاث إطارًا طيبًا لفهم طبيعة هذه الدعوة وموقفها من كثير من القضايا والمسائل، مما يجعل المنتسب إليها على بيِّنة من طبيعة وحدود فكرة الإخوان المسلمين، ومواقفهم المختلفة.
وقد يظن البعض أن هذه الرسائل إنما كتبت لعصر من العصور، فهي لا تصلح الآن وسرعان ما يتبين له خطأ هذا التصور بعد قراءة ولو سريعة لهذه الرسالة وزميلتيها، فما زالت دعوات الوطنية والقومية، إضافة إلى الخلافات الفرعية في الشؤون الدينية، وكذلك الشبهات التي تثار، إما عن الإسلام والسياسة، أو الإسلام والبرنامج التفصيلي لإصلاح المجتمع وأيضًا الشبهات التي تثار حول الدعوة والدعاة ومنهاجهم ومصادر تمويلهم وموقفهم من الغرب والحكومات الغربية، لا زالت كل تلك القضايا إضافة لغيرها مما زاده المناوئون للدعوة في أيامنا هذه تثار في وجه الدعوة وفي طريق كل مصلح على منهج الإسلام.
ولم أر شرحًا أو تعليقًا على إحدى هذه الرسائل اللهم إلا الشرح المبارك الذي كتبه المرحوم الأستاذ عمر التلمساني المرشد الأسبق، على رسالة نحو النور، ونشرته دار التوزيع والنشر الإسلامية بالقاهرة، وتتناول رسالة دعوتنا هذه القضايا:
1. الحالة النفسية للدعاة تجاه المجتمع والناس.
2. أصناف المدعوين الأربعة: مؤمن، متردد، نفعي، متحامل.
3. موقف الداعية من دعوته.
4. وصف الدعوة الإسلامية.
5. موقفنا- أي الإخوان- من الدعوات الوطنية القومية.
6. أمام الخلافات الدينية.
7. وصف حال الأمة الإسلامية وطريق العلاج.
▪ الحالة النفسية للداعية
يبدأ الإمام الشهيد الرسالة بعنوان «مصارحة»، ويقول: «نحب أن نصارح الناس بغايتنا، وأن نجلي أمامهم منهاجنا، وأن نوجه إليهم دعوتنا، في غير لبس ولا غموض، أضوأ من الشمس، وأوضح من فلق الصبح، وأبين من غرة النهار».
ومع بداية هذه الرسالة يتبين لنا بعض خصائص أسلوب الإمام الشهيد:
- فهو يحسن انتقاء كلماته.
- وهو يضع كل كلمة في موضعها الصحيح.
- وهو واضح كل الوضوح، بحيث تشعر أن الكلام لا يحتاج إلى شرح، حيث لا تقعر، ولا تفهيق، ولا غموض.
وسنوالي مع التعليقات بيان أهم الخصائص الأخرى لهذا الأسلوب الأدبي الرفيع الذي يوصف بحق أنه «السهل الممتنع».
وأما الموضوع فإنك تشعر من هذه الفقرة أن من واجب الداعية أن يكون واضحًا أمام مدعويه، وهذا إنما هو تصديق لقول الله تعالى عن الرسل صلوات الله عليهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ﴾ (إبراهيم: ٤).
وعن رسولنا ﷺ وعن الذكر الذي أنزل إليه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ (الشعراء: ١٩٢- ١٩٥)، فالوضوح سمت الداعية، وسنة الرسول ﷺ.
فالمتدبر في سيرته العطرة يرى أنه لم يداخله تردد في مواجهة قومه المشركين بدعوته الكاملة رغم السرية، ورغم البيئة المحيطة وضغطها عليه وكم عاتبه ربه تبارك وتعالى حول هذه المسألة واكتفي بمواقف منها:
أولًا: في مكة المكرمة عندما داخله تردد في تنظيم وقته، بحيث يكون لعلية القوم والملأ من كبار قريش يوم، ولبقية الضعفاء يوم آخر، فإذا بالقرآن الكريم يتنزل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ ﴾ (الأنعام، آية: ٥٢).
ثانيًا: وهو أوضح في المثال وفي الموضوع وفي أية مدنية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ (المائدة:٦٧)، وقد ورد في أسباب نزول هذه الآية ما رواه أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعًا، وعرفت أن الناس مكذبيَّ، توعدني لأبلغنَّ أو ليعذبني، فأنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ﴾ (سورة المائدة: ٦٧) وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما نزلت «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك». قال: يا رب كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليَّ؟ فنزلت: «وإن لم تفعل فما بلغت رسالته» «كتاب لباب النقول في أسباب النزول».
يقول الإمام ابن كثير في تفسير القرآن العظيم– الطبعة الخامسة ١٤١٢هـ- ١٩٩٢م دار المعرفة– بيروت ص ۸۰– المجلد الثاني:
«يقول الله تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ باسم الرسالة وأمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام، قال البخاري عند تفسير هذه الآية بسنده عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل الله عليه فقد كذب».
▪ الوضوح سمت الداعية
إذن أيها الأخ الكريم: الوضوح هو سمت الداعية، فلا يكتم شيئًا من دعوة الله تعالى، لا في موضوعها، ولا حقائقها، ولا أفكارها، وإن كان ذلك صدمة للناس، وتثور هنا شبهات نواصل طرحها في عدد قادم إن شاء الله.
▪ قد يظن البعض أن رسائل الإمام البنا لم تعد تصلح لهذا الزمان، ولكنه سرعان ما يكتشف خطأه بعد قراءة رسائل: «دعوتنا»، و«نحو النور» وإلى أي شيء ندعو الناس
▪ الإدارة بين الدعوة الإسلامية والحياة العامة (١من٢)
▪ الإدارة في الإسلام هي الاستفادة من جميع القواعد لتوفير أكبر قدر من الإنتاج على مستوى من الإتقان
بقلم: الدكتور عدنان علي رضا النحوي
أصبحت الإدارة تحتل في واقع المسلمين اليوم منزلة أعلى مما كانت عليه قبل عشرات السنين، مع أن المسلمين لم يتابعوا التطور الإداري في القرون الأخيرة على نفس المستوى الذي تطورت فيه الإدارة لدى الغرب في تلك القرون الماضية حتى يومنا هذا، وأعتقد أن من أهم العوامل التي ساعدت الغرب على سرعة النمو العلمي والفني والاقتصادي، بغض النظر عن سلامة النمو أو عدم سلامته، الإدارة ونموها وتطورها فلقد نمت الإدارة في بلاد الغرب نموًا قويًّا يختلف من بلد إلى بلد ودفعت الإدارة مختلف نواحي النشاط في اتجاهاتها الخاصة.
وفي عالمنا الإسلامي، بعد أن تمزق تحت وطأة العدوان والاحتلال والانتداب، فرضت النظم الإدارية الغربية المختلفة على تلك الديار، وظلت تعمل حتى يومنا هذا مع محاولات قليلة في النمو والتطوير، وارتبطت هذه النظم الإدارية الغربية بأسسها الفكرية والفلسفية، وامتدت إلى ميادين مختلفة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية وغيرهما.
ولكن بقي في العالم الإسلامي تأخر ظاهر في الإدارة ونظرياتها وتطبيقها وميادين تطبيقها، ولقد تبع هذا التأخر تأخر في ميادين أخرى من الحياة.
لقد غلب على كثير من الناس تصوُّر الإدارة على أنها قضية تخص دوائر الدولة ومؤسساتها، أو الشركات وأمثالها، وانعزل التصور عن كون الإدارة قضية تدخل البيت والأسرة، وحياة الفرد والجماعة، وأي تجمع فكري أو ديني أو سياسي أو اجتماعي أو غير ذلك من ميادين الحياة، وأصبح الكثيرون يرون أنه يمثل علمًا من علوم التخصص، خاصًا بمن يقبل عليه، شأنه شأن سائر التخصصات، ولا شك أنه علم هام من العلوم يستحق أن ينال التخصص الضروري في مجالات كثيرة، ولكنه في نظر الإسلام أوسع من ذلك بكثير.
▪ الإدارة وبناء الفرد
إن الإدارة في نظر الإسلام جزء رئيسي من تربية وبناء وإعداد الفرد والأسرة والجماعة في ميادين نشاط الأمة كلها.. فما هي الإدارة وكيف نستطيع أن نضع لها تعريفًا يبرز أهم خصائصها الإيمانية النظرية والتطبيقية؟
▪ تعريف الإدارة في الإسلام ومفهومها
هي أولًا إقرار وسائل العمل والتعامل وأساليبه، وقواه البشرية في كل ميدان، ثم تنظيمها وتحديد المسؤوليات والصلاحيات لكل عامل ولكل مستوى ثم تنظيم العلاقات وتنسيقها بين مختلف العاملين والمستويات والكفاءات ووضع كل كفاءة في مكانها المناسب على أساس من ميزان رباني إيماني لتوفير العدالة والأمانة واحترام حقوق الإنسان وحريته وأمنه، وبناء الشورى لتكون قاعدة رئيسية من النظام الإداري، ثم توفير التدريب المنهجي المستمر للكفاءات المختلفة لتحقيق النمو والتطور على نهج إيماني، وبناء الثقة والاحترام بين مختلف العاملين والمستويات، وبناء الحوافز الإيمانية والمادية لإطلاق طاقات العمل دون تعطيل الحقوق المادية العادلة الموفية، وتوفير القدوة والمثل في الجهد والكفاءة والسلوك، وتنمية الروابط الإيمانية بين جميع العاملين في جو غني بالإيمان والتوحيد، ليساهم هذا كله في توفير أكبر كمية من الإنتاج على أحسن مستوى ليرضي الله سبحانه وتعالى في أقصر وقت ممكن، وليمتد ذلك في مختلف ميادين الأمة ومؤسساتها على أساس من منهاج الله، ليصبح العمل كله عبادة لله وطاعة له، ابتداءً من حياة الفرد إلى أعلى مستويات الأمة.
ويمكن إيجاز ذلك على النحو التالي:
الإدارة في الإسلام هي الاستفادة من جميع القواعد الإيمانية لتوفير أكبر قدر من الإنتاج على أعلى مستوى من الإتقان في أقل وقت ممكن ليكون العمل كله عبادة لله.
▪ أهم الخصائص الإيمانية للإدارة في الإسلام وتميزها عن غيرها
نستطيع من التعريف السابق أن نتلمس كثيرًا من الخصائص الإيمانية للإدارة في الإسلام، ومن أجل تحقيق هذه الخصائص وغيرها نظم الإسلام أهم عنصر من عناصر الإدارة في حياة الفرد المسلم، وفي حياة الأمة كلها، ألا وهو الوقت، وبيَّن لنا سبحانه وتعالى أنه هو الذي قدر الوقت، وقدر التكاليف، فهي عادلة وحق: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ﴾ (المزمل: ۲۰)، ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ﴾ (غافر:۲۰).
فلا يشك المسلم أبدًا في عدالة الوقت والتكاليف، ولكنه يدرك أنه مبتلى بذلك ليمحِّص إيمانه، وليقيم الموازنة الأمينة، وليصدق الله في الموازنة والبذل والتنظيم والإدارة، حتى يوفي أمانته وعهده مع الله.
▪ بين النظريتين الإسلامية والغربية
ولذلك نظم الإسلام حياة المسلم ووقته نظم نومه، واستيقاظه، وأداء الشعائر، وانطلاقه إلى ميدان الحياة ليجعل عمله كله عبادة لله تقوم على أساس الشعائر كلها، وعلى أساس من ذكر الله الملازم له، مع أطيب الحوافز الإيمانية، وعلى وعي كامل لمسؤولياته وحقوقه، فأصبح الوقت في حياة المسلم عبادة ممتدة، أما الوقت في الحضارة الغربية والنظرة المادية للإدارة وغيرها لا يخرج عن نطاق المثل الشائع عندهم «الوقت من ذهب أو مال» The is Money»»، فنرى من هذا العرض الموجز أساسًا هامًا من أسس الاختلاف بين النظريتين في الإدارة النظرة الإيمانية، والنظرة المادية.
ومن هذا الاختلاف الذي رأيناه يبرز اختلاف آخر هام هو النيَّة، فالنية في الإسلام خالصة لله سبحانه وتعالى، مرتبطة بكل قواعد الإيمان والتوحيد، والنيَّة هناك مرتبطة بالمصالح والأهواء والشهوات، وشتان بين الحالتين، وباختلاف النية تختلف الحوافز والأهداف والسبل وتختلف الوسائل والأساليب والموازنة والتدبير، ففي الحضارة الغربية اليوم، حيث لا مكان للنية المتجهة إلى الله، تغيب الحوافز الإيمانية، وتختلف الأهداف، وتفسد النية فيفسد العمل كله في ميزان الإسلام.
واختلاف آخر يبرز خصائص أخرى ذلك هو امتداد الإدارة في نظر الإسلام إلى جميع الميادين والمستويات ابتداءً من حياة الفرد إلى الأسرة والبيت إلى المسجد، إلى المعاهد إلى سائر مؤسسات الأمة ومستوياتها.
لتنظيم الخصائص الإيمانية في نهج واحد متكامل مترابط، فتتكامل جهود الأمة دون اضطراب أو تصادم وتعارض، أما في الحضارة المادية فحرية الفرد متفلتة إلى أبعد الحدود، فيبرز التناقض والتصادم في مواقف كثيرة تمنح هذا الامتداد الذي عرضناه، وتمنع التكامل والترابط والتناسق، ولذلك تصبح الإدارة في الإسلام- كما ذكرنا قبل قليل- جزءً من تربية إيمانية منهجية وبناء وإعداد لتمتد هذه التربية في حياة الأمة، كما يمتد الماء من جذور الشجرة إلى ساقها وفروعها وأغصانها وأوراقها.
وقضية أخرى هامة نلحظها بيسر، ففي النظرة الإيمانية للإدارة وغيرها ترتبط الدنيا بالآخرة، وتظل الجنة والدار الآخرة، ورضوان الله الهدف الأكبر والأسمى في حياة المسلم والأمة كلها في ميدان الإدارة وسائر الميادين، أما في النظرة المادية لدى الشيوعيين أو الرأسماليين فتنفصل الدنيا عن الآخرة انفصالًا كاملًا، إما عن إنكار للدار الآخرة وكفر بها صريح، أو عن ادعاء باطل تحت شعارات باطلة لا تخفي الإنكار الصريح، وتعلن حرية الأديان، ثم لا يبقى للأديان من حرية إلا بمقدار ما تقتضيه المصالح المادية التي تحكم الأمة كلها، تحكم الدين وسواه، فيقع الانفصال عمليًّا في الدنيا والآخرة انفصالًا كاملًا في المفهوم والتصور والقناعة، وفي الممارسة والتطبيق، في الإدارة والتنظيم وسواهما، مهما كان الادعاء الظاهري بالنسبة للدين.
▪ المبادرات الذاتية
ومن خصائص الإدارة الإيمانية وتميزها انطلاق المبادرات الذاتية بحوافزها الإيمانية، وقد تغذيها الحوافز المادية، ولكن الحقوق المادية الأمنية العادلة تظل مصونة ومؤداة، وفي الوقت نفسه، ومن خلال التربية والبناء والإعداد، ومن خلال النظام الإداري المفصل بقواعده يلتزم المسلم حدوده فلا يتجاوزها، ويظل المسلم في عبادة وطمأنينة سواء انطلق في مبادرة ذاتية أو التزم حدوده عن إيمان وصدق ووعي، وتقدير للمسؤولية هنا وهناك.
إن الإدارة الإيمانية لا تستطيع أن تعمل وتنجح بعض الخصائص الإيمانية وترك بعضها، فلا بد أن تتكامل الخصائص الإيمانية كلها في تفاصيل النظام الإداري وقواعده، وتتناسق لتعمل كلها على إطلاق القدرات ندية غنية رضية في الفرد والجماعة والأمة كلها، لتظل الحوافز الإيمانية عاملة بين المبادرة والانطلاق، وبين الحدود والالتزام ومن خلال ذلك كله لا يعود التنافس على المراكز والسمعة، ولا على عرض الدنيا، ولكن يدور التنافس على الإجادة والإبداع في تقوى ذكية وموهبة غنية تعطى كل مسلم حقه على ميزان عادل أمين.
وتختلف الإدارة الإيمانية عن غيرها في العلاقات التي تبنيها بين العاملين من ناحية، وبين المستويات من ناحية أخرى، فالأخوة في الله لا تعطل سلامة الانضباط للنظام والقانون وإنما تغذيها والاحترام والثقة لا يفسدان العطاء والإنتاج، وإنما يغذيان ذلك كله.
هذه لمحة سريعة موجزة عما نتصوره للإدارة الإيمانية، وما يجب أن تحمله معها من ميزات في النظرية والتطبيق ولكن الأمر يعتمد إلى درجة كبيرة على الطاقة البشرية ومستوى إيمانها، وعلمها، وخبرتها، وكفاءتها ومستوى ما تلقته من تربية وبناء وإعداد في مدرسة الإسلام الممتدة من البيت والمسجد والمعاهد وسائر المؤسسات والقوى العاملة في الأمة من دعاة وأئمة وإعلام وغير ذلك.
إنها مسؤولية مدرسة الإسلام والدعوة الإسلامية بمعناها الرباني الحق، المدرسة والدعوة التي تعد للأمة أجيالها المؤمنة القادرة الأمينة لتدخل مختلف ميادين النشاط، ولتنضبط في نظام إداري إيماني عادل أمين.
▪ كلمة إلى الدعاة.. حاجة الدعوة إلى الرواحل
منذ إشراق فجر الدعوة الإسلامية، وهبوط الوحي على سيدنا محمد ﷺ ومنذ اللحظة الأولى التي كلف فيها رسول الله ﷺ بدعوة الناس كافة إلى دين الله ونشر الإسلام في ربوع الأرض بتوجيهات القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (سورة الأحزاب: ٤٥- ٤٦) منذ ذلك اليوم علم القائد المجاهد رسول البشرية أن أمر هذا الدين لا يقوم به ولا يدفع شأنه، ولا يحقق أمره في الأرض إلا رجالًا أشداء يصبرون على الأهوال.
ومن سنن الله في الكون أن هذا الدين لا ينهض به إلا الرجال، ولا ينتصر إلا بجهود بشرية على الرغم من قدرة الله التي لا يعجزها شيء. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (سورة يس: ٨٢) إلا أن النصر لو كان رخيصًا لكانت الدعوات هزلًا، ولقام في كل يوم دعيٌّ ينسب نفسه إلى قافلة الدعوة وركب المجاهدين.
وقد بدأ المصطفى ﷺ باصطفاء خيرة الناس وأكرمهم وأعقلهم، فبدأ بدعوة أبي بكر- رضي الله عنه- إلى الإسلام، فأسلم ثم انطلق الصديق، فجاء بسعد، والزبير، وطلحة، وعثمان إلى الصف المسلم، وقد شهد التاريخ لتلك العناصر الفذة وكانوا من المخلدين في ذاكرة الحياة، ومن العشرة المبشرين بالجنة، قادوا الأمة، وسادوا البشرية، ورفعوا راية لا إله إلا الله خفاقة في الأرض، فكانوا قادة للإسلام والقاعدة الصلبة التي تطاول بناء الدعوة عليها.
▪ ندرة العنصر القيادي
والعنصر القيادي في العمل الإسلامي من الأهمية بمكان لأن الدعوة قد تمتلك قواعد كبيرة وجماهير عريضة، ولكنها تفتقر إلى من يحرك تلك القواعد نحو الهدف، وقد يكون لها أنصار وأتباع يمتلكون من الطاقات والحماس والشجاعة والإقدام الشيء الكثير، ولكنهم بحاجة إلى ما يوظف هذه الطاقات ويوجه تلك الحماسة، وقد بيَّن لنا الرسول ﷺ حقيقة ندرة العنصر القيادي منذ زمن طويل فقال: «الناس كإبل مائة لا تكاد ترى فيها راحلة» من أجل ذلك كانت فرحة الرسول ﷺ غامرة بقدوم قائدين عظيمين من المعسكر المكي الكافر آنذاك إلى المعسكر الإسلامي، وذلك في السنة الثامنة للهجرة حين قدما إليه مهاجرين من مكة إلى المدينة: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، فاستقبلهم ببشاشة القائد الباحث عن قيادات إسلامية تحمل أعباء الدعوة، وتبعث الدين في الآفاق مستشعرًا ألم الحسرة التي خلفتها تلك الهجرة في نفوس قادة مكة الذين خسروا قادة لا مثيل لهم في ذلك العصر، استقبلهم رسول الله ﷺ وهو يقول: «لقد رمت مكة بأفلاء أكبادها» وما هي إلا شهور قليلة إلا ويقلدهم قيادة الجيوش لمعرفته بقدراتهم القيادية والعسكرية.
▪ بناء النفوس
قليل هم الذين يحسنون بناء نفوسهم ليكونوا رواحل العمل الإسلامي، وأداة بناء لأجيال الدعوة المتعاقبة، إن إعداد النفوس وتدريبها وتأسيسها على الإيمان العميق، والفهم الدقيق، والعطاء المتواصل للدعوة هي من عوامل إعداد تلك النماذج الفذة، وهذه الرواحل التي تكون قادة للخير ونموذجًا يحتذى به، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (سورة الفرقان: ٧٤).
قال ابن عباس: أئمة يقتدى بنا في الخير، وقال غيرهم هداة مهتدين دعاة إلى الخير وصاحب الهمة العالية هو من لا يرضى أن يكون إمامًا وقدوة لعموم الخلق وسائر البشر، بل يطلب الإمامة للمتقين، وتلك من المطالب العالية أن يأتم المتقون به، وذلك لمن أعد نفسه، وأخذ أهبته كي يتبوأ هذه المكانة الكبرى.
جعفر يوسف الحداد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل