العنوان المجتمع التربوي (1361)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1999
مشاهدات 61
نشر في العدد 1361
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 03-أغسطس-1999
النفس «الشفافة»
كل منا يتخيل ويتمنى أن تكون نفسه ذات شفافية وروحانية تلامس بروحانيتها السماء الزرقاء.
ونقرأ سويًّا هذا الحديث الذي يصف نفس رسول الله r الذي يرويه عبد الله بن الشخير t حين قال: «أتيت رسول الله r وهو يصلي ولجوفه أزيز المرجل من البكاء» (صحيح رواه أبو داود)، وهذا التشبيه الغريب والعجيب من هذا الصحابي لما سمعه من صوت خير البشرية يدل على مدى امتزاج هذه الروح الشفافة بكلام الله سبحانه وتعالى.
وها هم أتباع رسول الله r، وفي المقدمة منهم أبو بكر t، إذ كانت عائشة رضي الله عنها تخشى أن يصلي فلا يسمع الناس من شدة خشيته من الله العزيز الحكيم والبكاء الشديد الذي كان يصدر منه.
فعن أن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r: «قال مُروا أبا بكر فليصل بالناس» فقالت عائشة رضي الله عنها: «إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن غلبه البكاء» فقال: «مُروا فليصل»، وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها قالت «قلت: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء» (متفق عليه).
فإن دل ما سبق على شيء فإنما يدل على الإيمان الصادق والتجرد من كل زخارف الدنيا، والانفراد بكلام الله - سبحانه وتعالى - بكل خشية وتضرع، فهنيئًا لكل من رزقه الله هذه الشفافية، والرقة في نفسه وروحه.
تعال نؤمن ساعة
علاج القلوب القاسية
كثير من الناس يشكو قسوة القلب في هذه الأيام.
فإذا قرئ القرآن الكريم أو تلي عليه لا يحرك ساكنًا، وقد قال ربنا في كتابه العزيز: ﴿لَو أنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأيْتَه خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحشر: ٢١).
وفي موضع آخر قال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٧٤).
فالقرآن الكريم عظيم وثقيل لا تحمله الحجارة الصلدة، ولا الجبال الراسيات، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ (المزمل: ٥)، والقرآن لا يصل إلى قلب كان صاحبه مشغولًا ساهيًا لاهيًا لا يتدبر الآيات ولا يدرك معانيها.
فالمؤمن الخاشع الخائف قد أحضر قلبه لذكر الله جل وعلا وتمعن في مقصودها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال: ۲).
فيا أيها المسلم عليك بكثرة قراءة القرآن الكريم في كل وقت وحين، سرًّا وعلانية، فإن الإكثار من ذلك له الأثر البالغ في علاج القلوب القاسية، فيه تزول الوحشة، ويتبدد الظلام وينقشع الصدأ والران وتتفتح القلوب، وتغشاها الرحمة، وتحفها الملائكة فقد قال سبحانه: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨).
فأزجي نصيحتي لهؤلاء الذين يشكون قسوة القلب بالإكثار من قراءة القرآن الكريم والاستمرار عليه فسوف يجدون ما وعدهم الله من انشراح الصدر ورقة القلب وسكون النفس.
وقفة تربوية
لتسألن عن النعيم
روى مسلم في صحيحه قصة الجوع الذي أصاب النبي r، وصاحبيه أبا بكر وعمر – رضي الله عنهما – عندما التقاهما في الطريق وسألهما: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة قالا: الجوع يا رسول r، قال: وأنا والذي نفسي بيده أخرجني الذي أخرجكما» ثم توجهوا جميعًا إلى بيت أحد الأنصار، فقدم لهم عذقًا فيه بسر ورطب، وتمر، وذبح لهم شاة، فأكلوا منها، ثم قال النبي r: «والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم، يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم».
وقد اختلف المفسرون في معنى النعيم الذي سنسأل عنه يوم القيامة، وقد اختصر الإمام مجاهد هذه الأقوال بقوله: «كل شيء من لذة الدنيا» (تفسير القرطبي ١٠/٦٧ – ٧٢).
وأورد الإمام ابن الجوزي في بستان الواعظين ص ٢٦٣ قول محمود بن لبيد: «لما نزل قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر: ٨) قال أصحاب رسول الله r: أي نعيم؟! وإنما هم الأسودان التمر والماء وسيوفنا على عواتقنا».
وهكذا، لو استحضرنا سؤال الله لنا يوم القيامة عن هذه النعم التي تغرق فيها حتى الآذان، لكان لزامًا للعاقل أن يستحيي من الله المنعم أن يقصر في حقه، أو أن يعصيه، وأن يقوم بحق الشكر لهذه النعم التي لا تعد ولا تحصى.
كيف لا، وقد قال النبي r: «من أصبح فيكم أمنًا في سربه، معافي في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
فكيف بمن يملك أكثر من ذلك بكثير؟
- تنوع المربين… للتلميذ الواحد
القدرات والطاقات وتحصيل العلوم والمواهب أمور يهبها الله لمن شاء من عباده.
ومن حكمة الله تعالى تفضيل بعض الناس بأمور تندر في غيرهم، وقد يختص الله إنسانًا بموهبة ويسلبه غيرها.
والتلميذ النبيه والمدعو الفطن، يحرص على التلقي من المربي الواعي، الذي وجد فيه الكثير من المعارف التي تشبع رغبته في العلم، والأدب وحسن الخلق، ورجاحة العقل والخبرة الواسعة، وحل المشكلات... إلخ.
ولكن هذا التلميذ قد تتوق نفسه في أثناء الطلب والتحصيل والتعلم الأمور الدعوة – إلى مربٍّ آخر، أعمق علمًا، وأذكى فهمًا، من معلمه ومربيه الذي يأخذ منه.
والأمر لا يتجاوز عند التلميذ سوى زيادة العلم، مع ثقته وحبه لمعلمه ومربيه الأول، فهل يسوغ له هذا الأمر: أن يأخذ من مرب ومعلم آخر، أم أنه لا بد أن يكتفي بمعلمه ومربيه الأول، باعتبار أن ما يأخذه منه فيه الكفاية والمصلحة؟!
عن هذا التساؤل يجيب الإمام النووي -رحمه الله- بقوله: «وليحذر المقرئ «المعلم» من كراهية قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين»، وهي دلالة بينة لمن صاحبها على سوء نيته، وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله، فإنه لو أراد الله تعالى بتعليمه لما كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردت الطاعة بتعليمه، وقد حصلت، وهو قصد بقراءته على غيري زيادة علم، فلا عتب عليه».
ومن هذا الجواب المفيد والنص التربوي الفريد، نستنبط ما يلي:
١- أن المعلمين مختلفون في علمهم وفهمهم، فلا مانع حينئذ من أن يستفيد التلميذ من أكثر من معلم ينفعه.
٢- أن على المعلم أو المربي الذي يوجه أحد تلاميذه إذا رأى منه زيادة حرص، وقوة فهم، وقدرة على التعلم والحفظ أن يقوم بإرشاده إلى المعلمين الذين يرقى بهم، وينتفع بما لديهم، قبل أن يبادر التلميذ بنفسه فلا يميز بين القوي والضعيف.
٣- أن على المربي أو المعلم أن يستزيد من العلم والمعرفة ويطور من إمكاناته حتى يحبه التلميذ، ويأنس برأيه أما إذا فقد التلميذ من معلمه حسن التوجيه والرد على السؤال، وضعف التربية والتعليم فإنه سيلجأ حتمًا إلى غيره.
٤- إيمان المعلم والمربي بأن غيره قد يفوقه في جوانب مختلفة يهواها ويحبها التلميذ، فمن هنا كان لزامًا عليه إعانة تلميذه على تلبية رغبته، وهذا من حسن التوجيه.
٥- أن تنوع المربي بالنسبة للتلميذ أمر حسن، ولكنه مشروط بأمور منها:
أ- ضرورة تربية التلميذ وصقله على حسن الأدب مع جميع المعلمين ووعيه وفهمه المعاني، واختلاف وجهات النظر.
ب- ألا يكون توجيه التلميذ لبعض المربين من باب الترفه وزيادة أعداد المعلمين، بل يكون المقصود توجيهه لمصالحه وأهداف تعينه في مستقبله بإذن الله.
ج- أن يتعلم التلميذ ويوقن بأهمية الإحسان لمعلميه، وعدم إنكار الجميل لكل من علمه ولو حرفًا فكيف بمن انتشله من الشر، وبصره بكيفية الحياة؟
علي بن حمزة العمري
كلمة إلى الدعاة
ارجع إلى نفسك فقل لها
في خضم حياة الدعوة والدعاة، وفي ظل الحركية الدعوية، وما تتطلبه أمورها من الانشغال بأعبائها، والانصهار في بوتقتها، والعيش مع أنفاسها لحظة بلحظة فرحًا حينًا، وحزنًا في حين آخر، وسرورًا وانفتاحًا تارة، وانكماشًا وضيقًا في تارات أخرى، وتعبًا وكدًا ونصبًا، قد يرى الداعية أنه المشغول الأول - بلا منازع - في ميدان الدعوة، وأنه قد قدم، وما يزال يقدم للدعوة الشيء الكثير، وأن انهماكه في شؤونها ودقائقها، قد أنساه نفسه وأهله ووظيفته و دراسته وسائر شأنه، وأنه بجهده هذا وطاقته تلك، قد استنفد جميع القوى لخدمة الدعوة، فلا تثريب عليه من بعد، ولا مطالبة له بالمزيد، وقد عد الأول في ميدان السباق، ولا سيما أنه يعمل ويعمل دون كلل أو ملل أو سأم أو ضجر، بينما الآخرون يتساقطون بجانبه، ذات اليمين وذات الشمال، وهو ثابت كالطور الشامخ والجبال الراسيات، وقد آن له أن يستريح قليلًا من عناء الدعوة وأعبائها!.
وهنا نقول: أيها الأخ الداعية الكبير ارجع إلى نفسك فخاطبها وقل لها: ما أنت أيتها النفس إلى جوار العظماء الأفذاذ ممن سطرتهم أحرف الدعوة بمداد من نور، وخلد الدهر أعمالهم بمداد من ذهب ممن لن يشغلوا أنفسهم يومًا بالتفكير في أن يلقوا عنهم عناء الطريق ما أنت إلى جوار أحمد ياسين، وابن باز، والبنا، وسيد قطب، والمودودي، والندوي، وابن عبد الوهاب، وما أنت إلى جوار ابن تيمية، وابن القيم، ونور الدين، وصلاح الدين، وابن المبارك، والكيلاني وغيرهم من أئمة الأمة ودعاتها الأفذاذ؟ بل أين أنت من الداعية الأول محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؟
ثم لينظر أحدنا إلى ما جاد الله به عليه من نعم لا تعد ولا تحصى، أفيرى أحدنا أنه لو دعا أهل الأرض كلهم شرقيهم وغربيهم، وتكلف في هدايتهم إلى طريق الحق أفيرى أنه قد أدى شكر نعم الله عليه كلا والله، فالله يوم القيامة يزن أعمال العبد كلها، ثم ترجح بها نعمة البصر وحدها، فأين شكر الله على الاصطفاء؟ وأين الثناء؟
ثم إننا أيضًا مع نظرة النقص هذه، لابد لنا من أن نتيقن طول الطريق، واستطالة الزمن، وحسبنا أن ندرك أن السنين في عمر الرجال كالثواني في عمر الدعوات، وحسبنا أن تكون جسرًا يعبر عليه من بعدنا، وحسبنا أننا اختصرنا الطريق عليهم فيبدءون من حيث انتهينا، فلا راحة اليوم في حياة الدعاة، ولا دعاة اليوم بلا كفاح، وحسبنا ألا نكون ممن يقال فيهم:
تبلد في الناس حس الكفاح ومالوا لكسب وعيش رتيب
يكاد يزعزع من همتي سدور الأمين وعزم المريب
وحسبنا ألا نكون من ألقى عن كاهله سلاح دعوته، فمضى شامخًا أبيًّا:
أخي هل تراك سئمت الكفاح وألقيت عن كاهليك السلاح
فمن للضحايا يواسي الجراح ويرفع راياتنا من جديد
أخي أيها الداعية المكافح: إن كل واحد فينا اليوم ثغر من ثغور الدعوة، وإن عمله فيه عمل عظيم وجليل بلا شك، وإنه لنور يضيء الدجى للسالكين، ويهدي الحيارى والتائهين، وإنه ليستمد نوره من مشكاة الدعوة المحمدية، وإن بشائر النصر له قد اقتربت، وإنها لتلوح من بعيد في شوق إلى لقاء فمتع أخي ناظريك بالنصر الكبير، وحسبنا أننا قد ابتدأنا المسير، وإن غدًا لناظره قريب.
خالد الحربي
قطوف تربوية من قصة صاحب الجنتين
خطاب المؤمنين
المؤمن يراعي أدب الحوار وحق الصحبة مع الكافر ويبدي الشفقة عليه وحب الخير له
وجه المؤمن انتباه الكافر إلى هوان الموازين الدنيوية التي يحكم بها على الناس.
وعلم سنن الله الكونية ومن خلالها امتلك الرؤية المستقبلية فأخبر الكافر بمصيره وهدم ملكه.
بقلم: د.حمدي شعيب
يواصل الرجل المؤمن في هذه الحلقة حواره الهادئ المسترسل مع صاحبه الكافر ويستخدم كل المؤثرات العاطفية الممكنة في محاولة الوصول إلى قلبه مراعيًا أدب الحوار وحق الصحبة، وما جبل عليه أي مؤمن من شفقة على أهل الكفر، وحب الهداية لهم.
ويبين له هوان الموازين المادية التي يحكم بها على الناس، مشيرًا إلى مدى الرضا الذي يملأ نفسه بما أنعم الله به عليه، ومعربًا عن ثقته فيما عند الله، ومحذرًا له -في الوقت نفسه -من الركون إلى الدنيا، ومن مصيره، ومصير كل من لا يعتبر بسنن الله الكونية، وهو: زوال ملكه، وفناؤه وفناء دنياه.
يستمر الرجل المؤمن في حواره، وعرض أفكاره، ونقف عند نقطة مهمة جاءت على لسانه والحوار في مرحلة ساخنة، وهي نصيحته المشفقة: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (الكهف: ٣٩)، لقد أرشد الرجل المؤمن صاحبه الكافر، وهو يحاوره إلى التصرف اللائق الصحيح، الذي يشكر فيه ربه، ويعمل على دوام نعمة الله عليه، وطالبه بأن يلجأ إلى الله، وأن يعلق الأمر على مشيئته، ويجعله مرهونًا بقدرته، وأن يستمد قوته من قوة الله سبحانه([1]).
وتأمل هذا السلوك الفريد، وكيف أن الرجل المؤمن قد راعى حق الصحبة ولو مع الكافر، ولم يشعر بالصغار أمام ملكه الواسع، بل أعلن لصاحبه في اعتزاز وإيمان، تلك النصيحة الراقية الخالصة المخلصة في كيفية الشكر، وكيفية حفظ نعم الله، وذلك من باب مسؤوليته وتمثيله لتيار جاء ليحمل الخير للبشرية التعيسة الرافضة الجامحة.
ومن باب تلك العاطفة الجياشة التي يحملها دعاة التيار الديني، دومًا في كل عصر، وفي كل موقف حتى لمخالفيهم.
ذلك التيار الذي يحمل شعارًا، وأمرًا ربانيًّا بين الخير أينما حل: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: ٧٧).
وهذا التيار هو طليعة أمة اكتسبت خيريتها من الخروج إلى الناس كل الناس لتقودهم، إلى خيري الدنيا والآخرة، أمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، منطلقة من قاعدتها الإيمانية ولتكون شهيدة عليهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ۱۱۰).
وصفة حب الخير وحب فعله، قد اكتسبها وتربى عليها كل من أقر بأن قائده وزعيمه صلى الله عليه وسلم الذي وصفه الحق سبحانه بأنه منهم، وأنه حريص عليهم، وأنه رؤوف ورحيم بهم: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨).
وتذكر فقط مغزى تلك النصيحة المشفقة التي جاءت في سياق الآيات التي تلاها الله أمام عتبة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت: ٦)
لقد أعلن r أنه منهم، ولكن الفرق أو تميزه عنهم هو أنه رائد أهله، رائد يحمل رسالة ربانية تدعوهم إلى توحيده سبحانه، ثم تأخذ بيدهم إلى الاستقامة والهداية، لذا فإننا لا نستغرب سلوك الرجل المؤمن مع صاحبه.
وكذلك لا نعجب لسلوك رواد التيار الديني المعاصر مع قومهم، خاصة مخالفيهم، وذلك لأنهم يستمدون فكرتهم وعاطفتهم من معين واحد، ومن منطلق واحد، ويكفينا في هذا المقام أن نورد مجرد عينة من خطابهم، إذ يقولون في إحدى أدبياتهم: «ونحب كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا، وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا»([2])
عاشقو المعالي
ثم ننتقل إلى نقطة أخرى في خطاب الرجل المؤمن، عندما قال لصاحبه: ﴿إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ﴾ (الكهف: ٣٩ – ٤٠) هكذا في هدوء، وبكلمات بسيطة الألفاظ عميقة المعنى يبين له خطورة اتهاماته وهوان موازينه الأرضية المادية الدونية التي يحكم بها على الناس، وكأننا به يقول له: لعلك أخطأت يا صاحبي عندما نظرت إلى من منظور مادي، فقيمت صاحبك وبخسته، على أساس قلة ماله، وقلة ولده، ولكن الأمر أعمق من تفكيرك، وأعلى من مستوى إدراكك، وأسمى من أن تقيمه بموازينك الأرضية، فالأمر كله بيده سبحانه الواهب ومقسم الأرزاق، وإني على ثقة من أن لي عنده سبحانه الحسنى والخير، بل سيؤتيني أفضل مما تملك، وذلك في الدنيا والآخرة، إن شاء الله تعالى.
ونستشعر من هذه اللقطة بعض اللمحات التربوية: منها مدى الرضا الذي يملأ كيان أبناء التيار الديني، وعدم الركون إلى الماديات وحطام الدنيا، وكذلك الثقة فيما عنده سبحانه، واللجوء إلى الركن الشديد إليه سبحانه، فهو المثبت وهو الرازق وهو الواهب.
وهذا كله مرجعه إلى قاعدتين إيمانيتين أساسيتين:
أولهما: التربية العميقة على الموازين الربانية، تلك القضية التي عاتب فيها الحق سبحانه حبيبه ﷺ كما جاء في سورة عبس، عندما انشغل عن عبد الله بن أم مكتوم t ببعض كبراء قريش.
ثانيهما: الاهتمام بمعالي الأمور، وتلك هي القضية المهمة في التمايز، فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
فمن خلال تلك القاعدتين الإيمانيتين، ينبعث المسلم المؤمن، التائب، الآيب، العامل الواعي، الفاهم ذو الهمة العالية، الذي رآه الشاعر أحمد محمد الصديق، فوصفه قائلًا:
يتعالى عن أراجيف الثرى نافضًا عنه غبار التهم
يرسل النجوى وفي أضلاعه لوعة الثوب وجمر الألم
أين ليل التيه من شمس الضحى؟ لا يعي الأسرار غير المسلم
من تكن عيناه للأرض فلن يتسامى أبدًا للأنجم
فراسة يصنعها فقه
ثم يختم الرجل المؤمن حواره الهادئ محذرًا صاحبه من الخطر القادم من قبله سبحانه، ذلك الخطر الذي يأتي دومًا نتيجة لمقدمات معروفة، وحصاد لأسباب معلومة: ﴿وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا * أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا﴾ (الكهف: ٤٠ – ٤١).
هكذا ختم حواره، بنبرة تحذير وإنذار، معلنًا في ثقة: إن الله U المعز المذل، قادر على أن يكلك إلى سبب عزتك وبطرك وغرورك، ولن ينفعك عندما يرسل ما لم تحسب له حسابًا، إن الله قادر على أن يهلك جنتيك ويدمرهما، فتوقع يا صاحبي صاعقة مدمرة تدمر جنتيك، وتزيل ما فيهما، فتصبح كل واحدة منهما ترابًا أملس أجرد أو توقع أن يذهب النهر الذي بين الجنتين، وأن يغور في باطن الأرض بأمره سبحانه، ولن تستطيع أن تعيده.
وهي نظرة مستقبلية استشرافية، لا يدعي فيها الرجل المؤمن علمه بالغيب، ولكنها مبنية على قراءة تاريخية ماضوية، واستقراء لحاضر تشهد مسبباته بالمصير المستقبلي المتوقع.
وهي النظرة التي ألمحنا إليها آنفًا، والتي لا يمكن أن تصدر إلا عن عقلية مميزة عقلية مؤمنة، قد بلغت الحالة الإدراكية الراشدة، وهي الحالة أو الصياغة العقلية المنشودة، واكتسبت أو تكون لديها ما يسمى بمنظومة الوعي البشري.
وهذه الصياغة – كما قلنا – تقوم على مرتكزات معينة تعرف بالثلاثية المعرفية، وهي فقه جيد للفكرة، وفقه بصير بالواقع، وقراءة عميقة للتاريخ.
فلمسنا كم كانت دراية الرجل المؤمن ووعيه بكل شهود التاريخ البشري، وبكل سنن الله U الإلهية في الأنفس أي في عالم الأحياء وهي السنن الإلهية الاجتماعية، وفي الآفاق أي في عالم المادة، وهي السنن الإلهية الكونية.
وتوقع لصاحبه الكافر مصيرًا، يفسره ويدركه كل من فقه السنن الإلهية المختلفة، التي تعين على قراءة المستقبل من خلال استقراء الحاضر.
ولعله رأى حاضر صاحبه، وقد انطبقت عليه بعض سنته سبحانه منها (سنة الله في الأسباب والمسببات أو قانون السببية: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ﴾ (الليل: ٥ - ١٠)، ومنها سنة الله في الفتنة والابتلاء أو قانون الابتلاء: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا﴾ (الكهف: ٧)، ومنها سنة الله في الظلم والظالمين، أو قانون الظلم: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (يونس: ١٣).
ومنها سنة الله في الطغيان والطغاة، أو قانون الطغاة: ﴿فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾ (الفجر: ١٢ - ١٤).
ومنها سنة الله في بطر النعمة وتغييرها، أو قانون النعم وتغييرها:﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الأنفال: ٥٣).
ومنها سنة الله في الذنوب والسيئات أو قانون الذنوب والسيئات: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الأنفال: ٥٢).
ومنها سنة الله في الاستدراج، أو قانون الاستدراج: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ٤٤ - ٤٥).
وتدبر ذلك التحذير الذي في سياق خطابه r مع عتبة أثناء حوارهما: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: ١٣).
وهو نفس التحذير الذي ورد في خطاب مؤمن آل فرعون، عندما قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ (غافر: ۳۰)
من هذا الملمح ندرك كيف أن فقرة الختام في حوار الرجل المؤمن التي صدقتها حوادث القصة بعدها، تعتبر أخطر ركائز الخطاب الديني، بل وتعتبر حجر الزاوية.
تلك الركيزة التي تفسر لنا بعض أسرار وأسباب وصف المؤمن بالفراسة، وأنه يرى بنور الله سبحانه، ذلك لأنه يفقه سنته سبحانه الإلهية، ومن خلال هذا الفقه فإنه يستطيع أن يملك الرؤية المستقبلية الاستشرافية، وذلك باستقراء حوادث الماضي، ومن خلال فقه الواقع والأسباب الحاضرة.
وكذلك يشعر المؤمن بالأنس مع الوجود كله، ويشعر أنه وكل الوجود عبارة عن ستار لقدر الله يتم بهم على الأرض قدر الله وحركة السنن الإلهية، وأنه كأحد الخلائق، التي يجري بهم الخالق سبحانه سننه وأقداره، وبحركتهم تتم العملية التغييرية([3]).
وتدبر كيف أن الرجل المؤمن قد أخبر صاحبه أن السماء وكذلك الأرض، ستشاركان في عملية التغيير والهدم لملكه.
أما غير المؤمن، فهو ينتسب إلى تيار، قد وصفه سبحانه بعدم الفقه أي بعدم فقه سننه سبحانه في الكون والحياة: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (الأنفال: ٦٥).
[1])) من قصص السابقين في القرآن ، صالح الخالدي – طبعة دار القلم دمشق ٢/١٤٠
[2])) مجموعة الرسائل رسالة دعوتنا، الإمام البنا ١٣
[3])) السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية: د. عبد الكريم زيدان ، طبعة مؤسسة الرسالة ٢٢١, ٢٢٥ بتصرف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل