العنوان المجتمع التربوي (1397)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000
مشاهدات 86
نشر في العدد 1397
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 25-أبريل-2000
■ وقفة تربوية
■ إذا لم تستح
الحياء من الإيمان، ولا يأتي إلا بخير -كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم- لأنه هو الحائل دون الإقدام على المعصية، ولهذا السبب فإن العاصي لا يملك مثل هذا الحائل، مما يجعله يقدم على المعصية.
لذلك قال الرسول ﷺ: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت».
أما الخجل فشيء آخر بخلاف الحياء إنه شعور وسلوك يمنع صاحبه من كثير مما ينفعه في الدنيا والآخرة، وسبب الخجل غالبًا هو النشأة الخاطئة التي يتلقاها الفرد من والديه، أو البيئة المحيطة به.
يقول د. فيلس. م. شو في كتابه «كيف تتغلب على الخجل» «ص: ٥»: «إن كلمة الخجل تشتمل على أنواع مختلفة من القلق والصعوبات، فقد خلق الإنسان وهو لا يعرف كيفية التعامل مع الآخرين. لقد تلقينا المعلومات من والدينا وأقاربنا والجيران في أثناء الطفولة، وسن البلوغ والرشد، وكنا نحصل أحيانًا على معرفة غير كاملة كانت سببًا في شعورنا بالإحراج والارتباك».
والأب أو الأم اللذان لا يعطيان الفرصة لأبنائهما بالتعبير عن أنفسهم، أو التعليق، أو الشكوى، ويمنعانهم من الحديث، بل ويهددانهم بالعقوبة إذا تحدثوا، تكون النتيجة في غالب الأمر لسلوكهم هذا هي الخجل والانزواء، والميل لعدم المشاركة أو التعبير عن المشاعر أمام الآخرين، وهذه كلها أمور سلبية يجب أن ينأى المسلم بنفسه عن الوقوع فيها.
أبو خلاد
■ روعة الانتباه
الانتباه نور من أنوار اليقظة التي تؤدي للكشف عن الطريق الصحيح، وعليه تتوقف القدرة على مواصلة الصعود والارتفاع أو الوقوف في سلم النابهين، وحيث يظل الجاهل في غمرته، وشهوته ولذائده لا يرى شيئًا يحفزه، ويحثه على الصعود والرقي سادرًا في أحلامه وأمانيه، لاسيما أن بعض النفوس تستلذ اليأس وتعشق الظلام، لكن الأمل من حولها واسع والنور غامر (۱) فهي رقدة الغافلين، وسكرات الغفلة التي تستوجب روعة الانتباه كما يسميها ابن القيم (۲).[1]
ويصور الأديب ابن المقفع صورة جميلة للغافلين عن أحوالهم فيقول: «التمست للإنسان مثلًا فإذا مثله مثل رجل نجا من خوف فيل هائج إلى بئر فتدلى، وتعلق بغصنين كانا على البئر، فوقعت رجله على شيء من طي البئر، فإذا حيات أربع قد أخرجن رؤوسهن من جحورهن، ثم نظر فإذا في قعر البئر تنين فاتح فاه منتظر له ليقع فيأخذها فرفع بصره إلى الغصنين فإذا في أصلهما جرذان يقرضان الغصنين لا يفتران فبينما هو في نظره لأمره، واهتمامه لنفسه ومصيره، إذ أبصر قريبًا منه كوارة فيها عسل -بيت النحل- فذاق العسل فشغلته حلاوته، وألهته لذته عن الفكرة في شيء من أمره، لم يذكر أن رجله على حيات أربع لا يدري متى يقع عليهن ولم يذكر أن الجرذين دائبان في قطع الغصنين؟ ومتى انقطع وقع على التنين فلم يزل لاهيًا حتى سقط في فم التنين فهلك» (۳).
لقد شغلته حلاوة العسل عن الأمور التي تهدد حياته من حوله، فلم ينتبه لها، فصار من الهالكين.
لذلك يقول المثل: «عديم الانتباه يطوف الغابات لا يرى فيها خشبًا يصلح للوقوف».
فهو في غفلته سادر لاه، لا ينتبه لنعم الله عليه وتفريطه في حقه في المقابل، ولم يلحظ تغير الأحوال والأمور من حوله، وصعود الأصحاب إلى سلم المعرفة والعلم والأدب، فيما انشغاله هو بكوارة العسل برغم امتلاكه لأدوات المعرفة، وخصائص الانطلاقة.
لذلك مدح أحد التجار في عهد السلف الصالح -وكان من أقران أبي حنيفة- لنباهته، وحذاقته فقال: «يا ليتني تعلمت الفقه مثل أبي حنيفة». وقيل: كان للإمام مالك شقيق يجاريه في حفظه وفطنته، لكن شغله اللعب بالحمام عن العلم لذلك وجبت الربتة الخفيفة على كتف المطرق المطاطئ الملتف تنبهه إلى سكينة قريبة منه وهالة جميلة فوقه لو رفع رأسه (٤).[2]
وحذر الألبيري ابنه من أن يستلذ اليأس، ويلهو على الطريق، وبين له عاقبة ذلك، فقال:
لسوف تعض من ندم عليها وما تغني الندامة إن ندمتا
إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفعوا عليك وقد سفلتا
فراجعها ودع عنك الهويني فما بالبط، تدرك ما طلبتا
مروان الصالح- الدمام- السعودية
----------------------------------------
الهوامش
[1] (۱) العوائق، ص ۲۸۰، الرسالة.
(۲) تهذیب مدارج السالكين: ١٥٣.
(۳) كليلة ودمنة ابن المقفع، ص ۸۹.
[2] (٤) العوائق، ص ۲۸۰، الرسالة.
--------------------------------------
■ الطيور العالية
كن ذا همة عالية وطموحات غالية لا ترضى بالدنية ولا تنظر إلى الدنيا الفانية. فإن أردت هذا فما عليك إلا بتقوى الله في السر والعلانية، ثم ابذل لذلك الأسباب تنل ما كنت باغيًا.
ولا يعرف الهمة العالية إلا من أحس بثقل ما هو مطلوب منه، والأمانة المناطة إليه، وضرورة إبلاغ دعوة الله في كل زاوية وحي، يقول الشيخ محمد الخضر حسين في تعريفه للهمة العالية: «هي استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور».
نعم، نريد أن يكون الأخ عالي الهمة لا يرضى بما دون الله والجنة، فعلى أكتاف هؤلاء تنهض الأمة الإسلامية، وبأيديهم يزلزل الكفر، وتهدم الوثنية، وبأكفهم تطمس العلمانية.
يقول ابن القيم -رحمه الله- في مدارج السالكين وعلو الهمة: ألا تقف دون الله ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظها من الله، وقربه والإنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان.
قال الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابا
عبد العزيز العوضي
■ وقفة لتصحيح المسار وصعود سلم التغيير
عليك بعدم التأجيل.. استثمار الفرص السانحة.. التعجيل بمعالي الأمور
يقول الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- في كتاب «الجواب الكافي» «وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته وإن عاش في عيش البهائم فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة فموت هذا خير له من حياته».
ها هو عام هجري قد مضى من أعمارنا، وسنة كاملة مرت مرور السحاب، ولا نعلم هل قدمنا فيها ما يفيد مجتمعنا ووطننا؟ هل سطرنا على صحائف سيرتنا الذاتية ما يشفع لنا عندما نقف بين يدي الملك الديان سبحانه وتعالى؟
سنة مضت من أعمارنا ونحن نعيش وسط مجتمع تموج فيه الفتن وفي وسط أشبه ما يكون بالفضاء الرحيب والمشقات الجسام، ولكن ماذا قدمنا -أخي الحبيب- وسط تلك الميادين؟ وهل لنا من وقفة محاسبة جادة مع هذه النفس المقصرة التي نتجرع آلامها جميعًا لا لشيء سوى أن الشيطان يجري فينا مجرى الدم والعياذ بالله؟
إني أرى أن الدارس بمدرسة الحياة الرحبة لابد له من أن يتسلم نتيجة دراسته طيلة عام واحد تلك الشهادة التي يجب أن تكون ذاتية صادرة من أنسجة قلوبنا لا من الآخرين، نعم هذا الذي نريده حتى نتعلم -أنا وأنت ومن حولنا- كيف نقوم ذاتنا ونضع نفوسنا في ميزان التمحيص، لنرى عقب ذلك أين نحن؟ وماذا قدمنا؟ وما الذي حصلنا عليه؟ وما الذي تعلمناه؟ ومن الذي علمنا؟ ومن هم الذين أثرنا فيهم وهل استطعنا أن نثري نفوسنا بومضات التغيير الإيمانية التي تجعل النفس ترتقي إلى مدارج التقرب إلى الله تعالى؟
أسئلة كثيرة قد تكون عادية في طرحها، لكنها خطيرة في مغزاها وتحتاج إلى أن نحسن التعامل معها.
أخي الحبيب، حري بنا أن نقف وقفة التغيير البنائي لذاتنا، وأن نبتعد عن مضيعات الأوقات التي لا طائل من ورائها إلا قضاء الأعمار في توافه العيش، وفيما لا يرضي الله تعالى، ذلك أن العمر ينقضي بسرعة وأنت تدرك تمام الإدراك كيف ينقضي علينا الأسبوع دون أن نحس به، بل كيف انقضت سنة هجرية كاملة دون أن نضع لها أي اعتبارات في حساباتنا التقديرية على الأقل؟ وبالتالي فإن أهم ما يمكن أن نقوم به في هذا الإطار هو مبدأ عدم التأجيل في أمورنا، لأننا لا نعلم متى ستكون خاتمتنا، ومن ثم فإن استغلال الفرص السائحة في الحياة والتعجيل بمعالي الأمور قبل مفارقة الدنيا هو الحل الأمثل لتوطين النفس على مواطن الخيرات، وبعدها عن اللهو والفساد.
فعن ابن عباس -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: «اغتنم خمسًا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك.
فهذا رسولنا الكريم يحثنا على استغلال الأوقات، واستغلال الحياة والصحة، والفراغ والشباب، والغنى وكلها من ثوابت العيش في هذا الزمان.
أخي الكريم، إن من طبع الإنسان التسويف والتأجيل، وهو الأمر الذي يوقعه في تأخير الارتقاء بالنفس، وكما يوضح شيخنا الأديب علي الطنطاوي -رحمه الله تعالى- فإن السبب الأساسي في فشلنا هو التأجيل والتسويف ومن ثم نحمل أنفسنا فوق ما تطيق، ويضرب مثالًا لذلك بالخياط الذي يعدك بأن يسلمك البدلة في نصف رمضان فلا يزال يسوف حتى تأتي ليلة العيد والبدلة لم تصل بعد بسبب أن الخياط يحمل نفسه ما لا طاقة له به فماذا يضيرنا -أخي في الله- أن نتفق جميعًا على أن نصحح مسارات حياتنا بالتخطيط المتقن للمستقبل الذي ننشده فنضع أسس التغيير في أولويات المرحلة المقبلة في حياتنا، ونهتم بتعديل جزء كبير مما قصرنا فيه طيلة السنوات المنصرمة حتى لا تمر علينا السنة الجديدة كما مرت السنة الماضية، أو نجلس على عتبة الندم، نتحسر على ضياع الأوقات وإهدارها دون أن نحقق النجاح المطلوب في حياتنا.
يجب ألا نكلف أنفسنا ما لا نطيق حتى نستطيع أن ننجز ما وضعناه في خطط التغيير الذاتي والأمر يحتاج إلى يقظة، وانتباه، وإحساس دائم بالمسؤولية الخاصة والعامة، حتى نستطيع أن نصعد سلم التغيير بثبات، بدءا بنفوسنا، ثم الآخرين، فأنت أولًا -أخي الحبيب- ثم الآخرين. نسأل الله أن يجعله عامًا مباركًا علينا أجمعين وأن يمنحنا خيره، ويكفينا شره، وأن نكون ممن يستغله في طاعة الله ورضوانه.
بدر علي قمبر
■ نبضات قلب مسافر
■ قوت الأحاسيس
بني الحبيب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ليس أفقرنا من لا يجد قوت يومه، ولكن أفقرنا من سلب قوت أحاسيسه ومشاعره وصلاته مع الله. ولعمري فإن فقر الأحاسيس الإيمانية الداخلية هو عين الفقر.
ومن المفارقات الموجعة -يا بني- أن الإنسان يكابد في الحياة الدنيا لقطف نور الحكمة وعسلها لكنها تتأبى عليه إلا بعد أن يصطلي بنارها، ولسعها، ومرارتها، وهكذا بقدر حرص الإنسان، وذله وحزن لفوات لذة الدنيا يكون اتساع الفجوة بينه وبين الله، وأمام هذا الانتكاس الدنيوي، هل تظن -يا قرة عيني- أن الأيام ستأتينا بما نحب دائمًا؟ وما أدراك فلعل متاع ما نحبه اليوم قد يكون لوعة علينا غدًا!؟
نعوذ بالله من قلب لا يخشع ونفس لا تشبع، وروح لا تطل على نافذة السماء. ما أجدرنا أن نتذكر هذه العناية الإلهية التي تمدنا بمعين لا ينضب من القناعة والرضا في قوله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافي في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن).
ترى متى تصل البشرية إلى هذا المستوى من الرقي العظيم المقتبس من فيض النبوة؟
محمد شلال الحناحنة
■ معادلات إيمانية
«التيسير» مفتاح إلى القلوب وسبيل لحل المشكلات
التعسير من آثار المعصية التي يجدها العاصي في نفسه وحياته مع الناس
بقلم: الشيخ عبد الحميد البلالي
التيسير في الأمور كلها يحدث نتيجة لأعمال القلوب والجوارح التي من أبرزها التقوى والإنفاق في سبيل الله، والتصديق بما أنزله سبحانه، والعمل بما أمر والابتعاد عما نهى.
يذكر الله تعالى في كتابه الكريم هذه المعادلة الإيمانية فيقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 4).
ويذكر الإمام الرازي معاني التيسير في هذه الآية فيقول: «في تفسير هذه اللفظة وجوه»:
أحدها: أنها الجنة.
ثانيها: أنها الخير.
ثالثها: المراد منه أن يسهل عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك.
رابعها: اليسرى هي العود إلى الطاعة التي أتى بها أولًا، فكأنه قال: فسنيسره لأن يعود إلى الإعطاء في سبيل الله، قال القفال ولكل هذه الوجوه مجاز في اللغة، وذلك لأن الأعمال بالعواقب فكل ما أنت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة فإن ذلك من اليسرى، وذلك وصف كل الطاعات «التفسير الكبير ٣١/ ۱۹۹».
كل هذه الأنواع من التيسير إنما هي نتيجة للتقوى، والتقوى هي اتخاذ الوقاية من النار، ومن كل ما يدخل النار، ويوجب غضب الجبار والوقاية لا تكون إلا بالعمل بما أمر به الله تعالى، والابتعاد عما نهى، والتقرب الدائم له.
أو هي كما عرفها الإمام علي -رضي الله عنه- «الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل».
الإنفاق في سبيل الله فالمال -كما يقولون- نسيب الروح، ولا ينفق الروح إلا من استطاع إنفاق المال، والذي ينتصر على نفسه المحبة للمال، وينفقه في دروب الخير ابتغاء ما عند الله تعالى فقد فتحت له أبواب الفلاح، لذلك قال تعالى في كتابه الكريم مادحًا الذين ينتصرون على أنفسهم التي تدعوهم البخل ثم ينفقون، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9)، ليس هذا فحسب، بل إن الله سبحانه وتعالى يكافئه في الدنيا قبل الآخرة فييسر له أموره كلها بأنواع التيسير التي ذكرها الإمام الرازي، فلا يطرق بابًا إلا فتح، ولا يقع في معضلة إلا حلت، وييسر إلى نفسه، وييسر عليه كل ما كلف به، بل ويحببه عليه ترك كل ما نهي عنه، بل ويكرهه إليه، وييسر عليه العودة باشتياق إلى عمل الطاعات، كل ذلك نجده في المعادلة القرآنية الإيمانية التي يقول فيها سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾ (الليل: ٤- ٧).
بينما الذي لا يتخذ حماية له من غضب الله تعالى وعقابه، ولا ينفق في سبيله فإن الله تعالى يعسر عليه أموره كلها، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾ (الليل: ٨- ١٠).
ويذكر الإمام ابن القيم في كتابه القيم «الجواب الكافي» التعسير من ضمن آثار المعصية التي يجدها العاصي في نفسه وحياته، «فلا يتوجه الأمر إلا يجده مغلقًا دونه، أو متعسرًا عليه، وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرًا، فمن عطل التقوى جعل له من أمره عسرًا، ويا للعجب كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه. وطرقها معسرة عليه، وهو لا يعلم من أين أتي» «الجواب الكافي ٦١ ط دار الكتب».
موسى يطلب التيسير: عندما كلف الله تعالى موسى -عليه السلام- بالرسالة، وأمره بالتوجه إلى الطاغية فرعون، ولعلم موسى -عليه السلام- الذي تربى في بيت الفرعون بطغيانه وجبروته، أدرك خطورة المهمة ووعورتها، فطلب من الله التيسير: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (طه: 25- 26)، فكان ما أراد حيث يسر الله له مجابهة فرعون، ويسر الله له مجابهة السحرة حتى أمنوا به، ويسر الله له الخروج ببني إسرائيل من مصر.
ويسر الله له النجاة من بطش فرعون بفتح طريق في البحر وإغراق فرعون وجنوده، كما يسر الله له قيادة بني إسرائيل قتلة الأنبياء والرسل.
التيسير مع الناس: الإنسان بطبعه لا يستطيع العيش من غير الآخرين، إنه يحتاج إلى الزواج ليعيش مع شريكة له في حياته، ليقوما بتربية الأبناء، وليستعين بها على عبادته، ويحتاج إلى الأبناء حتى يشعر بسعادة الأسرة وجمعها ويحتاج إلى رفاق العمل، فلا يمكنه العمل بمفرده بعيدًا عن الناس، ويحتاج إلى الناس في قضاء ما لا يستطيع قضاءه من أمور الدنيا، ويحتاج إلى إخوان له يعينونه على سلوك طريق الجنة، وهكذا.
فالإنسان لا يستطيع الفكاك عن الناس، فإذا تعسرت وتعثرت علاقته بالآخرين، فإن ذلك يسبب له الضيق والألم النفسي الذي يحول بينه وبين فضاء الكثير من الحوائج، أو حتى العيش الهنيء فما من إنسان إلا ويتمنى أن يكون محبوبًا من الآخرين، وأن تيسر أموره كلها معهم، حتى يحصل على هذا اللون من السعادة، ولكن كيف ينجح في كسب الآخرين، وإصلاح ما بينه وبينهم؟
يرشدنا الإمام علي -رضي الله عنه- للمعادلة الإيمانية التي تحقق هذا الحلم فيقول: «من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس» «الاستعداد ليوم المعاد، ص ۲۳».
إنها إذن ثمرة العلاقة بين العبد وربه، وعلى مقدار قوة هذه العلاقة في السر والعلن يكون مقدار التيسير في علاقة المرء مع الناس.
يقول التابعي الجليل أبو حازم مسلمة بن دينار «لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد، ولا يغور فيما بينه وبين الله عز وجل إلا أغور فيما بينه وبين العباد، ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها، إنك إذا صانعت هذا الوجه مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شنفتك الوجوه كلها» «صفة الصفوة ١٥٧٢».
إنه سبحانه وتعالى مالك القلوب، فهل يعجزه أن يميلها لمن يشاء من عباده والذي أمر النار بأن تكون بردًا وسلامًا على عبد صالح دعا قومه للتوحيد وألقي في النار من أجله، أليس بقادر على أن ييسر أمور من أحسن علاقته به مع الناس؟! بلی قادر.
■ رحيل الشيخ محمد بن صالح المنصور
المسلم مأمور بالإيمان بقضاء الله وقدره، ويحسن الظن بخالقه، لكن حزن القلب، ودمع العين عند فراق والد، أو ولد، أو قريب هو شيء لابد منه، فلقد ذرفت عين، وحزن قلب أشرف الخلق أجمعين محمد -عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- على فلذة كبده إبراهيم إذ قال عليه الصلاة والسلام عند وفاته «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
إلا أن ما يهون على الإنسان قوة إيمانه بالله -بما وهبه من اليقين- ما يجب أن يتحلى به من الرضا بقضائه، والصبر على ما قدره وبما أعده الله للمتحلين بتلك الصفات من جزيل ثوابه الذين قال: فيهم جل وعلا ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٥- ١٥٧).
نعم، لقد انطفأ ضياؤنا، وغابت شمسنا وغربت نفس غالية، وفي تمام الساعة السابعة والنصف من مساء يوم السبت الموافق ٢٦/ ١٢/ ١٤٢٠هـ غيب الموت الشيخ محمد بن صالح المنصور، رحل عنا وخلف فجيعة اعتصرت لها القلوب، ومصيبة فجرت الدموع وهزت مشاعر الصغير والكبير، والبعيد والقريب.
وإني بقلمي هذا أخط كلمات تبلل هذه السطور بعدما أبكاها الفراق، إنه الموت والموت سنة كتبها الله على كل إنسان مهما طال عمره.
تنصت أذناي لسماع أحاديثه، وقصصه وصوت ندائه، لكنه رحل ولا أمل في رجوعه.
ولكن إن كان رحل عنا بجسده فإن روح نصائحه وتوجيهاته القيمة ستبقى عالقة في أذهاننا، وستبقى ذكراه محفورة في الذاكرة لأنه ترك بصماته في قلوب الجميع بإيمانه القوي، وخلقه الفضيل، إنه شيخ ذو صفات جمة فريدة لا تتوافر إلا في القلة القليلة من الرجال.
فهل يسعفني قلمي لأسطر ولو شيئًا بسيطًا من صفاته؟
إنه شيخ مؤمن وتقي وصادق مع الله، قضى حياته في بوتقة الإيمان والطاعة، ونشر الدعوة، تذوق حلاوة الإيمان فشعر بعافية الروح بالرغم من تكالب مصائب الزمان ونوائب الدهر عليه، فقد كف بصره وعمره لم يتجاوز الثامنة، ثم مات والده، وحفظ القرآن ولم يبلغ سن البلوغ، بل ضرب أروع الأمثلة بالصبر على قضاء الله، شاب نشأ في طاعة الله، وشيخ قلبه معلق بالمساجد، وتصدق بيمينه فلم تعلم شماله، ولم يخش في الله لومة لائم، خرج أجيالًا من العلماء، عرف الله فأحبه وخافه ورجاه وتوكل عليه، فأقبل عليه واستأنس بقربه فاستشعر حلاوة الإيمان، ولذة الطاعة، فتعلق قلبه بذكر الله في كل حين وتسبيحه في كل وقت.
كان كلما شعر بضيق يرفع أكف الضراعة إلى المولى يشكو بثه، وحزنه إلى الله ليخرج ما في نفسه من هم وألم، لم يبك حاله قط لكنه كان يتأثر بمن حوله فيطلق العبرات، ويذرف الدموع للمنكوبين والمصابين ممزوجة بدعوات حارة نابعة من الأعماق، فكم من دمعة محزون مسحها، وكم من عبرة منكوب داواها، يواسي الآخرين بكلمات طيبة، وكان مثالًا لحب الخير يتحسس حاجات الآخرين ليمد إليهم يد العون.
عرفه الجميع بنشر الدعوة إلى الله في المدن والدول بل والمحافظات، صاحب قلب زاخر بالرحمة والحنان، ويد حانية تمتد لتمسح رؤوس اليتامى.
سيبقى اسمه في قلوبنا، وسنسير على خطاه، ونقتدي بهداه ليضيء لنا طريق الحياة وعسى أن نلقاه في جنة الخلد، جعلها الله مثوانا ومثواه.
وأنا لا أبكي بقدر ما أفرح نظير ما قدمه من أعمال الخير والدعوة والإحسان، أسال الله أن يجعل كل عمل قدمه في ميزان حسناته.
وفي النهاية، أسأل الله أن يجعله ممن قال فيهم ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢)، ولا نملك سوى الدعاء للفقيد أن يتغمده الله بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته.
آسياء محمد صالح المنصور- القصيم بريدة
■ الداعية الشاب.. والمسؤول المهم
لم تصدق شقيقة المسؤول الكبير نفسها وهي ترى ابنها الشاب اللاهي الضائع يتغير رويدًا رويدًا، وتنصلح أحواله، ثم يرتاد المسجد بانتظام.
تحرت الأم عما أثمر هذا التحول الذي طالما حلمت به لابنها، فعرفت أن داعية شابًا معروفًا بالحي الراقي بالعاصمة، صادق الابن، ونجح في انتشاله من حياة الضياع واللهو إلى الالتزام والاستقامة.
حرصت الأسرة -أبًا وأمًا- على التعرف إلى الداعية الشاب، وحضور محاضراته الدينية في مسجد النادي، وفجأة اختفى الداعية، ولم يعد يأتي إلى المسجد، وعلمت شقيقة المسؤول المهم أن جهات الأمن وراء قرار منعه من إلقاء الدروس والمحاضرات بالمسجد، كما بلغها أن هناك نية مبيتة لاعتقاله!
لم تصدق أذنها، فهي تسمع بنفسها محاضراته، بل وقد أجرى الله على يديه فضل هداية ابنها وصلاحه هرولت السيدة الكريمة إلى شقيقها المسؤول المهم، ونقلت إليه ما بلغها من نية الأجهزة الأمنية لاعتقال الداعية الشاب بعد منع دروسه بمسجد النادي.
أنصت الشقيق المسؤول إليها في هدوء ثم أبلغها بصحة ما سمعت فهاجت شقيقته وحذرته من الإقدام على هذا الظلم وتساءلت في غضب ألا ترى ما تسبب فيه الداعية الشاب من تغيير إلى الأفضل في حياة ابننا بعدما كدنا نفقده تمامًا في حياة اللهو، وصحبة السوء؟ وماذا تقول لربك يوم الحساب؟ وانسحبت الأخت باكية مرددة بكل حرارة: حسبنا الله ونعم الوكيل. الآن، وبعد أسابيع من القصة الداعية الشاب حر طليق ممنوع من ارتياد مسجد النادي -خوفًا على أبناء المسؤولين المهمين في الحي- لكنه -بإذن من المسؤول الكبير- يلقي دروسه الإيمانية في مسجد آخر بأحد أحياء العاصمة المصرية.