; المجتمع التربوي.. عدد 1445 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1445

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 07-أبريل-2001

مشاهدات 76

نشر في العدد 1445

نشر في الصفحة 54

السبت 07-أبريل-2001

وقفة تربوية

عالم رباني

يكمل الشيخ الرباني منصور منصور عويس قصته التي يرويها لتلميذه النجيب عبد الوهاب الفهيد التي تدل على عجائب قدرة الله الذي يحيي العظام وهي رميم يقول: عندما هاتفت ابنتي ولدي الطبيب في عيادته بالمستشفى، وأخبرته بأنني وقفت على قدمي بعد ذلك الشلل الكامل، وبدأت أمشي وأستخدم قدمي، لم يصدق، وقال لها. لا تضيعي وقتي بمثل هذا الكلام، فإن لدي مرضى ينتظرون دورهم.

فأقسمت له أن ما تقوله هو عين الصدق

فقال: إن هذا مستحيل!

فردت عليه أعلم أن هذا في منطق العلم مستحيل، ولكنه واقع أمامي، فهذا أبوك يمشي ترك العيادة وجاء إلى البيت مسرعًا.. وعندما رآني تسمر في مكانه وانعقد لسانه عن الكلام تمامًا مثلما حدث لأخته، ولم يقل إلا: «سبحان الله العظيم، وهو على كل شيء قدير».

 

أنطلقت زغاريد النسوة، وانهمرت الدموع من العيون، وبدأ الجميع يرفعون أكفهم لرب السماوات شكرًا على هذه الكرامة، والشفاء الذي عجز عنه الطب، ومنّ الله به عليّ.

وبعد هذا الشفاء الكامل قالت له زوجته الصالحة ابق عندنا ولا ترجع إلى الكويت فقال: إن لدي مهمة دعوية وواجبًا شرعيًا لا بد من إتمامه، ولا بد أن أرجع إلى تلامذتي رجع إلى الكويت وبقي بها سنوات عدة وفي يوم من الأيام افتقده المصلون في صلاة الفجر.. فقدموا أحدهم.

ولما ذهب خادم المسجد إلى غرفته وطرق عليه الباب لم يتلق ردًّا، فدفع الباب فإذا بالشيخ والماء يتقطر من لحيته البيضاء، ومن بين يديه، وقد رفع أكمامه، وهو جالس على الكرسي، وقد غادر الحياة بمثل هذه الخاتمة.. من الوضوء والاستعداد للصلاة.

أبو خلاد

 

ترتيب الأولويات ونصيحة ابن المقفع

قال ابن المقفع في الأدب الكبير: «لا تتركن مباشرة جسيم أمرك، فيعود شأنك صغيرًا، ولا تلزمن نفسك مباشرة الصغير، فيصير الكبير ضائعًا.

واعلم أن مالك لا يغني الناس كلهم، فاخصص به أهل الحق وأن كرامتك لا تطيق العامة كلها.. فتوخ بها أهل الفضل، وأن قلبك لا يتسع لكل شيء ففرغه للمهم

واعلم أن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك وإن دأبت فيهما، وأن ليس لك إلى إدامة الداب فيهما سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبه منهما فأحسن قسمتهما بين عملك، ودعتك».

 كم يحفل تراثنا العربي والإسلامي بحكم عظيمة، ولكننا تراخينا في الاستفادة منها وصياغتها بما يناسب العصر.. أليست هذه الحكمة من الأمور الجامعة فيما يسمى به إدارة الوقت في هذه الأيام التي فرط فيها العرب والمسلمون كثيرًا؟ أليس الكثير مما يذكره العالم الغربي ستيفن كوفي يندرج تحت هذه الحكمة البليغة؟

على كل حال فلننظر عن قرب إلى ما ذكره ابن المقفع، ترتيب الأولويات يكاد يكون من المشكلات الرئيسة في عصرنا الحاضر، فترى الكثير يترك أمورًا مهمة في حياته من أجل نزوات، وأهواء لا تساوي في منطق العاقل شيئًا، فيضيع بذلك المهم من جسيم أمورنا كما ذكر ابن المقفع، ألا ترى تأخرنا في ركب الحضارة والعلوم بعدما كنا في قمم العلوم الطبيعية والنظرية، بل أصبحنا نتسابق في إضاعة الأوقات فيما لا يعود بالنفع لا على أنفسنا، ولا مجتمعاتنا؟ 

وترى الكثيرين يشكون من الأمراض النفسية أو البدنية لعدم موازنتهم بين حظ النفس في الراحة والترويح وبين المثابرة في العمل، وترى البعض الآخر يصاب بفشل في حياته الزوجية أو الاجتماعية لعدم ترتيبه للأوقات فتراه يعطي كل وقته أو أكثره للعمل ثم يعود منهكاً إلى بيته فلا يكون بينه وبين زوجته وأبنائه إلا الخصام والاختلاف.

ولو تأملنا سير العظماء، وعلى رأسهم رسولنا ﷺ لرأينا عجبًا، وتوازنًا رائعًا، وراقيًا في إعطاء الأولويات حقها، فلقد كان ﷺ حاكمًا، وزوجًا. وإمامًا، ووالدًا، وقائدًا عسكريًّا، ومتعبدًا لله، فلم يخلط بين هذه الأمور ولا بمقدار أنملة.

إن معرفة حاجات النفس من غذاء مادي ومعنوي وراحة، وجد، وطموح، وحب، ومرح، هو من الأمور المهمة لتوازن النفس، وراحتها واستقرارها، ومعرفة الواجبات المطلوبة هي من الأمور التي تساعد على استقرار الحياة وسعادتها.

إن الحديث ذو شجون في هذا الباب، ولعلنا نعود إلى أنفسنا وتراثنا فنستنبط ونرتقي إلى سابق عهدنا من المجد والرقي، وكلنا مطالبون بالجد والاجتهاد في هذا المضمار قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ (الرعد: ۱۱).

سمير محمد حلواني

halawasm2002@yahoo.com

 

زمن القمة

قدر كل شيء بحسب منزلته، وإن مرحلة من العمر يحسب لها وزنها، وتعرف لها مكانتها وهي فترة القوة في الجسم والتفكير، واتقاد الذهن، وطلب العلم والرزق، وهي كالقمة للجبل بين منحدرين، وقمة كل شيء أحسنه وأعلاه، إنها فترة الشباب، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفࣲ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفࣲ قُوَّةࣰ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةࣲ ضَعۡفࣰا وَشَیۡبَةࣰۚ یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِیمُ ٱلۡقَدِیرُ ﴾ (الروم: 54).

قال السعدي ثم ما زال الله يزيد في قوته -أي المخلوق- شيئًا فشيئًا، حتى بلغ الشباب واستوت قوته، وكملت قواه الظاهرة والباطنة. اهـ.

وهي فترة تمتد ظلالها الوارفة إلى مساحات كبيرة، فهي أطول مراحل العمر، قال ﷺ أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك (رواه الترمذي).

وأغلب هذا العمر يكون في مرحلة الشباب ما يعين على استغلالها ببناء التطلعات، وإقامة العلاقات والتزود من الطاعات وتحصيل الخير والبركات، وما تمني الصبي الوصول إلى هذه الفترة ورجاء الشيخ العودة إلى واحاتها الغناء.. إلا دليل على أنها أفضل فترات العمر...

قال أبو العتاهية:

ألا ليت الشباب يعود يومًا                    فأخبره بما فعل المشيب 

إن فترة بهذه المنزلة، وقطعة من الزمن بهذه المكانة لحرية -والله- ببذل الغالي والنفيس، وذلك بجمع الحسنات، والسعي بأنواع القربات فيها.

أخي الحبيب، لقد ولّى زمن العبث واللهو والجري وراء الحطام الزائل.. زمن الضعف الأول. وأنت تقدم على زمن الضعف الثاني- إن أمد الله في عمرك ، فإني لك ناصح، وعليك مشفق.

 اغتنم لحظات عمرك، وأعد لقبرك، وما مضى يغفره ربك ويستره خالقك، دع رفقة السافلين والزم الصالحين ما دمت في زمن القمة، ولا تكن ضعيف الهمة ..

رياض بن ناصر الفريجي

جامعة الملك سعود 

 

إدارة الوقت

د. صلاح الدین محمود

الوقت من أغلى النعم التي منحها الله تعالى الإنسان، وبرغم ذلك نهمل كثيرًا في استخدامه بفاعلية وكفاءة.. ولقد عني القرآن والسنة بالوقت من نواح شتي وبصور عدة.. فقد أوضح الله تعالى أهميته وعظم نعمته فيه، فيقول تعالى في معرض الامتنان وبيان عظيم فضله على الإنسان: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَاۤىِٕبَیۡنِۖ  وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ * وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَاۤ﴾ (إبراهيم: 32، 33، 34).

وجاءت السنة النبوية لتؤكد قيمة الوقت وتقرر مسؤولية الإنسان عنه أمام الله يوم القيامة، فعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال:

1 - عن عمره فيم أفناه

2- وعن شبابه فيم أبلاه

3- وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه.

 4. وعن عمله ماذا عمل به رواه (الطبراني بإسناد صحيح).

ولقد أدرك المفكرون والحكماء أهمية الوقت وقيمته، فقال بعضهم: «الوقت كالذهب»، وقال آخرون: «الوقت كالسيف»، ورحم الله الشيخ الذي قال: «الوقت هو الحياة»، فإنه لا شك أغلى من الذهب وأحدّ من السيف.

مورد محدود

إن الوقت هو تلك المساحة من الزمن التي تبدأ بمولدك وتنتهي بوفاتك

بدء الحياة - الوقت - الوفاة - الحياة

ومن ثم فالوقت مورد محدود، وأنت لا تملك في حياتك أكثر من السنوات التي قدرها الله لك، ومن المستحيل تخزين الوقت كما لا يمكن إيقافه أو تسريعه ولا يمكنك إلا أن تنفقه بمعدل ٦٠ ثانية في الدقيقة الواحدة.

ويقول ابن القيم: «وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب.. فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته» (الجواب الكافي ص ١٨٤).

وعن الحسن البصري قال «يابن آدم.. إنما أنت أيام معدودة، كلما ذهب يوم ذهب بعضك... ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل»، ويقول الشاعر:

دقات قلب المرء قائلة له                            إن الحياة دقائق وثواني

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها                    فالذكر للإنسان عمر ثاني

لا يمكن تعويضه

كل يوم يمضي، وكل ساعة تنقضي، وكل لحظة تمر لا يمكن استعادتها.

يقول الحسن البصري: «ما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي يابن ادم أنا خلق جديد. وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني ج ٢).

ولذلك رأينا النبي ﷺ يوصينا باغتنام وقتنا:

اغتنم خمسًا قبل خمس:

1 - حياتك قبل موتك

2- وشبابك قبل هرمك.

3- وصحتك قبل مرضك.

4- وفراغك قبل شغلك.

5-  وغناك قبل فقرك.

الوقت يمضي سريعًا، بل يمر مر السحاب ويجري جري الريح

مرت سنون بالوصال وبالهنا                   فكأنها من قصرها أيام

ثم انثنت أيام هجر بعدها                       فكأنها من طولها أعوام

ثم انقضت تلك السنون وأهلها                     فكأنها وكأنهم أحلام

حاول أن تنظر نظرة سريعة إلى ما انقضى من عمرك في مراحل حياتك ستجدها تنكمش -مهما كان طولها- وكأنها صارت لحظة واحدة، وعند الموت تنكمش الأعوام والعقود التي عاشها الإنسان حتى كأنها لحظات قلائل مرت كالبرق الخاطف.. وكذلك يوم القيامة، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمۡ یَوۡمَ یَرَوۡنَ مَا یُوعَدُونَ لَمۡ یَلۡبَثُوۤا۟ إِلَّا سَاعَةࣰ مِّن نَّهَارِۭ﴾ۚ (الأحقاف: ٣٥).

ويحكى عن شيخ المرسلين نوح -عليه السلام- أنه جاء ملك الموت ليتوفاه بعد أكثر من ألف سنة عاشها قبل الطوفان وبعدها، فسأله يا أطول الأنبياء عمرًا.. كيف وجدت الدنيا فقال: كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر!!

 كلنا يدرك أن الوقت يمضي سريعًا، ولكننا لا نشعر به إنه يمر دون أن نشعر.. ترى كم نقضي من عمرنا في أنشطتنا الروتينية اليومية... إذا كان متوسط عمر الإنسان ستين عامًا، فلننظر كيف نقضي بعضها: 

وسواء اتفقنا على هذا الجدول أم اختلفنا، إلا أننا ندرك جيدًا أن الوقت يمضي سريعًا ولا يمهلنا لاستغلاله.

استثماره يزيد من قيمته

إن المهام العظام يمكن إنجازها حين يستغل الإنسان وقته بكفاءة.

ومقياس تقدم الأمم، وازدهار حضارتهاونهضتها هو حسن استغلالها لوقت أفرادها وإدارتهم له، فإنتاجية العامل الأمريكي أو الياباني تزيد كثيرًا على إنتاجية العامل في الدول النامية التي تبلغ في بعض الإحصاءات ٣٦ دقيقة فقط في اليوم.

ومن فوائد الوقت أنك يمكن أن تحصل على أجر كبير في وقت قليل:

عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة» (رواه الترمذي)

فانظر كم كنت تحتاج من الوقت لإنجاز حجة وعمرة.

يتبع...

صناعة الحياة

نكون قادة مؤثرين في مجتمعاتنا عندما نتفوق على أنفسنا

هاشم عبد الرزاق هلال (*)

الحياة صناعة، وخير صناعها العابدون العاملون، كما يقول الأستاذ محمد أحمد الراشد في كتابه «صناعة الحياة».

تعني صناعة الحياة -في مفهومها العميق- إدارة دفتها بمهارة صاحب صنعة محترف يدرك أسرار صنعته، ويحذق أدق تفاصيلها، وهذه مهمة المسلمين العابدين العاملين على مدى تاريخ الأمة الإسلامية؛ إذ كانوا دائمًا صناع الحضارات، بل سنوا سننًا حسنة كانت ولا تزال - متبعة، ومأخوذًا بها.

وحتى تعود الأمة إلى مقدمة الأمم لا بد أن تنفض عنها غبار الكسل والتهاون، وهذا لا يتم حتى يعرف القادرون المقصرون، والعاملون الجاهلون، دورهم الحقيقي في هذه الحياة، يقول الشاعر:

ولم أر في عيوب الناس عيبًا       كنقص القادرين على التمام

ودوّن لنا التاريخ بمداد من ذهب مقولة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : «أعوذ بالله من جلد - الفاجر، وعجز الثقة».

فكم من أصحاب علم تهاونوا ولم يعملوا بعلمهم، وكم من ثقات أصابهم الوهن والعجز وصار التخاذل ديدنهم، وعندما يتخاذل المؤمنون الثقات عن دورهم في صناعة الحياة، تكون الساحة خالية للفاسق الفاجر الذي يصنع بجلده سننًا، ويخط مسارات يحتذي بها كثير من الضعفاء والكسالي!

ومن هنا - أحبتي - أتساءل من منا فكر في أن يكون ذا هدف في هذه الحياة، وحرص دائمًا على أن يكون من أصحاب الهمم العالية والنفوس الأبية الشامخة، وتمثل بقول الشاعر:

لكل امرئ غرض يسعى ليدركه          والحر يجعل إحراز العلا غرضه

من منا طاول بنفسه عنان السماء وتسلق بهمته الجبال الشاهقات واستهون المستحيل وجازف وبذل، وضحى انتبه لقول الشاعر:

ومن لا يحب صعود الجبال                 يعش أبد الدهر بين الحفر؟

ومن منا فطن إلى أن الحياة لا تصفو دون كدر، ولن تنال وتصفو مشاربها دون كد وتعب وعلى قدر الكد يكون الكسب؟! 

 بقدر الكد تكتسب المعالي            ومن طلب العلا سهر الليالي

 تروم المجد ثم تنام ليلاً               يغوص البحر من طلب اللآلي

الكلب والأسد

أو ترضى -أخي- أن تكون من أصحاب الهمم الدنيئة الخسيسة التي ترضى بالهوان، وتأبى إلا أن تكون في الحفر، وبين الأنفاق وعلى هامش الحياة؟!

لا والله.. إني لا أرضاها لك، بل وأرفض كل صاحب همة خسيسة لا تدفعه همته إلى استغلال وقته بما ينفع، بل ترديه في الشهوات والملذات.

إن حال خسيس الهمة واضح في هذه الحكاية، إذ يروى أن الكلب قال للأسد يا سيد السباع غيّر اسمي فإنه قبيح، فقال له أنت خائن لا يصلح لك غير هذا الاسم، قال: فجربني، فأعطاه شقة لحم وقال: احفظ لي هذه إلى غد، وأنا أغير اسمك.

فجاع الكلب وجعل ينظر إلى اللحم ويصبر، فلما غلبته نفسه، قال: وأي شيء باسمي وما كلب إلا اسم حسن، وأكل اللحم.

يعلق ابن القيم قائلًا: «وهكذا خسيس الهمة.. القنوع بأقل المنازل المختار عاجل الهوى على أجل الفضائل. فالله الله في حريق الهوى إذا ثار وانظر كيف تطفئه...

إن دورنا في هذه الحياة هو أن نكون قادة مؤثرين مغيرين متفاعلين مع المجتمع وهمومه، قادة همهم أمتهم ورفعتها ومجدها، قادة يهتمون بتأهيل مجتمعاتهم، وإحداث نقلات كبيرة تنفض عنها غبار الذل والهوان.

وهذا لن يتأتى إلا إذا عزمنا على بناء ذواتنا وتأهيل أنفسنا، وتطوير مهاراتنا التي تجودها الخبرة المكتسبة المتراكمة. 

ومتى ما استطاع الإنسان أن يروض نفسه ويكبح جماح هواها ارتقى بنفسه إلى أعالي المجد.

جاء في الحديث قول الرسولﷺ : «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني»

ويقول عمر بن عبد العزيز - يرحمه الله -: «إن لي نفسًا تواقة كلما وصلت إلى شيء تاقت إلى ما هو أعلى منه».

وفي هذا إشارة واضحة إلى أن النفس الطموح ذات الهمة العالية هي الفائزة والرابحة والمبدعة دائمًا.

وقد اتضح من خلال الدراسات الإدارية والنفسية الحديثة، أن أول عامل من عوامل النجاح والإبداع هو التفوق على النفس، والنظر إلى الأمور بإيجابية نابعة من ذات الإنسان.

وقد قيل: همة الإنسان على حسب ما أهمه وعلوها على حسب مطلبها في الحياة. فالبدار البدار -أيها الأحبة- وحاولوا أن تنفضوا عن أنفسكم التقاعس والتهاون، وكونوا من أصحاب الهمم الشامخة الطامحة إلى المعالي التي دأبها دائمًا الإصلاح والتغيير والبناء، تلك النفوس التي تدرك أن رفعتها وازدهارها من رفعة مجتمعها وازدهاره.

والناجح من نجح في ترك أثر في حياته، وسن طريقًا حسنًا، وخلّد مجدًّا عظيمًا بعد مماته وأصبح كالرجل الذي وصفه الشاعر بقوله: 

وكن رجلًا إذا أتوا بعده     قالوا مر وهذا الأثر

(*) الجامعة الإسلامية العالمية- ماليزيا

 

عبادة إسباغ الوضوء

هاني بن عبد الله آل ملحم (*)

لا شك أن كل مبتغ لرضوان الله تعالى ومحبته، وكل سالك لطريق الآخرة وقاصد فضله وجنته لا بد أن يهتم بأمرين جليلين.. هما تحصيل الحسنات وتكفير السيئات.

لكن المرء كسائر البشر مطبوع على حب الشهوات والتعلق بالماديات عندها لا يخلو من الآثام، والآفات التي تؤرقه وتؤلمه، لماذا؟ 

لأنه ما زال ذا فطرة سليمة سوية، ونفس طاهرة نقية، فهو يسعى دائمًا -ويحد- في تكفيرها، وإلى الأعمال التي تضمن له مغفرة هذه الذنوب، وإزالتها عن عاتقه. 

وأعظم الأمور التي تكفر الذنوب والخطايا ما رواه الإمام أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح من حديث معاذ بن جبل الطويل المعروف والمشهور بحديث «اختصام الملا الأعلى».

وقد ذكر في الحديث ثلاثة أمور تكفر الخطايا، منها إسباغ الوضوء على الكريهات. وقد تكاثرت النصوص بتكفير الخطايا بالوضوء، ومنها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، فإذا غسل يديه خرج من يده كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، فإذا غسل رجله خرج كل خطيئة مشتها رجله مع الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي وردت في مثل هذا المعنى. وقد ذكر في حديث معاذ بن جبل الأول أمران:

إسباغ الوضوء، وهو إتمامه، وإبلاغه مواضعه الشرعية باستشعار لله.

أن يكون إسباغه على الكريهات، والمراد أن يكون على حالة تكره النفس فيها الوضوء، وقد فسرت الكريهات بالبرد الشديد. ولعل من الأمور التي ترغب المسلم في هذه العبادة:

أولًا: تذكر فضل الوضوء، وحطه للخطايا، ورفعه للدرجات، وحصول الغرة والتحجيل به وأنه سبب لحصول محبة الله للعبد، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلتَّوَّ ٰ⁠بِینَ وَیُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِینَ﴾ (البقرة: 222).

وحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- مبينًا ذلك حينما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء».

ثانيًا: استحضار جلال من أمر بالوضوء، والتهيؤ للقيام بين يديه، فإن ذلك يهون كل ألم يطول العبد في طلب مرضاته من برد الماء وغيره.

نسأل الله الكريم أن يجعلنا من عباده التوابين والمتطهرين.

(*) محاضر بقسم العقيدة – جامعة الملك فيصل- السعودية.

 

التغيير الإيجابي في المؤسسة الدعوية

القادة فقط -وليس الرؤساء- هم القادرون  على إتقان صناعة التعامل مع  التغيير، وأدوات هذه الصناعة. والتغيير يعني التحول من حالة واقعية إلى حالة مطلوبة أو منشودة، وهو مفهوم عام يشمل تغيير النفس والعادات والقيم، ووسائل العمل، وطرق التفكير، وكيفية حل المشكلات... إلخ. 

والتغيير الإيجابي -نحو الأفضل- مطلب ضروري في مؤسساتنا الدعوية، وذلك نظرًا لتغير أحوال الناس، وتبدل الظروف المحيطة بنا، وبدعوتنا. 

وهناك بعض الدلائل والمؤشرات التي متى وجد أحدها وجب التغيير:

1 - ضعف مستوى الإنتاج، وقلة الإنجاز.

2- وجود الكثير من المشكلات والعقبات في العمل.

3-  عجز العاملين عن الإبداع والابتكار.

4- الروتين والرتابة المملة.

 5 - عدم الوصول إلى الأهداف المرجوة حسب الخطة الموضوعة. 

6 - تكرار الفشل في العمل.

وللتغيير - الذي يرفضه البعض- مبررات وفوائد عدة منها:

1- يساعد على حل المشكلات الشخصية التي تواجهنا، أو التي تواجه مؤسساتنا

الدعوية. 

2-  يسهم في رفع كفاءة العاملين بالمؤسسة، وتحسين أدائهم.

3- يمكننا من مواكبة التقدم الهائل والتطور السريع.

ولإتقان صناعة التغيير لا بد من تجهيز البيئة المناسبة لممارسة هذه الصناعة، ولتجهيز هذه البيئة يجب القيام بهذه الخطوات:

  1.  الشعور بالألم والحسرة، ووجود الرغبة الداخلية في التغيير.

  2. تحديد فجوة الأداء سواء كانت على مستوى شخصي أو مؤسسي. 

  3. حصر الأسباب التي أدت لمثل هذه الفجوة.

  4. - تحديد الأهداف المراد تحقيقها. 

  5. . تحول الأهداف إلى مشاريع يمكن تطبيقها على أرض الواقع. 

  6.  التنفيذ.

 

قاعدة مهمة في التغيير

عند البدء بممارسة هذه الصناعة، علينا بانتقاء الآلة المناسبة للطبقة المراد التغيير فيها؛ إذ تتعدد آلات هذه الصناعة مثل: آلة الموعظة وآلة القدوة الحسنة، وآلة الحوار والإقناع.... إلخ. والقائد من يستطيع استعمال الآلة المناسبة في المكان المناسب، فلا يعقل استخدام آلة خشبية للنحت على الرخام مثلًا.

ويلاحظ أنه عند النحت على الرخام -باستخدام آلة حادة مناسبة- وجود طبقة تقاوم هذا النحت، وهذا ما يحدث فعلًا في حالة الرغبة في التغيير.. تظهر فئة مقاومة للتغيير تصوغ الحجج والمبررات لتمنع حدوث هذا التغيير، ومن الحجج التي تصوغها:

  1.  إنتاجية العمل جيدة، ولا مبرر للتغيير.

  2. لا نملك الطاقات البشرية والمادية الكافية لإحداث مثل هذا التغيير. 

  3. الوقت غير مناسب.

  4.  هذا التغيير لم يجرب في مكان سابق.

  5. التغيير جُرب في مكان آخر، وفشل.

ومبررات وحجج واهية أخرى كثيرة.. والقائد المغير هو الذي يستطيع مراوغة هذه الفئة -المقاومة- وترويضها.. وهناك طرق عدة لترويض المقاومة منها:

  1.  الإعلام بفكرة التغيير، وشرح طريقته وإيضاح النتائج المرجوة من ورائه.. وهذه الطريقة تستخدم قبل القيام بعملية التغيير وتساعد على تقليل الشريحة المقاومة. 

  2.  تعرف الأسباب التي حملتهم على مقاومة مثل هذا القرار، ومحاولة إقناعهم بفكرة التغيير.

  3.  اتق الشبهات حتى لا تترك مجالًا لنمو شريحة المقاومة.

  4. حاول صياغة فكرة التغيير بصورة أخرى مع عدم إفقادها المضمون (استخدام الدهاء).

  5.  لا تحاول إهمال المقاومين إلا في حالة عدم الأمل في إقناعهم. 

إن القائد.. -القائد فقط- هو الذي يستطيع تجاوز هذه الشريحة، والخروج بلوحة جميلة مبدعة من المجموع الذي يقوده.. لوحة بعيدة كل البعد عن الروتين، وخالية من شوائب المقاومة.

عبد العزيز العوضي الكويت

الرابط المختصر :