; المجتمع التربوي.. عدد (1523) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد (1523)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 25-أكتوبر-2002

مشاهدات 38

نشر في العدد1523

نشر في الصفحة 54

الجمعة 25-أكتوبر-2002

القيادة والجندية في العمل الإسلامي

القائد.. جندي مسؤوليته مضاعفة.. والجندي قائد مسؤول

إعداد: عبد الحميد البلالي

علاء حسن

لا شك أن بعض المصطلحات الدعوية والتنظيمية يحتاج وقفة للتأمل والمراجعة بين الفينة والفينة، فهي ليست قرآنًا منزلًا ولا حديثًا شريفًا منزهًا وإنما هي اجتهادات بشرية خاضعة لمبدأ الصواب والخطأ لا سيما تلك التي نشأت بداية نشاط مع الحركة الإسلامية العاملة في مطلع القرن العشرين حيث واكبت تلك الفترة الكفاح الوطني ضد الاستعمار.

 وقد تأثر بعض المصطلحات التنظيمية بالمناخ العام السائد آنذاك والتيارات والتنظيمات الأخرى ومن هذه المصطلحات الدعوية والتنظيمية التي تعارف عليها أبناء الحركة الإسلامية مصطلح القيادة والجندية. وبالعودة إلى مجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيل الصحابة -رضوان الله عليهم- نجد أن مصطلح الأخوة ومعانيها وروحانياتها تظل المجتمع كله، وأن الحب في الله هو الذي يربط بين لبنات هذا المجتمع في الصف الواحد المشدود بالحب كالبنيان المرصوص ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4) والصف الواحد لا تمايز بينه ولا تطاول لبعض لبناته عن الأخرى لأسباب منها:

۱- طبقات المجتمع الإسلامي متماسكة متحابة يربط الإخاء بينها برباط وثيق يرتفع فوق أي تقسيم طبقي أو مادي يقول المولى عز وجل واصفًا حالة هذا المجتمع المترابط ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (9) وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ (10)﴾ (سورة الحشر: 8-10)، فالأنصار يستقبلون المهاجرين بالحب ويوسعون لهم في القلوب قبل أن يوسعوا لهم في جنبات المدينة، والتابعون لهم يحبون من سبقهم ويدعون لهم بالمغفرة يعلق الأستاذ سید قطب على هذه الصورة الفريدة من الحب والإخاء بقوله: وتتجلى من وراء هذه الصورة طبيعة هذه الأمة المسلمة وصورتها في هذا الوجود، تتجلى الأصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بأخرها وآخرها بأولها في تضامن وتكاتف وتواد وتعاطف وشعور بوشيجة القربى التي تتخطى المكان والزمان والجنس والنسب، وتتفرد وحدها في القلوب تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة كما يذكر أخاه الحي في إعزاز وكرامة وحب، ويحسب السلف حساب الخلف ويمضي الخلف على آثار السلف صفًا واحدًا وكتيبة واحدة على مدار الزمان واختلاف الأوطان تحت راية الله تغذ السير صعدًا إلى الأفق الكريم متطلعة إلى ربها الرؤوف الرحيم. (الظلال -٣٥٢٧).

٢ - أن القيادة في العمل الإسلامي والصف المسلم تبادلية وليست حكرًا على جيل أو طبقة ولو كان هذا الجيل من السابقين فالسابقون السابقون منزلة إيمانية عند الله عز وجل لا ترتبط بالضرورة بتولي القيادة داخل الصف المسلم، وأما القيادة فترتبط بالكفاءة والخبرة وصفات القيادة الناجحة كما حددها القرآن الكريم الأمانة والعلم والقوة ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ( يوسف: 55 ) ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26).

﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 247).

ولقد ولى الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص بعد إسلامهما على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وولى أسامة بن زيد وهو حدث على كبار الصحابة حتى السبق في معيار الله تعالى لا يتوقف فقط على السبق الزماني ولكن يتوقف على مدى الفرد داخل الصف، وهكذا ارتقى عمر بن الخطاب إلى المرتبة الثانية في خيرية الأمة بعد أبي بكر -رضي الله عنهما- رغم تأخر إسلامه إلى العام السادس من البعثة ورغم سبق ثلاثين صحابيًا له الإسلام وتبادل القيادة داخل الصف المسلم يعني تبادل المواقع. ففي مهمة ما يكون خالد بن الوليد أميرًا على أبي عبيدة بن الجراح وفي موقف آخر يصبح أبو عبيدة أميرًا على خالد حيث تتبدل المواقع ولا يتبدل عطاء كل منهما لله ولدينه.

٣- القيادة في العمل الإسلامي لا تعفي القائد من تحمل تبعات العمل ومشاقه، فالقائد جندي مسؤوليته مضاعفة على قاعدة رسول الله وأنا علي جمع الحطب، فهو لا يتميز عن جنوده براحة ولا مغنم، والجندي في الصف المسلم قائد مسؤول ولو كان صغيرًا في آخر الصف، فهذا هدهد سليمان يقوم بمسؤوليته، وزيد بن الأرقم الغلام يبلغ رسول الله ما وعت أذناه والكل في العمل الإسلامي مسؤول عن ثغر من ثغوره وصفات الأمير التي حددها عمر بن الخطاب إذا كان في الصف كان كأميرهم، وإن كان أميرهم كان كأحدهم فهو وهو جندي مهموم بهم الصف كله وكأنه الأمير، فإذا صار أميرًا غلبه على همه ومسؤوليته تواضعه ولين جانبه فما تميز عنهم بشيء فصار كأحدهم.

4- والقرار في نهاية المطاف هو قرار الصف المسلم كله وليس قرار القائد وحده، لأن الشورى ضابط من ضوابطه، فالقيادة في العمل الإسلامي ليست انفرادًا مطلقًا بالسلطات يخول للقائد أن يتخذ ما يراه من قرارات ولكن لهذه القرارات ضوابط أهمها طاعة الله وموافقة العمل لشرع الله ومنها الشورى وهذه كلمات الخلفاء الراشدين خالدة على مدار الزمن أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم..

 ولأحاد الناس في المجتمع المسلم أن يراجع الأمير ويجعله يتراجع عن قرار اتخذه إذا كان الحق معه، وقد وافق عمر بن الخطاب المرأة التي راجعته في شأن المهور وعلى العكس تمامًا ينعي الإسلام على الحاكم الفرد ويرفضه وأول علامات الأمير الفرد استخفافًا بعقول جنوده وشعوره بتميزه الفكري عنهم، وهذا هو وصف القرآن الكريم الفرعون ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54)، وكلاهما مشترك في الجناية، فجناية الحاكم استخفاف بعقول الرعية وجنايتهم طاعته في غير مراجعة ولا نظر.

5 - قاعدة العمل الإسلامي أن العطاء المادي للمؤلفة قلوبهم وليس للسابقين والأمراء فالمغنم والمغرم في العمل الإسلامي معكوس وكلما زادت مسؤولية الفرد المسلم زادت تبعاته واتسعت تضحياته وقلت منفعته الدنيوية، فهؤلاء الأنصار بعدما أووا ونصروا وساندوا وضحوا يمنعون من الغنائم يوم حنين ويؤثر بها المؤلفة قلوبهم تثبيتًا لهم على دين الله.

٦ - والقيادة في الصف المسلم نتيجة فرز اجتماعي طبيعي لا تفرض على الصف من أعلى ولكن تفرزها الظروف الطبيعية المحيطة، فيوم مؤتة ولي الجيش خالد بن الوليد بعد استشهاد قادته الثلاثة، لأنه كان رجل الساعة واختار الصحابة -رضوان الله عليهم- أبا بكر الصديق للخلافة لأنه كان رجل الساعة الذي ثبت حينما خر عمر على الأرض وارتج على عثمان -رضي الله عنه- الجميع، فالقيادة صفة وملكة أساسية مخزونة في شخص القائد تنتظر الموقف الذي تظهر فيه والأحداث التي تبرزها واضحة جلية فيدفع الصف صاحبها لتولي المسؤولية..

٧ - كما أن الصف المسلم لا يطرد السابقين وكبار السن من أهل الخبرة والحكمة من شيوخ الدعوة والعمل، لأنه لا سن للتقاعد في العمل الدعوي ولكن كل هذه الطاقات يتم توظيفها وفق إمكاناتها في مجتمع أسري مترابط لا يعرف صراع الأجيال، وهذا أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- يغزو مع أول جيش يغزو القسطنطينية وهو الشيخ الهرم فيموت ويدفن تحت أسوارها، ولم يقعده عن الجهاد سنه ولا هرمه.

 الصف المسلم على هذا صف التلاحم والتراحم صف البنيان المرصوص.. ومجتمعه هو مجتمع الأسرة الواحدة بمعناه الحقيقي، فالأب في الأسرة يؤثر أصغر أبنائه على نفسه وقد يقتطع اللقمة من فمه فيضعها في فم الصغير، والقائد في الصف المسلم يضحي ليسعد آخر من في الصف والمسلمون يد واحدة يسعى بذمتهم أدناهم، وأمير الركب ضعيفهم، فهيهات أن يفهم غير المسلمين هذا المعنى الاجتماعي العميق، وليس معنى أن الصف الإسلامي أسرة واحدة أنه مجتمع فوضوي لا أمير له ولا قيادة وأن الطاعة فيه غير واجبة، فالطاعة واجبة للأمير لا بصفته ولكن للمنهج الذي يقوم بتطبيقه، كما أن أدب الجندي مع القائد هو أدب الابن مع أبيه وعطف القائد على الجندي هو عطف الوالد على ابنه فمن أين يحدث لمثل هذه الأسرة الواحدة الانقسام والتناحر أو الاختلاف والتصارع؟.. إن مجتمع الأسرة الواحدة بل الجسد الواحد لا يقبل القسمة على اثنين قادة وجنودًا أو أمراء ومأمورين.

بيعه ماضية وميثاق ملزم

د. زكريا المصري

عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه بايعوا على ألا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا بهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن أوفى منكم فأجره على الله تعالى ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله عليه في الدنيا فهو إلى الله.. إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك، (رواه البخاري ومسلم). مختصر مشكاة المصابيح ص ٤٣ رقم ٧ كتاب الإيمان والإسلام.

وقد بايع الله الناس جميعًا وهم كمثاقيل الذر. قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 172) ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: 173).

فمن نكث عن البيعة فقد خالف عهده مع الله.

 والبيعة هي الطاعة والالتزام بما شرع الله تعالى في دينه وهي إن كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي لله تعالى حقيقة لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 10) وقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه البيعة على الإسلام وذكر أهم ما يجب عليهم أن يجتنبوه بحكم إسلامهم ليكون لهم الأجر عليه عند الله تعالي فقال: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف.

 فالشرك بالله تعالى هو ضم غير الله تعالى إليه في الخلق والإيجاد أو في الأمر والنهي، ومقتضى الإسلام لله تعالى نفي الشريك له في الخلق والإيجاد ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ (فاطر: 3) استفهام إنكاري معناه النفي ومقتضاه أن لا آمر ولا ناهي إلا الله تعالى ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (سورة الإسراء: 23) فمن أشرك بالله تعالى فقد أبطل إيمانه وأذهب عمله ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: 65).

والسرقة هي أخذ مال الغير خفية من حرز مثله، ومن فعل ذلك فعقوبته قطع اليد من الكف ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ والزنى إنشاء علاقة جنسية بين رجل وامرأة خارج عقد النكاح، وملك اليمين، فمن فعل ذلك وجب عليه حد الزنى وهو الرجم بالحجارة حتى الموت إن كان محسنًا والجلد مائة جلدة إن كان بكرًا ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة النور: 2).

وقتل الأولاد كان من عمل العرب في الجاهلية خشية أن يشاركوهم الطعام، والله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وكان بعضهم يقتل البنات خاصة خشية أن يقعن في الأسر إذا شئت قبيلة أخرى الحرب عليهم

﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ (8) بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ (9) ﴾ (التكوير 8-9) .

والبهتان بين الأيدي والأرجل المراد به اتهام الآخرين بالزنى رجلًا كان أو امرأة، ومن فعل ذلك ولم يأت ببينة على ما يقول يجلد ثمانين جلدة.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة النور: 4)

فمن ارتكب شيئًا من تلك المخالفات وأقيم عليه الحد فهو كفارة له فلا يعاقب عليه في الآخرة، ومن سترة الله تعالى بعد أن فعل ذلك ولم يقم عليه الحد، فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه ومن التزم بمقتضى عهد الإسلام فلم يخالف من ذلك شيئًا فأجره على الله تعالى، فله الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بإذن الله رب العالمين.

ورحل الشيخ الجليل.. والعالم الرباني أحمد جاموس

فدوى محمد سالم جاموس

في الشمال الشرقي من سورية وفي مدينة حلب، وفي حي متواضع برز فيه الوطنيون والمثقفون، وأشاد بذكره الزعماء ولد الشيخ أحمد طه جاموس من أبوين كريمين كان لهما شهرة في التقوى والصلاح.

كانت ولادته عام ١٩٣٧م، ومنذ نعومة أظفاره، بدت عليه ملامح الذكاء، فكان يحفظ كل ما يسمع، مما لفت نظر أبويه فأرسلاه إلى الكتاب، وبدأ يحفظ القرآن الكريم غيبًا، وأتقن تجويده وأحسن تلاوته، وتلقى العلوم الدينية على يد فحول المشايخ ونهل من علومهم الدينية بأنواعها... ثم ألحق بالمدرسة الكلتاوية وقرأ على أساتذتها، وكانوا جهابذة في العلوم الشرعية ولهم شهرة واسعة وصيت ذائع، فقرأ علم التفسير والتوحيد والنحو والإعراب، والصرف والفقه.

 ثم انتقل إلى الثانوية الشرعية بحلب، فتابع دراسة العلوم الدينية، ولازم مشايخه، واستفاد من علومهم، فظهر ذكاؤه، ونبوغه وسعة اطلاعه وتفنن في علم القراءات، فوجهه أستاذه الشيخ نجيب خياطة إلى المتابعة للحصول على إجازة في القراءات السبع.

 وكان له اطلاع واسع على المذهب الشافعي وقد وثق أساتذته بصحة فهمه وبعد نظره، وكان يعتمد عليه في النقل عن مذهب الشافعي.

وقد رافق نبوغه في العلوم الشرعية ذكاءه واجتهاده ومثابرته على البحث والتحصيل الشرعي فسما على أقرانه في الفهم عن مشايخه، فأصبح مرجعًا لزملائه تابع الفقيد دراسته الجامعية في كلية الشريعة بجامعة دمشق وحصل فيها على شهادة الليسانس في العلوم الشرعية ما بين عامي  والمبرزين ١٩٦٩ م - ۱۹۷۰م. وكان من الأوائل والمبرزين.

ولقد أتم نصف دينه، فتزوج امرأة فاضلة ذات حسب ودين رافقته في حله وترحاله وأنجبت له ثلاثة أولاد وأربع بنات، أحسن تأديبهم، فعرفوا بالصلاح والتقوى.

 درس الفقيد في بعض المدارس الإعدادية والثانوية في ريف حلب، ثم نقل إلى ثانويات حلب العامة والثانوية الشرعية كل هذا وهو ينتقل بين المساجد والجوامع والحلقات والمجتمعات، داعيًا إلى الله، مناديًا بالبعد عن المنكرات، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، ساعيًا إلى مساعدة الفقراء وذوي الحاجة وقد شهد له كل من عرفه بالخلق القويم، فقد درس الأجيال الأخلاق الحميدة، وجعلها خميرة فاعلة في الشباب. فكان حريصًا على أن يقوم المجتمع على أيدي شباب مسلم واع يوصل إليهم الدين بأسلوب سهل، ونفس رضية سمحة.

وكان جل اهتماماته ينصب على مكتبته العامرة، فهي رأس ماله الأساسي، وثروته الحقيقية، فلا يضن بها على قريب أو بعيد فكانت له صدقة جارية في حياته وقد نهب معظمها في مرحلة معينة، فترك نهبها غصة أليمة له. ولكن دأبه في الحفاظ عليها دفعه من جديد إلى ملئها بالكتب القيمة. وأرادت له الأقدار أن ينفع بعلمه أبناء المسلمين خارج بلده، فغادر حلب إلى السعودية. وفي مدينة أبها تابع دعوته معلمًا ومربيًا.

 تخرجت على يديه أجيال وأجيال. زرع الله في قلبه رحمة، تجلت في رقة مشاعره وغزارة دموعه ورفقه بالناس، كل ذلك في تواضع جم، وخلق حسن، وحيثما حطت رحاله سما بتقواه وخلقه، فكان عابدًا كما كان عالمًا ولقد عاش زمن الصحوة الإسلامية، فدعا إلى الله بأسلوب سهل جذاب، فكان الناس يتسارعون إلى دروسه كما لو أنها حديقة غناء. يتفيزون ظلالها، ويتناولون من تمارها المتنوعة ولقد كان الشيخ داعية مؤهلًا، ووجيهًا اجتماعيًا بارزًا يساعد الناس في حل مشكلاتهم، فكانوا ينظرون إليه بإجلال واحترام وحب وتقدير. وقد كان حريصًا على بذل علمه، فكان يقيم حلقات الوعظ والإرشاد والتجويد كل هذا في جاذبية خاصة تنبعث من حلاوة حديثه ونفسه الطيبة، وخلقه القويم وسمعته الحسنة، هذه الصفات التي لا يحرص الكثيرون من الناس في زماننا على التحلي بها. عرف الميدان الحقيقي الذي يكون فيه الإنسان إنسانًا، ويكسبه الفلاح في الدنيا والآخرة، فنافس فيه، وترك للناس ما يتنافسون فيه عرف أن ما يتنافس فيه غالبية البشر من مال ومتاع، ومناصب زائلة.. ما هو إلا زيد ما يلبث أن يذهب جفاء، ولو علا وطما حينًا من الدهر. أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض في حياة صاحبه وبعد وفاته.. فأدرك المعنى الحقيقي للبطولة، في زمن التبست فيه المعاني.

ولقد كان وضع المسلمين يقض مضجعه ويمزق صدره فتسلل المرض الخبيث السرطان إلى صدره واستمر معه سنوات عدة.

وبرغم معاناته الجسدية، وآلامه المبرحة، لم يشك يومًا، وما سمع إلا حامدًا شاكرًا لله عز وجل، إلى أن استشرى في جسمه المرض.

 وعندما أحس بدنو الأجل، قرر العودة من الإمارات العربية المتحدة، حيث كان يدرس فيها إلى حلب، وظل يمارس الخطبة حينًا، ويقعده المرض عنها حينًا، حتى وافاه الأجل في يوم الجمعة في ٢٠٠٢/٨/٢م.

رحم الله الشيخ الجليل وأسكنه فسيح جنانه، وجعل علمه زادًا ينفع الناس في الدنيا. وينفعه في الآخرة، وجعل خلقه الرفيع وسيلة تقرب منزلته من منزلة نبي الرحمة الذي قال: «ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا. القيامة أحاسنكم أخلاقًا»..

أجل لقد مات الشيخ أبو طه ولكن مات كما يموت الأبطال، يد علي الصدر الموجع. ويد ترفع راية الإسلام عالية خفاقة، فما رفع الأولى عن صدره، حتى أسلم الروح وما غاصت الثانية في الثرى، حتى أسلمت الراية لمن بعده من بنين بررة، وإخوة درب أخيار.

 إنا لله وإنا إليه راجعون .

الشكر نصف الإيمان

الوالدان أحق الناس بالشكر

 قرن الله شكرهما بشكره لعظيم فضلهما وسعة عطائهما

 حجازي إبراهيم

تحدثنا في العدد الماضي عن شكر الله تعالى، وعرفنا أنه سبب للزيادة وسبيل إلى قهر الشيطان. وعرفنا أن أنواع الشكر كثيرة وأن أفضلها شكر العمل. كما عرفنا أنه لا ينبغي أن نقرن حمد الله وشكره بشرط.. بل هو حق مطلق لله تعالى، وأن شكر النعمة يعني تسخيرها في طاعة الله تعالى. وفي هذا العدد نتحدث عن شكر الوالدين فنقول: إذا كان شكر الله فرضًا واجبًا علينا، فإن من شكر الله عز وجل أن نشكر من أجرى الله الخير لنا على يديه، ومعلوم أن جحود معروف الناس وبرهم ليس من صفات المسلمين، ولا من أخلاقهم.

شكر الوالدين

وفي مقدمة من يجب شكرهم من الناس... الوالدان، وقد قرن الله الأمر بشكرهما مع الأمير بشكره، قال تعالى له ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان: 14)، قبل الشكر لله على نعمة الإيمان، وللوالدين علي نعمة التربية ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24) وعن أبي هريرة  -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك وفي رواية: «من أحق الناس بحسن الصحبة قال: أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك.

 يقول الإمام النووي وفيه الحث على بر الأقارب وأن الأم أحقهم بذلك ثم بعدها الأب ثم الأقرب فالأقرب قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاق في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك.

لماذا حث الإسلام على بر الوالدين؟

إن الإسلام يأمر بالإحسان إلى الوالدين إحسانًا كاملًا في المعاملة، إحسانًا ليس بعده إحسان، إذ يجتمع فيهما كل أسباب المودة والعطف فمن قرابة قريبة إلى صلة وشيجة، وجوار كريم، وعطف سابع وحنان أبوي كريم إذ هما أول من يعطف عليك عطفًا غريزيًا وأنت في أشد الحاجة إليه، فمن المروحة أن ترد الجميل لا أقول بأحسن منه، فليس هناك جميل يوازي عملهما، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-  قال: قال رسول الله له ولا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه.

 وقد أمر الله سبحانه بالإحسان إليهما للأسباب الآتية: شفقتهما على الولد وبذل الخير إليه، وإبعاد الضر عنه جهد المستطاع.

أن الولد قطعة من الوالدين.

أنهما أنعما عليه وهو في غاية الضعف، ونهاية العجز.

كيف تحقق شكر الوالدين؟

وشكر الوالدين يكون بالإحسان إليهما، قال الله تعالي ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾ (الإسراء:23-2)

قال سفيان بن عيينة من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما ومن شكر الوالدين طاعتهما في غير معصية الله تعالى قال ذو النون المصري الشكر لمن فوقك بالطاعة والنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال، وحتى تكون من المحسنين الشاكرين لوالديك يجب عليك:

١- ألا تتأفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس ولكن اصبر على ذلك منهما واحتسب الأجر عليه، كما صبرا عليك في صغرك وفي هذا منع من إظهار الضجر القليل أو الكثير.

2-ألا تنغص عليهما بكلام تزجرهما به وفي هذا منع من إظهار المخالفة لهما بالقول على سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما.

٣- أن نقول لهما قولًا حسنًا، وكلامًا طيبًا مقرونًا بالاحترام والتعظيم مما يقتضيه حسن الأدب، وترشد إليه المروحة، كما تقول يا أبتاه ويا أماه ولا تدعوهما بأسمائهما، ولا ترفع صوتك أمامهما، وإذا دعواك فقل لبيكما وسعديكما، ولا تحدق فيهما بنظرك.

٤- أن تتواضع لهما، وتتذلل وتطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن معصية لله رحمة منك بهما وشفقة عليهما، إذ هما قد احتاجا إلى من كان أفقر الخلق إليهما، وذلك منتهى ما يكون من الضراعة والمسكنة.

5- أن تدعو الله أن يرحمهما برحمته الباقية كفاء رحمتهما لك في صغرك، وجميل شفقتهما عليك. أخرج ابن مردويه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم له ومعه شيخ فقال من هذا معك؟ قال أبي قال لا تمشين أمامه، ولا تقعدن قبله ولا تدعه باسمه.

أخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي مرة مولى عقيل أن أبا هريرة -رضي الله عنه- كانت أمه في بيت وهو في أخر فكان يقف على بابها ويقول السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته فتقول: وعليك يا بني، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا، فتقول رحمك الله كما بررتني كبيرًا.

الطبع على الشكر أو الكفر

سبق أن أشرنا إلى أمر الله تعالى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾

(لقمان: 14)، وهذا الكلام يتأول على معنيين أحدهما: أن من كان من طبعه كفران الأبوين وترك الشكر لمعروفهما كان من عادته كفران نعمة

الله -عز وجل- وترك الشكر له والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه. إذا كان العبد لا يشكر والديه لاتصال أحد الأمرين بالآخر.

وقيل: معناه أن من لا يشكر الوالدين كان كمن لا يشكر الله وإن شكره كما تقول لا يحبني من لا يحبك أي أن محبتك مقرونة بمحبتي، فمن أحبني يحبك ومن لم يحبك لم يحبني.


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2060

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

192

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟