العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1630
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 11-ديسمبر-2004
مشاهدات 78
نشر في العدد 1630
نشر في الصفحة 54
السبت 11-ديسمبر-2004
كيف يستثمر المسلم وقته؟
ما أسرع أن يمر الوقت.. وما أسرع ما تمضي الليالي والأيام.
وإنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم ضى نقص من الأجل
فمهما طال عمر الإنسان ومكثه في الحياة، فهو قصير مادام الموت هو نهايته، وحينما يأتي الموت يطوي العمر وكان الإنسان ما عاش في هذه الحياة إلا برهة يقول تعالي مشيرًا إلى هذه الحقيقة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (الروم:55)، ويقول أيضًا سبحانه ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾
(الأحقاف:35)، ويقول أيضًا سبحانه:﴿وَیَوۡمَ یَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ یَلۡبَثُوۤا۟ إِلَّا سَاعَةࣰ مِّنَ ٱلنَّهَارِ یَتَعَارَفُونَ بَیۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَاۤءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهۡتَدِینَ﴾ (يونس:45).
الوقت رأس مال المسلم
من هنا يتبين لنا أن رأس مال المسلم في هذه الدنيا هو الوقت الذي هو مادة الحياة، وأنه أنفس من المال وأغلى.
أرأيت لو أن محتضرًا وضع أمواله جميعًا ليزيد في عمره يومًا واحدًا.. هل يحصل له ذلك التمديد وتلك الزيادة ؟.
ولعظم شأن الوقت وقيمته، فقد أقسم سبحانه به في آیاتٍ كثيرة من كتابه المحكم، فأقسم جل وعلا بالعصر وهو الدهر الذي هو زمن تحصيل الأرباح والأعمال الصالحة للمؤمنين وزمن الشقاء للمعرضين فقال تعالي:
﴿وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَفِی خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ ٣﴾ (سورة العصر)
وقد عني القرآن وعنيت السنة المطهرة بهذه القيمة الغالية. وقد جعل الله الليل والنهار يتعاقبان في حياة الناس.. فمن فاته عمل في أحدهما تداركه الآخر.
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةࣰ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن یَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورࣰا﴾ (الفرقان:62)، وقد لا يتنبه الإنسان إلى هذه الحقيقة إلا بعد فوات الأوان، فيتمنى ساعتها أن يعطي فرصة من العمر ولكن هيهات أن يجاب إلى ذلك.
يقول سبحانه: ﴿وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا یُقۡضَىٰ عَلَیۡهِمۡ فَیَمُوتُوا۟ وَلَا یُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی كُلَّ كَفُورࣲ وَهُمۡ یَصۡطَرِخُونَ فِیهَا رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَـٰلِحًا غَیۡرَ ٱلَّذِی كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا یَتَذَكَّرُ فِیهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاۤءَكُمُ ٱلنَّذِیرُۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّـٰلِمِینَ مِن نَّصِیرٍ﴾ (فاطر:36/37).
الوقت كالسيف
واجب على كل مسلم أن يغتنم كل دقيقة من العمر وألا يفرط في زمانه، وألا يضيع أوقات فراغه في لهو وعبث، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» (۱).
والنفس البشرية جبلت على أن الإنسان إن لم يشغلها بالخير شغلته بالشر. يقول أبو العتاهية:
إن الشباب والفراغ الجدة للمرء مفسدة للمرء أي مفسدة
ومما هو مأثور عن الإمام الشافعي في هذا المعنى قوله: «والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.. ونفسك! إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر»، فعلى الإنسان أن يستغل نعم الله لديه بالطاعة فإنه لا يدري ماذا يخبئ له الدهر من البلايا والصوارف، فقد أخبر عمر بن ميمون عن النبي ﷺ أنه وعظ رجلًا فقال له: «اغتنم خمسًا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك، وفراغ غلك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك » (٢).
وعنه أيضًا ﷺ: «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا أو هرمًا مفندًا أو موتًا مجهزًا أو الدجال.. فشر غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر » (٣)
كيف يستثمر المسلم وقته؟
لكي يستثمر المسلم وقته في مرضاة الله وفيما يفيده في دنياه وآخرته لا بد أن يجعل له عمرًا ثانيًا، «فالذكر للإنسان عمر ثان » وذلك بما يعمل من صالحات باقيات، فإن آثار هذه الأعمال تمتد إلى ما بعد الموت ويبقى عمله موصولًا حتى بعد موته يؤدي رسالته للأحياء وهو مقبور، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡیِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَیۡءٍ أَحۡصَیۡنَـٰهُ فِیۤ إِمَامࣲ مُّبِینࣲ﴾ (يس:12) ويقول ويقول أيضًا سبحانه: ﴿یُنَبَّؤُا۟ ٱلۡإِنسَـٰنُ یَوۡمَىِٕذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (القيامة:13).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناء أو بيتًا لابن السبيل بناء أو نهرًا أجراء، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته ». (٤)
السؤال عنه
يبين النبي ﷺ أن على رأس الأسئلة التي توجه إلى العبد يوم القيامة سؤالين: سؤالًا عن عمره عامة وسؤالًا عن أخصب فترة في هذا العمر وهي الشباب، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزول قدمًا عبد يوم القيامة حتى يسال عن أربع: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيه » (٥)
فليحذر المسلمون من إضاعة الوقت، وليحرصوا على العمل بجد، وخاصة في أخصب أيام عمرهم وهي الشباب. يقول ﷺ فيما رواه أنس: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليفعل » (٦)
فعلى الإنسان أن يحاذر التسويف وتأجيل عمل اليوم إلى الغد، فإن «سوف» جند من جنود إبليس وإن الإنسان لا يضمن أن يعيش إلى غد، وإذا عاش فلا يضمن أن يخلو غده من الصوارف والشواغل. وقد حكى الله عن مشهد من مشاهد يوم القيامة يحاول فيه أهل العذاب أن يستنجدوا بالمؤمنين ولكن هيهات هيهات فقد غر هؤلاء المعذبين طول أمانيهم في الدنيا وضحك عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله يقول سبحانه وتعالى: ﴿یَوۡمَ یَقُولُ ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِیلَ ٱرۡجِعُوا۟ وَرَاۤءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُوا۟ نُورࣰاۖ فَضُرِبَ بَیۡنَهُم بِسُورࣲ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِیهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَـٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣ یُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِیُّ حَتَّىٰ جَاۤءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤﴾ (الحديد:13/14).
أهداف دنيوية
من رأى حال الناس اليوم مع الوقت يجد جوابًا يعجبه أننا خلقنا لنأكل ونشرب ونتمتع ونلعب ونلهو ونبني الدور والقصور.. هذا هو واقع الكثير وحينئذ يشتركون في هذه الأهداف الدنيوية مع البهائم والكفار الذين جعلوا هدفهم في الحياة الأكل والشرب والتمتع بملاذ الدنيا حلالًا كانت أم حرامًا. قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یَتَمَتَّعُونَ وَیَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوࣰى لَّهُمۡ ١٢﴾ (محمد:12)
والله عز وجل خلقنا لأمر عظيم حدده سبحانه بآية كريمة قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَـٰكُمۡ عَبَثࣰا وَأَنَّكُمۡ إِلَیۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ﴾ (المؤمنون:115).
ويقول أيضًا سبحانه مؤكدًا وموضحًا سبب خلقنا: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ﴾ (الذاريات:56). قال الإمام النووي: وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة.. فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا فإنها دار فناء لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل استقرار، ومشروع انفصام لا موطن دوام.
فعمرك أخي المسلم هو موسم الزرع في هذه الدنيا.. والحصاد هناك في الآخرة، فلا يحسن أن يضيع الوقت وينفق رأس المال فيما لا فائدة فيه.
الهوامش
(1) البخاري.
(۲) اخرجه أحمد في المسند مرسلًا.
(۲) اخرجه الترمذي عن أبي هريرة في الزهد وقال حديث حسن غريب
(٤) أخرجه ابن ماجة بإسناد حسن
(٥) رواه البزار والطبراني وقيل حديث صحيح.
(٦) البخاري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل