; فقه الثوابت والمتغيرات (3) الخلافات الفقهية والفكرية والسياسية ضرورية ما دام الاجتهاد مشروعًا | مجلة المجتمع

العنوان فقه الثوابت والمتغيرات (3) الخلافات الفقهية والفكرية والسياسية ضرورية ما دام الاجتهاد مشروعًا

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر السبت 22-أبريل-2006

مشاهدات 109

نشر في العدد 1698

نشر في الصفحة 52

السبت 22-أبريل-2006

  • المعاملات المالية والقضايا السياسية والطبية والعلاقات الدولية.. ضمن نطاق المتغيرات.

  • اختلاف المسلمين إذا كان نابعًا من الاجتهاد المنضبط فهو اختلاف تنوع لا تضاد.

ذكرنا أن الشريعة جمعت بين - الثوابت التي لا تقبل التغير والمتغيرات.

وتناولنا النصوص القطعية الدلالة والثبوت والنصوص قطعية الدلالة وظنية الثبوت، والأخرى ظنية الدلالة وقطعية الثبوت، والثالثة ظنية الدلالة وظنية النبوت، وقلنا إن الحالات الثلاث الأخيرة هي التي فيها الاجتهاد. 

وتناول في هذا العدد المتغيرات في الأحكام الفقهية:

فنطاق المتغيرات في الفتاوى والأحكام الفقهية الظنية واسع جدًا، وهو يشمل كل الاجتهادات الفقهية السابقة، إضافة إلى منطقة العفو التي تقبل التغييرات بشكل. واضح حسب الاجتهادات الفقهية. يقول إمام الحرمين: "إن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها"([2]).

وذلك لأن الاجتهادات الفقهية السابقة لفقهائنا الكرام – ما دامت لست محل إجماع تقبل إعادة النظر، بل ينبغي إعادة النظر فيها وغربلتها بكل تقدير واحترام من خلال الاجتهاد الانتقائي والترجيح فيما بينها للوصول إلى ما هو الراجح، ثم تنزيله على قضايا العصر بكل دقة ووضوح.

بل يمكن إعادة النظر في فهم هذه النصوص الظنية مرة أخرى على ضوء قواعد اللغة العربية وأصول الفقه والسياق واللحاق، وحينئذ يمكن الوصول إلى معان جديدة وأحكام جديدة لم ينتبه إليها السابقون أو لم يخترها الجمهور، بل ذكرها قلة قليلة من السابقين. 

وأما منطقة العفو فيكون الاجتهاد فيها اجتهادًا إنشائيًا لا بد فيه من توافر شروط الاجتهاد وضوابط من يتصدى له. 

ونطاق المتغيرات يشمل ما عدا الأصول والثوابت القطعية، وفي غير أصول العقائد والعبادات وأكثر ما يظهر في عالم المعاملات الاقتصادية والمالية والقضايا السياسية والطبية والعلاقات الدولية ونحوها، يقول الإمام الشاطبي: مجالات الاجتهاد المعتبر فيما ترددت بين طرفين وضح في كل منهما قصد الشارع في الإثبات في أحدهما، والنقي في الآخر فلم تتصرف البتة إلى طرف النقي ولا إلى طرف الإثبات ([3]).

ويقول الغزالي: "المجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي" ([4]).

ضوابط الاجتهاد في المتغيرات

من أهم هذه الضوابط والشروط ما يأتي:

أ. أن يكون لديه علم بالقرآن الكريم عامه وخاصه، ومطلقه ومقيده وأساليبه ودلالاته بصورة عامة، وكذلك العلم بالسنة النبوية وضوابط الحديث الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، وكذلك العلم بالناسخ والمنسوخ، وأن يكون قادرًا على استخراج العلل والأسباب والحكم والشبه من النصوص والتعامل مع عموم النص من إجماله، ومن أحواله ودلالاته وأماراته ([5])

ب. أن يكون لديه العلم بقواعد اللغة العربية علمًا عميقًا، والعلم بأصول الفقه ومبادئه، وقواعده الكلية، وبالأعراف السائدة، والمستجدات وما حدث في عصرنا ولو بصورة مجملة.

 ج. أن يكون لديه العلم بالمجمع عليه والمختلف فيه من حيث الجملة، وذلك من خلال دراسته الآراء الفقهاء وأصول المقارنة وكيفية الترجيح والتخريج والتنظير.

د. أن يكون قادرا على فهم مقاصد الشريعة على كمالها، يقول الشاطبي بأن يبلغ مبلغًا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في النزيلة منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله ([6]).

الخلاف المشروع

يعتبر من ثوابت هذا الدين وقواطعه وجوب الاتحاد والوحدة والترابط بين المسلمين، وحرمة التفرق والتمزق فيما بينهم، فاتحاد الأمة فريضة شرعية يفرضها الدين الحنيف وضرورة واقعية يفرضها الواقع الذي نعيشه، حيث أصبحت الأمة الإسلامية بسبب تفرقها وتمزقها ضعيفة مهددة في وجودها وكيانها وسيادتها، طمع فيها الطامعون، وغلب على معظمها المستعمرون والحاقدون، ولا سيما عالمنا اليوم الذي تكتلت فيه القوى وأصبح الإسلام الهدف الأساسي لها.

ولا نجد دينًا ولا نظامًا أولى عنايته بالاتحاد وخطورة التفرق مثل الإسلام حيث توالت الآيات الكثيرة والأحاديث المتضافرة على وجوب التعاون والاتحاد، وحرمة التفرق والاختلاف.

فمنها قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 103-104-105).

وقد نزلت هذه الآيات في الأوس والخزرج في الإسلام بعد أن بذل شاس بن قيس اليهودي جهدًا كبيرًا في إثارة نعرات جاهلية بينهم، حيث أرسل شابًا يهوديًا يذكرهم بيوم بعاث، فأنشدهم الأبيات فتذكروا، فتنازعوا وتفاخروا حتى كاد القتال ينشب بينهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فقال: «يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ أبعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية وانقذكم من الكفر وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا» (رواه زيد بن أسلم) فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم لهم فألقوا السلاح، وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضًا ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين قد أطفا الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس فأنزل الله تعالى هذه الآيات التي تبدأ بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 100-101-102).

حيث دلت هذه الآيات على ما يأتي:

1- أن أعداء الإسلام من الكفرة يبدلون كل جهودهم لتفريق الأمة الإسلامية وأنهم وراء ذلك، وبالأخص الصهاينة والصليبيون، والاستعمار الذي رفع شعار فرق تسد.

2- أن اتباع هؤلاء الأعداء وطاعتهم في ذلك كفر (يردوكم بعد إيمانكم كافرين) وهذا أعظم هجوم على التفرق وبالأخص إذا كان بسبب التبعية لأهل الكفر حيث سماء الله تعالى كفرًا.

3- هناك علامة تعجب واستغراب لمن يتفرق عن الجماعة المسلمة ويكفر مع وجود القرآن الكريم، والرسول في حال حياته وسنته في حالة موته، وهذا يعني أن سبيل هذه الأمة هو الاتباع للكتاب والسنة المطهرة وأن طريق الوحدة ميسور إذا توافرت الإرادة والعزيمة، حيث إن أسباب وحدة المسلمين مازالت قائمة. 

وأما السنة النبوية فمنها ما رواه الشيخان بسندهما عن النبي ﷺ: من فارق الجماعة شيرًا فمات فمينته جاهلية، ([7]).

ومنها ما رواه الشيخان أيضًا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» ([8]) والأحاديث في ذلك أكثر من أن تذكرها هنا ([9]).

هذا هو الاختلاف المذموم الذي يخالف الثوابت والقواطع وهو الخلاف الذي يكون في أصول الدين وثوابته، أو الذي يوجب البغضاء والمنكر والتفرقة.

أما الخلاف المشروع فهو الخلاف في الفروع لا في الأصول، وفي الوسائل لا المقاصد، وفي الآليات لا الغايات، وفي تنوع السبل إلى الخير لا في الأهداف العامة للشريعة، وفي المناهج العملية، والآليات والأولويات لا في المرجعية والمنهجية العلمية العامة.

فهذا الاختلاف مقبول ومشروع طبيعي جدًا، وهو من الدين وليس خارجًا عنه. 

اختلاف تنوع لا تضاد

بما أن الثوابت متفق عليها بين جميع المسلمين فإن اختلافهم إذا كان نابعًا عن الاجتهاد المنضبط فهو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وقد جعل الشاطبي الاختلاف الذي يؤدي إلى الفرقة والتباغض من علامات كونه اختلافًا نابعًا من الهوى غير مقبول في الإسلام حيث يقول: ومن هنا يظهر وجه الموالاة والتحاب والتعاطف فيما بين المختلفين في مسائل الاجتهاد، حتى لم يصيروا شيعًا، ولا تفرقوا فرقًا، لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع، فاختلاف الطرق غير مؤثر ثم قال: وبهذا يظهر أن الخلاف الذي هو في حقيقته خلاف ناشئ عن الهوى المضل لا عن تحري قصد الشارع باتباع الأدلة على الجملة والتفصيل، وهو الصادر عن أهل الأهواء، وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصًا على الغلبة والظهور بإقامة العذر في الخلاف، وأدى إلى الفرقة والعداوة والبغضاء لاختلاف الأهواء. وعدم اتفاقهما، وإنما جاء الشرع لحسم مادة الهوى بإطلاق ([10]).

ومن المعلوم أن هذه الاختلافات الفقهية الكثيرة داخل الفقه الإسلامي دليل على يسر الشريعة وسعتها ومرونتها وعظمتها، لأن نصوصها استوعبت كل هذه الخلافات مرونة ورفعًا للحرج. 

بل الخلافات الفقهية والفكرية والسياسية ضرورية ما دام الاجتهاد مشروعًا، فتكون الخلافات الفقهية ناتجة من ذلك فهي تدور معه وجودًا وعدمًا، لاختلاف العقول والتصورات والأعراف والتأثيرات الخارجية والداخلية.

ومن هنا فالمسلمون عندما يكون لديهم هذا الوعي فإنه لا يؤدي الاختلاف إلى التباغض.

([1])  أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول بجامعة قطر.

([2])  البحر المحيط من الكويت (4/472)

([3])  الموافقات (2/519)

([4])  المستصفى (2/254)

([5])  البحر المحيط ط الكويت (6/231-232)

([6])  الموافقات (2/477-478) عن دار المعرفة. 

([7])  صحيح البخاري كتاب الفتن مع الفتح (13/5) ومسلم (2/1477) الحديث ١٨٤٩، وأحمــد (2/82، 92، 95، 123، 154)

([8])  صحيح البخاري مع الفتح (10/413) ومسلم الحديث ٢٥٦.

([9])  يراجع الشيخ القرضاوي الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم ط دار الوفاء (ص ٢٤)

([10])  الموافقات للشاطبي ط دار المعرفة (2/576).

الرابط المختصر :