; المجتمع التربوي عدد 1808 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي عدد 1808

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2008

مشاهدات 69

نشر في العدد 1808

نشر في الصفحة 50

السبت 28-يونيو-2008

سفينة الحياة إلى شاطئ السعادة الأبدية

  • في محطة الضلال: المرأة التي انحرفت كانت ضحية خرافات الرجل باتباعها هواه وهواها فشاعت الفوضى وظهر الفساد
  • في محطة المسترجلات: أسند الرجل للمرأة كل شيء فتركها تعمل وتربي وتدرس وتقوم بواجباته وتنفق عليه فأصبحت كالهشيم تذروه الرياح
  • في قرية الإسلام الكل متعاونون متحابون.. الرجال منشغلون في إصلاح الأرض والذود عن الديار وحفظ كتاب ربهم وسنة نبيهم والنساء كأزهار في بساتين مع الرجال يدًا بيد هدفهم المشترك رضا الرحمن

أراد الله برحمته أن يخلقنا فصورنا كما شاء، لنكون كما يشاء، ونفخ فينا من روحه بعد أن شهدنا له بالوحدانية والألوهية، فنبضت قلوبنا بحمده سبحانه، ثم جاء دورنا في حياة قصيرة نبتلى فيها، هل أحسنا فيها العمل كما يريد خالقنا ووطئت أقدامنا الأرض بعد أن فرشها لنا سبحانه، وكل ذرة في كياننا لا تبتغي سوى الأنس والقرب من خالقنا، وممدنا بالنعم وتواعد معنا سبحانه على لقاء قريب أشفقنا على أنفسنا وخشينا منها، وشعرنا بوحشة ولكنه سبحانه لم يتركنا، فقد مد لنا حبله المتين وكان أقرب إلينا من حبل الوريد، فاعتدلت قامتنا، وسرنا في دربنا بمعية الله، وقد حدد لنا سبحانه معالم أقصر الطرق وأهونها للوصول إلى مبتغانا، وركبنا سفينة الحياة وقد حدد لنا ربانها دفتها لنصل بيسر إلى هدفنا  ونستريح من عناء الرحلة، ولكن.. وآه من لكن!! فقد رأت أعيننا الكثير من الأضواء المتراصة على شواطئ متعددة يمينًا ويسارًا.

محطة الكفر: واختلف المسافرون كل منهم قد بهرته أضواء شاطئ بعينه دون الشواطئ الأخرى والربان يحذرنا بأنها المعوقات التي تعوقنا عن هدفنا ولا مجيب ولا سامح، وبدأ التنافس على توجيه الدفة، وتسارعت الأيدي لتوجيهها حسب الرغبة والهوى، وبالفعل بدأت السفينة في تغيير الاتجاه ورست على شاطئ عجيب، نزل المسافرون لترى العجب العجاب فسكانه قد أصاب قلوبهم العمى فهم لا يعلمون سوى أن لهم خالقًا، ولكن عاشت عقولهم، فيمن هو الإله الحق فهناك من يعيد حيوانًا، وهناك من يعيد حجرًا، وهناك من بعيد نبيًا، وهناك من يدعي وجود ثلاثة من الآلهة، وهناك من يعبد وهناك من يعبد الشيطان الهوى واتبعت الرحمن، ومثل بلقيس التي اتبعت الحق باقتناع وعلى النقيض من أولات الصلاح فها هي المرأة آزرت الرجل في الإفساد، فانكسر الأمل، وضاعت الأيام سدى انغمس بعضنا في لذات النفس والهوى والشهوة فتمازجوا مع القوم، فتركناهم.

محطة الضلال

عندما نادى الربان، فالسفينة لا بد لها من الرحيل، أفاق من أفاق فلحق بنا، وظل الآخرون في عماهم يترددون.. كان المسافرون في وجوم: ماذا أصاب هؤلاء الناس؟ وأين ذهبت عقولهم؟ يا حسرة النفس والفؤاد عليهم، ونظرنا إلى الشاطئ مرة أخرى.. فقد ذهبت الأضواء، وغرق المكان، في ظلام دامس، وجه الربان الدفة إلى حيث الهدف ولكن الأضواء على الشواطئ ما زالت تأخذ بألباب البعض، فتغيرت الدفة إلى حيث حب الفضول ورست السفينة ونزل المسافرون سمعنا تكبيرًا.

.. وفسدت حياتهم، فشاعت بينهم المظالم وتوحدوا في حب الدنيا وزينتها، وانشغلوا بها فطحنتهم بأعبائها، ينادون آلهتهم فلا إجابة ولا قدرة، فيرجعون إلى أنفسهم ويستشعرون ضعفها. فيدخلون متاهة الحيرة، والمرأة بطبيعة عاطفتها قد انجرفت مع التيار وهي تظن أنها تحسن صنعًا. فسجدت للصور، إلا قليلاً من الصالحات اللاتي خالفن هواهن مثل امرأة فرعون التي عصت فحمدنا الكبير المتعال، وتفاءلنا خيرًا، ولكن مهلاً فالدهشة في الأفعال وليست في الأقوال، فأهل هذه القرية مختلفون متشرذمون الكل يريد أن يكون صوته هو الأعلى وأسلوبه هو المتبع، وكنا ناظرين سامعين وعليهم شاهدين. 

ولنر هذه المجموعة ماذا تفعل؟

لقد تحلقوا في حلقات واهتزت الأجساد مع ذكر الإله، نساء مع الرجال، ساعات طوال بلا تعب ولا نصب، وفي آخر المطاف انغماس في الطعام والشراب، واقتراف الآثام، سألنا بدهشة: لماذا الخطيئة بعد الذكر، وإظهار الهيام بحب الإله؟ وسمعنا عجب العجاب حيث قالوا: عندما ذكرنا الإله وأكثرنا من ذكره، رفعنا إلى أعلى سماء، فأردنا أن نهبط إلى الأرض، فلا سبيل إلا باقتراف المعاصي نظرنا إليهم بدهشة هل هؤلاء القوم يفهمون ما يقولون؟ فسيكون قولهم عليهم حجة يوم الدين والملائكة عليهم رقيب وعتيد.. ولكن هكذا النفس إن شقت باتباع الهوى، وقد أفلتت يديها من حبل الله المتين الممدود لكل مخلوق، وكان الشقاء الأبدي في تأليههم لشيوخهم، ورفعوهم إلى أعلى من درجات النبيين والرسل، وتوهموا أنهم معهم أينما كانوا، وقد ادعوا معرفتهم بالغيب بل يقدمون لهم بناتهم ونساءهم قربان الطاعة والخضوع، بل يؤلهونهم بعد موتهم، وساروا معهم في وحل عميق، فسحب الجميع في دوامة لا تبقي ولا تذر.

والمرأة كانت ضحية خرافات الرجل، فلم تقاوم واتبعت هواه وهواها، إلا من رحم تركناهم ونحن نشعر بغصة في الحلق، فهل هذا ما يريده الله لنا ومن أجله خلقنا أن يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا؟!

ووجدنا أقوامًا آخرين يجلسون يرددون ويرتلون القرآن الكريم شعرنا بأنس إليهم فاقتربنا منهم، وسبحان الله هم من القوم الذين لا تتجاوز القراءة حناجرهم، فالقلوب قاسية، ولا يطبقون آيات القرآن في الحياة ويتضاربون ويتشاتمون على السطحيات وينغمسون في المنهيات الواضحات، فيسبون هذا، ويغتابون ذاك، ويحكمون على أخيهم بالكفر وترك الملة، إن ترك مظهرًا تعارفوا عليه، وتحجرت عقولهم وأفعالهم، على آراء لبعض شيوخهم مع رفض تام للرأي الآخر، بل وتعنيف من يتبعون رأيًا آخر له أدلته.

والمرأة عندهم ليس لها رأي، بل خلقت من أجل تنفيذ كل رغبات وشهوات الرجل، وعلى فرض نقص عقلها كما يرددون، فليأخذوا بباقي العقل، فلماذا يهملونه؟ فهي عندهم مكممة الأفواه، ولا حول لها ولا قوة، مبرمجة كما يحبون، وكما يشتهون، وفي مجتمعهم شاعت فوضى وظهر في أرضهم الفساد، ولا مُجیب يا من تتلون الكتاب جاء وقت الجهاد أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذود عن حمى الديار؟ أعطونا ظهورهم وهم يتمتمون لا نريد لأنفسنا المتاعب وسمعناهم يتلون قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: ٧١). قلنا: سبحان الله عطلتم المؤمنات، ولا تأمرون ولا تنهون كالرجال تركناهم وقد جلس بعضنا معهم يتلون ولا يعملون فهو أسلم وأيسر من وجهة نظرهم القاصرة القصيرة والمرأة الضحية تدافع عما يقولون.

محطة المسترجلات 

هرعنا إلى سفينتنا فقد استنفدنا الكثير من بطارية العمر، وعلينا أن نمضي إلى حيث وجهتنا، ولكن في هذه المرة رست السفينة بفعل امرأة على شاطئ غريب في هيئته، نزل من بقي من المسافرين مع من صحبنا من القرى السابقة، ووجدنا الكثير من النساء المتذمرات الساخطات اللاعنات والعجيب أن غضبهن قد اشتعل على الرجال وهن يقلدنهم تمامًا، سواء في المشية أو ارتداء البدلة أو قص الشعر، كالرجال تمامًا، سبحان الله إن كنتن تحاربنهم فلماذا تقلدنهم ولماذا لا تظهرن بشخصيتكن الأنثوية، لا ندري في حقيقة الأمر ولا نعلم؟ فأردنا أن نستمع لحديثهن لعل الحيرة تذوب مع المعرفة واستمعنا إلى إحداهن وبعد أن وزنت من إظهار السخط الوزن الثقيل نفت عن نفسها الضعف وهذا أمر جيد، ثم قالت: إنهن كالرجال تمامًا وهذا غير جيد، فلو تخيلنا مجتمعًا كله رجال ما أقسى هذا المجتمع وما أعنفه!! لقد من الله على آدم بحواء، حتى نشعر بهذه الروعة التي خلقها الخالق، إن عاش كل جنس في إطاره.. وأخذت النساء المسترجلات يتبرأن من الرجال، ثم من أوامر الرحمن بدون دراسة ولا إحاطة ولا فهم وبدلاً من حربهن للرجال كانت حربهن لفطرتهن ومقاومة حبهن للخالق العظيم واقتربنا من إحداهن حيث صاحبناها إلى منزلها، فإذا هي امرأة محطمة نفسيًا، لا هي سعيدة مع زوج ولا أولاد بل شقيت بأفكارها، وأصبحت تلتهم يوميًا عددًا من الحبوب المهدئة والمنومة بلا جدوى، فقد مقتت حياتها، والعجيب في هذه القرية أن كثيًرا من رجالها مشفقون على ما أوصلوا إليه المرأة بأهوائهم وأفعالهم ولا يجرؤ أحدهم أن يأخذ بيدها ويصحح مسارها. بل هم في فلكها سائرون، متصورين وهمًا أنها ستأخذ بهم إلى الثريا، ولكن انفلت الزمام ودفع الأولاد الثمن باهظًا لهذه الفوضى وهذا التنافس على غير هدى فقد استغل كثير من الرجال حماس المرأة المتعطشة لدمار سعادتها، وترك على كاهلها كل شيء.. كل شيء من واجباته ومسؤولياته. فتركها تعمل وتربي وتدرس لأولاده وتنظم منزله وتقوم بواجباته هو شخصيًا، حتى أنها أصبحت تنفق عليه فأصبحت المرأة المسترجلة كالهشيم تذروه الرياح، وأصبحت منكسرة الخاطر ذليلة لدولاب الحياة الذي لا يرحم وكان الله في عونها وردها إلى حبل الله المتين سالمة، فقط كل ما عليها أن تعلم بحق من هو الله؟ ومن هو رسوله؟ وليس من أصحاب الأهواء؟ عليها أن تعلم ما لها وما عليها وستصبح أسعد مخلوقة، فقد خلقت للإسعاد والسعادة بعاطفة المرأة الجياشة وحبها الفطري للرحمن ركبت الكثيرات معنا، ومن هناك أيضًا انغمست مع المسترجلات الكثيرات ورحلت السفينة وعيوننا تذرف إشفاقًا على ما آل إليه حال هذه القرية.

شاطئ اللعنات

وواصلنا المسير ونحن نتواصى آلا نسمح لأحد بتغيير دفة السفينة وما أن غفلنا لثوان، نعم ثوان إلا وقد غير الدفة أحد الركاب ورست على شاطئ اللعنات فلم يسمحوا لنا بدخول القرية إلا إذا لعنا الآباء والأمهات فتعجبنا!! إن الإسلام إذ دخلناه ندخله بشهادة أن الله واحد، ومحمدًا رسوله، وليس فيه شرط لصب اللعنات حتى على الشيطان، ولكن قانون تلك القرية ورايتها هي صب اللعنات، فقد تحملوا عبء خلافات السابقين، وكأنهم يعيشون في زمن غير زمنهم، ويتحملون ما لا طاقة لهم به. وقد حذرنا خالقنا أن ننشغل بغيرنا في مدة حياتنا.

﴿تْلِكْ أمُةُ قْدّ حَلْتّ لَهاَٰ مْاَ كَسبْتّٓ ولَكٰمّ ماَٰ كٰسْيتمٌ ولا تسألُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ١٤١).

وبرمجوا نساءهم الغافلات وربوهن على الكراهية وقذف المحصنات فضاعت دنياهن بآخرة غيرهن ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهم يرددون القرآن بل يحفظونه بل حتى يحفظون أرقام الآيات ويتسابقون على ذلك، ولكن ما بال القرآن لم يهذب الأخلاق ويعف اللسان؟! حاولنا معهم ولكن الغضب يعمي العيون والقلوب ويصم الآذان، فرجعنا إلى سفينتنا ورايتهم تتضاءل أمامنا وهي تنثر اللعنات وقد لفت الظلمة المكان تناوبنا هذه المرة على الدفة بعد أن حدد مسارها الربان، فلاح لنا على البعد شاطئنا الموعود. ومبتغانا المنشود، وبدأت رايته تلوح لنا خفاقة عالية، وبدأ يظهر لنا جليًا المكتوب. وقرأ الجميع لا إله إلا الله محمد رسول الله صدقًا وحقًا، ووجدنا أهل القرية على الشاطئ يلوحون لنا مرحبين مهللين مكبرين فحمدنا الله وأثنينا عليه وسجدنا شاكرين مهنئين بعضنا بعضًا على الوصول.

قرية الإسلام

ورست السفينة على شاطئ به أنوار مريحة للنفس واستقبلونا بحفاوة مما أثلج صدورنا وأراح فؤادنا، بلدة تحيط بها السكينة والطمأنينة من كل حدب وصوب. يحكمها رجل ليس له ولي إلا الله، وهواه تبعًا لما أمر به الخالق القهار، فخضعت لمحبته قلوب الرجال والنساء فالرجل عنده رجل لا يكلفه ما لا يطيق ولا يبخس من حقه شيئًا. الكل متعاونون متحابون على ربهم متوكلون، فانشغل الرجال بإصلاح الأرض والذود عن الديار، وكانوا يحفظون من كتاب الله وينفذون من حكمة نبيهم ورسولهم كما كان يفعل ﷺ واقتدوا بالرسل والأنبياء، وكل عمل كان لله فسعدت معهم النساء، وقد كساهن زيًا اختاره لهن الرحمن، ولم يترك لغيره الخيار فتميزن به عن سائر نساء الأرض، فكن کبستان من بساتين الأزهار، يعلو وجوههن الرضى والبهجة وهن يدًا بيد مع الرجال لإصلاح الأرض بفطرة طبيعية وبدون مزايدات رأينا الوزيرة المصلحة، والطبيبة المتفانية والمعلمة.. والجميع نساء ورجالًا هدفهم المشترك رضا الرحمن وازدهار البلاد، وبعد قيام الليل معهم، وصلاة الفجر جلسنا وروينا لهم كل ما رأينا وكيف نراهم هم في سعادة ونمو وصلاح؟! وكيف أن الآخرين، يعيشون في تعاسة وبلادة وشقاء؟! مقرر الرجال مع النساء بناء الجسور بينهم وبين هؤلاء التعساء ليذوقوا السعادة التي يستشعرونها مع الله ورسوله والأنبياء عليهم السلام والصالحين، وما وصلوا إليه من تقدم ورقي لبلادهم، وعزم الجميع وذهبنا إلى الشاطئ وبدأنا في البناء كل مجموعة قد انهمكت في بناء جسر الحب والحنين وكان الجميع مكبرين واهبين عملهم للخالق العظيم سعدنا معهم وعملنا معهم، وبدأت الجسور في الظهور، وحتى يكتمل ويتواصل الجميع، وتنفد بطارية العمر، فسنكون قد وضعنا بذرة الأمل والحب عندها سنكون مع وعد الرحمن الرحيم.

﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: 9).

وعندها نرجو أن نشعر بدفء رحمة الله يفرغها علينا سبحانه فتتواصل سعادتنا ويجازى الجميع من رب غفور ودود كريم عفو حميد، فإلى لقاء.. إلى لقاء.

ملحوظة

أردت أن أكتب عن المرأة في يومها العالمي فلم أستطع أن أبترها من مجتمعها فهي منه وإليه، مجتمع متكامل من الرجال والنساء والفتيان والفتيات والأطفال، فتكلمت عنها في مكانها الأصلي الطبيعي والذي تسعد به.

مع تقديري وحبي لكل امرأة تصلح ولا تفسد تعمل ولا تكسل، تبني ولا تهدم.. من أجل الله.. ولله.

صلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر

محمد زهدي

الصلاة وكل العبادات ليست هدفًا في حد ذاتها، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ من قبلكم لعلكمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 21)، فالتقوى هي الهدف، وكل العبادات وسائل لبلوغ التقوى والخوف من الله، والذي يقيم الصلاة هو الذي تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فيكون متقيًا لله، يقول تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (العنكبوت: 45).

والذي يضيع صلاته هو المصلي الذي يقع في المعاصي، وقد يكون مؤمنًا، ولكنه لن يكون من المفلحين، ولنقرأ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (المؤمنون: 9: 11).

وهناك علاقة وثيقة بين الخشوع أثناء تأدية الصلاة، والمحافظة على الصلاة بعد تأديتها بعدم الوقوع في المعاصي بين الصلوات الخمس فالخشوع أن يؤكد المؤمن إخلاصه في صلاته، خاصة حين يقول في كل ركعة عند قراءته الفاتحة ﴿اِهًدناَ الصَراط المُسَتقيمْ (الفاتحة: 6)، ولا يجتمع الخشوع في الصلاة وفعل الفحشاء وارتكاب المعاصي بعد الصلاة، وإلا أصبح قول الله جل وعلا: ﴿اِهًدناَ الصَراط المُسَتقيمْ﴾ (الفاتحة: 6) ليس له معنى وتصبح الصلاة مراءاة للناس وخداعًا للنفس، وإقامة الصلاة هي المصطلح القرآني الذي يعني الخشوع في الصلاة والمحافظة عليها معًا، ولنقرأ معًا قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (المعارج: 22: 23).

وقد ورد لفظ أقام ومشتقاته «40» مرة مرتبطًا بالصلاة في آيات القرآن الكريم، وفي اللغة العربية والمصطلح القرآني نجد مفهوم قام على الشيء، بمعنى: حافظ عليه ورعاه، والله تعالى وصف ذاته باسم من أسمائه الحسنى وهو «القيوم»: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ القَيوُم (البقرة: ٢٥٥).

والآية توضح معنى القيوم أي القائم على كل شيء، ولا يغفل عن شيء، ومن هذا المعنى يأمرنا سبحانه وتعالى أن نكون قائمين على رعاية العدل والقسط: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَهّ (النساء: ١٣٥).

ويمكننا أن نتعرف على من لا يقيم الصلاة بملاحظة سلوكياته، فكل من يرتكب الفجور والفساد والظلم لا يمكن أن يكون مقيمًا للصلاة، حتى لو كان ممن يعرفون بالصلاة في المساجد وبنائها ونقرأ قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (التوبة: ١٨).

وقد كان المنافقون في عهد النبي ﷺ يؤدون الصلاة ولا يقيمونها، أي يتظاهرون بالصلاة رياء ونفاقًا لذا لم يقبلها الله تعالى منهم، واعتبرها خداعًا ليس لله تعالى وإنما لأنفسهم: ﴿إن المنافقين يُخادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذا قاموا إلى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ﴾ (النساء: 142).

الرابط المختصر :