العنوان وقفة تربوية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1992
مشاهدات 59
نشر في العدد 1023
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 03-نوفمبر-1992
الابتسامة
يقول النبي صلى الله
عليه وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، فأي ابتسامة تلك التي تكون صدقة؟ وكيف يمكن
استثمارها كوسيلة لكسب الآخرين؟
وقبل أن نتلمس الإجابة
الصحيحة على هذين السؤالين لابد من استعراض لأنواع الابتسامات لتحدد بعدها
الابتسامة التي نريد.
أنواع الابتسامات
1- ابتسامة الفرح: وذلك عند حدوث ما يفرح
الإنسان من أماني دنيوية كانت أو أخروية.
2- ابتسامة
السخرية: يريد منها السخرية من الخصم وإشعاره بفشل ما يقوم به وتحقيره.
3- ابتسامة النفاق: يقوم بها للحصول على بعض
المآرب الدنيوية.
4- ابتسامة الخوف: يقوم بها تجنبًا من شرور
المقابل، ودرءًا لفساده المتوقع.
5- ابتسامة الجنون: تحدث عند فقدان التحكم
بالعقل.
6- ابتسامة الحوادث المضحكة: تحدث عند سماع
بعض الحوادث المضحكة غير الاعتيادية.
7- ابتسامة الإخاء: والتي تنبع من قلب محب
لأخيه، لا لسبب سوى قربه من الله.
وواضح من هذا الاستعراض
أن الابتسامة النابعة من قلب محب للآخر في الله هي تلك التي عناها النبي صلى الله
عليه وسلم، وتشابهها تلك الابتسامة النابعة من قلب مشفق محب الخير للآخرين، حريص
على هدايتهم، إنها تبدو مشرقة على وجه المبتسم وهو يطلقها من غير ابتغاء لأي مصلحة
من المصالح الدنيوية الزائلة، ولكن السؤال الذي يبقى مطروحًا وهو: كيف يمكن
استغلال هذه الابتسامة في اكتساب الآخرين؟
وحتى تكون هذه الابتسامة
هي الابتسامة المثالية، والتي لها قوة من التأثير والجاذبية لكسب الآخرين لابد أن
تتوافر فيها المواصفات التالية:
1- أن تشعر المقابل أنها نقية من كل مقصد غير
الحب الحقيقي والحرص على الهداية.
2- أن تتصاحب مع مصافحة أو عناق أو كليهما،
خاصة إذا كان غائبًا أو مسافرًا.
3- أن يصحبها كلمات الترحيب الجميلة والخالية
من المبالغات الممقوتة.
4- أن يرفقها بالسؤال عن الأحوال والأهل
والأبناء وبعض مشاكله الخاصة واهتماماته.
5- أن يناديه بأحب الأسماء إليه.
فإذا ما تحقق ذلك تكون
تلك الابتسامة فاعلة بإذن الله.
أبو بلال
ورد
أيضا في صفحة «المجتمع التربوي» من هذا العدد:
·
الذاتية في العمل الإسلامي (الحلقة الثالثة)
· إشارات تربوية من سورة
الكهف
الذاتية في العمل الإسلامي (الحلقة الثالثة)
بقلم: عبد الله
أبو سليمان
نماذج في الذاتية والسبق
النموذج الأول:
عبارة واحدة قالها
الصديق رضي الله عنه تزن تاريخ الأمة كله كما يزنها إيمان أبي بكر؛ حيث تداول
الصحابة رضي الله عنهم في شأن المرتدين وقتالهم، فانتفض من مكانه وانتصب قائلًا:
«أينقض الدين وأنا حي؟!».
فجعل رضي الله عنه
وأرضاه حماية الدين مسؤوليته وحده ولو لم يقف معه أحد.
النموذج الثاني:
البكاءون
قمة أخرى من قسم الصدق
والشعور بالمسؤولية، ولقد أنزلت فيهم آيات تتلى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا
أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا
وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ (التوبة:
92).
أي إیمان هذا؟! وأي
ذاتية وإحساس عميق بالمسؤولية تلك التي تجعل الإنسان يبكي حزنًا على فقد التعب
والجوع والمشقة وضياع الأموال والأنفس؟! فهم أولًا: قد أتوا إلى النبي صلى الله
عليه وسلم بأنفسهم.
وثانيًا: لذعت قلوبهم
الصادقة الحسرة والحزن لدرجة البكاء؛ حين لم يستطع صلى الله عليه وسلم أن يحملهم
معه لغزوة تبوك.
لذا فقد أثنى عليهم صلى
الله عليه وسلم حين سار الجيش إلى غزوة العسرة وقال في حقهم: «إن بالمدينة أقوامًا
ما قطعتم واديًا ولا سرتم سيرًا إلا وهم معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: نعم،
حبسهم العذر».
النموذج الثالث:
المؤمن الناصر
قال عنه تبارك وتعالى في
محكم التنزيل: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ
يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس: 20) هذا المؤمن الذي جاء
لنصرة المرسلين الذين جادلهم أصحاب قرية «أنطاكية» فسعى بحرارة ولهفة من أقصى
أطراف المدينة، يصف ذلك المشهد سيد قطب رحمه الله قائلًا: «فهذا رجل سمع الدعوة
فاستجاب لها بعدما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه،
وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره، فلم يطق عليها
سكوتًا ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور، ولكنه
سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره، صعد به إلى قومه وهم يكذبون
ويجحدون ويتوعدون ويهددون، وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه
إلى الحق».
النموذج الرابع:
الوفي
قال عدي بن حاتم لعمر بن
الخطاب رضي الله عنهما: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلی، أسلمت إذ كفروا،
وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا. فقال عدي: فلا أبالي إذن.
النموذج الخامس:
التلقائية في الفهم
قصة إسلام ابن أثال
عجيبة، وأعجب ما فيها تلقائية الفهم لديه لما يتطلبه من الإسلام منه مبدأ الولاء
والبراء والسمع والطاعة للقيادة، وذلك حين ذهب لقريش وقال لها: لقد أسلمت ولن
تأخذوا حبة قمح حتى يأذن لكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
النموذج السادس:
الذاتية في التصرف
بعد توقيع صلح الحديبية
وما نصت عليه من إرجاع المسلمين عندما يأتوا من طرف الكفار، فجاء حينها أبو بصير
مسلمًا لجهة المسلمين فردوه، ولكنه بإحساسه الفطن سمع قولة رسول الله صلى الله
عليه وسلم عنه: «مسعر حرب لو كان معه رجال»، فانطلق وأسس مجموعة حرب عصابات أرهق
الكفار حتى طلبوا بأنفسهم إلغاء هذا البند.
إشارات تربوية من سورة الكهف
الإشارة الأولى: الهجرة إلى الجماعة
﴿إِذْ
أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ (الكهف:
10) لقد انخلعوا عن رداء الفردية وانخرطوا في الكيان الجماعي، من هم؟ ﴿إِنَّهُمْ
فِتْيَةٌ﴾ (الكهف: 13) وما سلاحهم؟ ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ
هُدًى﴾ (الكهف: 13) إنهم فتية أشداء في أجسامهم، أشداء في إيمانهم..
إيحاء الآية يوحي أنه لابد من جماعة؛ إذ بها يقوى يقين الفرد، وبها ينكر الباطل
كلما ارتفعت للباطل شوكة.
لقد التجأوا إلى ذلك
الكهف.. ذلك الحصن، فهو لهم بمثابة الجماعة التي احتضنتهم من بين ذلك الركام
المتناثر من الجاهلية وأعوانها.. ذلك الكهف المظلم أنورُ في عالمهم من الدنيا
المضيئة التي تمتلئ بالفتن.. ذلك الكهف الضيق أرحب في عالمهم من الدنيا الفسيحة
الممزوجة بالكدر الجاهلي.. ﴿وَإِذِ
اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ (الكهف: 16) إنها الحياة كل الحياة في ظل الجماعة لا
خارجها، وماذا يوجد خارجها؟ إنها الهموم والغموم والكدر: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا
الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد: 4). لقد علم هؤلاء الفتية أن الهجرة
إلى الجماعة تغمر القلوب العطشى بالإيمان فتنغمس في رحمة الرحمن، فتنزاح القيود
بنور الإحسان الذي أضاءه موقد الجماعة.
وهكذا تشير كثير من آيات
الكتاب العزيز إلى الجماعة والإيواء لها والالتجاء إليها والهجرة إليها: ﴿إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) فكن على يقين أنك
بهجرتك إلى الجماعة قد هاجرت إلى رحمة ومغفرة، فالجماعة رحمة والفرقة عذاب، وتكون
خطوتك الأخرى في هجرتك إلى الله أن تصدع في نطقك بالحق وتبلغ.
يقول فتحي يكن في كتابه
«كيف ندعو إلى الإسلام؟»: «الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعتمد أسلوب العمل
الفردي، وإنما حرص من أول يوم على إقامة تنظيم حركي يختار عناصره أو ينتقي أفراده
انتقاء ليكون قوة الدفع في المسيرة الإسلامية التي لم يطل عليها الزمن حتى كانت ملء
عين العالم وسمعه وبصره».
والجماعة كيان تتضافر
الجهود لتنميته، فمن أوجب واجباته الدعوة إليه على بصيرة ﴿وَلْتَكُن
مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (آل
عمران: 104) إنها مجموعة نذرت نفسها لخدمة دينها يتحملون في سبيل فكرتهم أقسى
أنواع المصائب وأعتى رياح الانكسار، ولكنهم على دربهم سائرون في جماعتهم: ﴿إِنَّهُمْ
فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: 13) وهو
مفهوم يشدنا إلى إشارة مضيئة.
عبدالله القصار
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل