العنوان وقفة تربوية.. الكتب المُفَرِّقة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
مشاهدات 116
نشر في العدد 1029
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
انتشر في المكتبة الإسلامية منذ فترة ليست بالقصيرة، وازدادت في الآونة الأخيرة، لون من الكتب التي يدور الحديث فيها عن الجماعات الإسلامية، ولا أعني تلك التي يكتبها المستشرقون والعلمانيون بشتى أصنافهم، ولا تلك التي تعدها المخابرات في الدول الغربية والإسلامية على حد سواء، إنما أقصد تلك التي يقوم بكتابتها «دعاة مسلمون» قد قضوا عمرًا في الحركة الإسلامية. وأبرز سيئة في هذه الكتب هي أن المؤلف يقوم بإبراز أخطاء وعيوب كل الجماعات، ويبرئ الجماعة التي ينتمي إليها من كل عيب وخطأ، وكأنه يعتقد ما يعتقد بعض الباطنية بعقيدة العصمة لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يعتقد بأن جماعته جزء من الملائكة الذين لا يجوز عليهم الخطأ. كما أن المُقَزِّز في هذه الكتب أن القارئ لها يخرج بشعور الكراهية لباقي الجماعات ما عدا جماعة المؤلف، وبالتالي فإن هذه الكتب تجعل مسافة الالتقاء مع الجماعات الإسلامية تزداد بُعدًا، وتجعل كمية العداء والحقد تزداد حجمًا.
وهذا لا يعني السكوت عن الأخطاء التي
تقع فيها الجماعات الإسلامية على مختلف مشاربها، إذا ما اعتمدت بعض الشروط، وهي
كالتالي:
1- الابتعاد عن الحزبية، والتي تغض
الطرف عن أخطاء حزبها، بينما تقوم بتضخيم أخطاء الآخرين.
2- التماس العذر، وهو مبدأ مقرر في
الكتاب والسنة.
3- حسن الظن وترك منهجية «الأصل سوء
الظن»، فإن قواعد الأصول تقول «الأصل في المسلم براءة الذمة».
4- الابتعاد عن العبارات والكلمات
الاستفزازية أو ما يقترب من كلمات السب والشتيمة.
5- التثبت من النقول والحوادث.
6- العدالة.
ومن أبرز هذه الكتب التي لاقت قبولًا
بين الناس، وقد التزمت بهذه الشروط وأكثر منها، ما كتبه الشيخ الفاضل سلمان العودة
في رده على فضيلة الشيخ الغزالي في كتابه «حوار هادئ»، وما كتبه فضيلة الشيخ
عبدالعزيز بن باز ردًا على فضيلة الشيخ علي الصابوني، وهذان الكتابان يصلحان بأن
يكونا نموذجين للآداب الإسلامية في حالة الخلاف.
أبو
بلال
ورد أيضًا في صفحة "المجتمع
التربوي» من هذا العدد:
قبس من التنزيل
إن وجوب الدعوة حاصل لكل مسلم حسب
قدرته وإمكاناته، وفق ضوابطها الشرعية.
ولا يُعذر مسلم في تركها إلا في ترك
يدفع به مضرة أكبر ويجلب به منفعة أكثر، وأدلة ذلك كثيرة معلومة.
وليس على الداعية استجابة الناس
لدعوته وإنما عليه دعوتهم وحسب، ولذلك قال المولى تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا
خَمْسِينَ عَامًا﴾ (العنكبوت: 14) يدعوهم، وهو تبارك وتعالى يعلم أنه لن معه إلا قليل
ثم أخبره بعد هذه المدة الطويلة: ﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ
مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ (هود: 36)، لكن هذا الإخبار ما جاء إلا بعد
انقضاء هذه الحقب من الزمن. لم يخبره قبلها- حسب علمه تبارك وتعالى- ولكن أخبره
بعد انتهاء المدة المقدرة.
زبدة القول هي أن الدعوة لابد أن
تستمر، فهي ميدان المسلم، وهي المعايشة الحقيقية لإيمانه، وبدونها تجرفه تيارات
الحياة وشهوات الدنيا.
لذلك تلزمه الدعوة ولا تلزمه استجابة
المدعوين، فلا يتبرم من طول الطريق ولا ييأس من إعراض الناس.
الشيخ/
سلمان مندني
السجن الإيماني
عامة الناس يسرحون في الدنيا
ويلعبون، فإذا اقترب أجلهم جلسوا يتفكرون ويتهيؤون.
يتفكرون في أيامهم التي سلفت، وكيف
انقضت فيرون أكثرها في سهو ولهو وسبات، يركضون خلف الملذات والشهوات، ثم يتخذون
القرار بحسن التوجه إلى الله تعالى فيتوبون ويستغفرون ويحجون ويتهيؤون للموت
وسكراته بهذه النفسية المتوترة الباكية عما فرطت من أعمال في أيام عمرها.
فهذا الصنف من الناس لم يستفد من
تجربة غيره.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد
رسم الطريق ووضحه لنا حتى تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها
إلا هالك.
والنبي صلى الله عليه وسلم يريد منا
أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون حتى نستفيد من وقتنا ونستثمر أيام عمرنا، فقال عليه
السلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
فإذا تلقى الشاب هذه التربية واستلم
بيده هذه اللافتة، فسيبدأ من حيث انتهى الآخرون، فيفتح عينيه على الدنيا وهو
يستشعر أنها سجن، وهو مُكبَّل فيه أو مُقيَّد بداخله، فليس كل ما يشتهيه يدركه،
ولا كل ما يدركه يفعله، فحاله بخلاف حال الكافر أو المسلم الذي لم يرفع هذه
اللافتة التربوية.
ومن هذا المنطلق تلقى الصحابة
التربية على يد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه النفسية المقيدة حتى قال ابن عمر-
رضي الله عنهما: «لولا الإسلام لمكرت مكرًا لا تطيقه العرب» (سير إعلام النبلاء ج
2/108).
فالذي أمسك ابن عمر وقيَّده عن كثير
مما يستطيع أن يعمله هو فهمه لحقيقة الدنيا بأنها سجن تقيد الإنسان عن كثير من
المحرمات التي له الحرية في فعلها، ولكن هناك مسألة جديرة بالطرح، وهي أن المسلم
الذي لا يحيا بهذا المفهوم فإنه سيعيشه وإن دخل الجنة، كما أخبر النبي صلى الله
عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها
لم يشربها في الآخرة» (رواه البخاري ومسلم).
فأيهما أفضل؟ أن يعيش المسلم بسجن
الدنيا أم الآخرة؟!
سؤال يحتاج إلى وقفة تأمل من
الدعاة.. فأنقذ نفسك من الحبس، فهذا ابن السماك يقول: «يا ابن آدم، أنت في حبس منذ
كنت، أنت محبوس في الصلب، ثم في البطن، ثم في القماط (أي المهاد)، ثم في
الكُتَّاب، ثم تصير محبوسًا في الكد على العيال، فاطلب لنفسك الراحة بعد الموت حتى
لا تكون في الحبس أيضًا» (التبصرة لابن الجوزي ج 1/48).
فتحرك أيها الداعية وفق لافتة النبي
صلى الله عليه وسلم وابدأ من حيث انتهى الآخرون، وقل لي: إن كنت في الليل نائمًا
وبالنهار هائمًا فمتى تنال الغنائم؟!
جاسم
المطوع
واقرأ أيضًا: