العنوان المجتمع التربوي (1148)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995
مشاهدات 67
نشر في العدد 1148
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 02-مايو-1995
قبسات تربوية:
وقفة تربوية:
اغترار الدعاة:
ما دام الداعية إلى الله إنسانًا فهو معرض للعجب بأي عمل يقوم به أو نعمة يغدقها الله عليه ما لم ينتبه ويرجع الفضل إلى الله تعالى خوفًا من أن يكله إلى نفسه، ومن وكله الله إلى نفسه فقد خسر، لذلك كان الرسول ﷺ يقول في دعائه «ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين».
إن القرآن الكريم يعلمنا هذا الخلق من خلال أنبيائه ورسله، فهذا سليمان- عليه السلام- يرى ذلك الملك الذي لم يعطه الله أحدًا من خلقه، فلا يتعالى، ولا يعجب ويطغى، ولا يكل هذه النعم إلى نفسه طرفة عين بل يتذكر المنعم، وينكسر بين يديه حين يقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (النمل: 19).
إن الله سبحانه وتعالى يغار على عباده، حينما يغفلون عن هذا الأمر ولو للحظات قلائل.. فيظهر لهم عظمته وقدرته عليهم حتى يعودوا ولا يغتروا بما يروا من التوفيق والنجاح وسائر النعم، لتسمع إلى أحد أعلام العلماء وهو يمر في تلك اللحظات الخطرة من عمر الدعاة، وماذا أراه الله سبحانه وتعالى.
فقد جاء في ترجمته أنه قال: «ما سمعت شيئًا قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا قط فنسيته»، ثم قال: «يا غلام، هات نعلي، فقال هما في رجليك»، يقول صاحب العقد معلقًا «ففضحه الله».
أبو بلال
مقومات نجاح الدعوة:
بقلم: محمد الجاهوش
لكي يضمن الداعية نجاحًا وتفوقًا في حقل الدعوة، فلا بد أن يكون ملمًا بوسائل التربية والتوجيه، والعوامل المؤثرة في نفوس المخاطبين وقلوبهم.
إذ إن هذه المعرفة تجعله يحيا واقع الناس ومعاناتهم، فيبصر- عن قرب- همومهم واهتماماتهم، ويستطيع تقييم تصرفاتهم ورغباتهم، وتوجيهها الوجهة السليمة الصحيحة، كما يفعل الطبيب الحاذق، حيث يحرص على الإحاطة بأبعاد الداء وأسبابه، وكل ما يتعلق به، فإذا ما تم له ذلك كان وصف العلاج يسيرًا، وتأثيره أكيدًا.
ولقد كان لسلفنا الصالح- رضي الله عنهم- القدح المعلى والنصيب الأوفر في فقه النفوس وتشخيص عللها وأمراضها، ووصف العلاج الناجع لها، مهما تعددت وتنوعت، يعرف ذلك من عايش سيرتهم، وأدرك كيف تعاملوا مع الحياة وماذا قدموا لأهلها.
وحديثنا اليوم مع علم من السابقين الأولين، سابع سبعة من أصحاب رسول الله ﷺ: إنه عتبة بن غزوان- رضي الله عنه ...
روى الإمام مسلم في صحيحه: أن عتبة ابن غزوان خطب الناس، فكان مما قال: أما بعد فإن الدنيا قد أذنت بصرم وقد ولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين خريفًا، ما يدرك لها قعرًا.
والله لتملأنه! أفعجبتم؟ والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عامًا، وليأتين عليه يوم كظيظ الزحام.
ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع رسول الله، ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا منه، وإني التقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فأتزر بنصفها، وأتزرت بنصفها، فما أصبح منا أحد اليوم حيًا إلا أصبح أمير مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا. وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون عاقبتها ملكًا، وستبلون، وستجربون الأمراء بعدنا .
١ - التطلع إلى الدنيا داء قديم: إنه لتوجيه حكيم من مرب نبيه، أدرك بسلامة حسه، وصفاء قلبه واقع الناس، وأن النفوس تطمح إلى المزيد من زهرة الحياة الدنيا، وأن الرغبات تنجذب نحوها، والناس قصورًا شاهقات من الآمال في اقتنائها، والتمتع بها، ويرسمون مستقبل حياتهم على ضوء ما يؤملون.
هذه حقيقة يدركها من يعايش الناس ويخالطهم، وإنه لداء قديم حديث ما يفلت منه إلا من رحم الله، وقليل ما هم ولا علاج لهذا الداء إلا بتقرير حقيقته، وتقريبها إلى الأفهام، حتى لكأنها رأى عين، وسمع أذن.
ولقد أجاد الصحابي الجليل: عتبة بن غزوان- رضي الله عنه- وأفاد عندما بين لنا أن الدنيا قد دنت شمسها من المغيب، وأذن نجمها بالأقوال، وما يرى من زينتها إنما هو متاع قليل وإنه لأقل وأحقر من أن تصرف في تحصيله الأوقات، فضلًا عن إفناء الأعمار، ثم هب أن باغي الدنيا نال منها مناه، فماذا عساه صانعًا، وهي دار زوال لا بقاء فيها ولا استقرار إنه لعجز بذوي الهمم العالية أن يكون غاية همهم متاعًا زائلًا، ونعيمًا متحولًا.
2- الآخرة هي دار القرار: لا يماري عاقل أن الدنيا إلى زوال، وأن الآخرة هي دار القرار إنها حقيقة إيمانية، عقدية، أثبتها الوحي، وبينها الرسل وجلاها القرآن أوضح جلاء وأتمه: ﴿إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (سورة غافر: 39).
وانطلاقًا من هذه الحقيقة الإيمانية يستطيع الداعية توجيه القلوب إلى معالي الأمور وتبصير الناس بأخطار إعراضهم عن هذه الحقيقة أو نسيانها، وما يجره انشغالهم عنها من خسارة يجدونها ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (سورة آل عمران: 30).
فالعاقل يحرص أن يتزود خير زاد وأفضله، ليقدم منزله الجديد هادئ النفس مطمئن البال، وليس من زاد يعدل التقوي أو يضاهيها ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ (سورة البقرة: 197).
3- الترغيب والترهيب: لا يختلف عاقلان على أن أسلوب الترغيب والترهيب من الأساليب التربوية المؤثرة في تهذيب النفوس، وصقل القلوب، وترسيخ معالم الإيمان، وحسبنا: أنه أسلوب القرآن الكريم في بناء الشخصية الإيمانية، وصياغتها الصياغة الربانية.
وقارئ القرآن واجد بين دفتيه مصداق ما نقول، فقد جاءت الآيات تترى تحذر من العقاب سوء الحساب، وتبين عقبي الإعراض عن منهج الله- عز وجل-.
كما تطالعه آيات الترغيب في الخير والبر والتشويق إلى الطاعة والإيمان، وبيان عقبي المؤمنين، وما أعد الله تعالى لهم من الكرامة، ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ۖ وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ (سورة الرعد: ٣٥) وغير هذا كثير، وكثير، فالمربي الناجح يحرص على الإفادة من هذا المنهج الرباني ولا يحيد عنه، وقد رأينا كيف أن الصحابي الجليل عتبة بن غزوان- رضي الله عنه- سلك مسلك القرآن، وبين لجمهوره من صفة النار ما تنخلع منه القلوب، وتقشعر من هوله الجلود «لقد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم، فيهوي فيها سبعين خريفًا لا يدرك لها قعرًا» وبين أنها- مع هذا- ستملأ بمن تسعر بهم ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (سورة ق: 30).
وذكر من صفة الجنة ما يحدو بالأرواح إلى بلاد الأفراح، ويجعل أهل الإيمان يحثون الخطى مستبشرين بنعمة الله وفضله، طامعين بجزيل ثوابه وأجره.
٤- عبر الماضي: إن إفادة الإنسان العبر من ماضيه يدل على فطنته وحصافته، وهو علامة على توفيق الله- تعالى- له لا سيما من أكرمه الله تعالى بالهداية بعد ضلال، أو أسبغ عليه النعمة بعد فاقة وحرمان، فما أحراهما بشكر النعمة وأداء ما وجب من حقوقها، واتخاذها مطية للخير، بعيدًا عن الأشر والبطر.
ولطالما أكثر الصحابة- رضي الله عنهم- من ذكر ما كانوا عليه في الجاهلية، وما آلت إليه أمورهم بعد أن من الله- تعالى- عليهم بالإيمان، «ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا منه»، هذا ما يقوله عتبة بن غزوان وهو قائد جيش، وأمير ولاية من أخصب بقاع الدولة الإسلامية وأكثرها ثراء لم تمنعه النعمة التحدث عن الماضي، ذاكرًا لنعم الله تعالى موبخًا نفسه، کي تطأمن، فلا تزهو بما هي فيه، ولا تتعاظم فإن العظيم من علت منزلته، وعظمت مكانته عند خالقه، وما سوى ذلك فمظاهر جوفاء لا يبالى الله- تعالى- بأصحابها أنى هلكوا.
تبدل الأحوال:
إن سنة التغيير ماضية- في حياة الأفراد والأمم- إلى يوم القيامة ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (سورة الحج: 40).
فمن رام دوام الحال فقد رام محالًا، وأمل ما لا يدرك «فإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى تكون عاقبتها ملكًا».
فمن ابتلي فليصبر ومن جرت رياحه بما يشتهي فليغتنم صفو الحياة، وليحسن اقتناص الفرص فيما يبيض وجهه، ويثقل ميزانه وليكن من مفاجآتها على حذر، فإن الريح عادتها السكون ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37)..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل