العنوان المجتمع التربوي (1191)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1996
مشاهدات 56
نشر في العدد 1191
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 12-مارس-1996
• عملك مرآة طموحك:
بقلم: هالة عبد العزيز الجوهري- بريطانيا
هناك فئة من الناس إن حاولتم إسداء النصح لهم، تحللوا من الاستجابة بقولهم: «نحن لا نريد سوى العتبة» يقصدون عتبة الجنة، وما ذاك استصغارًا لأعمالهم أن تبلغهم أكثر من ذلك، وإنما هذا هو منتهى آمالهم ومبلغ علمهم، فليس لديهم همة ترقى بهم لأسمى من ذلك، وليس لديهم علم بأن الجنة لا يوجد بها قوم يتلذذون بالعتبة، وإنما جاء في الحديث المتفق عليه أن الله -عز وجل- يقول لأدنى أهل الجنة منزلة: «اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها» (رياض الصالحين: ۱۸۸٤). ورغم هذا الأجر العظيم ما سمعنا على مر العصور من يسأل الله أن يجعله من أدنى أهل الجنة منزلة، فليس هذا طموحًا يستنفر الطاقات ويحقق المعجزات، وليس تلك همة تُبنى عليها الآمال وتترجم وفقها الأعمال، ولذا فإن رسولنا وقدوتنا عليه الصلاة والسلام -وقد كان أعظم عظماء الأرض- علمنا الطموح والرغبة في التميز، حثنا على أن نكون كالشامة بين الناس، أراد منا أن نكون عالين الهمة تواقين للقمة، فقال عليه الصلاة والسلام: «في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس» (صحيح الجامع: ٤٢٤٤). هكذا يستحث -عليه الصلاة والسلام- الهمم ويستثير البواعث على الارتقاء فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، ولقد تربى الجيل الأول على هذه النظرة الاستشرافية وفقه أبعادها، فإذا بسيرتهم تعكس سمو تطلعاتهم وسعة آفاقهم، هذا ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله، وأحد أهل الصفة الذين كانوا لا يكادون يجدون ما يسد رمقهم أو يواري جلدهم. يقول له المصطفى في الحديث الذي رواه مسلم: «سلْني»، فيقول: «أسألك مرافقتك في الجنة». نعم، هذا هو الهم الذي يؤرقه والهدف الذي ينشده وهو البائس الفقير، ويسأله الرسول مرة أخرى أو غير ذلك، فيجيب بإصرار الواثق وعزم المريد هو ذاك، فيكبر فيه الرسول تلك الهمة العالية، ولكن يوضح له أن لها تبعات وتكاليف، وأن الأعمال مرآة الطموح، فيقول له: «فأعنى على نفسك بكثرة السجود» (رياض الصالحين: ١٠٦).
إنه تفاوت الهمم لا غير هو الذي أوجد لنا في الحياة نماذج متباينة من الناس، ابتداءً من الذين جعلوا العتبة أقصى آمالهم -ولسنا هنا بصدد الحديث عمن هم دون ذلك- وانتهاءً بالذين يناضلون من أجل الدرجات العُلا في جنة بها مائة درجة ما بين كل درجة وأخرى كما بين السماء والأرض.
انظر إلى من جعل هدفه بلوغ «عتبة الجنة»، تجده لا يكاد يغترف من بحر الخيرات إلا بمقدار ما يبلغه تلك العتبة، فهو بالكاد يؤدي الفريضة ولا يزيد، يتوسع في المباحات حتى يقع في الشبهات، بل في الحرام أحيانًا، لا يحفظ من كتاب الله سوى فاتحته وبعض السور يقيم بها صلاته، لا يفكر بتهذيب أخلاقه أو إصلاح قلبه، همه الأكبر الدنيا، يتقلب في أعطافها ويلهث خلف سرابها، وليس هذا بغريب، فماذا تنتظر من إنسان لا تشغل الآخرة من قلبه سوى حيز كحيز «العتبة»؟! إنه سيعمل لها ولا شك بمقدار ذلك الحيز الضئيل الذى تشغله من نفسه وتفكيره، إن أردت أن ترتقي بسلوكه يومًا، فلا تحدثه عن الاستكثار من الأعمال، وإنما وسع له دائرة اهتماماته وارفع له من شأن طموحه، وستجد أثر ذلك على عمله تلقائيًّا، فكلما زادت همة المرء سما هدفه وتاقت نفسه ليكون عند مولاه أعظم ولنيل رضاه أقرب، فيزداد بذلك إقباله على الطاعات ويستكثر من الباقيات الصالحات.
ولله در فئة من الناس بلغت همتهم حد الكمال، فهم لا يرضون لأنفسهم غدًا بسوى الفردوس دارًا، ولا يقبلون بغير رفقة الأنبياء فيها بديلًا، تجد المرء منهم آخذًا بالحزم زمام نفسه ممتطيًا صهوة عزيمته، في ميادين الخيرات سباقًا، وإلى أعلى الدرجات تواقًا، أما الآخرة فقد شغلت قلبه كله فهي أكبر همه، وأما الدنيا فجاءته راغمة فوضعها في يده، وراح يسخرها لخدمة هدفه الأسمى الذى يعيش من أجله، ولا عجب أن ترى هذا الصنف من الناس في دنياه -قبل آخرته- ناجحًا متفوقًا محبوبًا متميزًا، لمَ لا وهو الساعي بهمة لنيل الفردوس الأعلى؟! أتراه يعجز عن تحقيق أهداف الدنيا وهي أدنى؟! إنها الإيجابية ذات الحدين، والقدرة على التميز في الدارين، وإنها لبعض أسرار الهمة العالية، وها هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يضرب لنا من نفسه مثالًا رائعًا إذ يقول: «لقد جُعِلت لي نفس تواقة، كلما بلغت منزلة تاقت لما فوقها، تاقت للإمارة فنالتها، ثم تاقت للخلافة فنالتها، وإنها أراها اليوم تاقت للفردوس الأعلى».
• وقفة تربوية: شخصية أبنائنا (1):
هل سأل أحد منا نفسه يومًا من الأيام عن سبب خجله من التحدث أمام الناس قلوا أم كثروا؟ ولماذا لا يستطيع ابنه أو ابنته أيضًا التحدث أمام أصدقائهم في المدرسة أو أمام طابور الصباح في الوقت الذي نرى جميعًا أبناء الغرب -خاصة من درس منا في بلاد الغرب- وهم يملكون الجرأة في الحديث أمام الناس الغرباء وفي مدارسهم، وفي التجمعات البشرية؟ لو رجعنا إلى الماضي قليلًا وتذكرنا أنماط التربية السائدة في المجتمعات الشرقية، وخاصة العربية، والمنطلقة من قناعات خاطئة ليس لها أي أصل شرعي، أو أنها ناتجة من فهم خاطئ لبعض الأخلاق الإسلامية، ثم ورثنا نحن الآباء هذه الأنماط الخاطئة، لأدركنا الكثير من أسباب هذه الظاهرة، ومثال ذلك مفهوم «الاحترام للكبير»، فَهُم من أجل ترسيخ هذا الأمر يسلكون طرقًا تؤدي إلى نتائج بالغة الخطورة من الناحية التربوية، وتنتج شخصيات مهزوزة ضعيفة مترددة، غير واثقة من نفسها، لا تستطيع القرار وتفضل أن يقرر الآخرون لها.
ومن هذه الأساليب الخاطئة، منعهم الأطفال من الجلوس مع الكبار في المجالس، أو أماكن التجمعات تحاشيًا للإزعاج أو خوفًا من التعدي على الكبار، ومنها منع الصغار من الحديث في حضرة الكبار، وإذا ما حاول التحدث أو التعبير عن نفسه حتى في الجلسة الأسرية سمع من أبويه كلمات وعبارات التسكيت والتحقير، لأن الوالدين لا يريدان أن يقطع الصغار عليهما متابعة بعض البرامج التلفزيونية، أو يريدون الحديث لهم فقط.
وإذا جاء الصغير من المدرسة وأراد أن يتحدث عما جرى له من أحداث وخناقات واختلافات مع زملائه، أو ما حدث في اختباراته لا يجد أذنًا مصغية من كلا الوالدين، هذا «التكتيم» المستمر في اليوم والليلة يولِّد بعد ذلك إنسانًا أبكمَ لا يعرف التحدث، ويخاف من الخطأ، ولا يثق بنفسه، ولا شك أن الجاني في هذه الجريمة هم الآباء والأمهات.
أبو خلاد