العنوان المجتمع التربوي (1251)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1997
مشاهدات 72
نشر في العدد 1251
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 27-مايو-1997
وقفة تربوية:
«يسلمون ونسلم»:
عدم التسبب في إثم الآخرين خلق قل من يفطن إليه من الدعاة، لدقته، ولكن الأعمش فطن له عندما «سار في طريق، فلقيه إبراهيم النخعي، فانصرف معه، فقال إبراهيم: «الناس إذا رأونا قالوا: الأعمش والأعور، فقال: وما عليك أن يأثموا، ونؤجر، قال: وما عليك أن يسلموا ونسلم»، حدائق الأزهار 103.
ما أرقها من قلوب يحملها أولئك العلماء الدعاة، إنهم يحافظون على الناس إلى درجة يخشون فيها أن يكونوا هم السبب في اقتراف الآخرين للإثم حتى ولو كان هذا التسبب هو ما خلقهم الله عليه من الخلقة، والتي ليس لهم دخل فيها... كثيرة هي الأمور التي يتسبب فيها بعض الدعاة في إثم الآخرين دون أن يشعروا بذلك، من أبرزها الحديث مع العوام بما لا يستوعبون، أو الحديث مع عامة الناس في أمور دقيقة من أمور العقيدة والعلم حتى يتسببوا في كراهية العوام للعلم، أو إنكار بعض ما جاء فيه من أمور لا تستوعبها عقولهم، لذلك قال علي . رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعقلون... أتريدون أن يكذب الله ورسوله»، وقديمًا قالوا: لكل مقام مقال.
أبو خلاد
تعال نؤمن ساعة:
هواة السلع الغالية:
أطرحه سؤالًا كما طرحته على نفسي فاتعبتني وأيقظت منامي!!
أطرحه سؤالًا لكل تاجر يطمح أن تصبح تجارته عالمية ولكل قارئ لديه ذاتية عملية ولكل طالب تسمو نفسه لنيل المراتب العالية ولكل امرأة تشتري كل حلية غالية!!
أخي الفاضل... أختي الفاضلة... ما أغلى سلعة؟
سؤال بحثت عن إجابته في الأسواق العالمية قبل المحلية... وفي الدول الكبرى قبل الصغرى.... وفي المراجع والمجلدات قبل الكتب والكتيبات... وكلما أحسست أنني وصلت إلى الإجابة وعرفت أغلى سلعة، وجدتها ترشدني إلى سلعة أغلى منها.
إلى أن قرأت ذات يوم في كتاب رياض الصالحين للإمام النووي حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا أن سلعة الله الجنة». رواه الترمذي.
فعندئذ وجدت الإجابة وأيقنت بها، وعندها أدركت مقصود عمر بن عبد العزيز حين قال: «إن لي نفسًا تواقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة»، وعندها أخذني الفضول وحب المعرفة لسبب غلاء هذه السلعة!!
فعرفت عنها الشيء الكثير..... فإن جئت لنيلها فهي حفت بمكاره الأمور... وإن جئت لسعة أبوابها فيقول الرسول ﷺ: «والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير، أو كما بين مكة وبصرى» متفق عليه.
وإن كنت قد رأيت الخيمة في الدنيا، فالخيمة في الجنة يقول عنها ﷺ: «الخيمة درة مجوفة طولها في السماء، ثلاثون ميلًا في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون» متفق عليه.
وأما ثمارها فيقول ﷺ: «إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة عادت مكانها أخرى» رواه الطبراني
وعن أشجارها يقول ﷺ: «إن في الجنة الشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» متفق عليه، ويقول كذلك: «ما في الجنة من شجرة إلا وساقها من ذهب» أخرجه الترمذي وصححه الألباني.
وأما ريحها فيشم من مسيرة أربعين عامًا، والخيل فيها يحدثنا عنها عبد الرحمن بن ساعدة رضي الله عنه قائلًا: كنت أحب الخيل، فقلت يا رسول الله هل في الجنة خيل، فقال: «إن أدخلك الله الجنة يا عبد الرحمن كان لك فيها فرس من ياقوت له جناحان يطير بك حيث شئت» رواه الطبراني.
ولنتخيل بحارها في قوله ﷺ: «إن في الجنة بحرًا، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد» أخرجه أحمد وصححه الألباني.
وما ذكرناه قليل بالنسبة لوصف الرسول ﷺ للجنة وما فيها، وإن التشابه في الأسماء فقط، وما ذكره الرسول ﷺ يعتبر أقل القليل لما هو موجود في الجنة، وذلك مصداقًا لقوله ﷺ: «في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»، ص. ج ص.
من أجل ذلك كانت أكلة التمرات حياة طويلة تمنعنا من الحصول على السلعة الغالية... هذا ما علمنا إياه عمير بن الحمام رضي الله عنه، ذلك الصحابي الذي سمع الرسول ﷺ في غزوة بدر يقول: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» فقال: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض، قال: «نعم» قال: بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ: «وما يحملك على قول بخ بخ؟» قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم وهو يقول:
ركضًا إلى الله بغير زاد *** إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد *** وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد *** فما زال حتى قتل.
عبد اللطيف المطوع
تأملات في نصوص تربوية:
مخاطر الخصام بين العاملين للإسلام:
بقلم: عبد الله حمود البوسعيدي (*)
أكاد أجزم أن من أسباب تخلف العمل الإسلامي في واقعنا المعاصر عن الشهود الحضاري والإنقاذ العالمي، هو واقع الخصام بين العاملين للإسلام، مع أنهم جميعًا يستقون من معين الكتاب والسنة، الكتاب الذي قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) (1)، والسنة الزاخرة بما يرص الصفوف، ويمنع الخصام، كما وصف الرسول الأمة بالجسد الواحد: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (2)، فهل رأيتم عاقلًا يخاصم أعضاءه؟!.
وعمق ﷺ المعنى فوصف الوجود الإسلامي بالبنيان فقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا وشبك بين أصابعه» (3)، فهل رأيتم فطنًا يعدم ذاته فينتحر؟، هذا في الأمر بالمحبة والتآزر والشواهد النصية على ذلك كثيرة جدًا، وقد جاء النهي عن الخصام في غير ما حديث من ذلك قوله ﷺ: «ولا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» (4)، وشدد في النهي ببيان تسبب الخصام في تأجيل المغفرة كما في قوله ﷺ: «تعرض الأعمال في كل إثنين وخميس فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك به شيئًا، إلا أمرًا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا» (5) وشدد في النهي فقال ﷺ: «إذا كان ليلة النصف من شعبان أطلع الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه» (6)، وقال ﷺ: «في ليلة النصف من شعبان يغفر الله لأهل الأرض إلا لمشرك أو مشاحن» (7)، وبيّن ﷺ أن من صفات النفاق المبالغة في الخصام كما في قوله: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» (8)، ومعنى إذا خاصم فجر: أي بالغ في الخصومة، وشدد ﷺ على المبالغة فقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار» (9)، وشدد أكثر حيث اعتبر المبالغ قاتلًا فقال ﷺ: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» (10).
البغض في الله:
هذا وقد يحتج البعض في خصامه أنه مبني على البغض في الله المفضي إلى الكمال الإيماني، كما قال ﷺ: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (11).
وهذا الفهم فيه نظر، ذلك لأن القاعدة بعد استقراء تقول: «من كان في دائرة الإسلام لا يخاصم، وإن اختلفت الأفهام والمذاهب الفقهية والدعوية، ما لم تعارض الكتاب والسنة، فاختلاف الأسلوب لا يفضي إلى اختلاف القلوب، لذلك قال الرسول ﷺ: «ولا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه».
ومن كان في دائرة الإسلام، وله بعض المعاصي، فلا بد من تعليمه ونصحه وإقامة الحجة عليه، فإن أقلع فهو المراد، وإن لم يقلع فلا بد من تكرار النصح والدعوة، ذلك لأن هجر هؤلاء وخصامهم لا ينهي المنكر ولا يصلح الفاسد، ولنا في نوح عليه السلام قدوة حسنة رغم أنه دعا كفرة، إلا أنه لم يخاصمهم بعد أول محاولة بل قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ (نوح: 5-6) (12).
مع بيان عدم الرضا عن معاصيهم، وضرورة هجرهم في مواقف المعصية، وألا تكون المودة والمحبة مع المصرين على الكبائر بقدر مودة الصالحين ومحبتهم.
الهجر الشرعي:
ولشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الباب توجيهات لا غنى لنا عنها، من ذلك قوله: «الهجر الشرعي نوعان: أحدهما بمعنى الترك للمنكرات، والثاني بمعنى العقوبة عليها وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي ﷺ والمسلمون، الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير، وإن كان منافقًا، فهنا الهجر بمنزلة التعزير، والتعزير يكون عمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع، وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة، بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر والهجر البعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قومًا ويهجر آخرين، وإذا عرف هذا فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله والهجر لأجل حق الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث كما ورد فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق نفسه، فالأول مأمور به والثاني منهي عنه» (13).
وقال رحمه الله: «فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته» (14). هذا وقد جعل الرسول ﷺ المبادأة والمبادرة من مقاييس الخيرية كما في قوله ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال: يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (15)، ويشدد ﷺ على الرافض لجهود المصالحة كما في قوله: «لا يكون لمسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاثة، فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرات كل ذلك لا يرد عليه فقد باء بإثمه» (16).
أجر المصالحة:
ورتب الإسلام على جهود المصالحة أجرًا عظيمًا، من ذلك ما قاله ﷺ: «كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة» (17)، قال النووي ومعنى تعدل: تصلح بينهما بالعدل، ومن حب الإسلام للمصالحة ما دعاه إلى أن يبيح الكذب لها مع حرمته، فقال ﷺ: «ليس الكذب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا». (18).
الهوامش
1 - الحجرات 10. 2 - متفق عليه.
3 - متفق عليه. 4 - متفق عليه.
5 - رواه مسلم. 6 - صحيح الجامع 771.
7 - صحيح الجامع 4268. 8 - متفق عليه.
9 - رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري.
10 - رواه أبو داود بإسناد صحيح.
11 - صحيح الجامع 5965. 12- نوح: 5 و6.
13 و14 - الفتاوى ج 28 ص 203 - 210 بتصرف.
15 - متفق عليه. 16 - صحيح الجامع 7775.
18 - متفق عليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل