العنوان المجتمع التربوي (العدد: 1311)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1998
مشاهدات 70
نشر في العدد 1311
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 04-أغسطس-1998
وقفة تربوية: هل تحب طفلك؟ (۲)
ذكرنا في المقال السابق أهمية إيصال رسائل الحب إلى أطفالنا، وأنه لا يكفي فقط الحب المكنون في صدورنا؛ حيث إن الأطفال لا يقرأون ما في الصدور، بل يشعرون بالسلوك الظاهر الذي يرونه ويشعرون به، كما أكدنا على أهمية إعطاء الحب للأطفال حتى نحصل على نتيجة مهمة في تربيتهم وهي التقبل لأن الأطفال لن يتأثروا بنا، ولن يصغوا إلى تعاليمنا، ولن يكونوا كما نريد إلا حينما نمنحهم الحب ونشعرهم به.
يقول عالم النفس الأمريكي بريان تريسي كيف ينقل الوالدان شعورهما بالحب إلى أولادهما؟ هناك أربع طرق:
الطريقة الأولى: اجعل حبك لهم غير مشروط:
اجعله حباً من كل قلبك، ولا يتوقف على سلوك ولدك، إن هبة الحب الخالص لا تعدلها أي هبة في الحياة، إنها أغلى هدية تقدمها لأبنائك، إنه لا شيء يحطم تقدير الذات مثل الحرمان من الحب، ويعني تريسي هنا بأننا لا نستخدم الحب وحرمانه كأداة للعقاب فنقول: إذا لم تفعل الشيء الفلاني فلا أحبك بل يجب علينا بعد كل عقوبة أن نبين له سبب هذه العقوبة، ونؤكد أن محبتنا إليه ويسبب حبنا له عاقبناه حتى يكون أفضل، وأن نراضيه بعد كل عقوبة.
الطريقة الثانية: القبلة والضم والتربيت ومسح الشعر:
هذا يشعر الأبناء بأهميتهم، ومنزلتهم عندك، ونلاحظ في هذا الخصوص أن الطفل الذكر يتلقى كمية الضم والقبلات نفسها التي تتلقاها الأنثى حتى سن عام واحد، ثم يحصل على 5% مما تتلقاه البنت، ويعتبر كثير من علماء النفس أن هذا هو السبب الذي يجعل الصبي يورط نفسه في مشكلات ومصاعب ومهما أكثرت من ضم الطفل إلى صدرك فهذا ليس إسرافاً.
نكمل في المقال القادم بقية طرق نقل شعور الحب للأبناء..
أبو خلاد
إكرام الجار (۳) من (۳)
حرمات الجار
تتلخص جملة حقوق الجار في أن يبدأ بالسلام، ولا يطيل معه الكلام، ولا يكثر عن حاله السؤال، وذلك كي لا يضايقه، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء ويهنئه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه، ويصفح عن زلالته، ولا يتطلع على عوراته ويستر ما ينكشف له من عوراته، ويغض بصره عن حرمته، ويتلطف بولده في كلمته، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه.
أضف إلى ذلك ما يجب أن يكون أبين الجيران من تكافل، فعن عمر بن الخطاب -رضيَ اللهُ عنه- عنه عن النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ قال: "لا يشبع المؤمن دون جاره (۱)".
وعن ابن عباس عن النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ قال: " ليس المؤمنُ بالذي يشبعُ وجارُه جائِعٌ (۲)".
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ قال: مَنْ أغْلَقَ بَابَهُ دُونَ جَارِهِ مَخَافَةً عَلَى أهْلِهِ وَمَالِهِ، فَليْسَ ذَلِكَ بِمُؤْمِن، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ لاَ يَأمَنُ جَارُهُ بَوائِقَهُ، أتَدْرِى مَا حَقُّ الجَار؟ إِذَا اسْتَعَانَكَ أعَنْتَهُ، وإذَا اسْتَقْرَضَكَ أقْرَضَتْهُ، وَإِذَا افْتَقَرَ عُدْتَ إِلَيْهِ. وَإذا مَرِضَ عُدتَهُ، وَإذا أصَابَهُ خَيْرٌ هنَّأتَهُ، وَإذَا أصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيتَهُ، وَإذَا مَاتَ أتبعْتَ جنَازَتَهُ، وَلاَ تَسْتَطِلْ عَلَيْه بِالبِنَاءِ، تَحْجبُ عَنْهُ الرِّيحَ إِلاَّ بِإِذنهِ، وَلاَ تُؤْذه بِقَتَار قِدْرِكَ، إِلاّ أنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا، وَإنْ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً فاهدِ لَهُ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأدْخِلهَا سِرًا، وَلاَ يَخْرُجْ بِهَا وَلَدُكَ لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ (۳).
من أعظم الذنوب، وإذا كانت الذنوب جرم عظيم، وعقوبتها شديدة، فإن الجوار يجعل الذنوب أعظم وعقوبتها أشد فعن عبد الله بن مسعود قال:سَأَلْتُ -أوْ سُئِلَ- رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أكْبَرُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ معكَ. قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: أنْ تُزَانِيَ بحَلِيلَةِ جَارِكَ (٤).
أن تزاني حليلة جارك وهي الزوجة، سميت بذلك لكونها تحل له، وقيل: لكونها تحل معه.
ومعنى تزاني: أي تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزني وإفسادها على زوجها، واستمالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحاً، وأعظم جرماً، لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه، ويأمن بَوائِقَهُ ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية من القبح (٥).
الجار أولى بالشفعة: عن سمرة، عن النبي قال: جار الدار أحق بدار الجار أو الأرض (٦)، وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ الجارُ أحَقُّ بشُفعةِ جارِه، يُنتَظَرُ بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقُهما واحدًا (۷).
الجار الصالح سعادة في الدنيا ويشفع في الآخرة، والجار الصالح سعادة لجاره في الحياة الدنيا، بل ويتجاوز حدود النفع المادي الدنيوي ليصل إلى قَبُول شهادته عند الله في الآخرة، عن عبد الله بن الحارث قال: قال رسول الله من سعادة المرء الجار الصالح، والمركب الهني، المسكن الواسع (۸).
وعن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ أنه قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره (۹).
عن كلثوم الخزاعي قال: «أتى النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ رجل فقال: يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أني قد أحسنت، وإذا أسأت أني قد أسات؟ فقال رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ إذا قال جيرانك قد أحسنت فقد احسنت، وإذا قالوا: إنك قد أسأت فقد أسأت (۱۰).
عن أبي هريرة عن النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ يرويه عن ربه - عزّ وجلّ- قال: ما من عبد مسلم يموت، يشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الأدنين بخير إلا قال له -عزّ وجلّ- قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا وغفرت له ما أعلم (۱۱).
الجار السوء من الفواقر، والجار السوء من شوم الدار ويجر الشقاء على صاحبها، فعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ أربع من السعادة المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح والمركب الهنئ، وأربع من الشقاء الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء والمسكن الضيق (۱۲)، كما أنه من الفواقر والدواهي فعن فضالة ابن عبيد قال: قال رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: «ثلاثة من الفواقر: إمام إن أحسنت لم يشكر، وإن أسأت لم يغفر، وجار سوء إن رأى خيراً دفته، وإن رأى شرًا أذاعه وامرأة إن حضرت آذتك وإن غبت عنها خانتك (۱۳).
قال الصقعب بن عمرو النهدي حين سأله النعمان ما الدّاء العياء، قال: جار السوء الذي إن قاولته بَهَتَكَ، وإن غبت عنه سَبَعَكَ (١٤).
من تقدير السلف للجار: عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه أن أبا بكر مر بعبد الرحمن بن أبي بكر وهو يماظ جاراً، فقال: لا تماظ جارك، فإن هذا يبقى ويذهب الناس (١٥).
وبلغ ابن المقفع أن جارًا له يبيع داره في دين ركبه، وكان يجلس في ظل داره، فقال: ما قمت إذن بحرمة ظل داره إن باعها معدماً، فدفع إليه ثمن الدار، وقال: لا تبعها (١٦).
وشكا بعضهم كثرة الفار في داره، فقيل له: لو اقتنيت هراً؟ فقال: أخشى أن يسمع الفار صوت الهر فيهرب إلى دور الجيران، فأكون قد أحببت لهم ما لا أحب لنفسي (۱۷).
عن عائشة أن النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ قال لها: «إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمران الديار ويزيدان في الأعمار (۱۸).
وساوم جار لفيروز بن حصين في دار له، فلما قاموا على الثمن، قال: هذا ثمن الدار، فأين ثمن جوار فيروز؟ والله لا أبيعه إلا بضعفي ثمن الدار فبلغ فيروز، فبعث إليه بضعفي ثمنها وتركها له.
وعن ابن سلام قال: مر طلحة بن عوف أخو عبد الرحمن بن عوف بدار ابن أذينة الشاعر، وهو ينادي عليها، فقال: إن داراً قعدنا فيها، وتحدثنا في ظلها لمحقوقة أن تمنع من البيع، وبعث إلى ابن اذينة بثمنها وأغناه عن بيعها، وروي عن ابن الزيات أنه كان يقول: الجوار قرابة بين الحيطان، والرحمة خور في الطبيعة وضعف في القلب، وخبره في ذلك معروف (19).
الهوامش:
1- أحمد ١/ ٥٥ - الحاكم ٤/ ١٦٧.
2 - المستدرك للحاكم ٤/ ١٦٧.
3 - جامع العلوم والحكم وعزاه إلى الخرائطي ١ /٣٥٠
4 - فتح الباري ١٢/ ١١٤/ ٦٨١١، ومسلم بشرح النوووي 2/79/86.
5 - مسلم بشرح النووي 2/81
6 - أبو داود ٣/٢٨٤ /٣٥١٧.
7 - ابو داود 3/284/2518
8 - مسند الإمام أحمد 3/408
9 - مسند الإمام أحمد 2/167
10 - مسند الإمام أحمد 2/384،408
۱۱ - سنن ابن ماجة 2/1411/4222
۱۲ - الترغيب والترهيب 3/363
۱۳ - الترغيب والترهيب 3/258، والفواقر جمع فاقرة وهي عظمة الظهر والمراد الدواهي القاصمة.
14 - مجمع الأمثال للميداني 1/818/509.
١٥ - منتخب كنز العمال على هامش المسند 3/382.
١٦ - إحياء علوم الدين 2/323.
١٧ - إحياء علوم الدين 2/233.
۱۸ - مسند الإمام أحمد 6/159.
۱۹ - جمهرة الأمثال للعسكري 1/219/273.
الإخلاص في العمل
من حكمته تبارك وتعالى وعلمه بطبائع البشر أن جعل الإخلاص في العمل أساس القبول فيخرج من هذا الأساس كل عمل أراد به صاحبه الثناء والمدح والذكر والمنفعة.
فالإخلاص ذلك الخفي الصامت، لم يختار الأمكنة الشاسعة، ولا الميادين الواسعة، وإنما اختار القلب مكاناً وميداناً بالرغم من ضيق المساحة فيه، فهو أكرم ما في الجسد، صلاحه بصلاحها، وخرابه بخرابها، قال رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». مكان اختفى عن الأنظار والأبصار ليس كبقية الجوارح ظاهراً للعيان، بل جعله الله تبارك وتعالى محاطاً باللحم والعظم والجلود فلا تعرف ما فيه من إخلاص فيغتر العبد ولهم ما فيه من نفاق فيفتضح العبد حكمة بالغة، ورحمة واسعة.
إذن وفق هذه الاعتبارات وتلك المقاييس يتمايز الناس ويتفاضلون ليس في تقدير الناس وإنما في علم الله فللناس الظاهر ظناً، ولله الباطن علماً، وحسبنا من الناس ظاهرهم، ونوكل إلى الله سرائرهم، وأمرنا بحسن الظن إلا في ظن يصل إلى حد السذاجة والجهل، فإنه من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس.
وزبدة القول: إن الإخلاص ميدان خرج منه الكثير لما فيه من مشقة وعنت وخسران الحظوظ النفس ورغباتها وبقي في قلة نادرة، نقية، خفية تقية، ليس لها عالم الناس صورة أو اسم متداول، وإن كان لها فهي في خوف ووجل الله في ألا يقبل العمل وحسبها.
(كتاب جسور التواصل سلمان مندني).
القرآن الكريم ينير البصيرة
قال تعالى: ) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) ( (سورة ص: 86-87-88).
يقول الشهيد سيد قطب إنها الدعوة الخالصة للنجاة، بعد كشف المصير وإعلان النذير الدعوة الخالصة التي لا يطلب صاحبها أجراً، وهو الداعية السليم الفطرة، الذي ينطق بلسانه، لا يتكلف ولا يتضح، ولا يأمر إلا بما يوحي منطق الفطرة القريب، وإنه لتذكر للناس أجمعين، فقد ينسون ويغفلون.
إرضاء الله عزّ وجلّ وسخط الناس
قال الإمام أحمد، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: « مَنْ أرْضَى الناسَ بسخَطِ اللهِ وكَلَهُ اللهُ إلى الناسِ، و مَنْ أسخَطَ الناسَ برضا اللهِ كفاهُ اللهُ مُؤْنَةَ الناسِ»، وما أدركت عائشة - رضي الله عنها - هذه المعاني إلا من صحبتها للرسول ﷺ.
فعن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: يَغزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ فإذا كانوا بِبَيْدَاءَ من الأرضِ يُخْسَفُ بأَوَّلِهِم وَآخِرِهِم قالت: قلتُ: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أَسْوَاقُهُم وَمَنْ ليس منهم؟! قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يُبْعَثُونَ على نِيَّاتِهِم». (البخاري).
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإن استنفرتم فانفروا، أو كما قال صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ (متفق عليه).
وعن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم. (رواه مسلم).
وعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: جاء إلى رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر، ماله؟ فقال رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: لا شيء له، فأعادها ثلاث مرات يقول رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: لا شيء له، ثم قال: "إن الله عزّ وجلّ لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجه الله" (رواه النسائي).
وكما قيل:
عليك بالصدق والإخلاص في العمل *** ولازم الخير حلاً ومرتحل
وعندما كتب الإمام مالك - رحمه الله - كتابه الموطأ، قال له تلاميذه يوماً ما: لقد ضاع موطوك بين الموطات التي كتبها العلماء، فقال: "إن الله تعهد ألا يبقى إلا ما كان خالصاً لوجهه".
خالد يُوسُف الشطي
أفلا يتدبرون؟
الفضلُ للهِ فيِ كلِّ خير
سعد وسعيد أخوان ورثا التجارة عن أبيهما واشتغلا فيها زماناً حتى صنع كل منهما ثروة كبيرة وجمع قدراً عظيماً من المال، كان الأول منهما - إذا سأله الناس عن سر نجاحه - رد الفضل لله فقال: ليس إلا بتوفيق من الله أنا أجتهد وأتحرى الصواب وأبذل غاية الجهد، ولكن النجاح هبة من الله يهبها لمن يشاء من عباده، أما الثاني فكان يذكر - إذا حدث نفسه أو حدث الناس - ما لديه من المهارات الفنية والقدرات الإدارية، ولم يكن يظن أن نجاحه إلا ثمرة لذكائه ومواهبه وقدراته ليس غير.
وما لبثت الأيام أن دارت دورتها فإذا بسعد يزداد ثراء على ثراء وسعيد يفقد ماله كله حتى ليكاد يسأل الناس، أفكان ذلك المصير صدفة وقدراً بغير سبب، بل هو قدر قدره الله ليمضي سنته، وليعلم الناس أن ليس لهم من نتائج أعمالهم إلا ما قدره الله لهم، وأن الفضل لله يؤتيه من يشاء بكرمه ورحمته، فإن اغتر امرؤ بما آتاه الله من ذكاء أو مقدرة فظن أن نجاحه كان بسبب ذلك وكله الله إلى ما يظن فخسر وخاب عمله في الدنيا قبل الآخرة. انظر إلى قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف: حاز مالاً عظيماً وامتلك جنتين وارفتين ثم كذب بنعمة الله وتاه على صاحبه المؤمن كبراً وفخراً فقال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ فرد عليه الرجل المؤمن بالقول: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (الكهف: (۳۹-34) قال القرطبي في تفسيره للآية: «أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك، ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع (الجامع لأحكام القرآن ج10 ص ٤٠٦).
ثم تأملوا في آيات هذه السورة الأخرى تجدوا هذا المعنى محوراً أساسياً فيها:
النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ كان واثقاً من قدرته على الإجابة عن أسئلة الكفار حين سألوه عن بعض أخبار الغيب ونسي أن يعلق هذه القدرة بمشيئة الله فعاتبه الله وعاقبه - بحبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً - وهو نبيه وأحب خلقه إليه، ثم أنزل عليه جواب ما سئل عنه مشفوعاً بقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا (*)إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ...﴾ (سورة الكهف: 23-22)، نقل القرطبي في التفسير عن أهل العلم: عاتب الله - تعالى - نبيه - عليه السلام - على قوله للكفار حين سألوه عن الروح والفتية وذي القرنين»، «غداً أخبركم بجواب أسئلتكم ولم يستثن في ذلك. فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً حتى شق ذلك عليه وارجف الكفار به فنزلت عليه هذه السورة مفرجة، وأمر - في هذه الآية - الا يقول في أمر من الأمور: "إني أفعل غداً كذا وكذا" إلا أن يعلق ذلك بمشيئة الله عزّ وجلّ (القرطبي ج ۱۰ ص ٣٨٥).
أعلم الناس:
وموسى عليه السلام ظن أنه أعلم الناس فعتب الله عليه إذ لم يرجع الفضل إليه فدله على رجل أكثر علماً منه وأكثر اعترافاً بفضل الله أخرج الشيخان في الصحيحين عن أبي بن كعب أنه سمع النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ يقول: «إن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، وفي رواية أنه سئل هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فقال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى إليه أن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم إلى آخر الحديث وقد علق القسطلاني على جواب موسى قائلاً: عتب الله عليه تنبيهاً له وتعليماً لمن بعده لئلاً يقتدي به غيره في تزكية نفسه فيهلك، ولا ريب أن في هذه القصة أبلغ رد على من فاه بقوله: أنا أعلم خلق الله، وإنما الجئ موسى للخضر للتأديب لا للتعليم فافهم إرشاد الساري لشرح (صحيح البخاري ج ١ ص ١٧٤).
أما ذو القرنين فإنه كان أبصر بحدود قدرته وأعلم بأن هذه القدرة لا تفيد شيئاً إلا أن يأذن الله ويقدر، إذ إنه أجاب - لما سئل أن يبني السد. بقوله: )مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ( ثم عقب على العمل بعدما أنجز قائلاً: )هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ۖ(، لم يقل أوَّل الأمر أنا القوي القادر فسوف أبني السد بما أملك من قوة وقدرة، ولا قال من بعد هذا البنيان العظيم صنعته بعلمي، بل هو رد الأمر في الحالين كليهما إلى الله الخالق القادر مالك الملك، قال سيد قطب في تعليقه على الآيات ونظر ذو القرنين إلى العمل الضخم الذي قام به فلم يأخذه البطر والغرور، ولم تسکره نشوة القوة والعلم، ولكنه ذكر الله فشكره ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه، وتبرأ من قوته إلى قوة الله، وفوض إليه الأمر، إنه يرجع كل خير يحققه الله على يديه إلى رحمة الله وفضل الله، ولا ينسى - وهو في إبان سطوته - قدرة الله وجبروته وأنه راجع إلى الله في ظلال القرآن ج ٤ ص ۲۲۹۳).
وكذلك صنع يُوسُف عليه السلام حين عبر الرؤيا لصاحبيه في السجن فاعترف بفضل الله إن علمه التعبير: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ (يُوسُف:37)، ثم اعترف بفضل الله إذ هداه - وآباءه - إلى الحق ﴿...مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (يوسف: 38).
ومثله سليمان عليه السلام حين أعلن للناس أن ما يعلمه من منطق الطير وما يملك من الخير إنما هو من فضل الله عليه، ولم يزعم أو يظن أن ذلك كان بعلمه وقدرته ﴿...وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (سورة النمل: 16)، واعترف مرة أخرى بهذه النعمة التي أنعمها عليه الله حين سمع مقالة النملة: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ﴾ (سورة النمل: ۱۹)، ثم أقر بذلك الفضل للمرة الثالثة حين أتاه الذي عنده عنده علم من الكتاب بعرش ملكة سبا: ﴿...فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي...﴾(سورة النمل: 40) ثم عقب قائلاً: ﴿...لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ ...﴾ فمحل الابتلاء أن ينجح العبد في إرجاع الفضل إلى الله ولا يأخذه العجب بنفسه فيحسب أن ما وصل إليه من نجاح أو أن ما اصابه من خير كان بسبب علمه أو ذكائه أو قدرته، ومن قبل رأينا ذلك لدى داود وسليمان - عليهما السلام - حين أوتيا العلم فذكراه وحمدا عليه الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة النمل: ١٥).
ولننظر إلى الجهة المقابلة لنرى كيف صنع واحد من طواغيت الكفر الكبار، قارون، الذي أتاه الله كنوزاً يعجز عن حمل مفاتيح خزائنها الجمع الأقوياء من الرجال، فبغى وبطر حتى خسف الله به و بداره الأرض، فماذا كان أعظم ذنب استوجب غضب الله حتى يخسف به هذا الخسف؟ إنه - لما ذكره قومه بفضل الله عليه فقالوا له: ﴿...وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ ...﴾- [القصص: 77] أنكر فضل الله وادعى الفضل لنفسه فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ ... ﴾ (سورة القصص: 77-78)، فكان هذا الادعاء سبب غضب الله عليه وعقابه الصارم له.
ومثل هذا المعنى نجده في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ۚ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الزمر: 49)، قال أهل التفسير إن هذه الآية انزلت في حذيفة بن المغيرة، وليس المهم فيمن نزلت بل المهم أن ندرك محل الاختبار والفتنة في مثل هذا المقام رجل ينهض من كبوته الضر الذي كان فيه وينقلب حاله من إخفاق إلى نجاح النعمة التي خولها، أي أعطيها تفضلاً من الله وإحساناً، فأي شيء يكون جوابه وكيف ينظر إلى المسألة صاحب المثل - في الآية - فشل في الاختبار لأنه رد العلة والسبب في تغير حاله وانكشاف ضره إلى علم عنده، فعقب الله عزّ وجلّ عليه بقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾، ولو رد العلم والقدرة إلى الله لنجح في الاختبار ونجا من الفتنة.
الله هو صاحب الفضل في كل خير، هو الرزاق وهو الوهاب وهو المعطي وهو المغني وهو الباسط وهو القادر وهو الواسع، وهو الرحيم بعباده، هذه الحقيقة العظيمة غابت عن أذهان وعقول كثير من الناس حتى استوجبت أن يؤكد عليها القرآن كل هذا التأكيد ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ...﴾ (سورة يونس: ۳۱) ﴿۞ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ﴾(سورة سبا: ٢٤) ﴿ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ ...﴾ (سورة النمل: ٦٤) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ ...﴾ (سورة فاطر: ٣) ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ...﴾ (سورة العنكبوت: ۱۷) ﴿أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ...﴾ (سورة الملك: 21) أما عدد المرات التي من الله على عباده بها بالرزق في القرآن فتبعث على التأمل العميق، فقد ورد هذا المعنى بلفظ «رزقكم» ويرزقكم» و«رزقناكم» و«نرزقكم» و«رزقناهم و نرزقهم، وسواها من الألفاظ المقاربة بصيغة المن من الله على عباده نحواً من مائة مرة.
ولكن المسألة ليست في الرزق فحسب، بل في كل خير يصيب الناس، لذلك من الله علينا بكل خير أصابنا وأنبأنا أنه ما كان إلا بفضله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (سورة البقرة: 243) ﴿...إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾(سورة يونس: 60) ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (سورة النمل: 73)، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (سورة غافر: ٦١) ﴿...وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (سورة الحديد: 21-29 وسورة الجمعة: ٤)، ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ ...﴾ (سورة إبراهيم: ٣٤)، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة النحل: 18).
أما جماع المسالة برمتها وخلاصة الأمر كله ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ...﴾ (سورة النحل: ٥٣)، ففي هذه الآية تقرير حاسم يفيد بأن الله هو مصدر كل نعمة وكل خير يصيبه الإنسان من نعمة الإسلام، وصحة الأبدان وسعة الأرزاق، وكل ما أعطاكم من مال أو ولد، فكل ذلك من الله تعالى إنما هو المتفضل به على عباده، فيجب عليكم شكره على جميع إنعامه (مختصر تفسير الخازن ج ۲ ص ۹۰۹).
أيها الناس ما بكم من نعمة فمن الله، فإذا وقر هذا المعنى في قلوبكم وجهرت به السنتكم فحري بالمنعم أن يديم الإنعام، أما إن ظننتم أنكم تنجحون وتفلحون وتصنعون وتعملون بقدرتكم وقوتكم وذكائكم ومهارتكم فما أسرع ما توكلون إلى أنفسكم، فمن منكم يحب أن يستبدل بمسبب الأسباب أوهن الأسباب، أو يرضى أن يحل تدبير العباد محل تدبير رب العباد؟
تعالَ نؤمن ساعة
الموت آية من آيات الله
إن الإيمان بالله الواحد الأحد وباليوم الآخر وبالجنة والملائكة والكتاب والنبيين والبعث والحساب وبكل ما جاء به محمد صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ بأنه حق من عند الله سبحانه وتعالى يمثل الحقيقة الأولى والكبرى في حياة الإنسان في جميع الشعوب وجميع العصور، فالحياة والموت حقيقتان قائمتان، والناس يغفلون عن هذه وتلك، فالحياة الدنيا مليئة بالعبر والعظات تتكرر على سنن الله ثابتة ولكن القليل يعتبر، والموت أكثر حدث في الحياة الدنيا يتكرر والقليل يعتبر ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (سورة الانعام: 36).
الموت لا يحدث للإنسان إلا في أجل مسمى لا يعلمه إلا الله، وفي كل الحالات يظل السبب الغيبي هو السبب الحقيقي، إنه انتهاء الأجل الذي حدده الله رب العالمين لكل إنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (سورة الأنعام: 3).
إن الموت حق، وإنه باب للحياة الحقيقية وهو الحقيقة الثابتة اليقينية أمام كل إنسان ولتكون الحياة الدنيا كما أرادها الله دار ابتلاء وتمحيص لتقوم على كل إنسان أو تقوم له الحجة، ولكن ابن آدم جرى يلهث في دروب الظلم والعدوان والفتنة والفساد ونسي سنن الله ونسي انه مبتلى في هذه الحياة الدنيا وأنه محاسب، إنه من قضاء الله الحق أن يجعل بعد هذه الحياة الدنيا ساعة وبعثاً وحساباً ليأخذ كل إنسان حقه وجزاءه على ميزان عادل لا يظلم أبداً، هذا هو مصير كل إنسان ومصير كل أمة، وتمضي سنن الله في الحياة الدنيا حتى تقوم الساعة ويقوم الحساب ويفترق الناس إلى جنة أو نار.
إن الموت مصيبة، لكن الله سبحانه وتعالى وفر لعباده المؤمنين سلوان العزاء بالإيمان والذكر وبالدعاء واللجوء إلى الله، وذكر الموت ليكون وعظاً وتذكرة لنا بالآخرة، فذكر الموت صفة من صفات الإيمان، وعلم يحيي القلب بالإيمان ويصل الدنيا بالآخرة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ قال: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلماً، رواه ابن ماجة والطبراني، وما أجمل حسن الظن بالله، وما أجمل أن يظل قلب الإنسان معلقاً بالجنة والدار الآخرة، بالله يرجو رحمته ويخشى عقابه ويسعى جاهداً لرضائه.
الموت حق قضى الله به على كل بني آدم وحار الناس في فهم حقيقة الموت، لكن القول الحق عن الموت ما جاء به القرآن الكريم من خلال التصور الحق للكون كله للحياة والموت وما بعد الموت في منهاج رباني متناسق معجز.
الموت آية من آيات الله تحمل العبرة والموعظة للناس على مر الدهور والعصور، فمن أراد النجاة من فتنة الدنيا ومن عذاب الآخرة فليس من سبيل إلا التمسك بالكتاب والسنة تلاوة وتدبراً وحفظاً و ممارسة في واقع الحياة، فلا يدري الإنسان متى يواتيه الأجل، إنه أجل مسمى عند الله.
فالحياة الدنيا هي الفرصة الوحيدة للإنسان ليقرر فيها ويختار سبيل الإيمان أو سبيل الكفر فلا قضية أخطر منها ليقرر موقفه منها، فهي التي تحدد مصيره الذي لا رجعة عنه، مصيره الذي لا سبيل لتغييره بعد الموت، لذلك كانت قضية الإيمان هي القضية الكبرى للإنسان في الحياة الدنيا، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أخذ رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما . يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك المرضك، ومن حياتك الموتك، رواه البخاري، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: أكثروا من ذكر هازم اللذات - الموت، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، يجب أن نكثر من ذكر الموت؛ لأن ذلك أمر الله ورسوله إلينا.
نبيل عرفة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل