; المجتمع التربوي (1338) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1338)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999

مشاهدات 64

نشر في العدد 1338

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 16-فبراير-1999

وقفة تربوية

رسالة حب إلى الأبناء

جاء في ترجمة الزاهد العابد التابعي ابن الصحابي عمرو بن عتبة السلمي، أن أباه قال له يوماً يا بني أنا أحبك حبين حباً لله تعالى، وحب الوالد لولده. 

فقال له: يا أبت كيف وهبت لي سبعين ألف درهم؟! فإن كنت محتاجاً إليها فخذها، وإلا فدعني أتصرف فيها. 

فقال: يا بني تصرف فيها بما تختار قال: فبنى له زاوية، وعمل فيها فقراء ورتب لها وقوفاً بباقيها، ولم يترك معه منها درهماً واحداً، (صفة الصفوة 2/69).

وهو الذي جاء في ترجمته أنه كان يصلي يوماً بالخلاء، فإذا بأسد يأتي بجنبه، ولم يهرب، وأكمل صلاته، ولما ذهب الأسد سأله أصحابه أما خفت من الأسد؟ فقال: «إني لأستحيي من الله أن أخاف غيره».

إننا بحاجة لأن نتعلم من ذلك الصحابي الجليل - والد هذا التابعي أبنائنا الذي من أبرز أصوله الإشباع العاطفي للأبناء، وهو الأمر الذي يحتاجونه كاحتياجهم للحليب والطعام.. ولا بُدَّ من إرسال الرسائل العملية والكلامية للأبناء بحبنا إليهم والتودد الدائم لهم. إذ إن الأبناء لا يمكن أن يتأثروا بالآباء أو يأخذوا عنهم شيئاً ما لم يحبوهم.

وواضح أن ذلك الصحابي الجليل ما أحب ابنه إلا بعد أن رأى علامات الصلاح بادية عليه، فأرسل رسالة حب عملية بإعطائه ذلك المبلغ من المال، ثم أرسل رسالة حب كلامية عندما قال له إني أحبك حبين...

أبو خلاد

أصلح سريرتك.. ينتشر عبيرُك

صفاء النفس وسلامتها من الآفات سمة من سمات المؤمنين، ودلالة قطعية على تغلغل الإيمان وتشعبه في القلب، ومؤشر على صدق الوجهة في الدعوة إلى الله صفاء يقابله صفاء من الناس وود صفاء يقابله لين في معاملة، وحسن ظن دائم وبشاشة وجه وارتقاء في عمل وإخاء لا يفتر.

يقول ابن الجوزي في كتابه «صيد الخاطر: رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يحفظ الله بهم الأرض بواطنهم كظواهرهم بل أجلى، وسرائرهم كعلانيتهم بل أحلى وهممهم عند الثريا بل أعلى، إن عرفوا تنكروا، وإن رئيت لهم كرامة أنكروا فالناس في غفلاتهم، وهم في قطع فلاتهم تحبهم بقاع الأرض، وتفرح بهم أفلاك السماء..

وقال أبو سليمان الداراني: من صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره.

 النفس المقمرة لا تعرف السواد المريب بإحسانها تعبد الله وتتقيه، لا تنافق ولا ترائي، لأنها تعرف أن خالقها مطلع عليها ويعد لها خطرات الفؤاد، ولمحات البصر، ووساوس النفس، ولمسات الجوارح، وفلتات اللسان، سراً وجهراً.

قال رسول الله ﷺ فيما رواه أحمد: لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائناً ما كان.

 وقال ابن الجوزي: إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، ومن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر صيد الخاطر).

الزينة والجمال إن لم تكن أصلاً في الشيء فلا بُدَّ من يوم يظهر الزيف وتتبين الحقائق وتعرف المعادن، فلا نفع في الركعات إن لم تكن بخشوع وحضور قلب ولا نفع بحركات إن لم تكن بنية وصواب..

عدنان القاضي

أي أنواع الطحين تطحن

إنما الأعمال بالنيات».

حديث جمع العلم كله

مبدأ كل عمل الخواطر التي تستقر في القلوب، والنفس الإنسانية، كما يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله - دائرة كالرحى التي لا تسكن أبداً، ولا بُدَّ لهذه الرحى من حب تقوي بطحنه.. والأفكار والخواطر هي بمثابة الحب الذي يوضع على الرحى، فمن الناس من تطحن رحاه رملاً، وتبناً، وحصى، ومنهم من تطحن رحاه دقيقاً ينفع به نفسه، وغيره، فانظر أخي القارئ أي أنواع الطحين تطحن الرحي؟

أمامك فانظر أي نهجيك تنهج 

                                  طريقان شتى مستقيم وأعوج

ولهذا عظم الأئمة الأعلام حديث: «إنما الأعمال بالنيات، وبه سطر الإمام البخاري كتابه الجامع استفتح به وأقامه مقام الخطبة حتى قال إما، المحدثين في زمانه عبد الرحمن بن مهدي: لو صنفت كتاباً لجعلت في كل باب منه حديث إنما الأعمال بالنيات.

 وجعله الإمام أحمد - رحمه الله - ثلث الدين وهذا محمول على أن ما يصدر من الإنسان من أقوال وأفعال إما أن يكون بلسانه أو بقلبه، أو بجوارحه فالنية أحد هذه الأقسام الثلاثة، وربما يخرج كلام الإمام أحمد على معنى الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقواعد الدين، وهي ثلاثة أحاديث 

1 - حديث عمر - رضي الله عنه - إنما الأعمال بالنيات.

۲ - حديث عائشة - رضي الله عنها - من حدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.

- حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه- الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات.

 والجملة الأولى من هذا الحديث تشير إلى أن سلاح الأعمال، وفسادها مرتبط بصلاح النية وفسادها، والجملة الثانية تشير إلى أن الجزاء من ثواب وعقاب يترتب على النية وجوداً وعدماً.

والنية في إصطلاح الفقهاء هي تمييز العادة من العبادة، أما النية في كلام السلف وهو المعنى ي مرادنا فهو محمول على قصد إرادة الله سبحانه وتعالى بالعمل، وهو ما دلت عليه النصوص لغة الذكر، وكان سلفنا الصالح يعظمون شأن قصد والنية في سالف الأعمال.

ومن ذلك دعاء مطرف بن عبد الله الشخير وكان من تلاميذ عبد الله بن مسعود، وأجلهم إذ كان يقول: اللهم إني أستغفرك مما زعمت أنني أريد به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت.

وكتب أحد التابعين لأخ له قال له: أما بعد فإنك قد أصبت بظاهر علمك عند الناس منزلة وشرفاً، فاطلب بباطن علمك عند الله منزلة وزلفي واعلم أن إحدى المنزلتين تمنع من الأخرى.

وكان بعض الصالحين يقول: كم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر.

فالنية أشد تقلباً في القلب من القدر إذا استجمع الغليان.

وحديث إنما الأعمال بالنيات، وإن كان أحادي السند لاعتبار أن عمر - رضي الله عنه. مما انفرد بروايته من الصحابة، وانفرد بروايته عنه علقمة بن وقاص الليثي من التابعين، وانفرد بروايته عنه محمد بن إبراهيم التيمي، ثم يحيى بن سعيد الأنصاري، إلا أنه متواتر من جهة المعنى، فقد صح في شأن النية كثير من الأحاديث منها قوله ﷺ:

إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا هذا القاتل قد عرفناه فما بال المقتول قال: لأنه أراد قتل صاحبه. 

وفي الحديث الذي خرجه البخاري حين خرج رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قال: «لقد خلفنا في المدينة أقواماً ما سرنا مسيرة ولا قطعنا وادياً إلا شاركونا في الأجر، قيل كيف ذلك؟ قال حبسهم العذر»، فشركوا بحسن النية.

وفيما خرجه الترمذي بسند مرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال: «الناس أربعة، رجل آتاه الله مالاً فهو يعمل بعلمه في ماله، فيقول رجل: لو أتاني الله مثلما آتاه لعملت كما عمل؛ فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يتخبط في ماله، فيقول رجل: لو أتاني الله مثلما آتاه لعملت كما عمل؛ فهما في الوزر سواء، فأثيب صاحب النية الصالحة بصاحب العمل الصالح، ووزر صاحب النية الفاسدة بصاحب العمل الفاسد.

والعلماء حين ذكروا قوام العمل الصالح على شرطي الإخلاص والصواب»، أرادوا بالإخلاص إرادة وجه الله سبحانه وتعالى بالعمل، وبذلك فسر الفضيل بن عياض قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾، قال: إن أحسن العمل أخلصه وأصوبه، قيل كيف ذلك يا أبا علي؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإن كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل.

 نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :