العنوان المجتمع التربوي (1371)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
مشاهدات 72
نشر في العدد 1371
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
وقفة تربوية:
العيش الإيماني:
هل من الصعب أن يعيش المسلم في هذه الأيام حياة إيمانية في ظل تزاحم المغريات وتزايد الملهيات والجوانب التي تتقاذفه من كل حدب وصوب؟ البعض يظن أن ذلك من أصعب الأمور، وآخرون يظنون أن ذلك أقرب إلى المستحيل، بل هو المستحيل بعينه. لا يمكن أن توافق على مثل هذه الأجوبة المثبطة عن مثل ذلك السؤال، إنما تنبع مثل هذه الأجوبة من نفوس هزيلة انهارت أمام مطارق الشيطان وتزيينه واستسلمت لجوانب الدنيا وخارت قواها أمام الإغراءات التي تجذبها خارج الإطار الإيماني.
إن هذا المنهج الذي بين أيدينا من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، لم يتغير منه شيء البتة وهذا المنهج الذي خرج ذلك الجيل الفريد من الصحابة ومن بعدهم من أجيال التابعين وتابعي التابعين، والصالحين من بعدهم القادر على صياغة إيمانية على منهج الجيل الفريد.
إن من أرسل إلينا هذا المنهج كان يعلم سبحانه بما سيحدث في زماننا من فتن وجوانب ويعلم سبحانه أن كتابه وسنة نبيه قادران على توليد الرجال في كل جيل وتفجير الطاقات الإيمانية فيمن مشى على هديه، واستن بسنة نبيه ﷺ.
أبو خلاد
لا يكن جل عملك في الدعوة: استئذانًا أو اعتذارًا:
إنك لتعجب، أيها الداعية، من أن ينزل من السماء قرآن ينظم أساليب التعامل في حقل الدعوة الإسلامية، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ «النور 62».
وروى ابن إسحاق في سبب نزول هذه الآية أنه عندما كانت تجمع قريش والأحزاب في غزوة الخندق، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أجمعوا له من الأمر، فحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل المسلمون معه في ذلك، ودأبوا وركزوا على عملهم، وكان هناك رجال من المنافقين يراوغون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرجل من المسلمين إذا أصابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها، يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمكن من تلبية حاجته، فيأذن له، ثم يعود إلى مكانه في العمل، رغبة في الأجر واحتسابًا له.
يقول سيد قطب رحمه الله: "أيًا ما كان سبب نزول هذه الآيات، فهي تتضمن الآداب النفسية التنظيمية بين الجماعة وقائدها، وهذه الآداب التي لا يستقيم أمر الجماعة إلا حين تنبع من مشاعرها، وعواطفها، وأعماق ضميرها، ثم تستقر في حياتها فتصبح منبعًا، وقانونًا نافذًا، وإلا فهي الفوضى التي لا حدود لها.
نعم، يا من نذرت نفسك لله ابتغاء الأجر والمثوى، اجعل هذا الأدب قانونًا يسري في عروقك أثناء العمل لمتطلبات الدعوة. فالعمل لا ينجح إلا بمشاركتك بالإيجابية الفاعلة، التي تحيي به الأجواء في حقل الدعوة المباركة. وما إن يعتريها شيء من الاعتذار والتباطؤ عن تقديم الواجبات وأداء التكاليف، إلا كانت سببًا في إحداث شيء من الوهن والضعف عند أصحاب النفوس الضعيفة، فلا بأس إذا نابتك النائبة وجاءتك الحاجة أن تستأذن من رب العمل، فإذا قضيت حاجتك، فلا تكن من القاعدين، بل ارجع إلى مكان العمل رغبة في الأجر وتكثيرًا لسواعد المسلمين. ولا تكن من الذين يقولون بأفواههم ثم لا يحققون مدلول قولهم. واحرص على أن تجمع بين القول والعمل، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ﴾ «النور: 62».
ومع هذا، يشير القرآن إلى أن عدم الانحراف هو الأولى، وأن الاستئذان والذهاب فيهما تقصير أو قصور يقتضي استغفار النبي للمعتذرين، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ «النور : 62».
روى محمد بن إسحاق في مغازيه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم في جهازه إلى غزوة تبوك، قال للجد ابن قيس: "أخي بني سلمة، هل لك في جهاد؟ يا جد بين قيس، فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني؟ فوالله، لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر، ألا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "قد أذنت لك بمثل هذه المعاذير". كان المنافقون يعتذرون، والرد عليهم ﴿ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ «التوبة: 49». (في ظلال القرآن)
ففي الجد بين قيس نزل قول الله تعالى: ﴿﴿ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [ التوبة: 49]
أيها الداعية، ليس هناك أسهل من تقديم الاعتذارات عن مناشط ومتطلبات الدعوة إلى الله، ولكن من الصعب أن يدير شؤونه أو ينظم أموره قبل تلك الواجبات. واعلم أن الواجبات أكثر من الأوقات، فاستعن بالله ولا تعجز، وجاهد هذه النفس عن التخلف والهبوط إلى هذا المستوى من المعاذير.
أيها العامل في حقل الدعوة، أليس للمسلمين جميعًا أهل وأولاد؟ أليس الجميع في حاجة إلى الارتزاق والتكسب والعمل لإطعام نفسه وأهله وأولاده؟ فكل إنسان يشغله أمور حياته. أمعن في ذلك ألا يكون هناك جهاد، ولا تضحيات؟ أمعن أن يلزم كل داعية بيته فقط، أو يدرس أبناءه فقط، أو يتخلى عن رسالته السامية ومبادئه الرفيعة؟ أو أن يعطي فضلات أوقاته للعمل، ثم بعد ذلك يلقي باللوم والتبعة على الدعاة إلى الله؟ كلا، ابدأ بنفسك، وأصلح، ودع القافلة تسير. واعلم أن الاعتذار عن المشاركة في جهاد الدعوة وما تتطلبه وتقوم عليه من إعمال للفكر، وتخطيط ومشاركة فاعلة، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمناشط التي تربى فيها أفرادها وباقي أفراد المجتمع على الإسلام، وهديه وقيمه، يكون في الغالب علامة من علامات السقوط. فإذا ما ضعف بدا عليه بعض المظاهر التي منها التخلف عما تتطلبه منه الدعوة، أو التخلف عن أنشطتها، وكثرة الاعتذارات التي تصبح بعد مدة صفة من صفاته، والسبب في ذلك أنه بعد ميله لأمر من أمور الدنيا، وتفضيله على ما عند الله، يحدث في نفسه صراع بين ما يعيشه بجسده مع الدعوة، وما يشعر به بين جنبات نفسه، فيرى أن المخرج هو الاعتذار والمقاطعة والمغادرة.
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ «الأحزاب: 13».
أيها الداعية، كن من أصحاب العزائم القوية والهمم العالية، ولا تلتفت إلى ضعاف النفوس وأصحاب الاعتذارات. وليكن شعارك ﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «الشعراء: 109».
محمد يوسف الشطي
كيف ندعو إلى الله في مناسبات الآخرين؟
بقلم : د. فتحي يكن([1])
دُعِيتُ يومًا للمشاركة في حفل بمناسبة مرور مائة عام على وفاة شخصية نصرانية. فكرتُ في الأمر مليًا قبل أن أجيب، واستجمعت كل ما كُتِبَ سلبًا وإيجابًا عن هذه الشخصية.
فكرتُ في المكان والحضور الذي سيُقام فيه الحفل، والذي يقع في عمق منطقة مارونية، والمُنتظَر أن يحضره معظم أهالي تلك المنطقة من النساء والرجال والأولاد، فضلًا عن زعمائها ومرجعياتها الدينية والسياسية وفاعلياتها التربوية والاجتماعية والاقتصادية.
إن وضعي كداعية يجعل الأمر في غاية الدقة، ولا بد من تغليب المصلحة الإسلامية العُليا على أي مصلحة أُخرى. فكيف أتصرف؟
- أن أعتذر عن المشاركة فهذا أهون الخيارات، وليس من طبعي البحث عن السهل الهين.
- أو أن أوافق على المشاركة مُحددًا دوري في هذا الإطار، وشرعية ذلك، والجدوى من ذلك؟ وبخاصة أن صورة الإسلام باتت مشوهة لدى الآخرين من خلال ما يُرتكب باسم الإسلام من أعمال هنا وهناك، والإسلام من ذلك براء؟ وقد تسلّلت إلى تلك المناطق فئة لا تحمل من الإسلام إلا اسمه، عملت على تشويه صورتنا لدى الناس، متهمة الحركة الإسلامية بالتطرف والإرهاب والدموية، مُقدمة نفسها على أنها الحركة الإسلامية الأصيلة المعتدلة الوحيدة في العالمين.
هذا فضلًا عن أن الحرب اللبنانية القذرة أقامت حواجز نفسية بين الطوائف المختلفة وشكّلت تراكمات من الكراهية والحقد بين المواطنين.
قلت في نفسي.. أليس من واجبنا كدعاة أن نتصدى لذلك كله؟ أليس الخطاب الإسلامي موجّهًا إلى الناس كافة؟ أولسنا مطالبين بدعوة الناس جميعًا إلى منهج الله وإقامة الحجة على العالمين، مصدقًا لقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ «النساء : 165».
أوليس هذا نهج النبي الله الذي بعث البعوث وسير الدعاة إلى كل العباد والبلاد والممالك؟ وعلى قاعدة الخطاب الإلهي الحاني ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ «آل عمران : 64».
ثم أوليس من مصلحة الإسلام أن يكون النصارى حلفاء مشروعنا المُقاوم في مواجهة المشروع الصهيوني؟ وفي وقت تعمل فيه إسرائيل على الاستفادة من كل التناقضات المذهبية والطائفية وإضعاف جبهتنا الداخلية؟
القرار الأخير: بعد أن قمت بجولة التأمل والتفكير والدراسة، رَجَحَ عندي خيار المشاركة، رجوعًا مصالحه على مفاسده، حيث إن مفاسده لا تخرج عن إطار جهل بعض الناس بعبارات التشكيك القائمة على هذه الاعتبارات التي تُجعلهم دائمًا على طرف نقيض منا في كل المواقف والتصرفات.
أخذت قراري، متوكِّلًا على الله، وأبلغته إلى أصحاب العلاقة.
الحفل: يوم المناسبة، قصدت مع عدد من الإخوة مكان الاحتفال، وكانت الطرقات تغصُّ بالناس - مقيمين ووافدين من مناطق مختلفة. وما إن وصلنا البلدة التي يقع فيها الحفل وغادرنا السيارات، حتى كانت الأهازيج تملأ الفضاء وحفنات الأرزة تتساقط على رؤوسنا وثيابنا، وكأنها المطر المنهمر. وهذه عادة لبنانية - للدلالة. على عظيم الحفاوة والتكريم.
الخطاب: توقفت في خطابي عند عدد من المحاور:
الأول: محور الكلام عن شخصية صاحب الذكرى.
الثاني: محور الكلام عن الإسلام.
الثالث: محور الكلام عن وجوه التعاون الإسلامي - النصراني في بناء لبنان، وفي مواجهة التحديات الخارجية، وفي مقدمتها تحديات الكيان الصهيوني.
أما عن المحور الأول، فقد كان التركيز على الجانب المتميز في شخصية صاحب الذكرى، وهو محاربته للظلم أيًا كان مما عرضه إلى مكائد دولية قضت بنفيه على متن بارجة فرنسية نقلته إلى إيطاليا، حيث بقي فيها حتى وفاته.
والإسلام الذي حارب الظلم بكل أشكاله ليتعاون مع كل الفئات ضمن هذه الدائرة، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول قبل الإسلام، وأعلن عن استعداده لمثل ذلك في الإسلام.
أما عن المحور الثاني، فقد كان التركيز على الخطاب القرآني في مخاطبة أهل الكتاب والتعامل معهم.. والقرآن الكريم والسنة الشريفة يزخران بالأدلة الحضارية على ذلك من قوله تعالى: ا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ «الممتحنة : 8».
وقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾«المائدة: 82».
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾«العنكبوت: 46».
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «من آذى ذميًا فأنا خصمه ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة» (أخرجه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (2/236) «الخطيب البغدادي».
وأما عن المحور الثالث، فقد ركزت على أن تقوم بين المسلمين والنصارى جبهة عريضة واحدة تسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة والحرية للجميع، وعلى محاربة الطائفية بسلاح الدين، وبناء المجتمع على أساس القيم والأخلاق.
وختمت كلامي أخيرًا بدعوة الجميع إلى جبهة واحدة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وأخطار المشروع الصهيوني.
وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
فقه الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية:
التعميم دون روية:
الإسلام يرفض إطلاق الأحكام العامة بناء على وقائع فردية أو أحدث جزئية:
بقلم د. حمدي شعيب
نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: "فهلا نملة واحدة"([2]).
وفي رواية أخرى: أن نملة قرصت نبيًا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: "أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح" ([3]).
يحكي الحبيب صلى الله عليه وسلم هذه الرواية عن أحد الأنبياء، وقد نزل تحت شجرة ليستريح في ظلها من إجهاد السفر، وكان منزله قريبًا من إحدى قرى النمل، وكان طبيعيًا أن ينزعج النمل، لذا فقد قامت نملة من القرية النملية، فقرصته، وهي في حالة دفاع عن النفس، وعن الأرض.
ولأن النبي بشر فلقد غضب، وأمر بإخراج متاعه من تحت الشجرة، ثم قام دون إنذار بحرق القرية النملية.
عندما نتأمل هذا الحديث الشريف، من خلال نظرة ذات بعدين:
أولًا: القرية ذات البعد الظاهري القريب المباشر، نجد أن الرسول من خلال قراءة هذه الصفحة من ملفات تاريخ الدعوة والدعاة يعلمنا أمورًا حكيمة عدة ودروسًا بليغة:
1. أن الأنبياء ما هم إلا بشر.
2. ألا نأخذ الكل بجريرة الفرد.
3. ليس هناك أحد فوق المراجعة والملاومة والنقد ولو كان نبيًا.
4. إن الذي يُربى على أن يتألم من قتل نملة يصبح نموذجًا راقيًا يحافظ على نفوس العباد.
5. لا يجوز قتل النمل، كما لا يجوز قتل بقية الحيوانات إلا المؤذي منها.
6. أن النمل يسبح الله ([4]).
7. ضرورة قراءة التاريخ، واستدعاء الرصيد التربوي لهذه الأمة الخاتمة، من مخزونها المعرفي وهو القرآن الكريم والسنة النبوية المباركة.
8. أن الداعية يجب أن يهتم بالوسائل التوضيحية، مثل القصة وضرب المثل في تقريب فكرته.
9. خطورة دور الأدب في المجال التربوي والدعوي.
ثانيًا: النظرة البعيدة، وهي التي تكون من خلال رؤية منهجية كلية فاحصة تستهدف البحث عن الوحدة الموضوعية العامة، أو الوحدة المنهجية للقصة. أو بمعنى آخر محاولة استجلاء الوحدة التربوية المترابطة الشاملة للقصة، أو المغزى التربوي البعيد لها.
وهكذا، فإن من ثمار هذه النظرة العميقة، أن الحق سبحانه يمن علينا بالخروج من النظرة الضيقة لحادثة حرق القرية النملية بجريرة أحد أفرادها، إلى استشعار السنة الإلهية التي وراء هذا الحدث.
والسنة الإلهية هي تلك القاعدة الربانية الثابتة التي لا تحابي أحدًا، والمطردة، أي المتكررة، والعامة التي تنطبق على أي نوع من الأحياء.
ومن خلال تلك النظرة، نستشعر أن القصة تلقي أضواء، وتفتح أبوابًا، لفقه ظاهرة دعوية مرضية، وحالة تربوية اعتلالية، وإن شئت قلت ظاهرة بشرية، ألا وهي الظاهرة التعميمية.
ونقصد بها تلك النظرة التي تجعل صاحبها يطلق الأحكام العامة بناء على وقائع فردية أو أحداث جزئية خاصة. والتي تعتمد على تفسير مسبق للأقوال والأفعال. وكذلك عدم الحيادية في التدقيق وفي التوثيق حول أي قول أو فعل أو شخص.
فتكون النتيجة النهائية هي التقعيد الخاطئ للعموميات والكليات على أساس نظرة قاصرة للجزئيات، والحكم على الأصول بناءً على فقه تجزيئي للفروع.
وقفات:
و قبل أن نتكلم عن مظاهر وأسباب وعلاج تلك الظاهرة يجب ان نوضح أمورًا مهمة:
لا يجوز الربط المجحف بين سلوك الأفراد والجماعات حتى لو ضمها خط فكري متشابه
الأول: أن علماء الأصول قد وضعوا أساسيات وقواعد الفقه وأصوله، اعتمادًا على النظرة الكلية الشاملة، إذ نجد أن هنالك قواعد فقهية كلية، وهي عبارة عن ضوابط أو قواعد عامة يسري حكمها العام على جميع أو أكثر الجزئيات التي تكون منظومة أو مجموعة متشابهة.
وهي من أرقى الوسائل وأهم القواعد التي تقوم عليها عملية صياغة العقلية المسلمة صياغة منهجية كلية من شأنها الاهتمام بالكليات مع عدم إهمال الجزئيات.
وكذلك التربية على الاهتمام بمعالي الأمور، والاستعلاء على السفاسف.
ويكفينا مثال لهذه القواعد الفقهية، تلك القاعدة الكلية "العبرة للغالب الشائع لا للنادر".
والشائع هو الأمر الذي أصبح معلومًا للناس وذائعًا بينهم، والنادر هو القليل الحدوث. فالمعول عليه في ترتيب الأحكام هو الأمر الشائع لا النادر ([5]).
الأمر الثاني: أن علماء الاجتماع ورواد الفقه الحضاري والاجتماعي قد أسسوا نظريات العلوم الإنسانية في التاريخ والاجتماع على أساس النظرة المنهجية الكلية.
ويكفي أن نذكر بعض نظريات علم الاجتماع التي وضع أسسها العلامة ابن خلدون، وأوردها في مؤلفه الرفيع "المقدمة":
1. أثر الهواء في ألوان البشر وأخلاقهم.
2. أن من طبيعة الملك الترف والدعة والسكون.
3. إذا تحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة أقبلت الدولة على الهرم.
4. أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص.
5. أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر.
6. أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب، في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده.
7. أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة.
الأمر الثالث: أن من الظواهر البشرية المحيرة التي جاء ذكرها في أحد أعداد مجلة «Readers Digest»، أن الإنسان العادي دومًا أسير قاعدة "مرتان يساوي دائمًا".
أي إذا حدث لشخص ما واقعة ما في مكان ما أو في زمن ما أو مع شخص ما، ثم تكررت مرة ثانية في أي ظرف من هذه الظروف، فنجد أن ذهنه سريعًا ما يربط هذه الواقعة الخاصة لا شعوريًا بالاستمرار مع ذلك الظرف الخاص فيردد:
- إن هذه الواقعة تقع لي في هذا المكان دائمًا.
- إن هذا الحادث يقع لي في هذا الوقت دائمًا.
الأمر الرابع: أن الفطرة الإنسانية تستهجن -لا شعوريًا- الاتجاه المجحف للبعض عندما يربطون الأفراد أو الجماعات التي يضمها خيط فكري مبدئي، ربطًا سلوكيًا، ويصنفونهم تصنيفًا واحدًا تحت لافتة واحدة، بحيث لا يراعون الفروقات التي تميز كل فرد أو جماعة من حيث اختلاف الغايات والأهداف والرؤى والوسائل، وكذلك اختلاف الظروف والبيئات.
مثلًا عندما يربط الإعلام بين الأفراد أو الجماعات العاملة لغاية إسلامية، ويصنفهم تحت مظلة اصطلاحية واحدة، أو يضعهم جميعًا في سلة تصنيفية واحدة، وتكون رؤية هذا الفريق متأثرة بقصد أو دون قصد بحالة من الإرهاب الفكري المنظم الذي يقوده القائمون على الآلة الإعلامية، وكذلك بفعل تأثير حرب المصطلحات المعاصرة.
المظاهر:
1. إنك تجد البعض إذا سمع أو قرأ عن شخص ما أي مقولة أو فعلًا ما، فإنه في الحال تتكون لديه قناعة فكرية معينة، تجعله يتخذ موقفًا ثابتًا لا يتغير حيال كل الأقوال والأفعال الأخرى لهذا الشخص.
2. إنك تجد البعض إذا قرأ لكاتب فكرة معينة في مقال أو كتاب له وتكون الفكرة لا تروق أو لا تنسجم مع قناعاته الفكرية، فإنه في الحال يتخذ موقفًا ثابتًا تجاه بقية ما كتب.
3. إن البعض إذا سمع أو قرأ عن فكرة معينة لشخص ما في مرحلة فكرية أو عمرية له، فإن هذه الفكرة تظل تطارد ذلك الشخص طوال حياته وتلاحقه في كل مراحله الفكرية اللاحقة.
4. إن البعض إذا سمع عن قول أو هفوة لفرد ما في جماعة ما، فإنه سرعان ما يصم بقية أفراد تلك الجماعة بذلك القول، أو يتهم بقية أفرادها بتلك الهفوة.
الأسباب والعلاج:
وسنحلل الأسباب والعلاج معًا، نظرًا لارتباط كل سبب بالعلاج الخاص به، وكذلك لأن الوقوع في إسار هذه الظاهرة يكون على مراحل أو خطوات وكأنها حلقات لسلسلة واحدة، فإذا لم يتم قطع هذه السلسلة في أي حلقة من حلقاتها فستسلم إلى الحلقات أو الخطوات الأخرى:
الخطوة الأولى: عدم الدقة في توثيق الخبر أو الواقعة.
حتى يتم قطع سلسلة الوقوع في هذه الظاهرة عند هذه الحلقة، علينا أن نتأمل منهج الله في توثيق الخبر، ونحاول التأسي به استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ «الحجرات: 6».
وتدبر موقفه صلى الله عليه وسلم يوم بني المصطلق، حول هذه الحادثة، حيث روي عن زيد بن أرقم قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا. فصدقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبهم. فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ﴾«المنافقون: 1»، فبعث إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقرأها، فقال: إن الله قد صدقك يا زيد([6]).
فتدبر خطوات التوثيق، لقد سمع النبي الخبر من عم زيد أو عمر رضي الله عنهم، فبعث إلى صاحب الخبر وهو زيد رضي الله عنه، وهو الغلام الصغير، فلما سمع منه، وتأكد من مقالته، بعث إلى الطرف الآخر، وهو عبد الله بن أبي بن سلول ليسمع منه، ولم يمنعه معرفته بالأخير معرفة موثقة من السماء أنه رأس المنافقين. ولكن تحت مبدأ التوثيق وحق الآخر في عرض رأيه بعث إليه، بل وصدقه وكذب الغلام، لأنه يأخذ بالظاهر ويكل سرائر الخلق إلى خالقهم.
الخطوة الثانية: عدم العدل والموضوعية أو الحياد في تلقي الخبر أو الواقعة.
حتى نعالج هذا الأمر، نتدبر القصة ونتأمل ما أورده المقريزي حول قول ابن سلول، حيث كان زيد بن أرقم حاضرًا، وهو غلام لم يبلغ أو قد بلغ. فحدث رسول الله بذلك وعنده نفر من المهاجرين والأنصار، فتغير وجهه، ثم قال: يا غلام، لعلك غضبت عليه؟! قال: لا والله لقد سمعت منه. قال: لعله أخطأ سمعك. قال: لا يا نبي الله. قال: فلعله شبه عليك. قال: لا والله لقد سمعت منه يا رسول الله.
وما أحوجنا إلى التأسي بهذا المنهج جنودًا ومسؤولين. لقد وضع رسول الله ثلاثة احتمالات قبل أن يتبنى هذا القول، ويبني عليه:
الأول: أن يكون ناقل الكلام مغرضًا.
الثاني: أن يكون ناقل الكلام غير دقيق في نقله.
"العقلية المسلمة تهتم بالكليات دون إهمال للجزئيات .. وقواعد الفقه تتبني النظرة الكلية الشاملة".
الثالث: أن يكون الفهم خاطئًا للكلام.
فلا تخرج الاحتمالات عن هذه المجالات الثلاثة ([7]).
ولو استشهدنا بأدبيات عصرنا لتعرف عاقبة عدم توثيق الخبر، لوجدنا أن هنالك قصة قصيرة رائعة للدكتور نجيب الكيلاني رحمه الله بعنوان "العار" في مجموعته القصصية "الكابوس".
الخطوة الثالثة: عدم الكياسة وغياب العدل في التعامل مع الخبر أو الواقعة.
فالكثير يتعامل مع الأخبار الموثوقة أو غير الموثوقة، تعاملًا فجًا، غير مدروس فيتناوله في مجالس العامة والخاصة، دون حيطة أو حذر بأسلوب بياني. ونسي ما ورد في ذم من يتناول الأخبار، بدون رويّة، كأنه إذاعة متحركة، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ «النساء: 83». فلا بد عند نقل الخبر أن نزن الظروف من حيث الوقت، ومن حيث الحضور، كما قال الإمام علي رضي الله عنه: ليس كل ما يُسمع يُقال، وليس كل ما يُقال حضر وقته، وليس كل ما حضر وقته حضر رجاله.
وقوله: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم يبغي النجاة، وهمج رعاع يتبعون كل ناعق.
الخطوة الرابعة: غياب الدقة في الأحكام فيكون المعمول به للأمر النادر وليس للأمر الشائع.
ويكفي أن نذكر بما توجهنا إليه القاعدة الفقهية السابقة التي تؤكد على أن العبرة للغالب الشائع لا للنادر، وأن نتدبر تحذير الله عز وجل من عدم الحياد في الأحكام ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ«المائدة: 8».
فالمقصود أن تكون العملية التربوية مهتمة بصياغة العقلية المسلمة صياغة راقية، فتُربى على أصول وقواعد وضوابط تخرج بها من النظرة التجزيئية الضيقة إلى النظرة الكلية الرحبة.
وتأمل كيف أن الجزاء من جنس العمل في كل شيء، فمن أفسح أفسح الله له في الجنة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ﴾«المجادلة: 11».