; المجتمع التربوي (1398) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1398)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-2000

مشاهدات 88

نشر في العدد 1398

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 02-مايو-2000

■ وقفة تربوية

■ قرار بالسعادة

السعادة، وراحة البال والطمأنينة، والسكينة، كلها أمور لا تشترى ولا تباع، بل تمنح من مالك السماوات والأرض.

ولا يمنحها الرب إلا لمن تجرد له وحده، وعمل له وحده، وكان همه الآخرة، وأخرج الدنيا من قلبه وجعلها بيده، ولم ينفق شيئًا من الوقت في غير طاعة الله، وأدرك أن الدنيا زائلة، وأن مكوثه فيها محدود فسابق الزمن ليملا صحائفه قبل فوات الأوان، وكان في شغل شاغل التنقية قلبه من الشوائب وإزالة العوارض التي تمنعه من الانطلاق في مدارج السالكين.

يفرح أحد هؤلاء، ويمتلئ قلبه بالسعادة فيصيح: لو يعلم الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف.

ومخطئ من يظن أنه يحصل على السعادة بالمال، أو العقار أو الدواب أو البناء، أو الأولاد، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. 

فلا سعادة إلا بالاتصال برب السماوات والأرض، ونحن أصحاب القرار، إما أن نطلب السعادة أو الشقاء، وإذا اخترنا السعادة فلابد من أن نسلك أسبابها..

أبو خلاد

 

■ المتاجرون مع الله بأموالهم

■ نفوسهم تسخو بالعطاء وقضاء الحاجات دون قوانين تضطرهم إلى ذلك.

تنزه الصحابة عن المال خشية انتقاص الدين أو تغيير القلوب

ماجدة محمد شحاتة

التجارة مع الله سبحانه وتعالى قد تكون بالنفس، وقد تكون بالمال، وهما غاية ما يملكه الإنسان.. وفي هذا المقال نتحدث عن أدب التجارة مع الله بالمال، وكيف تكون؟ وما أوصاف المتاجرين الصادقين مع الله بأموالهم لاسيما مع تفشي حب المال، وعشق جمعه والضن بإنفاقه في سبيل الله.. في هذا الزمان.

الذين يتاجرون مع الله سبحانه وتعالى بأموالهم هم اناس فقهوا قوله، ووثقوا بوعده تخلصوا من جاذبيات الحياة، فعلوا بنفوسهم عن الشح، والبخل والحرص، وكل معنى يدور في هذا الفلك من معاني الضن، فنفوسهم سخية قد استعلت على الأرقام الحسابية، لأنهم آمنوا بأن الحق سبحانه وتعالى الباسط القابض يرزق من يشاء بغير حساب أي أنه كما ينتفي الحساب في مجيء الرزق، فكذلك هؤلاء تسخو نفوسهم بغير حساب.

قد يظن البعض أن ذلك مثالية لا يحتملها الواقع الذي نعيشه، وهذا الظن إنما يأتي لقلة في الثقة بما عند الله، أو الغلبة طبع شح النفس ويخلها، أو لغلبة الاهتمام بالدنيا ومخافة الفقر أو هو على كل الأحوال بعد عن كل معاني الإحسان التي يحبها الله الذي يتقبل من المحسنين.

إن الثقة بما عند الله، والطموح إليه، والرغبة فيه، والحرص عليه كل ذلك يجعل المتاجرين مع الله يقبلون على تجارتهم، عفو نفوسهم، وتلبية لما وقر في قلوبهم، فكل أمرهم لله يشترون الجنة ببذلهم، لذا فليس عندهم فرق بين رخيص وغال انظر إلى صهيب - رضي الله عنه - وقد اشترى نفسه ودينه ومقامه مع الرسول ﷺ بكل ماله، بل بكل ما يملك من مال ومتاع يفتدي بهما نفسه من براثن الوثنية والشرك، ويستنقذ إيمانه من مواطن الكفر مقبلًا على الهجرة لله ورسوله. إذ يرخص في سبيلها كل ثمين.

وهنا تتضاءل الأرقام فلا تكون لها قيمة وتتوقف الحسابات فلا يكون لها معنى أو دلالة؛ لأن ما عند الله خير وأبقى، فإذا تغلغل هذا المعنى في النفس فإنه لا حاجة لضرب الأخماس في الأسداس لأن الجزاء إنما يكون جزاء غير محدود.

والمتاجرين مع الله بأموالهم خصال كريمة رفيعة، فهم يدركون أن للجنة ثمنها، وأنها سلعة غالية لا يقبل عليها إلا مشتر قادر، وقبل ذلك مشتر راغب، تملأ الرغبة نفسه وتشع بين جنباته، وهمه بضاعة نصب عينيه شراؤها بكل غال، ولا تكاد تفارق فكره ونفسه، وهو يتحين كل فرصة فلا يدعها تفوته. ومشتري الجنة - الذي يتاجر مع الله لأجلها. 

لا تعنيه عوالم الأرقام وجدوى اقتصادات أمواله إنما يعنيه إخلاص الوجه لله سبحانه، والصدق مع الله ليصدقه الله.

أرأيت إلى ذلك الأعرابي الذي سرى الإيمان من نفسه مسرى ثبات ويقين، إذ جاء في السيرة أن الرسول ﷺ أرسل إليه نصيبه في غزوة، فنهض - رضي الله عنه - إلى رسول الله ﷺ مستنكرًا ثمن جهاده وبذله، لا لقلته أو كثرته، ذلك أن الأرقام في حسابات هؤلاء الحريصين على الجنة منتفية تمامًا، ولكنه نهوض المستعلي بإيمانه على كل ما يظن أنه قد لا يبلغه غايته في الجنة فيقول قولته يا رسول الله، والله ما على هذا اتبعتك - أي ما وصله من نصيبه في الغزوة. ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - فأموت فأدخل الجنة.

ويصدق الرجل فيصدقه الله ويشهد رسول الله على أنه شهيد.. فيالها من جنة، ويا له من حسن مآب.. وبالقزامة أولئك الذين يمسكون فلا يكون لهم إلا دعوة بغلس الليل: اللهم أعط ممسكًا تلفًا.. ما أيقنوا أنه ما نقص مال من صدقة، وما غاض مال من قرض مع الله، وما قل مال من فضل يسع المسلمين، تشترى به جنة عرضها كعرض السماوات والأرض.

سخاء دون انتظار مقابل

والمتاجرون مع الله تسخو نفوسهم دون حاجة إلى معرفة بما وراء الحاجات فحسب الواحد منهم أن ينمي إلى سمعه حاجة أو ضائقة بأخيه، وهو يلتمس مواضع الحاجات ويتفقدها لئلا تفقده مفرجًا ومعينًا وساعيًا فيها، وهو غير متردد فيما يعطي بل تطمئن نفسه إلى ما أعطى. ولعله سعى إلى التجارة مع الله سعيًا، ليكون له في الجنة موضع قدم.

انظر إلى ذلك الصحابي الجليل - كما قصت السيرة - يرنو بسمعه إلى أناس يتحدثون عن نخلة في الجنة يعد بها رسول الله ﷺ صاحب النخلة المائلة على بيت جاره، فلا ينتفع بثمرها وإنما يأكله صغار جاره المسلم، ولا حيلة في فض التنازع إلا أن يعفو صاحب النخلة، فيأبي فيغريه بتركها وله في الجنة مثلها فيأبي ثانية، ربما كانت هي متاعه في الدنيا الذي يملكه فتتردد في نفسه أن تسخو بها هنا يسعى الحريصون على التجارة مع الله يرجون الآخرة بما لديهم من متاع الدنيا فهم أبعد نظرًا، وأسخى نفسًا، وأطول يدا. وهم خبروا الآخرين، وسبروا غور نفوسهم فلتكن المقايضة على متاع دنيوي بمتاع دنيوي سخي يفوز بعدها بتلك النخلة التي في الجنة... نخلة في الجنة ربما رأها قصار النظر شيئًا يسيرًا ولكن من يضمن ولو ورقة من شجرة في الجنة؟

ولأن المتاجرين مع الله هم وحدهم الذين يدركون قيمة الجنة، وثمنها، فكل شيء من متاع الدنيا في سبيلها زهيد رخيص، وهكذا يقبل الصحابي الجليل على صاحب النخلة فيشتريها منه ببستان كبير ويقدمها لرسول الله ﷺ طامعًا وراجيًا أن يفوز بنخلة الجنة، فيعده الله بها، فتقر نفسه، ويجد في ذلك أربح واكسب تجارة تاجرها في حياته.. فهل يعي الممسكون؟

إخلاص لله وحده

والتجارة مع الله فن لا يجيده إلا كرماء النفس الذين جبلوا على حب العطاء بلا تفكير إلا أن يصدقوا الله ويخلصوا العطية فلا تكون رياء ولا سمعة، والمال عندهم لا قيمة له، فقد تنزهت نفوسهم عن التعلق به، وهم ليسوا في كل الأحوال أغنياء أثرياء، بل قد يكون الرجل منهم فقيرًا لا يملك إلا قوت يومه فيجود به سخية نفسه.

انظر إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وكرم وجهه - يجود بما لديه من طعام على حبه ورغبته فيه، وحاجته إليه، فيطعمه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا، فلا يكون الجزاء إلا أن يقيه الله ومن مثله شر يوم عبوس قمطرير، وتكون الجنة فلا مسًا ولا زمهريرًا.

يرون فيها شمسًا سبحان الله.. يا للأسخياء البررة من حسن الجزاء وانظروا إلى رجلين من صحابة رسول الله ﷺ اختلفا فيما لديهما، وتقاسما السخاء والتنزه عن المال عندما يكون سبب نقيصة أو دخن يردي النفس، ويهلكها.

يدخل الصحابي الفقير، ورسول الله يجلس إلى غني - كما جاء في الروايات - يتخذ الفقير مجلسه حيث الغني، فما كان من الأخير إلا أن لملم أطراف ثوبه، فينظر الرسول ﷺ قائلًا: «هل خفت أن يصيبه بعض غناك أم يصيبك بعض فقره؟!»، فيبتسم الغني قائلًا في غير تردد: «إن كان ذاك يا رسول الله فوالله إن له نصف مالي». فيدير رسول الله ﷺ وجهه إلى الفقير قائلًا: «هل قبلت فيرد الفقير أيضًا وبدون تردد: «لا يا رسول الله، فيستفسر ﷺ عن سبب رفضه مثل هذا العرض المغري من الغني، فيكون رد الفقير ملجمًا لكل أولئك الذين يتصورون أن العطاء إنما يكون عن غنى وسعة، وزيادة مال.. يقول الصحابي الفقير - رضي الله عنه -: «أخشى إن قبلت أن يصيبني ما أصابه عندما جلست إلى جواره».

ما أروع تلك النفوس الزكية وما أسرعها إلى خلع لباس الدنيا حتى لا يهلكها.. فلا نامت أعين الأشحاء.

تجاوب مع البر

والذين يتاجرون مع الله ليسوا في حاجة إلى أسباب تدفعهم لهذه التجارة إلا الصدق مع الله والإخلاص له، والفوز بما عنده، وهم لهم فطر تتجاوب مع الخير حيثما يكون وتستجيب لكل أنواع البِرِّ أني أرشدت إليه، فهي لا تلتمس ذريعة من فعل السابقين، أو قدوة الأولين وهي لا تنتظر أن تسخو بعد تأكيد من ثقة يوثق به بل تميز الخبيث من الطيب، وتستشف الخير فيما يعرض عليها وتقبل عليه، وهي لا تنتظر القوانين التي تجبرها على البِرِّ جبرًا، أو تضطرها إليه اضطرارًا، ولكنها إلى الحق أسرع، وإلى التجاوب مع كل ما كان من البِرِّ أسبق.

انظر - أخي - إلى صاحب العمل وقد نسي عامله أو أجيره أجره الذي كان عليه أن يأخذه بالطبع لم يسقط من ذاكرة صاحب العمل أجر عامله ولم يحفظه له عندما يلقاه يؤديه إليه ويغيب العامل غيبة طويلة، يعود بعدها فماذا يكون المتوقع مع أمثال أصحاب الأعمال في عصر أثرياء الطفرة. 

توقع كل شر وأمثلهم طريقة سوف يحاول أن يتذكر ليعطي عامله وهو يحس بأنه متفضل عليه، فليس معه ما يثبت حقه من سنوات، ولكن مع المتاجر مع الله تختلف التوقعات، فلا يكون أداء الحق عن طيب نفس سوى أدنى درجات السخاء بالحق إبراء للذمة، وأمثلها أن يتاجر صاحب العمل بمال أجيره كما يتاجر لنفسه فيربح مال الأجير ويتضاعف، وتتنزه نفس صاحب العمل عن أن تتوقف عن المتاجرة بمال الأجير، وتحقيق أرباح متضاعفة تحسب للأجير يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام، ليعود الأجير فيؤدي إليه ماله وكل ما حققه من أرباح لقاء استثمار صاحب العمل له. ولا غرو أن يتعجب الأجير العامل فإنه أمام تصرف فريد لم ولن تشهد الدنيا مثله إلا مع مثل هذا الرجل الذي أعطى عاملة عوائد أجره المتروك عنده، فلا تطمع فيه نفسه، ولا تجتزئ منه شيئًا. يل تجود به كله لا لشيء إلا لوجه الله سبحانه وتعالى، فما رغبت في شيء سوى ما عنده، وما اضطرها أحد لمثل ذلك التصرف إلا الرغبة فيما عند الله، وتصدق النية فيصدقها الله، وينجو بها صاحبها من صخرة الغار يحركها الحق سبحانه وتعالى جزاء ما أخلص فأي روعة تلك التي تتسم بها مواقف المتاجر مع الله يا لبؤس أصحاب الأعمال في زماننا..

أولئك الذين يتاجرون مع الدنيا ليربحوا.. وتتضخم ثرواتهم من كد وعرق إخوانهم الذين يعملون بمصانعهم أو متاجرهم.. فلا يوفونهم الحقوق إلا مبخوسة، لا تكاد تصمد أمام أعباء الحياة الكريمة.

الم نقل إن الأسخياء الأتقياء الذين يتاجرون مع الله وحده ليسوا في حاجة إلى قوانين تضطرهم إلى بذل الحقوق اضطرارًا ... الم نقل إن المتاجرين مع الله تتجاوب نفوسهم، وتستجيب قلوبهم لكل أنواع البر؟

أرأيت - أخي - مثل صاحب العمل هذا يستثمر لعامله أجره، ويعطيه عائده سخية به نفسه، فما بال أصحاب الأعمال في زماننا يكرهون كرهًا على دفع مكافأة، أو هبة لعمالهم يواجهون بها تكاليف الحياة بعد تركهم العمل لأي سبب من الأسباب ويرون ذلك همًا ثقيلًا لم یؤت به سلطان من شريعة أو عقيدة؟ وهل البِرِّ دائمًا بحاجة إلى ذريعة من قانون.. أو شريعة ويل لهم ثم ويل لكل الممسكين الذين يضربون الأخماس في الأسداس طمعًا في كسب وفير... على حساب كل معنى جليل.. ويل لهم من دعوة بغلس الليل لا يهتمون بها: «اللهم أعط ممسكًا تلفًا».

وقديمًا قال الشاعر:

من ليس يسخو بما تسخو الحياة به *** فإنه أحمق بالحرص ينتحر…

 

■ قف عند حدود علمك..

■ العالم المنصف يقرر الحق بأدلته ويذكر الخلاف على وجهه ويعرض حجج المخالفين ليرجح ما يراه صوابًا.

د. محمد الداه الأمسمي

طالب العلم في مسيرته العلمية يقرأ ويسمع كثيرًا من المعارف والعلوم التي توافقه أو تخالفه، وتغذي عقله وفكره، وتكون شخصيته فيحفظ ما تهيا له حفظه من ذلك، ويسجل بقلمه ما تمكن من صيده من تلك العلوم والأفكار والخواطر بل النصوص والأدلة والحجج والبراهين.

فإذا أراد أن يعطي منها - تدريسًا أو تأليفًا أو كتابة في وسائل الإعلام - كانت هناك وقفة.

إن طالب العلم يعلم أنه ليس كل ما يسمع يذاع، وليس كل ما يكتب ينشر، ويعلم مع ذلك أن العلم أمانة، وكتمه خيانة، وأن المتعصب فيه أخرج نفسه بتعصبه من زمرة العلماء.

لذا عليه أن يكتب ويدرس وينشر في حدود ضوابط أساسية ربما إذا راعاها تخفف عليه عناء ومشقة تحمل هذه الأمانة العلمية، وهذه الضوابط المقترحة هي:

  • أن يقف عند حدود علمه ولا يتكلف من عندياته حتى يقول على الله بلا علم فيأثم ويجهل فمثلًا شخص قرأ مختصرًا في فقه مذهب من المذاهب المعتبرة ولم يتوسع في فقه المذاهب الأخرى، فإذا درس أو أفتى حسب علمه بما في هذا المختصر لا يعد متعصبًا ولا متجاهلًا لمذاهب العلماء وأقوالهم المبثوثة في الكتب المطولة، لكن عليه الا يتعمد نفي المخالف لعدم علمه هو بالمخالف. 

  • إذا كان عالمًا متوسعًا في العلوم والفنون فإن عطاءه هنا يكون بالنظر إلى المخاطبين باعتبار أن لكل مقام مقالًا، فإذا كان يخاطب فئة محدودة من الطلبة يعرف ذواتهم وأسماءهم ويعلم أن المرحلة التي هم فيها لا تحتاج إلى بيان كذا وكذا من العلم والمسائل وبالأسلوب المناسب فهذا أعلم بذلك، ولا يطالب والحالة هذه أن يتوسع في البيان والخلافيات والمسائل والفرعيات، لكن إذا كان الخطاب - مسموعًا أو مقروءًا - موجهًا إلى مساحات شاسعة وبيئات مختلفة، وطبقات من الجهال والعلماء، والطلاب، فإن الأمر يقتضي منه اتخاذ الأسلوب الأمثل حتى لا يحرم الجهال، ويجحف بالطلاب، ويغضب العلماء . وهذا الموقف يخاطب بمراعاته من يقدم برنامجًا واسع الانتشار، أو يكتب كتابًا عامًا، أو ينشر في وسيلة من وسائل الإعلام التي يتلقاها الموافق والمخالف والعالم والجاهل.

  • ومن المطالب به هذا العالم أيضًا أن يقرر الحق بأدلته، ويذكر الخلاف - إن وجد - على وجهه ويعرض أدلة المخالفين إن وجدت، ويرجح ما يراه حقًا صوابًا، فإن سار على هذا المنهج فإنه لا سبيل عليه المخالف ولا الموافق ولا لجاهل ولا لعالم إذا أدى ما عليه، وهذه مسؤوليته. 

  • فإذا انحرف العالم - الذي وجب عليه العطاء العلمي، ومن ثم تصدى له - عن المنهج الأنف فإنه لا يخلو حاله من الأمور الآتية:

  1. أن يكون رجلًا حصل علمًا، ولم يجمع إليه المنهج الحسن الذي يبلغ به بمعرفة درجات المخاطبين، وحاجياتهم، وتنوعهم، واختلاف مشاربهم، وما يفرضه ذلك عليه.

  2. أن يكون عالمًا يستحق بمخاطبيه، ويريد أن يلقنهم ما يريده هو لا ما يريدونه هم وهذا من أعظم أبواب الفشل في أداء رسالة العلم والدعوة. 

  3. أن يكون متعصبًا لفكر معين أو مذهب أو طائفة يدور في فلكها ولا يخرج من رأسه إلا ما تمليه عليه منهجيتها أو بيئتها العلمية أو الفكرية أو العقوبة الخاصة بها دون سائر الأمة، وهذا عنوان التعصب المقيت الذي لا يستحق صاحبه أن يتعرض للعطاء العلمي العام للأمة. 

  4. أن يكون هذا العالم من الذين يكتمون العلم لأغراض خاصة به تمليها عليه نفسيته المريضة ويمكن معرفة أمراض هذا الكاتم للعلم بالتعرف إلى شخصيته من النواحي الآتية:

  5. هل هو محب للرئاسة والزعامة والترفع على الأقران حتي يبعثه ذلك المسلك على أن يضن بالعلم الذي عنده لينال به وجاهة ومكانة ويقدم به على غيره.

  6. هل يدفعه حرصه أن يؤثر كتم العلم المتوعد عليه فاعله ولا يبذله حتى لا ينافس حتى في التحصيل العلمي ولو كان يعلم أنه اصطاد بعلمه الجاه والمال الذي كتمه من أجل تحصيلها؟ 

مهما يكن دافع هذا البخيل فإن كتم العلم والبخل به من أبرز صفات علماء اليهود الذين ذمهم الله عليها، وفضحهم بسيبيها، قال تعالى: 

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 37]

وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187]

والآيات اللاعنة لهم على كتم العلم وشراء الدنيا والضلال البعيد به كثيرة، فمن بخل من علماء المسلمين بالعلم النافع أو اتخذ لأدائه مسالك معوجة كان فيه شبه من خلال علماء اليهود، لذا قال سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى -: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود». 

ومعلوم أن اليهود كتموا العلم عن شعوبهم وأتباعهم والمجتمعات المتحضرة معهم قبل بعثة محمد ﷺ ، ولما بُعث ﷺ كتموا العلم والشهادة بنبوته ﷺ حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، ومازالت تلك العلة وهي كتم العلم من ابرز صفاتهم، إذ يكتمون العلم التجريبي الدنيوي المادي بدوافع كثيرة، ويمنعون المسلمين خاصة في كثير منه أو ما عندهم منه، ويتملقون لغيرهم من الكفار، ويترجونهم منع وصول هذا العلم أو ذاك أو تلك الصناعات أو هذه هذا مع ترويجهم لمنتجاتهم وصناعاتهم الاستهلاكية في أسواق المسلمين ليظل المسلمون عالة عليهم في الصناعة والتجارة.

أما ما يرسلونه لبلاد المسلمين بالمجان من «زبالة» الأفكار والمعتقدات الفاسدة والأخلاق السافلة هذا هو الذي تطيب نفوسهم الحاقدة ببذله من العلم الذي لا ينفع في العاجلة ولا الآجلة.

هذا مع أن ديننا يأمرنا ببذل أعز شيء عندنا لهم ولغيرهم، وأعز شيء وأنفعه للناس كافة هو العلم النافع الذي مصدره الوحي المعصوم، إذ به نجاة البشرية من الحيرة في الدنيا والهلاك والعذاب الأليم في الآخرة.

فعلى علمائنا إذا تصدوا لنشر الدعوة والعلم أن يسلكوا في ذلك منهج الإنصاف والعدل أداء الأمانة العلم، وحبًا في قبول المخاطبين به، وبعدًا عن مناهج أهل الأهواء عمومًا - قديمًا وحديثًا - من أهل الملة الإسلامية، أو من أهل الملل والنحل الأخرى.

وهذا ما عناه عبد الرحمن بن مهدي – رحمه الله - بقوله: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم..

 

■ بالإيمان تطيب الحياة

■ الإيمان منهج حياة ونور يشرق في النفس ومن ثماره النصر والاستخلاف ونعيم الآخرة

يعيش الإنسان في هذه الدنيا.. يروح يذهب.. يضحك يومًا، ويبكي أيامًا.. إن فرح ساعة.. حزن ساعة.. هذه حال أكثر أهل أرض.. أما المسلم الحق.. فهو يعلم علم يقين انه غريب في هذه الدنيا.. غريب في لده.. غريب بين أهله.. يحن إلى موطنه يشتاق إليه.. وينتظر وصوله إليه بفارغ صبر.. يشد الرحال للسفر إلى بلده.. ولكن ذا السفر شاق وطويل.. مليء بالمكاره الأخطار.. كيف لا وهو يريد أن يصل إلى جنة الخلد.

وبما أن السفر شاق والطريق طويل. كان لابد ذا المسافر من زاد يعينه على الوصول، ويدله على طريق، ويؤنسه في غربته، ويصبره على مصيبته. ذا الزاد هو الإيمان

فبالإيمان تطيب الحياة، ويصبح الصعب سهلًا العسر يسرًا، فهو حياة الروح، وبلسم الحياة واحة ندية تجد فيها الروح الظلال من متاجرة الضلال في تيه الحيرة القلق والشرور هو نور يشرق ي القلب، ونور تشرق به النفس سترى الطريق.. ترى الطريق واضحة إلى الله.. ومتى رأيت طريق سارت على هدى لا لعثرة، ولا تضطرب، ولا تتردد لا تحتار، إذ الإيمان ليس مجرد شهادة ينطق بها اللسان.. أو فكرة يحتويها الوجدان الإيمان منهج حياة عميق الأثر في النفس، له آثاره على العقل الضمير والسلوك.

والإيمان في قلوب المؤمنين درجات. فمن ناس من كمل إيمانه. ومنهم متوسط الإيمان.. فيهم ضعيف الإيمان.. ومتى كمل الإيمان في قلب المؤمن، تحققت له ثمار الإيمان، وهل للإيمان ثمار؟

نعم له ثمرات مشاهدة عاجلة في الدنيا.. وآجلة في الآخرة.. أخبر الله عنها في كتابه الكريم...الثمرات التي في الدنيا.. قد تخص فردًا واحدًا. جماعة، أما التي تخص الفرد، فيقول سبحانه فيها: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ ﴾ [النحل: 97]

والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة المختلفة، فسرها ابن عباس وجماعة بالرزق الحلال الطيب السعادة، أو العمل بالطاعة، والانشراح بها، أو قناعة، والصحيح كما قال ابن كثير: إن الحياة طيبة تشمل هذا كله.. والحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة.. فما أكرمه من جزاء ومن الثمار التي تختص بالجماعة النصر...

يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]

وسبحان الذي أوجب على نفسه نصر كرمًا. وأكده حقًا - فضلًا وكرمًا لهم المؤمنين، وجعله لهم. في هذه الصيغة الجازمة التي لا تحتمل شكًا، ولا ريبًا، وكيف ووعده القاطع سبحانه واقع عن يقين يرتقبه الصابرون واثقين مطمئنين.

ومنها: استخلاف المؤمنين في الأرض، يقول تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ ﴾ [النور: 55]

ووعد الله واقع، ولن يخلف الله وعده.

ومن ثمار الإيمان أيضًا العزة. يقول العزيز سبحانه:

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المُنَافِقُون: 8).

وهذا تكريم هائل لا يكرمه إلا الله. وأي تكريم بعد أن يوقف الله سبحانه رسوله والمؤمنين معه إلى جواره.. فجعل العزة صنو الإيمان في القلب المؤمن... العزة المستمدة من عزته تعالى العزة التي لا تهون، ولا تهن فإذا استقر الإيمان، ورسخ فالعزة معه مستقرة راسخة.

ومن الثمار أيضًا الهداية... يقول المولى سبحانه:

(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) (يونس: 9).

ومنها: دفاع الله عن الذين آمنوا، يقول تعالى: 

(إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا) (الحج: 38)

ومن يدافع الله عنه فهو ممنوع حتما من عدوه، ظاهر حتمًا عليه. 

ومن هذه الثمار ولاية الله للذين آمنوا ، يقول  المولى سبحانه : 

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) (محمد: 11).

وقد وعد الله عباده المؤمنين في الآخرة دخول الجنة وهذه أعظم الثمار وأجلها.

هذه هي بعض ثمار الإيمان، وغيرها كثير. لكن هناك سؤالًا يطرح نفسه إذا لم تر الآن في هذه الدنيا ثمار الإيمان تتحقق لنا، فهل نطمع في أن تتحقق لنا في الآخرة فلينظر كل منا إلى إيمانه، فإذ وجد فيه نقصًا. سارع بإتمامه، وإن كان من الذين من الله عليهم.

وكمل إيمانه، فليحافظ عليه، حتى يلقى ربه..

----------------------------------

المراجع:

التجارة الرابحة للشيخ عبد المجيد الزنداني.

في ظلال القرآن - سيد قطب.

تفسير المنير - وهبه الزحيلي. 

رجال من معارك الإسلام - محمد شديد.

----------------------------------

■ تحت أشجار الجنة

جنات ربي وما تحويه يفوق الخيال وتتعجب له، وقد حدثنا الرسول ﷺ عن بعض تلك الأشجار حديثًا ينبئك عن خلق بديع هائل، يسبح الخيال في تقديره طويلًا.

أول هذه الأشجار شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، وكم هي هائلة تلك الشجرة التي لا يقدر قدرها إلا الذي خلقها وليس ذلك فقط بل يصف الرسول ﷺ عظم هذه الشجرة بأن أخبر أن الراكب الفرس من الخيل التي تعد للسباق يحتاج إلى مائة عام ليقطعها إذا سار بأقصى ما يمكنه.

ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة سنة ما يقطعها». (متفق عليه)

وانتقل للشجرة الأخرى وهي سدرة المنتهى وقد أخبرنا الرسول ﷺ عن هذه الشجرة بشيء مما رأه فقال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل اذان الفيلة، قال: (أي جبريل) هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار تهران بأطنان وتهران ظاهران قلت ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات» (رواه البخاري ومسلم).

فهل يعي كل ذي لب بعد هذا الوصف الشائق ما أخفاه الله لعباده من قرة أعين جزاء ما عملوا من الصالحات.

وثالث هذه الأشجار شجرة «طوبى»، وهذه الشجرة عظيمة وكبيرة، وتصنع ثياب أهل الجنة منها، ففي مسند أحمد، وتفسير ابن جرير، وصحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: طوبی شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها».

إن من يطالع هذه الأوصاف لأشجار الجنة ناهيك عما تحويه من فواكه وأعناب ونخل ورمان، لا يملك إلا أن يمسك بفأسه ويقلب أرضه، ثم ينثر أعماله الصالحة ويسقيها بصبره على المعاصي والإقبال على الطاعات ليتحقق مراده في يوم الحصاد. اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى، وجنان الخلد يا ذا الفضل الكبير.

عبد العزيز الجلاهمة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 121

102

الثلاثاء 10-أكتوبر-1972

في فقه الدعوة(20).. المشمرون

نشر في العدد 275

91

الثلاثاء 18-نوفمبر-1975

جلسة مع ابن القيم الجوزيه