العنوان المجتمع التربوي (1401)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000
مشاهدات 157
نشر في العدد 1401
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 23-مايو-2000
الالتزام الديني.. حقيقته وثمرته:
الالتزام بفرائض الإسلام واجب وجوبًا عينيًا بنصوص القرآن والسنة.. ومنه ما هو عام وخاص:
علي محمد الصفتي
الالتزام مصطلح إسلامي صار يتردد في الآونة الأخيرة على ألسنة كثير من المسلمين، ولاسيما أولئك المستمسكين بمنهج الله، العاملين على تطبيقه، والتمكين له في الأرض.. ولعل ذلك يرجع إلى جهاد الحركة الإسلامية منذ سقوط الخلافة الإسلامية إلى اليوم، ذلك الجهاد الذي كان مضمونه ومحتواه تنبيه الغافلين، وإيقاظ النائمين، وهداية التائهين من المسلمين، وردهم إلى دين الله ردًّا جميلًا كي يتبوءوا منزلة الإمامة والقيادة تلك التي كانت لهم أول مرة.
ولما كان هذا المصطلح مظنة لأن يخطئ البعض في تصور حقيقته ومضمونه، أو أن يحمله على غير وجهه، نظرًا لعدم شيوعه في الماضي، لزم أن نتحدث عنه بشيء من التحليل والبيان.
تعريف الالتزام:
1-لغة: يطلق الالتزام في اللغة على معان عدة منها:
أ-الاستمساك أو الاعتناق والالتصاق بالشيء، تقول التزم الشيء وبالشيء تعني استمسك
به، أو اعتنقه، والتصق به، وفي لسان العرب «الالتزام الاعتناق»([1]).
ومنه في الحديث الشريف: «أنه صلى الله عليه وسلم مازال يهتف بربه يوم بدر مادًا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، وقال: يا نبي الله كذاك أو كفاك مناشدتك ربك..»([2]).
ومنه أيضًا قول عبد الله بن مغفل([3])، في الحديث: «أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمته فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، قال: فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسمًا»([4]).
ب -الفرض أو الإيجاب على النفس، تقول: التزم الشيء أو الأمر: أوجبه على نفسه، والتزم فلان للدولة: تعهد أن يؤدي قدرًا من المال لقاء استغلاله أرضًا من أملاكها فهو ملتزم([5]).
جـ -المداومة والمواظبة على الشيء أو المصاحبة له تقول: لزم الشيء يلزمه لزمًا ولزومًا، ولازمه ملازمة، ولزامًا، والتزمه، وألزمه إياه فالتزم، ورجل لزمة يلزم الشيء فلا يفارقه([6]).
ومنه في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب»([7])، أي من صاحب أو داوم الاستغفار وواظب عليه.. إلخ([8]).
وقول القاسم بن محمد في عائشة بعد أن روى عنها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، قوله: «وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته»([9])، أي داومت عليه وصاحبته.
د- الانفصال أو التمايز بصورة واضحة، قال في اللسان: «وهو في اللغة: الملازمة للشيء، والدوام عليه، وهو أيضًا الفصل في القضية، فكأنه من الأضداد، ومنه قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ ( سورة الفرقان: 77)، أي ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (سورة الفرقان: 77) أي عذابًا لازمًا لكم، قال الزجاج: قال أبو عبيدة: فيصلًا([10]).
وعندي أنه لا تعارض بين هذه المعاني جميعًا، وإنما هي من قبيل الشيء ولازمه على معنى أنه يلزم من إيجاب الشيء على النفس الالتصاق والاستمساك به لا يكون حقيقته إلا إذا كانت معه مداومة أو مواظبة تؤدي إلى الانفصال والتمايز.
۲-شرعًا: الالتزام هو الاستمساك بمنهج الله عز وجل على طريق الفرض والإيجاب مع المداومة أو المواظبة على ذلك بصورة تؤدي إلى الانفصال والتمايز، وتحقق السعادة والفوز والنجاة في الدنيا والآخرة.
والالتزام بهذا المعنى يساوي «الطاعة»، و«الاستقامة»، و«الصدق»، و«إسلام الوجه لله»، و«التحاكم إلى شرع الله»، و«التوفيق»، و«التقوى»، ونحو ذلك.
بعض النصوص الواردة في فضل الالتزام:
لما كان الالتزام هو الهدف والغاية من بعثة الأنبياء والمرسلين، كما قال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ( الشورى: 13)، لما كان كذلك جاءت النصوص تشرح فضله، وتبين منزلته، ونذكر منها قوله تعالى: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ( البقرة: 38)، ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ( البقرة: 112)، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ( آل عمران: 31)، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ( النساء: 13-14)، ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ( الأعراف: 170)، ﴿فَاستقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ* وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ* وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( هود: 112-115).
ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة، فإذا أوصى وحاف في وصيته فيختم له بشر عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة، قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ( النساء: 14-15) ([11]).
حكم الالتزام: الالتزام واجب في الجملة وجوبًا عينيًا، لعموم الخطاب بذلك في الكتاب والسنة، ففي الكتاب قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ* وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا..﴾ (آل عمران: 102-103)، ونحوها من الآيات، وهي كثيرة
أنواع الالتزام: يتفرع إلى نوعين:
أ -التزام عام، وهو ما يكون خارج حدود الحركة.
ب -التزام خاص: هو ما يكون داخل حدود الحركة.
والالتزام العام يتنوع ما بين:
۱ - التزام المسلم نحو الله عز وجل، والرسول بطاعة الله، وأداء الفرائض، واتباع السنن.
2-التزام المسلم نحو نفسه وشخصه: بتحقيق التوازن في العناية بجسمه وعقله وروحه.
3-التزام المسلم نحو أهله وأولاده وأقاربه وذوي رحمه: بالقيام بمسؤولياته نحوهم، والإنفاق عليهم، والإحسان إليهم.
4-التزام المسلم نحو مجتمعه، وأمته، والناس أجمعين: باتصافه بالأخلاق الإسلامية الكريمة، ونبذه للأخلاق السيئة، وكونه قدوة في سلوكه ومعاملاته.
أما الالتزام الخاص فينقسم إلى:
1-التزام مشترك بين الجندية والقيادة.
٢-التزام الجندية.
3-التزام القيادة.
ولما كانت الكتب والمراجع مليئة بالحديث عن الالتزام العام بشتى أنواعه التي أوضحناها سالفًا، فإننا نقصر الحديث هنا على الالتزام بمعناه الخاص، وهو ما سنتناوله في العدد المقبل إن شاء الله .
في مواجهة محن المسلمين:
الدعاء والمال جزئي ولابد من العودة الكاملة إلى الله
يا أمة الحق إن الجرحَ مُتسع *** فهل ترى من نزيف الجرح نعتبر؟
ماذا سوى عودة لله صادقة *** عسى تُغير هذي الحال والصورُ؟
هذان البيتان من القصيدة العصماء: «دم المصلين في المحراب ينهمر» يعتبران من أقوى ما كتب من الأبيات الشعرية المعبرة عن عمق المأساة التي تعيشها أمتنا الإسلامية، وبيان الحل الحقيقي لجراحها، وهو عودة الأمة إلى الله عز وجل، والالتزام التام بالإسلام الذي به يعود للأمة عزها ومجدها.
بداية: ينبغي أن ندرك أن دعم المسلمين الذين يتعرضون للمذابح والتشريد بالمساعدات المالية، والدعاء -على الرغم من أهميته ووجوبه والحاجة إليه- إلا أنه في الحقيقة حل وقتي وجزئي لا يوقف المآسي، ولا يقضي عليها، وحتى وإن انتهت مأساة فستظهر أخرى لأن الداء الحقيقي مستمر، وهو ضعف الأمة، وذلها، وهوانها، وعجزها عن حماية أبنائها الذي حدث نتيجة بعدها عن الالتزام التام بأوامر ربها، قال تعالي: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: 7)، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن ابن عمر: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًّا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»، وقال أيضًا في الحديث الحسن عن ثوبان: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: قلنا يا رسول الله: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».
ما يحز في النفس هو عدم إدراك الأمة هذا الجانب، وعدم مسارعتها إليه بقوة، مع أن أبناء الأمة فيهم الخير، وقد يكون استشعارهم لهذا الجانب حافزًا للكثير منهم للمسارعة في العودة إلى الله تعالى، والالتزام الكامل بأوامر الدين.. غيرة على واقع الأمة، وواقع إخوانهم، ولنا في قصة إسلام حمزة t شاهد عندما كانت بداية إسلامية تأثرًا بما رآه من إيذاء المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
يجب أن نشعر -نحن المسلمين- أيضًا أننا مسؤولون عن استمرار مآسي الأمة من هذا الجانب لأننا بتقصيرنا واستمرارنا في الذنوب، وتركنا الجد في الدعوة إلى الله والإصلاح، كنا سببًا في ضعفها، وبالتالي سببًا في عجزها عن حماية أبنائها، ووضع حل جذري لمآسيهم، وبالتالي كنا -من حيث لا ندري- من أسباب استمرار المذابح لهؤلاء المسلمين.
كلمة للدعاة والمصلحين: مما يؤسف له أن الكثير من الخطباء والمحاضرين، والكتاب، والأدباء لا يقومون في خطبهم ودعائهم وتوجيهاتهم عند الحديث عن مآسي الأمة بتذكير المسلمين بهذا الجانب بالشكل الواضح والكافي والمؤثر مع أنه -بغض النظر عن أنه الحل الأمثل- فإنها فرصة لتذكير الناس بالعودة إلى الله من هذا الجانب، ومن الخسارة ألا تستغل هذه الفرصة لتذكير الناس بالهدف الحقيقي الذي تطمح إليه الأمة وهو عودة المسلمين إلى الالتزام التام بدينهم الذي به -بإذن الله- يتحقق للامة نصرها، وتمكينها في الأرض.
وبعبارة أخرى فإنه يجب علينا ألا نعالج الأعراض فقط، وننسى المرض الحقيقي حتى لو كانت الأعراض شديدة وحادة في بعض الأحيان.
تنبيه مهم: لا شك في أن أمتنا ابتعدت عن التطبيق الكامل للدين، ووقعت في محظورات كثيرة، بعضها من الكبائر، وبعضها من الصغائر، لكن موضوع الصغائر يحتاج إلى تنبيه خاص، لأن الكثير من المسلمين -ومنهم من نحسبهم من أهل الخير والفضل- سلموا من الوقوع في الكبائر إلا أنهم مصابون بداء الإصرار على الصغائر، وهذا خطير، فعلماء الأمة أوضحوا قاعدة مهمة يجب الانتباه لها، وهي أن الصغائر تصبح مع الإصرار كبائر «ولا صغيرة مع الإصرار»، بل إن بعضهم ذكر أن كبيرة يعملها الإنسان لكنه في نفسه نادم على عملها أرجى في المغفرة من صغيرة يصر عليها غير مبال بنظر الله إليه، وهو يعملها، ثم إن التساهل في الصغائر في أمتنا قد يكون أشد خطرًا من غيره من الذنوب، والواقع يشهد أن تهاون المجتمعات في الكبائر كان غالبًا ما يسبقه تهاون وتساهل في فعل الصغائر.
هكذا فإن الحل لمآسي أمتنا يمكن أن نضعه في كلمتين هما: «عودة ودعوة» أي عودة كل فرد في الأمة إلى تطبيق الدين، ودعوته غيره إلى ذلك.
معادلات إيمانية:
الهيبة:
كانت أحد الأسباب الرئيسة لانتصارات المسلمين وفتوحاتهم:
بقلم: عبد الحميد البلالي
الهيبة: «خوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة» -كما يعرفها ابن القيم([12])-، وهي نتيجة طبيعية للخوف من الله تعالى، ومعادلتها بسيطة، وتتمثل في: «من هاب الله هابه الناس» لهذا نجدها في الأنبياء والصالحين، وليس ذلك فحسب بل في كل من خاف الله تعالى وأتقاه.
يقول الإمام المباركفوري في تحفة الأحوذي: «هابه: أي خافه وقارًا وهيبة، من هاب الشيء إذا خافه ووقره وعظمه»([13]).
وبهذا التعريف فإن الهيبة لا يمكن أن تكون مقرونة بالحب والتوقير، إذا كانت صادرة من الأعداء والفساق أو المحاربين لدين الله سبحانه، إنما تكون كذلك إذا صدرت من المؤمنين المحبين لله ورسوله.
هيبة الرسول صلى الله عليه وسلم: لذلك نرى تلك الهيبة العظيمة في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم إلى درجة أن الصحابة الكرام كانوا يهابون حتى سؤاله، فقد روی مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سلوني»، فهابوه أن يسألوه.. الحديث([14]).
وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ووضع يده عليها، وفي القوم يومئذ أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه.. الحديث([15]).
ولم يستطع أن يكلمه إلا رجل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوه ذا اليدين.
هيبة الصحابة: هذه الهيبة لم تكن في الأنبياء فحسب، بل كل من اتقى الله وخافه، ولهذا السبب نجدها بوضوح في أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وهم صحابته الكرام.
فهذا حذيفة بن اليمان t قال: «قال عمر t أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم له عن الفتنة، قال قلت أنا أحفظه كما قال، قال: إنك عليه لجريء، فكيف قال: قلت فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف، قال سليمان قد كان يقول الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال ليس هذه أريد، ولكني أريد التي تموج كموج البحر، قال: قلت لست عليك بها يا أمير المؤمنين بأس بينك وبينها باب مغلق قال فيكسر الباب، أو يفتح، قال قلت لا بل يكسر، قال: فإنه إذا كسر لم يغلق أبدًا، قال: قلت أجل، فهبنا أن نسأله من الباب، فقلنا لمسروق سله، قال فسأله، فقال عمر t قال قلنا فعلم عمر من تعني، قال نعم كما أن دون غد ليلة وذلك أني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط([16]).
هيبة التابعين والعلماء: التابعون كانوا أكثر الناس خيرية بعد جيل الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، ولذا كانت الهيبة فيهم كبيرة.
ففيما يرويه عمر بن جعثم عن التابعي الجليل الإمام شيخ أهل الشام خالد بن معدان أنه:
«إذا قعد لم يقدر أحد منهم يذكر الدنيا عنده هيبة له»([17]).
وكان شيخ التابعين الحسن البصري t ذا هيبة كبيرة حتى إن أيوب السختياني يقول عنه: «كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث حجج ما يسأله عن المسألة هيبة له»([18]).
ومما يرويه الإمام أحمد عن أحد شيوخه الإمام شيخ الإسلام، ومحدث بغداد هشيم بن بشير يقول «لزمت هشيمًا أربع سنين، أو خمسًا، ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له، وكان كثير التسبيح بين الحديث»([19])، وروى الإمام الدقي عن شيخه ابن الجلاء القدوة العارف شيخ الشام قوله: «ما رأيت شيخًا أهيب من ابن الجلاء مع أني لقيت ثلاثمائة شيخ»([20]).
خوف الله والهيبة: وينجلي بعد هذا العرض أن الهيبة نتيجة طبيعية للخوف من الله تعالى، ولهذا يستخلص الشيخ الواعظ يحيى بن معاذ مما سبق معادلة الهيبة فيقول: «على قدر خوفك من الله يهابك الخلق»([21]).
ولهذا السبب كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس هيبة لأنه كان أكثر الناس خوفًا من الله تعالى، حتى جعل الصحابة الكرام يهابون سؤاله، وكان الصحابة الكرام أكثر الناس خوفًا بعد النبي صلى الله عليه وسلم فكان التابعون يهابون من سؤالهم.
نصرت بالرعب: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس خوفًا من الله تعالى، وصحابته الكرام، كان أعداء الله أشد هيبة منهم حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم عن جابر بن عبد الله: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر..» الحديث([22]).
وما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضلت على الأنبياء بست أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون»([23]).
فقد قذف الله الرعب والهيبة في قلوب أعداء الله من الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام على بعد شهر، ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسة في انتصارات المسلمين على الكفار والفتوحات التي وصلت إلى مشارف أوروبا.
انتزاع الهيبة: عندما يقل هذا الخوف من الله تعالى، ويصبح الخوف من المخلوق أكبر من الخوف من الله تعالى، فإن الله تعالى ينزع هذه الهيبة من قلوب الأعداء جزاء وفاقًا لعدم خوفه من الله حتى تمضي المعادلة ونتائجها من غير تبديل ولا تعديل، فهي سنة ماضية إلى يوم القيامة، يقول الإمام القدوة الزاهد عبد الله بن عبد العزيز العمري، الذي وعظ الرشيد يومًا فأغمي عليه: «من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين، نزعت منه الهيبة، فلو أمر ولده لاستخف به»([24]).
آخر الزمان: عندما يتناقص هذا الخوف من الله في آخر الزمان، ويزداد الخوف من المخلوق، ويزداد التعلق بالدنيا وتنسى الآخرة، ينزع الله الهيبة تمامًا من قلوب أعداء المسلمين، حتى يتجرؤوا عليهم من كل صوب وحدب، ويمثل هذه المأساة التي تحدث للمسلمين قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت»([25]).
الهوامش:
([1]) لسان العرب لابن منظور ١٢/ ٥٤٢.
([2]) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم في: الصحيح.
([3]) أخرجه مسلم في: الصحيح كتاب الجهاد والسير باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب ١٣٩٣/٣ رقم ۱۷۷۲.
([4]) عبد الله بن مغفل بن عبد نهم بن عفيف، ينتهي نسبه إلى: عثمان بن عمرو بن أد، صحابي جليل من أهل بيعة الرضوان، وكان واحدًا ممن عرف عمر -رضي الله عنه- قدرهم، حيث أرسله ضمن عشرة من الناس يفقهون أهل البصرة، كما كان من البكائين الأسخياء، له أحاديث عدة في الصحاح، والسنن والمسانيد.
([5]) المعجم الوسيط 2/823.
([6]) لسان العرب 12/541.
([7]) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة، وابن ماجه في السنن: كتاب الأدب.
([8]) أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٥٤١/٢ رقم ٢١٨ من حديث القاسم بن محمد عن عائشة مرفوعا.
([9]) أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٥٤١/٢ رقم ٢١٨ من حديث القاسم بن محمد في وصف عائشة به.
([10]) لسان العرب ١٢/ ٥٤٢.
([11]) أخرجه ابن ماجه في السنن.
[12]) ) مدارج السالكين ١/ ٥١٣.
[13]) ) تحفة الأحوذي ١٠ / ١٢٠.
[14]) ) رواه مسلم -الإيمان- وله تكملة.
[15]) ) رواه البخاري ٥٥٩١ في الأدب وله تكملة.
[16]) ) رواه البخاري ١٣٤٥ - الزكاة.
[17]) ) نزهة الفضلاء ١ / ٤٣٩.
[18]) ) نزهة الفضلاء ١/ ٤٤٨.
[19]) ) نزهة الفضلاء ٢/ ٦٤٧.
[20]) ) نزهة الفضلاء ١٠٣٦/٢.
[21]) ) صفة الصفوة ٩٥/٤.
[22]) ) رواه مسلم ۸۱۰ -المساجد.
[23]) ) رواه البخاري ۳۲۳ وله تكملة.
[24]) ) سیر أعلام النبلاء ٨/ ٣٧٥.
[25]) ) رواه أبو داود ٣٧٤٥ في الملاحم وصححه الألباني «الصحيحة956».