العنوان المجتمع التربوي (1446)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2001
مشاهدات 61
نشر في العدد 1446
نشر في الصفحة 52
السبت 14-أبريل-2001
الهجرة في واقع المسلمين
رمز للقيم والمبادئ التي تلزم المسلم في كل مكان وزمان
إعداد: عبد الحميد البلالي
مرسي بسيوني
منذ أن أذن رسول الله ﷺ لأصحابه بالهجرة من مكة إلى المدينة بوحي من الله – تعالى -، ثم انتقل هو أيضًا إليها، ظلت الهجرة فرض عين على كل مسلم ومسلمة، واستمر الأمر هكذا حتى يوم الفتح، وسقط هذا الفرض عن المسلمين لقول الرسول ﷺ: «هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية»، إلا أن الهجرة تعتبر رمزًا للقيم والمبادئ التي تلزم المسلمين في كل وقت ومكان، وإن كانت قد انتهى وقتها كحدث، إلا أنها باقية كقيمة في الأمة إلى قيام الساعة، ومن هنا جاءت هذه المعاني:
وقف الإسلام بشدة في وجه محاولات تذويب الشخصية المسلمة وإدماجها في غيرها من القوميات، فهذا أخطر على الإسلام من أعدائه، وشدد في بيانه لهذه النقطة حين ذكر أن سبب تأخير نصر المسلمين مع استيفائهم لكل أسبابه كما حدثت آية سورة الفتح: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: 25)
إنها حالة الخلطة التي يعيشها المسلمون مع غيرهم، ولو اتضحت مواقف كل فريق لعجل الله نصر الفئة المؤمنة، ولهذا تجد أن كل نبي يفاصل قومه، ويعلنهم أنه سيعمل بما يعلم، فعليهم أن يعملوا بما يعلمون ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ ﴾ (الزمر: 39).
هذا التمايز هو الذي دفع جعفر بن أبي طالب أن يعلن عقيدته في صراحة أمام النجاشي ومطارنته، وهو يظن أن الجمع كله على طريقة الرهبان، وكان قد سبق أن استعدى عمرو بن العاص النجاشي على جعفر، ومن معه بما سيقوله جعفر في عيسى ابن مريم، لكن خوف التسليم إلى الأعداء والخروج من الديار الآمنة ، لم يجبر جعفر على أن يتخفى وراء قول يقوله، ولو على سبيل الاسترضاء للنجاشي ومن معه.
إن النظرة السريعة إلى أحوال الناس اليوم، وعدم القدرة على تمييز المسلم من غيره بينهم، تقول: إن الطريق إلى النصر بعيد، وإننا في أشد الحاجة إلى هذا اللون من الهجرة.
هجرة المعصية وأهلها حال عصيانهم لله: إن الطبيب لا بد له من مخالطة المرضى، وهذا يتم بقيود، وشروط، وإلا أصيب بشيء من أمراضهم، كذلك الحال بالنسبة للمؤمنين وقد أمروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أن هناك حالات لا بد من أن يعتزل فيها العصاة، وهي حال ارتكابهم المعاصي إذا أصروا عليها.
ولقد بين النبي ﷺ مثل هذا الموقف في قوله: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تفعل فإنه لا يحل لك، ثم إنه يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وجليسه، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم».
إن هذا المصر على المعصية لا بد أن يحس بنبذ المجتمع له، فهذا كفيل بأن يعيده إلى ركب الطاعة، أما اجتماع الناس حوله، فإنه تشجيع له ليستمر على ما هو عليه.
لقد أتي عمر بن عبد العزيز بقوم شربوا الخمر وشرع في إقامة الحد، ورأى فيهم رجلًا صالحًا، وثبت بإقرار الجميع أنه لم يشربها معهم، فبدأ بإقامة الحد عليه فسأله عن حجته، فقرأ له الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ( النساء: 140)، وقال للرجل: «وأنت إذا مثلهم».
وكما يلزم المسلم أن يهجر أهل المعاصي فإن الأشد إلزامًا له أن يهجر المعصية نفسها، ولا رخصة لأحد من المسلمين في فعل شيء حرمه الله ورسوله، قال ﷺ: «ما نهيتكم عنه فانتهوا».
هجر ديار السوء التي لا يقيم أهلها الحق: البينة تقوم بدورها في استقامة الإنسان أو اعوجاجه، وهناك أماكن يغلب على أهلها الفساد، فالعاقل من ترك هذه الديار غير آسف على ما ترك، كما في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وأتمها المائة بالعابد الجاهل، وكان مصيره إلى رحمة الله كما جاء في الحديث بعد رحيله عن بلده.
الهجرة لتطهير النفس: جعل الله – تعالى - الهجرة في العصر الأول عنوانًا للتطهر من النفاق، ومظهرًا من مظاهر الاجتماع مع المؤمنين، فقال سبحانه محدثًا عن المنافقين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (سورة النساء: 89).
والمسلم يدرك احتياجه الشديد إلى هجرة قريبة من هذا المعنى ليطهر نفسه من عوالق الدنيا، وشواغلها حتى لا تستحوذ على اهتمامه كله أو تصبح هي الدافع لحركته.
الحياة مع آية من القرآن
الذي يحيا مع القرآن، ويتحرك به يعجب من روعة الإعجاز الذي يحويه بين دفتيه، تعالوا نقرأ هذه الآية بصوت مسموع، وأحكام صحيحة، قال تعالى: ﴿ ِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 36).
من يعرف أحكام التلاوة يعلم أن كلمة المد في «كافة» مد لازم كلمي مثقل، أي تمد الألف بمقدار ست حرکات، والآن أعد القراءة من جديد ستجد أن صوتك لن يسعفك في قراءتها بسهولة، وذلك لكي تقف أمامها متأملًا، فأي بيان هذا البيان الرباني، وأي إيضاح لحقيقة الصراع أقوى من هذا الإيضاح؟.
إن أعداء الأمة يقاتلونها كافة، أي جميعًا في وحدة واجتماع وتنسيق وتناغم ومؤازرة، وينبغي للامة أن تواجههم بالمثل، وإلا فالهوى والتنازع والفشل هو المصير، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ﴾ (آل عمران: 152)، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ َ﴾ (الأنفال: 46)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73).
فيا أيها المسلمون قفوا جميعًا أمام هذه الآيات وتدبروا وافهموا معانيها، واعلموا أن بداية النصر أن تنصروا دينكم وربكم، فبه الاستعانة، وعليه التكلان، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)
د. أيمن قشطة
إدارة الوقت لماذا؟
د. صلاح الدين محمود.
برزت أهمية الحاجة لإدارة الوقت بعد زيادة حجم الأعباء وتنوعها، والإدارة السليمة للوقت تتيح:
١- تنفيذ المهام والأعمال المهمة، مع توفير الوقت للإبداع والتخطيط للمستقبل، وأيضًا للراحة والاستجمام.
٢- تحديد الأولويات وإنجاز أهم الأعمال.
٣- الاستفادة من الوقت الضائع واستخدامه جيدًا.
٤- التغلب على الإجهاد والإحباط الذي تقلل من كفاءة العمل.
إن الإدارة الصحيحة للعمل تزيد من بركة العمل كأنها تضيف إليه ساعات جديدة.
فإضافة 15 دقيقة كل يوم تعني إضافة ١١ يوم عمل كل عام إذا كان المرء يعمل 8 ساعات في اليوم، وإذا أضفنا ٣٠ دقيقة في اليوم، فهذا يعني إضافة ٢٢ يوم عمل للسنة وهكذا، مع ملاحظة أن إدارة الوقت مسألة ذاتية تتناسب مع ظروف كل شخص وطبيعته.
أساسيات إدارة الوقت
تنقسم عملية إدارة الوقت إلى خمس مراحل:
1 - تحليل الوقت.
٢- تخطيط الوقت.
٣- تنظيم الوقت.
٤- التنفيذ.
٥- المتابعة والرقابة.
تحليل الوقت
أول خطوة في إدارتك لوقتك هي أن تحلل كيف تستخدم وقتك الآن؟، إذا لم تعرف كيف تصرف وقتك، فإنك لن تتمكن من الاختيار من أن الطرق البديلة لاستخدامه، عليك أن تتعرف أنشطتك المختلفة، والوقت الذي تقضيه في كل نشاط، وأن تتعرف أوقاتك الضائعة، ومضيعات لتلك وأسبابها.
وأخيرًا، عليك أن تحدد أي الطرق أفضل لاستخدام وقتك بكفاءة وفاعلية.
ولتحليل وقتك بشكل فعال، اتبع الخطوات التالية:
أولًا: جمع المعلومات: عن طريق استخدام جدول يومي للأنشطة لمدة أسبوع علي الأقل لتعرف أنشطتك اليومية.
لاستخدام هذا الجدول اتبع التعليمات التالية:
۱ - اختر أسبوعًا نموذجيًّا تجنب أيام العطلات والأيام غير العادية.
٢ - اكتب أنشطتك على الأقل كل ٣٠ دقيقة بالتفصيل، وحاول أن تسجل الوقت المستغرق في كل نشاط.
٣- اكتب ملاحظاتك على كل نشاط، هل استغرق أكثر من اللازم؟، ولماذا؟ ومتى قوطعت فيه؟، وما سبب المقاطعة؟
٤- اكتب في آخر اليوم، هل كان اليوم نموذجيًّا؟ أم كان شاقًا أم أقل من الطبيعي؟ واكتب ملاحظاتك على اليوم.
ثانيًا: اختبار الأنشطة: بعد أن تجمع المعلومات على مدى أسبوع أو أسبوعين، يجب أن تختبر أنشطتك كلها من أوجه ثلاثة: الضرورة - الخصوصية – الكفاءة.
اختبار الضرورة
- اختبر كل مهمة للتأكد من أنها ضرورية وليست فقط لطيفة.
- من الشائع جدًّا أن تقوم بعمل كثير من الأنشطة لمجرد أننا نحبها ونستمتع بها.
- سوف يساعدك هذا الاختبار على اختصار مهامك حتى حدود الضرورة.
اختبار الخصوصية
عند تحديد مهامك الضرورية، فإن مهمتك التالية أن تحدد من الذي سيقوم بها؟ بمعنى هل هي تخصك فعلًا، أم يمكن أن يقوم بها غيرك؟ وعندها يجب أن تتوقف عن أداء أي مهمة غير ضرورية، وابحث عن أحد غيرك للقيام بها.
- سوف تكتشف أنك تقوم بمهام كثيرة لیست من اختصاصك.
اختبار الكفاءة
بمجرد التأكد من أنك تقوم بمهمة ضرورية من اختصاصك، اسأل نفسك: هل هناك طريقة أفضل لأداء هذه المهمة؟، وحاول أن تقوم بالمهمة بأكبر كفاءة ممكنة.
ثالثًا: تحديد وقت الذروة: من المفيد قبل أن تخطط جدول أعمالك، أن تضع في الحسبان وقت الذروة في نشاطك، إن بعض الناس يكونون في أنشط أحوالهم في الصباح وبعضهم بعد الظهيرة.
على كل الأحوال، تعرف منحنى نشاطك وحدد وقت الذروة بالنسبة لك، ثم حاول بعد ذلك أن تنظم جدولك ليتوافق مع منحنى نشاطك، اجعل أنشطتك المهمة جدًّا في وقت الذروة، بينما عليك أن تؤجل الأعمال الروتينية إلى وقت تكون فيه في نشاط أقل.
منحنى النشاط الطبيعي
الشكل يمثل منحنى النشاط للإنسان العادي، إنه يفترض أن هناك قمتين للنشاط الإنساني:
- الأولى: في الصباح وتستمر حتى قبيل الظهيرة؛ حيث يقل النشاط تدريجيًّا.
- والثانية: في المساء بعد الظهيرة خاصة بعد أخذ قسط من الراحة في الظهيرة.
أساليب النفاق اليهودي.. كما جاءت في القرآن الكريم
- بالإضافة إلى عداوة اليهود الظاهرة، النفاق إحدى وسائل تآمرهم الخفي.
- الخوف على المصالح والأنفس كان أكبر دوافع إدمان النفاق والابتكار فيه!
صفاء الدين محمد أحمد
التخوف على الأنفس والأموال والمصالح، حمل اليهود على ممارسة النفاق العقائدي والاجتماعي، في الوقت الذي كانوا فيه بغنى عنه، حين يلتزمون بالصدق والوفاء في مواثيقهم مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم -، وهم من أعرف الناس بحرمة أموالهم ودمائهم، وأعراضهم في ذمة الإسلام ودولته، ونظمه.
وربما كان حرص اليهود اللاهث على المتاع والمال هو ما جعلهم يترددون أول الأمر في صدق التعايش مع المسلمين، أو التطلع إلى الكافرين، وتوقع انتصارهم، وإفناء الإسلام وأهله، ولكن تنامي الإيمان وامتداده في النفوس والأرض، واستقرار الإسلام في عاصمته، وما حولها بإشاعة النظام الإلهي أطلق المخاوف من نفوسهم، ودفعهم إلى حياة النفاق، فأضحوا جزءًا منه بعد أن أسهموا في التأمر مع المنافقين الوثنيين.
على أن نفاق اليهود قديم منذ آلاف السنين، ومصرح به في التوراة، على رغم تحريفها، فقد ورد في الإصحاح التاسع من سفر «أشعيا» ما نصه: «وصار مرشدو هذا الشعب مضلين، ومرشدوه مبتلعين، لأجل ذلك لا يفرح السيد بفتيانه، ولا يرحم يتاماه وآرامله؛ لأن كل واحد منهم منافق وفاعل شر، وكل فم يتكلم بالحماقة».
وواضح أن النص يخبر عن منافقي الأحبار قبل عامة اليهود، وأن النفاق إحدى وسائل التآمر الخفي الذي يبيت ضد المسلمين، وقد عرف من منافقيهم أوس بن قيظي، وشاس بن قيس، وزيد بن اللصيت.
ولقد اتخذ اليهود أساليب عامة وخاصة في نفاق المؤمنين، تتلاقي أحيانا مع منافقي المدينة، ومع مشركي قريش، وتنفرد بأعمال خاصة بهم وحدهم.
أساليب عجيبة
وفي هذه وتلك حاول اليهود الكيد للمسلمين والقضاء على الإسلام بشتى الوسائل والأسباب، ومن ذلك:
1 - تقلبهم بين الكفر والإيمان:
فاليهودي على عكس ما وصفه «ولفونسون» من ثباته على دينه، وعدم انصرافه عنه، وتضحيته في سبيله بكل شيء، فإنه متقلب في إيمانه، متذبذب في انتمائه.
فقد آمنوا بموسى، وكفروا بعزير، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (النساء: 137).
ولا غرو، فإن دافع النفاق أقوى المواقع إلى التردد بين الإيمان والكفر، والتقلب في إظهار الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم الآخر، وحيثما وجد النفاق مصلحة خاصة ونفعًا آنيا، فإن صاحبه اليهودي لا يتردد بين أن يكون مؤمنًا فترة، ثم يصير إلى الكفر في فترة أخرى، وهكذا.
إيهام المؤمنين بصدقهم
التعبير القرآني في النهي عن اتخاذ اليهود وغيرهم «بطانة» يدل على أن بعض اليهود استطاع أن يوهم بعض المسلمين بمصافاتهم، والإخلاص لهم، وهم من ذلك براء قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ (آل عمران: 118).
قال ابن عباس ومجاهد: «نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواصلون رجلًا من اليهود، لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار، والرضاع، فأنزل الله – تعالى - هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم، خوف الفتنة منهم عليهم».
ويؤيد ذلك ما ذكره الطبري من أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام، فنهاهم عن ذلك، وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم.
٣- التشكيك في الإسلام:
ربما كان هذا الأسلوب خاصًا باليهود ومكرهم، فنحن نعلم أن الدافع للنفاق يكون غالبًا الخوف على المصالح والأنفس، ولكن منافقي اليهود حملوا الدافع السابق ودافعًا أشد مكرًا وأبلغ حيلة هو تشكيك المسلمين في دينهم.
ونقل الطبري أقوالًا كثيرة تؤدي هذا المعنى منها: قول بعضهم لبعض أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدقوكم ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم، وفي قول: لعلهم يرجعون معكم.
وتفصل رواية أخرى لكيد اليهودي وتقول: كان أحبار قرى عرينة اثني عشر حبرًا، فقالوا لبعضهم ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا: نشهد أن محمدًا حق صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا، فسألناهم فحدثونا أن محمدًا كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا، فهو أعجب إلينا من دينكم لعلهم يشكون، ويقولون: هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم، فأخبر الله - عز وجل - رسوله ﷺ بذلك: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: ٧١- ٧٢).
يقول ابن كثير في تفسيره: هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم يظهرون الإيمان أول النهار ويصلون مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما ردهم عن دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين.. إلى أن يقول: ولا تطمئنوا وتظهروا سروركم وما عندكم إلا من تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين فيؤمنوا به، ويحتجوا به عليكم، إنها مكيدة نفاقية، يهودية محكمة الأطراف، متشابكة الأغراض، نظيرة النتائج والآثار، فيما لو استجر إليها المسلمون.
٤- القول المؤمن والكفر المبطن
ذلك يتضح من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (المائدة: 61).
يقول الطبري إذا جاءكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون من اليهود قالوا آمنا، أي صدقنا بما جاء به نبیكم محمد ﷺ واتبعناه على دينه، وهم يقيمون على كفرهم وضلالتهم، قد دخلوا عليكم كفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم، ويضمرونه في صدورهم، وهم يبدون كذبًا التصديق لكم بألسنتهم، وقد خرجوا بالكفر من عندكم، كما دخلوا به عليكم، إلى أن يقول: يظنون أن ذلك من جهلهم يخفى على الله جهلًا منهم بالله.
٥- التظاهر بالإيمان والنهي عنه معًا:
أسلوب يهودي خاص بهم لا تعهده في جماعة أخرى، ويبدو فيه التعارض ظاهرًا، للوهلة الأولى، لكنهم يتخذونه في موقفين متغايرين، موقف معلن يتظاهرون فيه بالإيمان، وقوله أمام المؤمنين، وفي مجالسهم، وهو يماثل موقفهم في الآية السابقة، والموقف الآخر خفي عن المسلمين، ذلك حين يخلو أخبارهم؛ إذ ينهى بعضهم بعضًل ما قالوه، وأعلنوه للمسلمين من قبل، وذلك لكيلا يكون فيه حجة عليهم في توراتهم، وأمام الله يوم القيامة.
وقد كشف الله – تعالى - موقفهم الخفي المنافق، مقابل موقفهم المعلن بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 76).
قال الحسن البصري: هؤلاء اليهود كانوا إذا رأوا الذين آمنوا قالو آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما أوح الله عليكم في كتابكم؛ ليحاجوكم به عند ربكم وخصموكم.
ويبدو هنا أن القولين المعلن والخفي مماثلان ومتطابقان من حيث الوثاقة الدينية مع التوراة قبل تحريفها، وتغيير مسائل كثيرة فيها.
غير أن النفاق الآثم هو إعلانهم الإيمان ليوهموا المؤمنين بأنهم معهم فيطمعوا في إيمانهم، ويحافظوا على أموالهم وأعراضهم، ثم النهي عنه وعن مجالسهم الخاصة حتى لا يتخذه المؤمنون حجة عليهم، فإن هذا مناف للعقل ومخالف للمنطق.
وما أروع ما خوف الله – تعالى - اليهود وزجرهم عقب الآية السابقة بقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (البقرة: 77) .