العنوان المجتمع التربوي (1465)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 25-أغسطس-2001
مشاهدات 103
نشر في العدد 1465
نشر في الصفحة 54
السبت 25-أغسطس-2001
وقفة تربوية
جنة الدنيا وجنة الآخرة
يعجل الله لفئة من الناس جنة في الدنيا، ويدخر لهم جنتهم في الآخرة هؤلاء هم ملوك الآخرة، وأسعد الناس في الدنيا.
هؤلاء هم الذين أجهدوا أنفسهم في تربية أنفسهم، ولاقوا العنت منها حتى سلس قيادها لهم، فلا يوجد أحد فيها سوى الله، ولا حب لغيره، ولا سعادة إلا معه، ولا لذة إلا في قربه، فيعطيهم الله تعالى أغلى ما يبحث عنه الإنسان في هذه الدنيا، ويتقاتل عليه العالم بأسره ألا وهو الراحة النفسية والسعادة، والطمأنينة والهناء، والهدوء النفسي والشعور بلذة الإيمان، يصف الإمام ابن القيم قلب أحدهم بقوله: «قلب يرى الفقر غنى مع الله والغنى فقرًا دون الله، والعز ذلًا دونه والذل عزا معه والنعيم عذابًا دونه والعذاب نعيمًا معه، وبالجملة فلا يرى الحياة إلا به، ومعه والموت والألم والهم والغم والحزن إذا لم يكن معه فهذا له جنتان جنة في الدنيا معجلة، وجنة يوم القيامة» «الفوائد: ٢٥٢ - النفائس».
هؤلاء لا يضطربون إذا اضطرب الآخرون، ولا يفزعون عندما يفزع الآخرون، ولا يبكون عندما يبكي الآخرون.
وجوههم مشرقة بنور الله وألسنتهم لا تفتر عن ذكر الله، قلوبهم معلقة بالمساجد، ويسابقون الوقت من أجل ملء كتبهم، فلا يصدر منهم إلا ما يرفع إلى السماء، نسأل الله تعالى أن نكون منهم.
أبو خلاد
هم.. وذل!
كتابة الدين أدفع للنزاع. ولا يجوز تأخير سداده دون عذر
آكل لأموال الناس بالباطل من يقترض منهم ناويًا عدم السداد بعد أن يتظاهر بالحاجة
محمود حمامي
أمر الله عباده بالاقتصاد في إنفاق المال، بحيث لا يصل المنفق إلى حد التقتير، ولا يزيد فيصل إلى حد الإسراف، بل يلزم التوسط والاعتدال، قال تعالى في وصف عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧).
والمسرف لا بد أن يؤدي به الإسراف إلى الإفلاس، وتجرع كؤوس الندم والحسرة، ويضطر إلى سؤال الناس أو الاقتراض منهم، وكلا الأمرين يجلب الذل والهم لصاحبه، والمسلم عزيز النفس يكرم نفسه ولا يهينها بالمسألة، لأنه يعلم حديث رسول الله ﷺ، فعن ابن عمر y أن النبي ﷺ قال: «لاتزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى، وليس في وجهه مزعة لحم» «متفق عليه».
أما الدين فهو كما قال عنه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- هَمٌّ بالليل وذل بالنهار، ولكن ظروف الحياة وتقلبات الأيام قد تلجئ المسلم إلى الاقتراض من الناس، وقد رغب الإسلام القادرين في إقراض المال للمعوزين لما يشتمل عليه من الرحمة والشفقة بالناس وتفريج همومهم وكربهم، واعتبره قربة يتقرب بها المقترض إلى الله تعالى، وسمى القرض حسنا لأن المقرض يقدمه للمقترض بنفس طيبة محسنة احتسابًا لوجه الله تعالى وحده، ولا يأخذ عليه مقابلًا، ولهذا فإن المقرض ينال من الله تعالى ثواب الصدقة المقبولة.
فعن ابن مسعود t أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا إلا كان کصدقته مرة» «رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه». ورواه الطبراني مختصرًا فقال: «كل قرض صدقة»، وقد روى أن عبد الله ابن مسعود t قال: «لأن أقرض مرتين أحب إلى من أن أتصدق مرة».
كما رغب الإسلام العظيم في التيسير على المقترض المعسر، وإنظاره والوضع عنه، فعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله r يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه»، أي يسقط عنه بعض الدين «رواه مسلم».
كتابة الدين ضرورة:
وإذا أقرض المسلمون بعضهم بعضًا فعليهم أن يكتبوا الدين لأنه أوثق، وأدفع للنزاع، وعليهم أن يختاروا كاتبًا فقيهًا عالمًا بأصول الكتابة لوثائق الدين وليكن معلى الوثيقة هو المدين لأنه المقر المشهود عليه، وليتق كل من الكاتب والمملي ربه، فإن كان المدين ناقص العقل مسلمًا أو صبيًا أو شيخًا مختلًا، أو لا يستطيع أن يملي لخرس أو جهل باللغة فليملل ولي أمره أو وكيله أو مترجمه، ولا بد أن يشهد على الدين شاهدان من رجال المسلمين، فإن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان، بحيث إذا نسيت إحداهما ذكرتها الأخرى ولا تملوا من كثرة مدايناتكم أن تكتبوا الدين صغيرة كانت قيمته أو كبيرة مختصرة كانت الكاتبة أو مستفيضة، لأن ذلك أقرب إلى ألا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله والشهود ونحو ذلك.
وكثيرًا ما كان الإهمال في كتابة الدين اعتمادًا على الثقة أو خجلًا أو خوفًا من تأثر المقترض سببًا في النزاع، وقدم المقرض، وضياع الحقوق.
التظاهر بالاحتياج:
وبعض الناس قد يتظاهر بالحاجة إلى الدين ويقترض أموال الناس وينوي عدم سدادها، ومثل هذا الشخص يعتبره الإسلام ظالمًا، لأنه يأكل أموال الناس بالباطل، فعن أبي هريرة t عن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله تعالى» «رواه البخاري». والمراد من إرادته التأدية قضاؤها في الدنيا، وتأدية الله عنه تشمل تيسيره تعالى لقضائها في الدنيا بأن يسوق إلى المدين ما يقضي به دينه، كما تشمل إرضاء غريمه بما شاء الله تعالى في الآخرة.
أما من يستدين من الناس لا لحاجة بل لا يريد إلا إتلاف ما يأخذ ولا ينوي قضاء دينه، فإن الله تعالى يتلفه في الدنيا بإهلاكه، وإتلاف طيب عيشه، وتضييق أموره، وتعسير مطالبه ومحق بركته، ويتلفه في الآخرة بتعذيبه، فالجزاء من جنس العمل، ولا يجوز تأخير سداد الدين بغير عذر من قادر على السداد. فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله ﷺ: مطل الغني ظلم».
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: تُوفي رجل منا فغسلناه وحنطناه وكفناه، ثم أتينا رسول الله ﷺ فقلنا نصلي عليه؟ فخطا خطى ثم قال: «أعليه دين؟ فقلنا ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران على فقال رسول الله ﷺ: «حق الغريم، وبريء منهما لميت؟، قال نعم فصلى عليه». «رواه أحمد».
ومماطلة القادر على سداد الدين تبيح للدائن التشهير به وتبيح للحاكم حبسه، فعن عمرو بن الشريد عن أبيه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «لي على الواجد يحل عرضه وعقوبته» «رواه أبو داود والنسائي».
واللي يعني المطل والواجد يعني القادر، وحل العرض يعني يقول: مطلني، وعقوبته حبسه يجوز للحاكم أن يحجز على المدين القادر ويمنعه من التصرف في ماله، ويبيعه عنه لقضاء غرمائه الدائنين.
ويمكن أن يستغني ذوو الحاجة عن الاقتراض من الموسرين وذلك بالاشتراك فيما يسمى بالجمعيات بين الأصدقاء أو الجيران أو زملاء العمل بحيث يتفقون على أن يدفع كل واحد منهم جزءًا من راتبه الشهري، ويعطي المبلغ المجموع منهم لأحدهم، إما بالقرعة أو بإيثار أشدهم حاجة بالأخذ قبل غيره.
وأخيرًا: فهنيئًا للدائنين الذين يفرجون هموم المكروبين، ويسددون حاجات المحتاجين، وينظرون المدنيين أو يضعون عنهم الدين إن عجزوا عن سداده احتسابًا لوجه الله تعالى وبشرى للمدينين الذين يأخذون القرض عند اشتداد الحاجة إليه فقط وينوون السداد، ولا يتوانون عن ذلك أو يؤجلونه دون سبب.
وقد كان من الدعاء المأثور للنبي ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال»..
.. ومات نديم ظبيان
جمع العاملين للإسلام بإفريقيا وأسهم في العمل الإسلامي بأوروبا
زهير الشاويش
انتقل إلى رحمة الله تعالى المربي الفاضل، والأستاذ النبيل محمد ندیم ظبيان الكيلاني في دمشق عن عمر ناهز المئة عام، فوددت أن أضع بين يدي القراء هذه الترجمة الموجزة عنه.
كان والده الشيخ محمد على ظبيان من مؤسسي حركة الإخوان المسلمين في سورية وله في شرح عقيدتها رسالة مطبوعة.. كما كان لأخيه الأستاذ تيسير ظبيان جريدة «الجزيرة» ومجلة «الشريعة» في عمان.
والأستاذ نديم كان مع الشهبندر أيام مطلع شبابه ودرس عند الشيخ عباس الأزهري مع الكثيرين من أهل بيروت، كما كان من زملائه قريبه الرئيس حسن الحكيم، رئيس الوزراء السوري الأسبق، وصاحبه الوزير المحامي زكي الخطيب والعلامة الشيخ محمد كامل القصاب والعلامة الشيخ محمد بهجة البيطار، والأستاذ محب الدين الخطيب والزعيم سعيد حيدر والشيخ محمد الأشمر، والأمير عادل أرسلان والمجاهد إبراهيم هنانو، والحاج أمين الحسيني وغيرهم.
ومما قيل فيه من شعر في «أرواد» قصيدة لعلها للشاعر اللغوي الأديب الشيخ مصطفى الغلاييني:
إيه شهبندر العلي أنت فينا | بدر تم يجلو الظلام منير |
حسن الفعل في الأمور حكيم | خالد الذكر للمعاني نصير |
أنت المجد والكمال نديم | وعفيف عما يشين نفور |
يا بديع الصفات دمت سعيدًا | وفي يديك التوفيق والتيسير |
وبديع هو شقيقه، وخالد لعله خالد الحكيم كما كان الأستاذ نديم سلفيًا في كل ما للسلفية من معنى.
قام بأعمال كثيرة منها الترجمة في القنصلية البلجيكية؛ إذ جمع العاملين للإسلام في بلاد الكونغو، وباقي المستعمرات البلجيكية في إفريقية، وربط بين سكان تلك البلاد، وبلاد المشرق العربي كما أسهم في العمل الإسلامي في أوروبا، وأنشأ المساجد في بروكسل، وما حولها.
ومما امتاز به عفته النادرة، وحسن توليه لشؤون جميع إخوانه، وقد تزوج ولم يعقب.
كما كان يكتب مقالات حول تاريخ القضايا الوطنية والعربية والإسلامية، وجمع عن الثورة السورية سنة ١٩٢٥م مراسلات قيمة وتوضيحات نافعة ومذكرات غنية.
وآمل أن تقوم بعض الجامعات بتكليف تلامذة منها لوضع دراسات عنه، وعندي وعند أقاربه، وإخوانه الشيء الكثير عنه تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته..
دروس تربوية من وصايا لقمان لابنه (۱) من (۳)
وصايا مزكاة تتضمن الوسائل المفيدة في تربية الأولاد
- على المربي أن يتفنن في اختيار الكلمات الراقية التي تدل على محبته للمتربي.
- كان لقمان نوبيًا من جنوب مصر جعل الله الحكمة في ما يقول.
- القرآن يعطي أولوية كبيرة للجلوس مع الأولاد للوعظ والنصح والتوجيه.
بقلم: د. على محيي الدين القرة داغي([1])
يتضمن القرآن الكريم مجموعة من الحوارات الراقية بين الآباء والأولاد وبين الأولاد والآباء تحمل في طياتها حكمًا عظيمًا وأساليب مؤثرة في تربية الأولاد تربية صحيحا متوازنة، ومن هذه الحوارات والوصايا وصايا لقمان الحكيم لابنه إذ تتضمن الوسائل الصحيحة المفيدة في تربية الأولاد، ونحاول عرضها في هذه الحلقات بصورة موجزة.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان:12-19).
أولًا: أراد الله تعالى أن يبين أنه قد أعطى الحكمة للقمان ومن هنا فكل ما يقوله في هذا الصدد حكمة، ولذلك سجل الله تعالى تلك الوصايا، وخلدها في القرآن الكريم.
فالحكمة العقل والفطنة والعلم هي الإصابة في القول، وقال بعض العلماء وضع الشيء المناسب في المكان المناسب، ولا يختلف هذا التفسير عن التفسير السابق فالحكمة هي العلوم النافعة والتجارب الناجحة التي يترتب عليها الخير الكثير للإنسانية.
من هو لقمان؟
لقمان - كما في كتب التفاسير - هو لقمان ابن ياعور، ابن أخت أيوب أو ابن خالته كان من سودان مصر من النوبة وعاش حتى أدرك نبي الله داود فأخذ منه العلم، وآتاه الله الحكمة لم يكن نبيًا عند الجمهور، وقال ابن عمر y: سمعت النبي ﷺ يقول: لم يكن لقمان نبيًا، ولكن كان عبدًا كثير التفكير، وحسن اليقين أحب الله فأحبه، فمن عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال: رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء، وإن عزمت على فسمعًا وطاعة فإنك ستعصمني.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني t قال رسول الله ﷺ: إن لقمان كان عبدًا كثير التفكير، حسن الظن كثير الصمت أحب الله فأحبه الله تعالى، فمن عليه بالحكمة نودي بالخلافة قبل داود u، فقيل له يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة تحكم بين الناس بالحق؟ قال لقمان: إن أجبرني ربي U قبلت فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني وعلمني وعصمني، وإن خيرني ربي قبلت العافية ولا أسأل البلاء فقالت الملائكة يا لقمان ثم قال:
لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان، فيخذل أو يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلًا خير من أن يكون شريفًا ضائعًا، ومن يختر الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير إلى ملك الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فغط بالحكمة غطًا، فانتبه فتلكم بها.
وكان لقمان قاضيًا في بني إسرائيل نوبيًا أسود مشقق الرجلين ذا مشافر قاله سعيد بن المسيب ومجاهد، وابن عباس وقال له رجل كان قد رعي معه الغنم ما بلغك يا لقمان ما أرى؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني.
وقال ابن المسيب كان من سودان مصر من النوبة، وقال خالد بن الربيع كان نجارا كان خياطًا، وقيل: كان راعيًا، وحكم لقمان كثيرة مأثورة، قيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إذا رأه الناس مسيئًا. «تفسير ابن عطية ٤٨٩ -٤٩٠ /١١»
فوائد تربوية:
والحكمة في أن الله تعالى قال قبل ذکر سرد الوصايا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (لقمان: 12) هي بيان أن هذه الوصايا مزكاة من قبل الله تعالى وأنها ترجع إلى مشكاة نور الله تعالى ويستفاد من هذه الآية من الجانب التربوي ما يأتي:
- ضرورة التعريف بالمربي قبل أن يبدأ بالتربية، وأن يكون مزكي حتى تكون التربية مؤثرة، وحتى يكون المتربون على علم بمرتبة مربيهم ومعلمهم، لأن لذلك دورًا نفسيًا كبيرًا في نفوسهم.
- ضرورة اختيار الشخص المزكي للتربية وليس أي شخص، فالمهمة صعبة وخطيرة وكبيرة وهنا تلقى مسؤولية عظيمة على الآباء وأولياء الأمور ولجان وزارات التربية في اختيار المربين والمعلمين، إذ يتحملون مسؤولية عظيمة أمام الله تعالى ثم أمام هؤلاء الأطفال والتلاميذ إذا لم يبذلوا جهودًا عظيمة للاختيار والانتقاء، بل لا ينبغي لهم الاختيار إلا بعد البحث والتزكية من قبل الثقات.
- ضرورة تعظيم المربي في نفوس المتربين والنظرة إليهم نظرة تقدير واحترام من خلال تقديمه من قبل الوالد، أو ولي الأمر أو مسؤولي وزارة التربية والتعليم، وذلك بأن يقدم المربي إلى المتربين بشكل يستشعر فيه المتربون والمتعلمون بأن مربيهم له مكانة عظيمة وأنه كذا وكذا.
وهذه النظرة من المتربي أو المتعلم إلى المربي لها دور كبير في قبول وصاياه، وتقبل نصائحه واحترام أقواله وآرائه وهي تقتضي أن تعطي المربين والمدرسين والمعلمين مكانة لائقة بهم أدبيا ومعنويًا وماديًا، وألا ينظر إلى الجانب الاقتصادي في اختيار المربين بحيث لا تكون النظرة مقصورة على التوفير، بل ينظر إلى أن المربي أو المعلم الذي أعطيت له مكانته اللائقة يكون له التأثير على المتربين أكثر من غيره.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ (لقمان: 13) يدل على ضرورة أن يجلس الأب مع ابنه دائما أو كثيرا للوعظ والتوجيه والتربية ذلك أن جملة وهو يعظه جملة اسمية تدل على الثبوت والدوام، والاستقرار وهي جملة حالية عن «لقمان» الوالد.
ومن جانب آخر فإن الطريق إلى التربية والتوجيه والتقويم يمر عبر الوعظ ووسائله المشوقة ووسائل الترغيب والحكمة والثواب والعقاب والتعبير القرآني يدل على إعطاء أولوية كبيرة للجلوس مع الأولاد ذكورًا وإناثًا للوعظ والنصح والتربية فهي مهمة ليست سهلة وتستحق كل العناية والاهتمام، لأنها تتعلق ببناء الإنسان وبناء الجيل القادم، وبناء القيادة للأمة.
ثالثًا: قوله تعالى حكاية عن لقمان... يا بني يدل على أنه على المربي أن يختار الألفاظ المحببة والمشوقة لدى المتربي وأن يشعره بأنه يحبه، وأنه لا ينصحه إلا من باب حبه الكثير وأنه حتى لو تشدد معه فهو كالطبيب المعالج الذي تقتضي مصلحة مريضه أن يقوم باللازم، إذ استعمل القرآن الكريم في البداية لفظ يا بني الذي يدل كما يقول العلماء على نداء المحبة والإشفاق، وأن تصغير بني للتحبب ولبيان زيادة الحب والعطف.. ومن هنا فعلى المربين والمعلمين. حتى لو كانوا آباء للمتربين. ألا يستعملوا الألفاظ الجارحة، أو حتى العادية، بل يتفننوا في استعمال الكلمات الجميلة الراقية التي تدل على الاحترام والمحبة والإشفاق، وهذا ما بينه الرسول الكريم ﷺ إذ جعل المعلم بمثابة الوالد في الإشفاق فقال: إنما أنا لكم مثل الوالد لولده وفي بعض الروايات «بمنزلة الوالد أعلمكم»، رواه أبو داود في سننه (۲۷/۱) والنسائي (٣٥/١) وأحمد في مسنده (٢٤٧/٢).
خاطبوهم بما يفهمون:
رابعًا: استعمال الأشياء المفهومة للأولاد. والألفاظ الواضحة، وبعبارة أخرى أن يكون خطابهم باللغة التي يفهمونها، وليس بلغة الكبار، وهذا ما فعله سيدنا لقمان في وعظه لابنه حينما تحدث عن الأصوات المرتفعة الكريهة إن شبهها بأصوات الحمير، وذلك لأن أصوات الحمير مفهومة جدًا للأطفال وكريهة كذلك ومزعجة فاستعمال وسيلة التقبيح المفهومة لديهم، وكذلك حينما نصحه بأن لا يشرك بالله تعالى ذكر أن الشرك ظلم عظيم، والظلم مفهوم بالفطرة ومستقبح لدى الجميع، ثم بين أن الشرك ليس ظلمًا عاديًا بل هو ظلم عظيم، ذلك لأن الظلم اعتداء على الحقوق وتجاوز عن الحدود وصرف الحق عن أهله، وأن الشرك هو اعتداء على حق الخالق ومساواة ظالمة بين المخلوق والخالق، وإعطاء حق العبادة للشريك الذي لا يستحقها، وإخضاع للنفس الإنسانية المكرمة لعبادة الخسيس بدل الخضوع لخالقها وباريها.
بالإقناع.. والتعليل:
خامسًا: عدم الاكتفاء بسرد الأشياء المجردة عن أدلتها وحكمها وأسبابها وعن التعليل والبيان إذ لم يكتف لقمان الحكيم بمجرد النهي، بل بين السبب، وأوضح العلة وشرح الحكمة ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: 13) وقال أيضًا: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان:17) .
ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وقال أيضا: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (لقمان: 18) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وقال ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ (لقمان: 19)، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان: 19).
وهذا منهج تربوي رصين قوي يدل على أنه يعطي القيمة لعقول الأولاد والمتربين والتلاميذ إذ لا يفرض عليهم المعلومات، بل تشرح لهم مع أسبابها وحكمها، فيكون ذلك أدعى للقبول.
سادسًا: البحث الجاد عن وسائل الإقناع يدل ما ذكرناه في البند السابق على أن سيدنا لقمان الحكيم استعمل وسائل الإقناع بشكل واضح، إذ لم ينهه عن الشرك، لأنه شرك، بل أوضح ما يقنع ابنه أن الشرك أمر قبيح مكروه غير مقبول، لأنه ظلم عظيم، والفطرة السليمة تأبى الظلم والضيم، وكذلك نهاه عن التكبر ثم استعمل وسيلة الإقناع من خلال أن الله تعالى لا يحب كل مختال فخور بل إن كل إنسان عاقل لا يحب المختالين، وكذلك حينما أمره بالقصد والتوسط في المشي والصوت، إذ استعمل وسيلة مقنعة واضحة هي أن أنكر الأصوات صوت الحمير.
فاستعمال وسائل الإقناع ضروري للمربين والمعلمين، وهذه الوسائل ليست محصورة فيما ذكر، بل متنوعة تشمل الوسائل العقلية والعاطفية والمادية، وكل الوسائل المعاصرة لكن مع ملاحظة عقول هؤلاء المتربين.
«خليك مرتاح»
بقلم: نجيب الرفاعي
الإنسان الناجح هو الذي يتحكم وبشكل قوي بظروف الحياة من متاعب ومصاعب.. ولا يجعلها تتحكم فيه وتؤثر في نفسيته وبالتالي في عطائه وإنتاجه...
الإنسان الناجح يفكر دائما ماذا استفدت من هذه التجربة؟ وكيف أثرت بي إيجابيًا؟ وكيف أفيد غيري؟ إنه يطرح سؤال: «كيف» ولا يطرح سؤال لماذا... لماذا وقعت في هذه المشكلة؟ لماذا أنا بالذات فاشل وما أحب أن أزيد عليك أسئلة «لماذا».. لأنه بقراءتها أو ذكرها يتضاعف الإحباط والحزن والقلق.. لقد قام فريق من العلماء الأمريكان بدراسة لمدة خمس سنوات حول القلق وأثره في مرض السرطان، وكانت النتائج أن التوتر الشديد والقلق يسببان السرطان، وأنه بالتحكم في أسباب القلق وعلاجه أمكن شفاء مريض السرطان من مرضه.. ثم يؤكد البحث أثر الإيمان في النفس من إضفاء السكينة والاطمئنان عليها وهما ضد القلق ولا يوجدان معه.. تأمل قول الله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:۲۸) وبالإيمان خليك مرتاح.. بالقرآن خليك مرتاح خليك مرتاح.
([1]) أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول- جامعة قطر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل