; المجتمع التربوي (العدد1600) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد1600)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 08-مايو-2004

مشاهدات 180

نشر في العدد 1600

نشر في الصفحة 54

السبت 08-مايو-2004

ما أشد حاجتنا إليه:

صور من ثبات النبي ﷺ

د. حمدي شلبي

 مدرس الحديث بجامعة الأزهر- فرع دمياط

Hamdy_shalby@yahoo.com

الثبات خلق من الأخلاق الإسلامية، فالمؤمن مطمئن الإيمان، ثابت الجنان، لا تهزه الرياح، ولا تحركه العواصف، ولا تغيره نوائب الدهر؛ لأنه واثق بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما أنه على يقين من "أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإن اجتمعت على أن يضروه بشيء لن يضرره إلا بشيء قد كتبه الله عليه. وأنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف".

هذا بالنسبة للمؤمنين من أتباع النبي محمد فما بالنا بمعلم هذه الحقائق، وبمن هو قدوة لغيره بقوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ( سورة الأحزاب: 21). هذا النبي الذي أنزل عليه قوله تعالى: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ* وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ ( سورة البروج: 4:10).

وهو الذي الذي قص قصة الغلام والساحر والراهب، كما ورد في الصحيح من قول الغلام لأمه: «قعي ولا تقاعسي، فإنك على الحق يا أماه».

وهو النبي الذي خاطبه ربه بقوله: ﴿ وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 120) وبقوله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ( سورة الفرقان: 32)

فهذه الآيات تدل على أن الله ربي محمدًا تربية خاصة تتناسب مع العبء الذي سيتحمله، والمشاق التي ستواجهه من أهل مكة إيذاء لا نظير له، ومن أهل الطائف، بسبب أنه يقول: ربي الله، مما جعله يدعو ربه: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري؟، إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل علي سخطك، لك العتبي حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك»، ويمضي على ثباته واستعانته بالله – تعالى - حتى يأتي فرج الله ونصره لدينه. 

وإليك بعض صور ثبات النبي ﷺ في دعوته

أولًا: أشتد إيذاء الكفار للنبي ﷺ بعد موت عمه أبي طالب وزوجته خديجة أم المؤمنين، -رضي الله عنها -، فكان يستهزئ به السفهاء، ويؤذونه بألوان شتى من الإيذاء، وكان يتحمل ويصبر وينشر كلمة التوحيد بالليل والنهار، ولم یزده إيذاء المشركين إلا ثباتًا وبذلًا لمزيد من الجهد في تبليغ الدعوة، وهو في كل ذلك يسفه آلهتهم، ويفضح سفاهة عقولهم.

ثانيًا: حصار النبي وصحبه في شعب  أبي طالب:

تعاهد أهل مكة على أن يقوموا بحصار النبي وصحبه، فكانوا لا يبيعون ولا يشترون ولا ينكحون ممن آمن بالنبي ﷺ أو حتى لو بقي على كفره، واستمر ذلك ثلاث سنوات، فما زاد ذلك النبي إلا ثباتًا على الحق الذي يدعو إليه، والهدى الذي يجب أن يسير في ظلاله كل عاقل؛ إذ كان النبي ﷺ واثقًا بنصر الله له، ولدينه.

ثالثًا: ثباته يوم حنين:

أخرج الإمام مسلم من حديث أبي إسحاق السبيعي قال: «جاء رجل إلى البراء، فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟، فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى... الحديث...» وفي آخره: «فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم نزل نصرك، قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ﷺ «صحيح مسلم، الجهاد ١٧٧٦، والبخاري ٤٣١٧».

هذا الثبات في الجهاد ناتج من إيمان راسخ ويقين عميق ملأ أقطار نفسه ﷺ وكان لذلك أكبر الأثر في انطلاق، والتفاف الناس حوله، وإيمانهم بأنه رسول الله، فقد كان شعاره في هذه المعركة: أنا النبي لا كذب.

وما أكثر المواقف والمعارك والابتلاءات التي ثبت فيها النبي ﷺ، فكانت العاقبة نصر الله وتأييده وفرجه، وما أحوجنا الآن إلى ذلك الخلق الذي يعد أهم أسباب النصر مهما كانت قوة الباطل وجبروته .

أركان الإسلام وشرائعه

لمحات تربوية

عبد الله سعيد أحمد آل عواض

Falcon_07@maktoob.com

الإنسان مدني بطبعه، وكثيرًا ما يقع الظلم والتناحر بين الناس، ولو ترك أمر الناس لهواهم لفسدت الأرض.

ومن هنا كان لا بد من تشريع يحكم نزاعات الناس، ويحدد العلاقات بينهم، ويصون حقوقهم ويحفظ حرماتهم، من هنا حرر القرآن الإنسان بعقيدة التوحيد الخالص، وفك أسره من عبودية الأهواء والشهوات، حتى تتحقق العبودية الخالصة لله تعالى: 

﴿ قُل هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَم يَلِد وَلَم يُولَد وَلَم يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُ ﴾  (الاخلاص: 1:4) ﴿ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ ( سورة الحج: 34).

وقد أكد القرآن وحدانية الله – تعالى - بالحجج القاطعة والبراهين الواضحة، فقال: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾  )الأنبياء: 22(، وبعد أن تترسخ العقيدة الصحيحة في قلب الإنسان، ويصبح التوحيد سالما من شوائب الشرك يصبح مهيئًا للتشريعات السماوية.

فالصلاة: صلة بين العبد وربه، ومنهاة له عن الفحشاء والمنكر. والزكاة: تقتلع من النفس داء الشح والطمع وعبادة المال، والحرص على الدنيا، وتوطد العلاقات بين المؤمنين. والحج سياحة ربانية تروض النفس على المشقة فينكشف لها من أسرار الله في خلقه ما لا تقف عليه بغير هذه العبادة، كما أن الحج مؤتمر عالمي يجتمع المسلمون فيه فيتعارفون فيما بينهم وتنتقل عن طريقه المعارف والعلوم قال تعالي: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ( الحجرات: 13)، كما أنه يزرع في المسلمين روح الوحدة والتعاون، وأن هذه الأمة أمة واحدة، وأنه لا فرق بين الأبيض والأسود، والحر والعبد إلا بالتقوى، كما أنه يذكرنا بيوم المحشر والمعاد. 

والصوم: ضبط للنفس، حبس للشهوات تقوية للإرادة ورفع لمستوى الإيمان، وفوق كل ذلك مراقبة للرب، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)

وليست أركان الإسلام فحسب التي لها فوائد تربوية وسلوكية في نفس المسلم، بل سائر تشريعاته كذلك، فالزواج في الإسلام يقوم على المودة والرحمة قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ( الروم: 21)، وقال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ( النساء: 19)، وحمل الإسلام الرجل المسؤولية والقوامة، قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ( النساء: 34).

وقواعد الحكم في الإسلام تقوم على مبدأ الشورى والمساواة والعدل المطلق، قال تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ ( الشورى: 38)، وأمر الله بإقامة الحق والعدل حتى بين الوالدين والأقربين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ( سورة النساء: 135)

وقد قرر الإسلام صيانة الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض، ورتب عليها العقوبات فقال تعالى ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ( سورة البقرة: 179)، وقال في الزنا «العرض»: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ( سورة النور: 2)، وقال في القذف «العرض» ﴿ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ( النور: 4)، وقال في المال ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ( المائدة: 38).

كما أمر النبي ﷺ بجلد شارب الخمر؛ لأنه أضاع عقله الذي وهبه الله إياه وأمره بالحفاظ عليه، كما أمر ﷺ بقتل الشارك لدينه المفارق للجماعة حماية للدين ولعدم فتنة الناس فيه ..

الإيمان طريق الجنان

د. زكريا المصري

عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة، «رواه مسلم».

الإنسان مخلوق متميز في هذه الأرض بما زوده الله تعالى به من العقل وحرية الإرادة والاختيار، فأصبح بذلك أهلًا لتلقي الخطاب الرباني وحمل الأمانة الشرعية التي هي التكاليف التي أنزلها الله – تعالى - على عباده المرسلين وبلغوها للناس من أجل أن تصلح هذه الأحكام أحوالهم في هذه الدنيا، إذا هم التزموا بها وعملوا بمقتضاها، وليفوزوا بالجنة في الآخرة وينجوا من النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا* لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ( الأحزاب: 72-73).

وليس بين أن يدخل الإنسان الجنة إذا أمن بالله تعالى، وعمل بمقتضى تلك الأمانة الشرعية، ومات على ذلك إلا أن تفارق روحه بدنه، ويوضع في قبره، أو أن يدخل النار إذا كفر بالله تعالى وخالف مقتضى الأمانة الشرعية ومات على ذلك لقوله ﷺ: «القبر أول مراحل الآخرة، فإما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار». ومن هنا قال ﷺ: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة»، ومقتضى أنه يعلم أنه لا إله إلا الله، «أي لا معبود بحق إلا الله تعالى، فهو المشروع وحده دون سواه، فلا يجوز أن تقدم طاعة أحد ﷺ على طاعة الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ( سورة الحجرات: 1).

ومقتضى ذلك أن يعمل المرء بما يعلم من هذه الحقيقة التي هي توحيد الله تعالى في ألوهيته؛ لأن ترك العمل بالعلم يوجب غضب الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2). 

فلا ينبغي للإنسان أن يظن أن الجنة بعيدة عنه ولا النار، فيحمله ذلك على التساهل في العمل الصالح أو العمل السيئ؛ اعتمادًا على أمل أن يتوب في المستقبل، فإن الموت قد يأتيه فجأة بحادث معين أو بسكتة قلبية، فيغلق كتابه ليبدأ حسابه الأولي في القبر وينال جزاءه الأولي فيه؛ لأن القبر أول مراحل الآخر، فقد قال ﷺ: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك، لأنه ليس بينه وبين التمتع بنعيم الجنة أو معاناة عذاب جهنم إلا أن تفارق روحه بدنه».

حتى يضحك الله لنا (3)

المؤمن حقا لا يفقد نور الإيمان ولا بريق الأمل

توفيق على

towfeekali@hotmail.com

روى وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين قال: قال رسول الله ﷺ: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، قال: قلت يا رسول الله: أو يضحك الرب عز وجل قال: نعم، قال لن نعدم من رب يضحك خيرًا». (1).

القنوط: أشد اليأس. والمعنى يعجب الرب عز وجل من دخول اليأس الشديد على قلوب العباد. و «قرب غيره» الواو هنا بمعنى: مع يعني مع قرب غيره.

والغير: اسم جمع غيرة، وهي اسم بمعنى التغيير، وعلى هذا فيكون المعنى: وقرب تغييره، فيعجب الله كيف نقنط وهو سبحانه قريب التغيير يغير من الحال إلى حال أخرى بكلمة واحدة وهي: كن فيكون.

والمسلم لا يقنط من رحمة الله ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ (الزمر: 53)، أخبر يا محمد عبادي المؤمنين الذين أفرطوا في الجناية على أنفسهم بالمعاصي والآثام ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ﴾ ( الزمر: 53)  أي لا تيأسوا من مغفرة الله ورحمته ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾  ( الزمر: 53)، أي أنه تعالى يعفو عن جميع الذنوب لمن شاء، وإن كانت مثل زبد البحر ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ( الزمر: 53) أي عظيم المغفرة واسع الرحمة، وظاهر الآية أنها دعوة للمؤمنين إلى عدم اليأس من رحمة الله لقوله ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ ( الزمر: 53)، وقال ابن كثير: هي دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها مهما كثرت.

بالصبر الجميل يتحقق الأمل المنشود

كم من محنة في طيها منح ورحمات، ها هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام يضرب المثل في الرضا عن مولاه والصبر على ما يلقاه صبرًا جميلًا، بعده صبر أجمل مع الأخذ بالأسباب ويحدوه الأمل يقول لأبنائه في حاله الأولى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف: 18).

ثم يقول في الحال الثاني وهو أعظم أملًا، وبريه أكثر تعلقًا: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ( يوسف: 83).

كل ذلك من هذا الشيخ الكبير صاحب القلب الوجيع، ثم يقول: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة يوسف: 86).

ويقينه وقوة رجائه أن أمر أبناءه ﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87)

إن المؤمن الواثق لا يفقد صفاء العقيدة ونور الإيمان.. إن هو فقد من صافيات الدنيا ما فقد .

وضع الأمة يبشر بالأمل

وكل ما حولنا يبشر بالأمل رغم تشاؤم المتشائمين، إنك إذا دخلت على مريض فوجدته تدرج من كلام إلى صمت ومن حركة إلى سكون شعرت بقرب نهايته وعسر شفائه واستفحال دائه، فإذا انعكس الأمر، وأخذ يتدرج من صمت إلى كلام ومن همود إلى حركة شعرت بقرب شفائه وتقدمه في طريق الصحة والعافية.

 ولقد أتى على هذه الأمم حين من الدهر جمدت فيه حتى ملها الجمود وسكنت حتى أعياها السكون. ولكنها الآن تغلي غليانا بيقظة شاملة في كل نواحي الحياة. وتضطرم اضطرامًا بالمشاعر الحية القوية والأحاسيس العنيفة، ولولا ثقل القيود من جهة والفوضى في التوجيه من جهة أخرى لكان لهذه اليقظة أروع الآثار، ولن تظل هذه القيود أبد الدهر فإنما الدهر قلب:

وما بين طرفة عين وانتباهتها ***   يغير الله من حال إلى حال

ولن يظل الحائر حائرًا فإنما بعد الحيرة هدى، وبعد الفوضى استقرار، ولله الأمر من قبل ومن بعد. 

وإنك لتقرأ الآية الكريمة في أول سورة القصص:

﴿طسم  تِلكَ ءَايَٰتُ ٱلكِتَٰبِ ٱلمُبِينِ نَتلُواْ عَلَيكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرعَونَ بِٱلحَقِّ لِقَوم يُؤمِنُونَ إِنَّ فِرعَونَ عَلَا فِي ٱلأَرضِ وَجَعَلَ أَهلَهَا شِيَعا يَستَضعِفُ طَائِفَة مِّنهُم يُذَبِّحُ أَبنَاءَهُم وَيَستَحيِۦ نِسَاءَهُم إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلمُفسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱستُضعِفُواْ فِي ٱلأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّة وَنَجعَلَهُمُ ٱلوَٰرِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُم فِي ٱلأَرضِ وَنُرِيَ فِرعَونَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنهُم مَّا كَانُواْ يَحذَرُونَ﴾  (القصص:1:6).

تقرأ هذه الآية الكريمة فترى كيف يطغى الباطل في صولته ويعتز بقوته، ويطمئن إلى جبروته ويغفل عن عين الحق التي ترقبه؛ حتى إذا فرح بما أوتي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين وتأخذ بناصية المهضومين المستضعفين، فإذا الباطل منهار من أساسه، وإذا الحق قائم البنيان متين الأركان وإذا أهله هم الغالبون، وليس بعد هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات كتاب الله عذر في اليأس والقنوط لأمة من أمم الإسلام تؤمن بالله ورسوله وكتابه، فمتى يفقه المسلمون في كتاب الله؟

دعوة للتفاؤل

والناظر المتأمل في كتاب الله تعالى، يرى أن الحق تبارك وتعالى قد بين في آيات مباركات طيبات أنه غفور رحيم، وأنه يقبل توبة التائبين، ويصفح ويعفو عن المذنبين المسيئين، واستفاضت الأحاديث ببيان هذا المعنى وتوضيحه، حتى أصبح عقيدة راسخة في صدور الذين أوتوا العلم: أن العبد إذا تقرب إلى الله شبرًا تقرب تعالى إليه ذراعًا، وإذا تقرب العبد إليه ذراعًا تقرب له المولى باعًا، وإذا أتى العبد ربه يمشي، أتاه الحق تبارك وتعالى هرولة، وقد صح الخبر عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مضى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنزِلُ الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل يعطى هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ حتى ينفجر الصبح». 

فقل لي بربك: أليس كل هذا دعوة للتفاؤل؟ أليست تلك دعوة إلى التحرر من سلطان اليأس والقنوط، والسير في رحاب الأمل وسعة رحمة الله تعالى؟!

منهج رسول الله في غرس الأمل

ولقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه على حسن الظن بالله تعالى، وعلى استدامة الأمل في نصر الله، وتمكينه وتأييده، بالقول الصادق الخالص، وبالعمل الصالح النافع: 

فقد روى البخاري -رحمه الله- بسنده عن خباب بن الأرت قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لَنَا ؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مِن قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرجل فيحفرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فيها فيجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون».

وقد كان النبي ﷺ يحب إدخال السرور والسعادة على قلوب المسلمين، وكيف لا وقد قال عنه المولى تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ( التوبة: 128).

فمن ذلك ما رواه الإمام البخاري بسنده عن أبي موسى قال: كنت أنا وأصحابي الَّذِينَ قدموا معي في السفينة نزولًا في بقيع بطحان والنبي ﷺ بالمدينة، فكان يتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم، فَوَافَقْنَا النبي ﷺ أنا وأصحابي وله بعض الشغل في بعض أمره فأعتم بالصلاة حتى ابهار «أي انتصف» الليل، ثم خرج النبي ﷺ فصلي بهم فلما قضى صلاته قال لمن حضره: «على رسلكُمْ أَبْشِرُوا إِنَّ مِن نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم أو قال: ما صلى هذه الساعة أحد غيركم لا يدري أي الكلمتين قَالَ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله ﷺ» 

وقد كثرت البشارات بالفتوحات في أحاديث النبي ﷺ:

فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية، فدعا عبد الله بصندوق له حَلَقَ، قَالَ فَأَخْرَجَ مِنْهُ كِتَابًا قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْنَمَا نَحْنُ حَولَ رَسُولَ الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولًا قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ «مدينة هرقل تفتح أولًا يعني قسطنطينية». 

وقد فتحت القسطنطينية بفضل الله - تعالى - وحده على يد المجاهد محمد الفاتح الذي تخرج في المدرسة الجهادية، وتلقى دروسه الأولى من مدرسيه ومشايخه ومعلميه في الثقة بنصر الله، وأنه بالعزم والجد، وبالتفاؤل وإحسان الظن يصل المسلم إلى ما يريده بعونه تعالى، ولا نزال تترقب بحول الله أن تفتح رومية، أو ما يسمى بروما الآن. 

فتأمل معي -أخي الحبيب- كيف كان رسول ﷺ يزرع الأمل في نفوس أتباعه حتى تنمو شجرة التفاؤل في قلوبهم ضارية بجذورها في أعماق الأرض، ﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ ( إبراهيم: 25)، فياليت قومي يفهمون .◘

الهامش

(1)رواه أحمد (١١/٤-١٢) وابن ماجه (۱۸۱)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (۹۸۷)، والأجري في الشريعة (۲۷۹) وابن عاصم في السنة  ( ٢٤٤/١) نقلًا عن شرح العقيدة الواسطية «ابن تيمية»، محمد الصالح العثيمين (م٢٦/٢).

عبد الله محمد القاضي

لباس الجـوع والخوف

من العادات والمظاهر التي تخالف هدي الإسلام المبالغة والإسراف خاصة في الولائم التي تقام في المناسبات المختلفة؛ حيث زين الشيطان للبعض رذيلة الإسراف، وقد قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ ( الإسراء: 29)، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ( الإسراء: 27).

والناس يقعون في ذلك المنزلق لعدم تفقههم في الدين وإحاطتهم بتعاليم الإسلام، وغلبة شهوات الدنيا على العقول والمفاهيم، وهكذا يفرط أغلب المسلمين اليوم ولا سيما في البلدان الغنية في الحفاظ على نعم الله الكثيرة، كما أن البعض الآخر قد ينبهر بهؤلاء الناس وينسى أن الله من عليه بنعم عظيمة لا يدركها .

قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».

فأي شيء في الدنيا أعظم من ذلك الرصيد الذي لا يقدر بكثرة المال والولد؟! وأي متاع في الدنيا أعظم من ذلك المتاع؟! وأي نعيم يعدل ذلك النعيم إلا نعيم الجنة؟!

لقد سلطت الدنيا على بعض المسلمين اليوم، وفتكت بمبادئهم وأخلاقهم وسلوكهم إلا من رحم الله قال رسول الله ﷺ: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» .

وقد وقعت ما حذر منه رسول الله ﷺ من فتنة الدنيا وزينتها وزخرفها والمنافسة فيها، وأصبحت هي الجوهر والدين هو العرض، وأصبحت محط الاهتمام والتضحية وصار الدين مهمشًا أمام طغيان الدنيا وفتنتها.

ولما جاهر بعض الناس بالسخرية من النعم وازدرائها، وقابلوا نعم الله باللهو واللعب، والجحود المعصية، كان لابد من التنبيه من الغفلة والتذكير بنعم الله تعالى التي لا ينفقونها في أوجه الخير، ولا توزع على الفقراء والمساكين، بل استعانوا بها على معصية الله ورسوله ﷺ، وإشباع الشهوات واللذائذ المحرمة، بل كان لابد من إشهار سوط العقوبة بعد نقاد المهلة والفسحة للتوبة والندم والاستغفار، قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112).

هذه عقوبة لجاحدي النعمة المتطاولين عليها بالهدر والإسراف واستعمالها في معصية الله «أذاقهم الله الجوع والخوف»، الجوع ليتذكروا قيمة النعمة المهدرة، وما أنفقوه في غير وجه حق لمراءة الناس والتنافس والتطاول على بعضهم البعض بالموائد الطويلة والعريضة. 

ثم الخوف حيث كانوا يتقلبون في النعيم وهم أمنون مطمئنون بمحاربة الله بنعمه وبركاته، والجزاء من جنس العمل. 

فلا بد إذن من استعمال تلك النعم في مرضات الله وطاعته، وحسب المنهج الذي سنه رسول الله ﷺ .

الرابط المختصر :