; المجتمع التربوي (1602) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1602)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 28-مايو-2004

مشاهدات 68

نشر في العدد 1602

نشر في الصفحة 56

الجمعة 28-مايو-2004

فتنة» أون لاين«

كيف نواجه الفتن الطاغية في بعض الفضائيات ومواقع الإنترنت؟

علاء سعد حسن

البداية غض البصر .. كثرة النوافل والاعتصام بالله ونحن في مقتبل الشباب عندما كنا يافعين لم نقو بعد على المواجهة كنا نعتصم بالله وكتابه الكريم، كانت سورة يوسف لنا ملجأ وملاذًا، وكان نبي الله يوسف عليه السلام هو القدوة والأسوة الحسنة، لم لا وهو الرمز الذي تحدى الغريزة القوية التي توجه كثيرًا من تصرفات الشباب وقد نتحكم في أفعالهم؟

كنا نرى في سورة يوسف الخلاص والأمل، ونرى في نبي الله يوسف النموذج والمثال.. كنا وقتها نتعرض لفتنة محتملة.. تنبع من داخل نفوسنا أكثر مما تنبع من واقع المجتمع الذي نعيش فيه.. على العموم كانت الفتنة في مجتمعاتنا الإسلامية استثناء ولم تكن القاعدة.. كان أقصى ما يمكن أن يغلب لبنا ويحرك أهواءنا نظرة أو ابتسامة أو علاقة عابرة ما تلبث أن تنتهي مع مرور الزمن.

أما اليوم فإنا نرى الفتنة وقد أحكمت سيطرتها وقد أصبح لها نوافذ كثيرة تطل منها على الشباب في كل ميدان وموقع كأنها تحاصره حصارًا شديدًا .. فمن الفضائيات والفيديو كليب الخادش للحياء الزاعق بنداء الغريزة الصريح، إلى البرامج المستنسخة التي تعتمد على أكاديميات الفتنة والإغراء، إلى الإنترنت الذي حول الفتنة في صورتها التقليدية إلى فتنة أون لاين عبر مواقع إباحية كثيرة يسهل الوصول إليها، أو تتفنن هي في الوصول إلى الشباب من خلال بريدهم الإلكتروني- الإيميل- أو عن طريق الإعلانات الدعائية على أهم المواقع العالمية التي يتعامل معها الشباب حتى تصل ذروتها فيما يعرف »بالشات« وهو دعوة مباشرة على الهواء للمحادثة بالصوت والصورة بين المشتركين على الشبكة العنكبوتية »الإنترنت« حول العالم، فيستغل أسوأ استغلال ممكن... عشرات الرسائل تصلني أسبوعيًّا على البريد الإلكتروني تدعوني للدخول في محادثة الشات مع منحرفات من مختلف أنحاء العالم!

 فكيف يواجه الشباب هذه الفتنة الطاغية في صورتها الحديثة؟

يجب أن يكون للشباب في نبي الله يوسف عليه السلام الأسوة والقدوة، لقد كان يوسف عليه السلام أقوى وأعلى من مغريات الدنيا وما فيها .

ما أقوى إرادته وعزيمته!! إنه شاب في ريعان الشباب، وفي تمام الصحة والقوة تتهيأ له امرأة فاتنة ذات منصب وجمال، وقوة نفوذ وسلطان، وتهيئ له جميع الأسباب التي تؤمن خوفه وتيسر حاجته، وتعده بكل ما يتمناه إن هو استجاب لرغبتها، وهي في الوقت نفسه سيدته التي يأتمر بأمرها، ولها عليه السيطرة والهيمنة والسلطان، وعلى الرغم من كل ذلك يرفض ويأبى أن يقع في تلك الخطيئة المنكرة.. وإن هذا الإباء لا يقوى عليه إلا الأتقياء المخلصون هؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.

ما أعظمك يا »يوسف «حين احتقرت هذه الشهوة البهيمية التي يتصارع المفتونون فياقتناصها، وألقيت عليهم درسًا يتعلمون منه كيف تكون مقاومة الشهوات سبيلًا إلى العظمة الحقة، والسمو الكامل!! نعم إن مقاومة الشهوة لیست أمرًا صعبًا وعسيرًا على من يرى عظمة خالقه ويستشعر تقوى الله، وهذا هو الإحسان في العبادة، وقد وصفه الله تعالى بذلك فقال: ﴿كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين﴾(يوسف:22)

ولكن ما السبيل إلى تحقيق هذه المنزلة السامية التي حققها يوسف عليه السلام في التسامي على الشهوة والارتفاع على الغريزة ومواجهة كل سبل الفتنة والإغراء؟

1 - غض البصر فهو الطريق لكل خير وإطلاقه هو بداية الوقوع في كل شر وفتنة...

يأمرنا الله تبارك وتعالى بغض البصر ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (النور:30)

فكان غض البصر دائمًا هو المقدمة اللازمة لحفظ الفرج عن المحرمات، ولقد أمر النبيﷺ بغض البصر في أكثر من موضع وفي ذلك ﷺيقول فيما يبلغ عن ربه: «إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركها مخافتي . أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه (۲) لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الثانية (۳)، ولذا كانت النظرة بريد الزنى وغض البصر طريق الهداية والرشاد. 

٢ - كثرة الصيام والنوافل.. يقول رسول الله ﷺ »يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءةليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء«... وكذلك الارتباط بكثرة العبادات والنوافل،﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود:114)، يقول رسول اللهﷺ:»اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق. حسن (٤)«، وأن يعمد المرء دائمًا إلى الوضوء والصلاة حيث يقول ﷺ: ما من مسلم يذنب ذنبًا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له (٥)«.

-3 الاعتصام بالله تعالى عبادة ودعاء! ورجاء وحماية .. وكذلك كان نبي الله يوسف عليه السلام في أحلك لحظات المحنة عندما راودته امرأة العزيز عن نفسه فاستعصم بالله– تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ (يوسف:23)

وها هو يناجي ربه ويلجأ إليه و حينما تتآمر عليه نسوة المدينة :﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (يوسف:33) 

وهكذا كان اللجوء إلى الله تعالى دائمًا في قلب المحنة وساعة الفتنة والابتلاء هو العاصم والمخرج بإذن الله حينما تتجلى خشية الله وتقواه في نفس المؤمن لتصبح برهان الله الذي . يحميه من الانزلاق أو الانحراف الاهتمام بمعالي الأمور والاستعلاء على سفاسفها.. إن انشغال المرء لاسيما. الشباب بمعالي الأمور وجعله الهموم كلها همًّا واحدًا هو هم الدين وإعلاء كلمة الله وتبليغ دعوة الله بهذا يمكن أن يصبح دخول الشاب إلى الإنترنت عملًا دعويًّا بحثًا عن كلمة نافعة، أو تبليغًا لدعوة صالحة عبر آلاف المواقع الإسلامية، عندما يكون الدخول إلى عالم الإنترنت وفق خطة مدروسة في مشروع العمل الدعوي لتبليغ رسالة الله، يكون الارتفاع فوق الإغراء والفتنة أمرًا ميسورًا بعون الله.

الحركة في الاتجاه المعاكس للفتنة، كما فعل يوسف عليه السلام: لما أحكمت امرأة العزيز فتنتها حوله، فراودته عن نفسه ودعته. إليها صراحة، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك وهمت به لما أصبحت الدعوة إلى الفتنة والإغراء مصحوبة بالفعل العملي تحرك يوسف عليه السلام، تحرك بعيدًا عنها هاربًا من كل فتنة أو إغراء، تحرك باتجاه الباب وهو يعلم أنها قد أغلقته فأحكمت إغلاقه ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ (يوسف: ٢٥).. وهذا هو الفعل الإيجابي الأول الذي فعله نبي الله يوسف بعدما استعصم بالله، فلما أحكمت خيوط الفتنة حوله تحرك هاربًا منها، وعلى المؤمن حينما تحاصره الفتنة وتحكم حوله خيوطها أن يتحرك حركة عملية في الاتجاه المعاكس بعيدًا عن تيار الفتنة العاتي في استطاعة الشاب أن يغلق الخط على الشيطان، إذا أطلت عليه الفتنة من الفضائيات غير القناة أو أغلق الجهاز. وإذا حاصرته في الإنترنت، يتجنب الدعايات المثيرة ويحذف الرسائل التي تدعوه إلى الفتنة وتحاصره بالإغراء... وينتقل إلى القنوات المحترمة والبرامج الهادفة والمواقع المفيدة. إن الفتنة أون لاين عاتية لا شك في ذلك.

لكن الفتنة الطاغية التي حاصرت نبي الله يوسف عليه السلام كانت ولا شك أعتى وأعنف لكنه علمنا الصمود بالسمو على الشهوة والاعتصام بالله تعالى واللجوء إليه في قلب المحنة، وقوة الإيمان والإخلاص والإحسان وهي المراتب التي وصف الله تعالى بها نبيه يوسف والتي كانت دائمًا مخرجًا له إذا تداعت الأحداث. وأحكمت حلقاتها فهل يكون لنا في يوسف أسوة لمواجهة الفتنة أون لاين.

الهوامش

(1) الصديق «يوسف سجين العفة«- موقع إخوان أونلاين.

(2) رواه الطبراني من حديث عبد الله ابن مسعود. 

(3) رواه الترمذي وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الحديث.

(4) رواه أحمد.

(5) رواه أحمد وأصحاب السنن. 

كونوا أنصار الله 

موسى راشد العازمي

قال الله تعالى في آخر سورة الصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ۖ ﴾ (الصف:14)

وإذا ذكر لفظ أنصاره قفز إلى الأذهان سريعًا أنصار رسول الله ﷺ وإخوانه المهاجرين هؤلاء الأنصار الذين ضربوا المثل في النصرة والإيثار والذود عن دين الله تعالى فاستحقوا الثناء من الله تعالى في كتابه الكريم وفي سنة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم.

وما أجدر أن نتخذهم الآن قدوة لنا خاصة في ظل ما يتعرض له إخوان كثيرون لنا في بقاع شتى من العالم من قتل وطرد واعتقال... إلى آخر القائمة الطويلة التي يعرفها الجميع.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى . في فتح الباري: »الأنصار جمع ناصر، كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير كأشراف وشريف..... وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم. في كثير من الأمور، على أنفسهم، فكان صنيعهم ذلك موجبًا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجبًا للحسد. فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويهًا بعظيم فضلهم وتنبيهًا على كريم فعلهم.»روى البخاري ومسلم في صحيحيهما.«

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار«.. وروى البخاري في صحيحه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : »لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، فاللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار«..

هكذا تكون النصرة الحقة، وكذاتكون الأخوة الصادقة ..

وأنذر عشيرتك الأقربين

أبناء الدعاة.. من يدعوهم إلى الله؟

  • دعوة الأبناء ليست بالدروس والمواعظ...بل المتابعة العملية والتقويم المستمر المستمر

ياسر بن محمد اليحيي

إن المرضى الذين يعودون الجراحين ليعرفوا أسباب مرضهم يعلمون أن للجراح مبضعًا لابد أن يعمله في أجسادهم شقًا وتشريحًا.. وقد يحجم الكثيرون عن زيارة الأطباء جفولًا من ألم المشارط.. وخوفًا من وخز الحقن.. لكن أولئك سرعان ما تتكاثر تحت جلودهم الدمامل والقروح.. وإن بدوا في الظاهر أصحاء ذوي قوة فسيسقطون يومًا من عل بعد أن تنهتك جراحهم...

يقول البوطي في كتابه فقه السيرة »مسؤولية المسلم إصلاح نفسه ودعوة من يلوذون به من ذوي قرباه.. وتوجيهًا إلى القيام بحق هذه المسؤولية خص الله الأهل والأقارب بضرورة الإنذار والتبليغ بعد أن أمر بعموم التبليغ والجهر به، وهذه الدرجة من المسؤولية يشترك في ضرورة تحمل أعبائها كل مسلم صاحب أسرة أو قربى

وإطراق طرف العين ليس بنافع إذا كان طرف القلب ليس بمطرق

.. وكما لا يجوز للنبي أو الرسول في قومه أن يقعد عن تبليغهم ما أوحي إليه، فكذلك لا يجوز لرب الأسرة أن يقعد عن تبليغ أهله وأسرته ذلك، بل يجب أن يحملهم على اتباع ذلك حملًا ويلزمهم به إلزامًا«…

دع عينك.. أريد قلبك القارئ

بعد أن نصح الداعية ذلك المدعو بأن يرفق بنفسه ولا يرهقها، وأن ينتهز فرصة إقبالها لينصب أشرعة إيمانه.. وأن يجدف- إن عاكسه التيار- بالمجاديف.. وبعد أن همس متسائلًا في أذن الآخر من إخوانه بعد أن أحسن منه فترة وسكون: ما آخر عهدك بصلاة الليل وقرآن الفجر؟.. ثم عاد وشارك نبلاء في جمع تبرعات لصالح متضرري المسلمين.. ثم جلس ولفيف من خلصائه يشحذون أذهانهم، ويستبقون الزمن في التخطيط لتطوير دعوتهم.. ثم رجع ووعظ أبناء حيه بعد صلاة العشاء موعظة رقت لها القلوب واطمأنت لها النفوس، ثم خشع بذكر الله وأشبال معه هم أسود الغد حتى تغشاه النعاس أنسًا بطاعة الله. بعد هذا كله آب إلى منزله وقد أنهكه التعب وأمتعه.. عاد إلى أهله مسرورًا. فإذا بزوجه تشكو على استحياء حال ابنه الذي هو من صلبه.. من تضييع الفرائض، وتلفظ بكلمات يتعفف عن ذكرها، وعصيان طاغٍ، وكان هذا الابن شوكة في جنب زهرة ينفي وجودها جمال الزهرة المطلق.. لينقلب ذاك السرور همًّا.. وذاك النعاس سهادًا.. فيطرق الأب إطراقة حزينة:

الحزن يقلق والتجمل يردع والدمع بينهما عصي طيع 

مؤلم لعين الداعية أن يرى ابنه أو أخاه أو قريبه يشق في حياته طريقًا مغايرًا له.. والله إن القلب ليحزن من رؤية بعض ذوي أرحام الدعاة وقد افترشوا الطرقات وأصبحوا من أهلها يقتلون بها أوقاتهم بل أنفسهم.. وإن الرجل منا ليرى البعيد. وهو يلاحظ اختلاف نهج الداعية عن نهج رحمه فيهمه ذلك، وتشغل تفكيره تلك الملاحظات.

خطورة المشكلة

تنطلق جسامة هذه المشكلة من تشابكها وارتباطها بعدد من المشكلات، وعمق تأثيرها في محيط الدعاة على المدى المتوسط والبعيد فالداعية جندي أوقف حياته لله، وجاد بنفسه وأرخصها- وهي النفيسة- وراح يتلمس مهاوي الردى يلقيها بها فدى لدينه، وأخذ على نفسه عهود الله والمواثيق ألا يولي الدبر، وألا يتولى يوم الزحف إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة، وإن اقتحم الأعداء فأول مواطنهم جثته. إن جنديًا هذه حاله لن تلين قوة له قناة، ولن يفلق فأس له حصاة، فهو ورفاقه كما وصفهم الواصف:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب

  وكما أبدع الآخر فقال:

يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراض لنا وعقول

استدراك الزلل

كثيرون منا ما شدهم في بادئ الأمر إلى طريق الالتزام بدين الله إلا محبوبات شخصية كهواية مفضلة، أو دماثة خلق أحدهم، فكانت تلك غرة الحلقات، وسرعان ما تتابعت الحلقات خلفها تشدنا برفق، وتضمنا بحنان .. فأصبحنا نتعلم العلوم إما عن طريق التعليم المباشر أو عن طريق الإيحاء والإيماء، أو تيار العرف يوجهنا أن أقدموا أو أحجموا، شأنه شأن الريح مع ورقة الشجر تسمق بها حينًا، ثم تهوي بها بطنًا لظهر في حفرة.. 

قد يتذكر البعض أن أساتذته قد علموه أن يخص أهله بشيء من البر والدعوة، لكن الكثيرين لا يتذكرون ذلك.

من هنا نسل قلمًا أحمر ترسم به إشارة تعجب نعني بها التحذير المندهش، وندعو من خلالها إلى وجوب استدراك الزلل عبر التواصي بتوريث المدعوين مفهوم البر بآبائهم وأمهاتهم وأهليهم، وإسداء الأرحام أوقاتًا لا شيئًا من وقت.. دع عنك الدروس والمواعظ، فما أردنا ذلك، ولكن أردنا المتابعة العملية، والسؤال الدوري عن أحوال المدعو مع عائلته.

أكثير على أهلينا سبع أسبوعنا نمنحهم إياه ونوجه خيرنا الوافر لهم؟! أمنطق أن نسقي حدائق الأبعدين، وأشجار أرحامنا ظمأى والبئر في أرضها؟! أكاد أجزم أنه لو يقي أحدنا في بيته يومًا كاملًا لاندهش أهله لعدم خروجه، لم لا نقتطع من أيامنا يومًا نلتزم فيه بعدم الخروج مع الغير، نتنزه مع أهلنا فيه، ونقطع رتابة الأيام بنكتة صادقة حاضرة، وثغر مبتسم، وروح خفيفة مرحة ويد كريمة سخية؟.. إن كان بعض المدعوين يجحد الخير ويتمرد حينًا على من وهبه إياه، فإن أهل بيتك أبدًا لن ينسوا لك تلك النزهة. بل ستراهم يتذكرونها ويشتاقون إليها. ويربطون كل سعادة لهم بها.. وياليت شعري ما علموا أنك لم تأبه لتلك النزهة.

الدعوة.. دم وروح

مازالت نفسيات بعض الدعاة تمارس أعمالًا ناشرة يصعب على المراقب لها ربطها بالدعوة من بعيد أو قريب فالدعوة دم في العروق من القلب ينبض وروح في الأعماق من الصدر تتنفس.. هل كائن يحيا بلا دم وروح؟

إن بعض الدعاة عندما يدخل منزله ومأواه يتصل حاجباه تقطيبًا، ويزفر أنفه تجهمًا، وهو الذي اتسع صدره لذلك العاصي الأول، وتراه قد اختزل وتضاءل حتى عاد لا يتسع لحديث ابنه الطفل، ولا لفكاهة أخيه، وله مع سائر أهله معاملة القائد البغيض للجنود ليس لهم حق الاعتراض أو المناقشة في القرارات، فضلًا عن إبداء الاقتراحات في حين له عليهم الطاعة المطلقة، وأهله يستغربون مديح الناس له من حيث طلاقة وجهه ورحابة صدره، ويتعجبون فيما بينهم عن غياب تلك الطلاقة في بيتهم. ولولا عدد المادحين لكذبوهم. ولكن البيوت أسرار وخفايا.. ويحه.. أداعية خارج البيت جبار داخله!

 وهذا صنف آخر من الدعاة له على أهله توفير المطعم والمأوى.. ولهم عليه التفضل بالأكل والرقاد وإبداء الملاحظات حول جودتيهما، قد اتخذ بيته فندقًا بالمجان، فهو في بيته سمير الكتب والإنترنت وان رام الحديث فالهاتف أنيس وحدته وأيادي أهله على خدودهم، تترك التعليق على حال ابنهم مخافة إغضاب العميل الدائم.

الرسول قدوة

﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾(الأحزاب:21) سمعًا وطاعة يقولها الدعاة عند تلاوتهم هذه الآية، وعلى جوارحهم أن تردد مع الألسنة تلك الآية باتباع نهجه صلى الله عليه وسلم.

روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن- سعيد بن العاص عن أبيه عن جده قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :» ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن، وهذا رسول الله الذي جعل النوم- خلفه ظهريًّا، وحمل هم الأمة، من أين استل وقتًا يلاعب به الأطفال؟!

روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:» إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير يا أبا عمير.. ما فعل النغير؟«

ومن أراد استكمال إيمانه فعليه بما أوصاه به الحبيبﷺ في الحديث الصحيح الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله قالت: قال رسول الله »إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله«. من منا أخطأ طفله مرة أثابه دعوة بدل أن يعاقبه.

يحدث أبو رافع بن عمرو الغفاري يقول: »كنت غلامًا أرمي نخل الأنصار، فأتي بي إلى النبيﷺفقال يا غلام لم ترمي النخل؟ قلت: اكل، قال:» فلا ترم النخل، وكل مما يسقط في أسفلها«.. ثم مسح رأسي فقال:» اللهم أشبع بطن» (رواه أبو دواد)

وصايا للإصلاح 

وهذا بعض من الإسهام في العلاج عل الله ينفع به:

أولًا: وجود التكاليف الدعوية الكثيرة والتي تقلل من فرص بقاء الداعية في بيته كسائر الآباء والأبناء والإخوة لا ينتصب عذرًا عن أداء حقوقهم عليه من تربية، ومصاحبة، ونفقة.

روی مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:» كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيدة راع وهو مسؤول عن رعيته« ...

ومن منا يجرؤ على الادعاء بالاعتذار بالدعوة عن الأبناء والأهل؟ انشغاله أكثر من انشغال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟

 ثانيًا: الفوضى تضيع حقوق الناس، وتجعل الأعمال كسلاسل الجبال أمام الإنسان، فتأخذ الكثير من مشاعره وجهده، وقد يلقي بحظ أهله في ذيل قائمة أولوياته، والأولى أن يعالج طريقة ترتيب وقته، وإدارة ذاته، حتى يعطي كل ذي حق حقه.

ثالثًا: اعتبار مرحلة منافرة الأهل محطة لازمة العبور في حياة الداعية هو اعتبار سقيم يفرخ تصرفات سقيمة، والتي منها البحث المجهري عن أخطاء يقترفها الأهل لتكون نواة للمنافرة والصدام إبان النهي عن المنكر، والكتاب الذين تصدوا لعلاقة الداعية مع أهله وبسطوا الأمر على أساس المجابهة والمحاربة مستشفعين بأدلة مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما مع أميهما، إنما ذكروا مرحلة من وجوه التعامل تسبقها مراحل عديدة شبيهة بمراحل الدعوة الفردية، كتوثيق العلاقة وبناء الثقة. ومن ثم إيقاظ الحس الإيماني وغيرها من المراحل، فإن استقبل الأهل هذه الخطوات بعداء وحرب، حينها تصح تلك الأمثلة، مع مراعاة الطاعة فيما لا معصية فيه.

روى الإمام أحمد في مسنده عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبيﷺ فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها ؟ قال: نعم صلي أمك.

وأولئك الكتاب إنما بينوا أمور المواجهة وأغفلوا دعوة الأهل بالحسنى نظرًا لظروف بلدانهم، وأعرافها، وعلى القارئ الفطن ألا يقرأ بعين التقليد بل بعين الاجتهاد ما استطاع. إن صدور الدعاة عليها أن تتسع لأرحامهم لأن:

  • هدايتهم تضمن- بإذن الله- ولاء هذا البيت، وهذا يعني إرسال أبنائهم وأبناء أبنائهم للدعاة يربونهم.

  • ثبت- عبر التجربة- إبداع النساء في نشر محاسن الملتزمين بين الأمهات، فأصبح الناس يقبلون على الالتزام عبر تزكيات الأمهات.

  •  لن ينتهي عجيك من الدعم والتضحيات التي تبذلها البيوت التي عملت يد الإصلاح فيها برًا ووفاء.

  •  أغلب من جرب الدعوة مع أهله يخبر أنهم لا يحتاجون مزيد جهد وتعب كما هو الحال مع غيرهم من المدعوين.

هل النداء الذي أعلنت مستمع أم في المئات التي قدمت منتفع؟

وبعد فكن كالأنبياء لذويهم، كن كإبراهيم لأبيه.. وكلقمان لابنه.. وكيوسف لإخوته .. بل كن كمحمد لأهل بيته عن عائشة قالت قال رسول اللهﷺ :» خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي« (رواه الترمذي) .

الرابط المختصر :