; المجتمع التربوي.. (العدد 1656) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. (العدد 1656)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005

مشاهدات 71

نشر في العدد 1656

نشر في الصفحة 54

السبت 18-يونيو-2005

آفات على الطريق

ما أكثر الأمراض الأخلاقية والآفات الاجتماعية التي يعاني منها بعض الأفراد والمجتمعات.. حري بنا أن نتوقف عندها ونحذر منها ونقدم علاجا لها.. وقد اهتم فضيلة الدكتور السيد نوح بهذه القضية وأصدر فيها أكثر من مؤلف. وهذه المقالات التي بين أيديكم جديدة في موضوعها وطرحها ولم يسبق نشرها.

د السيد محمد نوح (*)

(*) أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الكويت 

تضييع كل من الزوجين للآخر مظاهره وآثاره (١) من (٤)

القلق والاضطراب النفسي.. الغضب الإلهي ونزع البركة من الرزق والأجل 

تضييع كل من الزوجين للآخر آفة ابتلي بها كثير من شعوب الأمة المسلمة، إلا من رحم الله، وكانت سببا في كثير من المعاناة، والتأخر والانحطاط، وحتى يقضى على هذه الآفة أو على الأقل تضييق هوتها، ويحترز منها من سلمه الله عز وجل منها، فإنه لابد من الوقوف على أبعادها ومعالمها، وذلك من خلال هذه الجوانب.

 أولًا: معنى تضييع كل من الزوجين للآخر، ومظاهره:

تضييع كل من الزوجين للآخر يعني عدم قيام كل منهما بواجبه نحوه، مما يؤدي إلى الشتات والضياع، ولذلك التضييع مظاهر تذكر منها:

  1. التشتت الذهني، وعدم القدرة على التفكير السديد المنضبط.

  2. التقصير في حق الله والرسول والمؤمنين بل الناس أجمعين.

  3. الانطواء والعزلة أو الكبت والقهر 

  4. القلق والاضطراب النفسي والسلوكي المتمثل في اقتراف الجرائم.

  5. التبرم بالحياة، وربما العمل على التخلص منها.

إلى غير ذلك من المظاهر

ثانيًا: موقف الإسلام من تلك الآفة

يحرم الإسلام تضييع كل من الزوجين

للآخر، إذ يقول النبي : كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت..

ويخبر النبي أن ذلك هدف أساسي من أهداف إبليس يسعى إليه ويحرص على

تحقيقه، ويفرح أشد الفرح إذا وقع فيقول : «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، قال: ثم يجيء، أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت قال الأعمش أراه قال: فیلتزمه» . (۱)

ويخبر النبي عن عقوبة المرأة إذا آذت زوجها فيقول: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة» (۲)

ويقول: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات عضبان عليها لعنتها الملائكة

حتى تصبح (۳)

كما يخبر عن عقوبة الرجل إذا آذى امرأته فكان ذلك سببًا في ضياعها، فيقول: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل» (٤)

ويقول: «لا تضربوا إماء الله، فجاء عمر إلى رسول الله  فقال: ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بالرسول الله  نساء كثير يشكون أزواجهن فقال النبي: لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم». (٥)

على أن الآثار والعواقب المترتبة على تضييع كل من الزوجين للآخر، كما سيأتي بعد قليل، تأكيد واضح وقوي على بغض الشارع الحكيم لهذا التضييع وتحريمه.

ثالثًا: آثار تضييع كل من الزوجين للآخر وعواقبه

لتضييع كل من الزوجين للآخر آثار خطيرة وعواقب ضارة نذكر منها:

أ. على العاملين

1- التشتت الذهني، إذ كل منهما يصيبه من أذى الآخر ما يجعله موزع الهمة شارد الذهن، الأمر الذي ينتهي به إلى شلل في التفكير، ومن ثم القعود والانقطاع عن أداء دوره وواجبه في هذه الأرض.

2- القلق والاضطراب النفسي، ذلك أن كل واحد منهما بتقصيره في حق الآخر قد ارتكب ظلمًا في حق نفسه، وحق غيره، وعاقبة الظلم، القلق والاضطراب النفسي، وذلك هو المفهوم من قوله سبحانه:﴿ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یَلۡبِسُوۤا۟ إِیمَـٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ (الأنعام: 82).

3- التردي في الهاوية كما يكون التردي في الهاوية والوقوع في الجريمة، فتنتهك أعراض وتسلب أموال وتراق دماء، ويتصدع بنيان المجتمع، وقد ينهار، وهذا ما حذر منه النبي  عندما قال: «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»(٦)

4- حلول الغضب الإلهي، ذلك أن تضييع كل من الزوجين للآخر. إنما هو إهدار لحكم الله الذي شرعه لإصلاح شؤون الأسرة، والربط بين الزوجين، وحين يهدر الزوجان حكم الله فإن عليهما أن ينتظرا حلول الغضب الإلهي. 

إنه السقوط في الهاوية التي لا خروج منها. ولا نهوض بعدها وصدق الله الذي يقول: ﴿وَمَن یَحۡلِلۡ عَلَیۡهِ غَضَبِی فَقَدۡ هَوَىٰ﴾ (طه:81).

5 - نزع البركة من الرزق والأجل: إذ تضييع كل من الزوجين للآخر، يشوش الذهن ويشغل البال والخاطر كما قدمنا، الأمر الذي يصرف عن السعي لكسب الرزق ويضيع العمر هباء وبددًا.

قال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِیبَةࣲ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِیكُمۡ وَیَعۡفُوا۟ عَن كَثِیرࣲ﴾، (الشورى:30).

وقال تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰۤ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوۡا۟ لَفَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَرَكَـٰتࣲ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذۡنَـٰهُم بِمَا كَانُوا۟ یَكۡسِبُونَ﴾، (الأعراف:96).

وقال رسول الله : «لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل

ليحرم الرزق بخطيئة يعملها». (۷) 

وفي رواية وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه (۸)

  1.  ضياع الأولاد أو الحرمان منهم أصلًا

إذ الشقاق بين الزوجين يؤدي إلى الاشتغال بهموم النفس عن تربية الأولاد أو تربيتهم بمنهجية متعددة الأطياف متفاوتة المشارب...

وهذا فيه من ضياع الأولاد ما فيه. وربما ينتهي الشقاق بين الزوجين إلى الحرمان من الأولاد أصلًا، والخسارة حينئذ لا تقتصر على الزوجين، وإنما تتعدى إلى المجتمع والأمة، لأنها تكون سببًا في انقراضهما وزوالهما.

ب - على العمل الإسلامي

وأما آثار تضييع كل من الزوجين للآخر على العمل الإسلامي، فكثيرة نذكر منها: ١

  1.  سريان الداء في جسم المجتمع والأمة، إذ تضييع كل من الزوجين للآخر داء خطير يسري إذا وقع في جسم المجتمع والأمة. كالسرطان إذا أصاب جزءًا من الجسم فإنه يسري في بقيته وحينئذ يكون الهلاك والزوال. 

  2.  تفكك المجتمع وسيطرة الأعداء وحين يسري داء الشقاق بين الزوجين في كل أنحاء المجتمع والأمة، فإنه يسود التفكك وينهار المجتمع لانشغال كل من الزوجين بهمومه عن تربية الأولاد التربية المنشودة التي عليها حماية المجتمع وصيانته والنهوض به.

  3. طول الطريق وكثرة التكاليف، إذ حين تستيقظ الأمة وتريد طرد الأعداء، وتحرير مقدساتها وثرواتها من سيطرتهم، فإنها تتحمل كثيرًا من الجهد والمال، فضلًا عن طول الطريق لأن الأمر يتطلب نسيان الشقاق بين الزوجين والاشتغال بتربية الأولاد، حتى يتماسك المجتمع من جديد وينجح في أداء دوره في التحرر والاستقلال.

الهوامش

  1. أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب صفات المنافقين، وأخرجه غيره من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً به. 

  2.  اخرجه أبو داود في السنن، من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعاً بهذا اللفظ.

  3. أخرجه أبو داود في السن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بهذا اللفظ.

  4. اخرجه أبو داود في السنن.

  5.  أخرجه أبو داود في السنن من حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذباب مرفوعاً بهذا اللفظ ومعنى ذئون النساء على أزواجهن نشون على ازواجهن أو تمردن على أزواجهن ولم يسمعن الكلام

  6. الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً بهذا اللفظ

  7. ،(8) الحديث أخرجه ابن ماجه في الستن. 

عبد القادر أحمد عبد القادر

البلايا في حياة خير البرايا

بدأ الابتلاء بعد البعثة معنويًا وأدبيًا بكلمة العم الشقيق «تباً لك» وهي كلمة تعني القطيعة والهجر، فمن من العرب يحتمل قطيعة أهله؟ خاصة إذا كانت القطيعة بسبب حق وخير يريد الداعي تقديمهما إلى الأهل والعشيرة؟

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما: لما نزلت ﴿وَأَنذِرۡ عَشِیرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِینَ﴾، (الشعراء:214)، خرج رسول الله  حتى صعد الصفا، فهتف يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً . قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب عظيم.. قال أبو لهب تباً لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام. فنزلت ﴿تَبَّتۡ یَدَاۤ أَبِی لَهَبࣲ وَتَبَّ﴾فيا لها من صدمة يقاسيها الداعي، ويحار في تعليل أسبابها إن هذا البلاء المعنوي والأدبي لم ينحصر في مدة زمنية محددة، ولكن طال مداه الزمني ثلاث عشرة سنة قضاها في مكة .. ولم ينحصر هذا الابتلاء في الكلام القاسي والمعاملة الجافة والإعراض المهين وهي صنوف تؤذي الوجدان كله، ولكن الابتلاء امتد إلى البدن الطاهر العزيز على الله بصنوف من الأذى، تؤلم، وتدمي.

الاتهامات الباطلة

هل عشت أيامًا تعاني من اتهام باطل؟ كيف مرت أيامك؟ وكيف كانت أحوالك؟ فما بالنا بالصادق الأمين الذي يأتيه الوحي من عند الله؟

1 - قالوا: يعلمه بشر!

قالوا: إن بياعًا أعجميًا كان يجلس عند الصفا، أو عند المروة كان النبي  يجلس إليه، ويكلمه بعض الشيء قيل: كان اسم البائع سبيعة، وقيل: «جبر»، وقيل:

«يعيش». وقيل: «بلعام» واختلاف الاسم لا يعنينا، ولكنها التهمة الباطلة.. قال صاحب الظلال - رحمه الله «وهذه المقالة منهم يصعب حملها على الجد وأغلب الظن أنها كيد من كيدهم الذي كانوا يديرونه وهم يعلمون كذبه وافتراءه وإلا فكيف يقولون - وهم أخبر بقيمة هذا الكتاب وإعجازه.. إن أعجميًا يملك أن يعلم محمدًا هذا الكتاب، ولئن كان قادرًا على مثله ليظهرن به نفسه واليوم، بعدما تقدمت البشرية كثيرًا. وتفتقت مواهب البشر عن كتب ومؤلفات وعن نظم وتشريعات، يملك كل من يتذوق القول وكل من يفقه أصول النظم الاجتماعية والتشريعات القانونية أن يدرك أن مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من عمل البشر وحتى الماديون الملحدون في روسيا الشيوعية عندما أرادوا أن يطعنوا في هذا الدين في مؤتمر المستشرقين عام ١٣٧۱هـ / ١٩٥٤م، كانت دعواهم أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عمل فرد واحد بل من عمل جماعة كبيرة.. وهكذا يرد كفار زماننا على كفار زمن البعثة. أما الرد الإلهي، فهو يقطع جميع السنة الافتراء إلى أن تقوم الساعة ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ یَقُولُونَ إِنَّمَا یُعَلِّمُهُۥ بَشَرࣱۗ لِّسَانُ ٱلَّذِی یُلۡحِدُونَ إِلَیۡهِ أَعۡجَمِیࣱّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِیࣱّ مُّبِینٌ﴾، (النحل:103).

إن وخز الألم المعنوي من مقولة و«إنما يعلمه بشر» لتحز في نفوسنا نحن أتباع محمد  بعد أربعة عشر قرناً من الزمان، فما بالنا بما أصابه والوحي الأمين يتنزل عليه؟ ماذا أصابه من وقت إطلاق الاتهام الباطل إلى أن أبطله القرآن، بل إلى أن انقطع ترديد الاتهام الباطل في المجتمع المشرك المحارب بعد فتح مكة؟ كيف تحمل وجدانه المقولة الباطلة التي تهد عزم الإنسان القوي، وقد تصيب همته وتحيله إلى قعيد، وتحول دون أن يبلغ غايته؟.. ولكن النبي المبتلى الصابر مضى في دعوته، فلن يكون هذا هو الابتلاء الوحيد.. إن حلقات الابتلاء والاتهامات الباطلة سوف تتوالى. 

محمد عبد الله الخطيب (*)

(*) من علماء الأزهر الشريف 

الحرية في الإسلام

مراعاة «الحق» أهم ضوابط الإسلام لحرية إبداء الرأي

حرمة الدم والمال والعرض وصلت في الإسلام حد التقديس 

من أعظم حقوق الإنسان في الإسلام حرية الرأي والفكر وأن يقول لا بصدق، وأن يقول نعم بحق، وإن حفظ كرامته وحرية رأيه، وحرمة دمه وماله وعرضه، قد وصلت في الإسلام إلى حد التقديس، وقد نظر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يوما إلى الكعبة، فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك. والمؤمن أعظم حرمة منك.. (أخرجه الترمذي). وحرمة المؤمن تتمثل في حرمة عرضه وماله ودمه، واحترام فكره ورأيه.

يقول رسول الله : «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم، (رواه مسلم) ويقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت مشركاً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً».. (أبو داود وابن حبان والحاكم).

1 - حرمة الإنسان وكرامته

لكل نفس في الإسلام حرمة وكرامة الإنسان بحكم إنسانيته أمر ظاهر في شريعة الإسلام، وحرمة النفس أعظم من حرمة الكعبة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «رأيت رسول الله يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله منك ماله ودمه وأن نظن به خيراً»، (رواه ابن ماجة).

ولقد أكد الرسول صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع هذا الأمر فقال.. «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى أن تلقوا ربكم» (رواه البخاري وأحمد)، وفي الحديث «كل المسلم على المسلم حرام.. دمه وماله وعرضه...»

ولذلك فإن الإسلام حافظ على كيان الإنسان وحذر من العدوان عليه، وكفل لكل فرد - كما كفل للأمة كلها - كل عناصر العدالة والكفاية والأمان، وكف عن الجميع عوامل الاستفزاز والإثارة، وكل عوامل الكبت والقمع، وكل عوامل الظلم والاعتداء، ومن هنا يصبح العدوان في مثل هذا المجتمع الفاضل على نفس واحدة جريمة بشعة وعمل منكر بل عدوان على البشرية كلها، فكأن المعتدي قتل الناس جميعاً، كما أن العمل على الاستقرار ودفع أذى القاتل ورده واستحياء نفس واحدة يعتبر عملاً عظيماً يعدل إنقاذ الناس جميعًا، قال الله تعالى﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَ ٰ⁠لِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَاد فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِیعا وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعاۚ وَلَقَدۡ جَاۤءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِیرا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فِی ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ﴾، (المائدة: ٣٢). 

وفي الأثر (الآدمي بنيان الرب ملعون من هدمه)

 إن الإنسان أرقى نماذج الحياة مصوغ کیانه من مادة الكون الأولى ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَة مِّن طِین﴾، (المؤمنون:12)، وإن أفراد هذا الإنسان بعد ذلك موجودون في أصلهم الواحد، متساوون في نسبتهم إليه أنتم بنو آدم وآدم من تراب (رواه مسلم). 

ولقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وكرمه وأرسل إليه رسله، قال تعالى:﴿۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَفَضَّلۡنَـٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیر مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلا﴾، (الإسراء:70). هذه بعض مكانة الإنسان في الإسلام، وتلك هي منزلته.

٢ - حرية إبداء الرأي

فمن حق الإنسان أن يفكر وأن يقول ما يعتقد، وأن يعلن رأيه فيما يراه من عوج وفساد وأن ينكر على غيره ما وقع منه من تجاوزات وظلم، جاء في الحديث:«لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق» (رواه ابن ماجه). وفي الحديث أيضاً: «قل الحق وإن كان مراً. لا تخف في الله لومة لائم» (رواه الطبراني)، وسيدنا عمر هو القائل: «لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها ...».

وتنقسم الحرية في الإسلام إلى حريات تتعلق بمصالح الأفراد المادية، أو في الميدان

السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وهي الحرية الشخصية وحق التملك، وحرية المسكن وحرية العمل والتجارة والسفر والصناعة وحرية العقيدة، وحرية الرأي، وحرية الاجتماع، وحرية تأليف الجماعات وحرية التعليم وحرية إصدار الصحف، وحرية الاجتماعات وتعتبر حرية الرأي بمثابة الأم لسائر الحريات، وما الحريات الأخرى إلا مظهر من مظاهر حرية الرأي، إذ إن جميع هذه الحريات ترتد إليها، ومنهج الإسلام في حدود حرية الرأي وضوابطه، يكمن في كلمة واحدة هي التزام الحق، يقول الحق سبحانه ﴿وَٱلۡعَصۡرِ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَفِی خُسۡرٍ إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ ﴾، (العصر ١-٣) أي تواصوا بالخير والمصلحة العامة، كما بينها الشرع حق الله..

إن معنى كلمة «الحق» في الآية يستوعب كل عناصر حسن النية، سواء ما يتعلق منها بصدق الوقائع الباعثة على الرأي أو صدق الرأي مع عقيدة الناقد والموجه، جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط يقول« ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في الغضب والرضا، وثلاث مهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه». 

وروى أبو عبيدة قال: «بايعنا رسول الله على أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم »(رواه مسلم). يقول رسول الله  «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت» (رواه البخاري ومسلم). وهذا الحديث جامع الحدود حرية الرأي السياسي وضوابطه، ذلك أن كلمة الخير تعني الالتزام بالحق، وأنها تحمل المعنى الإيجابي وهو المصلحة العامة المستهدفة من النقد والنصح فضلًا عن توافر كل عناصر حسن النية والصدق، وهو ضابط لحرية القول أو النقد السياسي. 

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله «إن الله تعالى لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خيالاً، ومن يوق بطانة السوء فقد وقي» (البخاري ومسلم).

وواضح أن المصلحة العامة تدخل في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا الحديث بطانة تخلص في النصح، وتؤثر المصلحة العامة وترشد إليها، ومن هؤلاء النقاد السياسيون الذين يلتزمون حدود النقد بحق وعلى الأخص استهداف المصلحة العامة.

3- صيانة حرمات الإنسان

يقيم الإسلام سياجًا في المجتمعات يحفظ به حرماتهم وكراماتهم، وحرياتهم ويقدم الإسلام مبادئ في الرعاية والعناية بحقوق الناس، فلا يؤخذون بالظن، ولا يحاكمون بالريب، ولا يصبح الظن أساسًا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم، والرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول: «إذا ظننت فلا تحقق»( أخرجه الطبراني)، ومعنى هذا بصراحة أن يظل الناس أبرياء مصونة حقوقهم، وحرياتهم واعتبارهم حتى يظهر بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون به، ولا يكفي أبداً مجرد الظن بهم لتعقبهم.

فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحقوقهم واعتبارهم؟ وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية، وصيانة حقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا حين قال لهم: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱجۡتَنِبُوا۟ كَثِیرا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡم وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَیُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن یَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِیهِ مَیۡتا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّاب رَّحِیم﴾(الحجرات: (۱۳)

4- تحريم التجسس

ويحرم الإسلام التجسس، والقرآن يقاومه ويكرهه ويمقته أشد المقت لأنه عمل دنيء من الناحية الأخلاقية، ويريد الإسلام بذلك تطهير القلوب من أمثال هذه الاتجاهات الخسيسة لتتبع عورات الآخرين، وكشف سوءاتهم، وتمشياً مع أهدافه العليا في نظافة الأخلاق والقلوب، وصيانة الأمة من العبث والإجرام، والأمر أكبر من هذا أثرًا: فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسة في نظامه الاجتماعي، وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية. إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكرامتهم، التي لا يجوز أن تنتهك في أي صورة من الصور، ولا أن تمس بحال من الأحوال.

ففي المجتمع الإسلامي الرفيع يعيش الناس: آمنين على أنفسهم، آمنين على بيوتهم آمنين على أسرارهم آمنين على عوراتهم، ولا يوجد مبرر - مهما يكن - لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات، وحتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة ومبررًا للتجسس على الناس، فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم، وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما ظهر منهم من مخالفات أو جرائم، جاء في الأثر يا معشر من أمن لسانه، ولم يؤمن قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في قاع بيته. 

إن التحرر من الخوف والتحرر قبله مما عدا الله هو الذي يفتح الطريق أمام الشعوب لحياة كريمة ويجب أن تحترم حقوق الإنسان أياً كان هذا الإنسان، ويجب الإيمان بالمساواة أمام القانون، فسحق كرامة الإنسان، هي السبب المباشر فيما تعانيه الأمة العربية والإسلامية اليوم، لأن المظلوم والمستعبد لا يحرر أوطاناً، ولا يدفع عدواناً، ولا يستطيع أن يعمر أو يبني مادام لا يشعر بالأمان والاستقرار.

وما أجمل قول القائل: «إن كل نظام سياسي أو اقتصادي، وطني أو عالمي لا يتخذ تطبيق حقوق الإنسان غاية له، هو نظام فاسد ومصيره العاجل والآجل التهافت والانهيار..».

 هذه بعض الجوانب المضيئة من صفحات الإسلام المشرقة في تكريم الإنسان واحترام عقله وتقدير تفكيره ورأيه وتقديس حرمته فأين الإنسان اليوم - وخاصة المسلم - من هذا التكريم، الإنسان اليوم فقد كل شيء حقوقه وحريته وكرامته، وأصبح - خاصة المسلم، لعبة في أيدي المعتدين يمكن أن يعتقل دون أن يحقق معه، وأن يسجن، وأن يعذب، وأن يوضع في أشد الظروف، ثم قد يفرج عنه وقد يقدم للمحاكمة ويلقى به في غياهب السجون فلا قانون ولا اعتبار لأي شيء بهذه البساطة تنزل به كل هذه النوازل بغير أي ذنب ارتكبه ما تهمته؟ ما جرمه؟ حتى يعامل هكذا، هذا الأمر يحدث في سائر الأقطار العربية والإسلامية، ولذلك تأخرت الأمة، واضطرب حالها، فإن أي أمة لا تنهض بدون عقيدة تحوطها حرية وكرامة، وهدف وغاية، فهل الأمة الإسلامية اليوم تملك شيئًا من هذا؟ الإجابة بالطبع لا، إن تفريغ العقول والقلوب من العقيدة والأخلاق والقيم، لهو أمر خطير على مستقبل هذه الأمة، وإن قيام البعض بتصوير التدين تهمة والجدية تخلفًا

والالتزام تنطعًا، والحرية عند هذا البعض إثم كبير، وهو أمر غريب وعجيب فهل من مذكر؟! .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟