; المجتمع التربَوِي- العدد 1387 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربَوِي- العدد 1387

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-2000

مشاهدات 67

نشر في العدد 1387

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 08-فبراير-2000

وقفة تربوية

أم هاجر (٢)

رجعت إلى بيتها وهي تُخفي دينها الجديد، وكانت ترتدي الحجاب إذا خرجت من البيت في طريقها إلى المدرسة ثم تنزعه في الفصل، فإذا خرجت من المدرسة ارتدته ثانية إلى أن تصل إلى منزلها.

استمرت على هذه الحالة ما يقارب السنة الكاملة وفي ذات يوم، وفي لحظة صراع مع النفس ومكاشفة لها، قالت لنفسها حتى متى أظل في حالة النفاق، ولا أعلن إسلامي وهل في الإسلام عيب حتى أخفيه كيف يعلنون كفرهم وأخفي الحق الذي معي؟

وقررت إعلان إسلامها لوالديها اللذين لم يكن لهما أحد سواها. وحدث الانفجار، وثار الوالد، وأغمى على الوالدة: كيف تتركين دينك ودين آبائك، وتذهبين إلى دين المتخلفين الرجعيين الذين احتل أجدادهم ديارنا لمدة خمسة قرون من الزمان؟

أصرَّ الوالد على تركها لهذا الدين أو أن تترك منزله، فيما أصرت هي على التمسك بهذا الدين وإن انقلبت الدنيا رأسًا على عقب، وتوترت الأجواء، وقوطعت وهي في البيت وشاع الخبر بين أفراد العائلة بأنها أسلمت وتركت دينها.

استشارت فنصحها البعض بالتظاهر بترك الإسلام، والعودة إلى دينها القديم، ونزع الحجاب، وإخفاء جميع مظاهر الالتزام بهذا الدين وافقت على ذلك وأقنعتهم بالتراجع حتى لا تُطرد من البيت وهي في هذا العمر الصغير لم يطمئن الوالد لتراجعها، فوضعها تحت المراقبة لمدة طويلة من الزمن، قاربت السنة الكاملة.

وفي الوقت ذاته لم تنقطع صلتها مع الأخوات اللاتي علمنها الإسلام، وفي إحدى هذه اللقاءات عرضت عليها إحداهن الزواج من شاب عربي، وأحد الدعاة في هذا البلد، وافقت على ذلك، واتفقت معه على الزواج سرًا، دون علم والديها، وافق هو على ذلك، واستمر الزواج حتى بلغت الثامنة عشرة، إذ يسمح القانون الوضعي بالزواج هناك بغير إذن الوالدين، وعندما أعلنت زواجها من ذلك الداعية كاد والدها يجن، وذهب مسرعًا إلى بيتها الجديد، وطلب منها أن تخرج ليتفاهم معها، لكنها أبت وقالت له: إن كنت تريد الحديث فادخل البيت، لكنني لا أستطيع الخروج من بيت زوجي.

هددها فلم ترضخ ورغبها بكل الوسائل، قال لها: إنه مستعد لتزويجها بأفضل شباب أوروبا ألماني فرنسي... إلخ، بل وأن يمنحها سيارة جديدة، وأن يعطيها كذا من المال.

كان والدها في واد بينما هي في واد آخر كانت هذه المغريات في نظرها تفاهات لا تساوي شيئًا أمام أغلى ما تملك، وهو الإسلام.

رفضت كل ما قدمه لها الأب وأصرت على زواجها وإسلامها، ثم رضخ الأب بعد محاولات كثيرة للواقع، وتحسنت علاقة والديها بها، وعندما بُشرت بالمولودة الأولى لم تتردد في تسميتها «هاجر» فقد تطابق هذا المعنى العظيم مع واقعها، وواقع زوجها الداعية، إذ هاجرت من الكفر إلى الإيمان، ومن الظلام إلى النور، وهاجر هو قبلها من البلد الذي وُلد فيه طلبا للقمة العيش، ثم استقر به الحال في ذلك البلد الغريب ليكون بلده البديل.

أبو خلَّاد

علو الهمة للنفوس العالية (2من2)

نتَّهِم بالمجتمع بما ليس فيه تهربًا من التكاليف وتبريرًا لتقصيرنا

بقلم: سلوى سعود

كثير من الرجال تكون لهم همة عالية لكنهم يصرفونها في غير موضعها، ومن وضع الشيء في غير موضعه لم يستفد منه، لذلك فعلى الداعية المسلم أن يصرف همته في الأمور النافعة.

ومن هذه الأمور النافعة:

1- الهمة في طلب العلم: فقد قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ 
(محمد: 19)، وحث الرسول ﷺ في أحاديثه على طلب العلم.

وهكذا فإن همم الدعاة تنصرف إلى طلب العلم وتتفاوت بحسب شدة الطلب.

ويُروَى أنه لما حضرت معاذ بن جبل-. رضي الله عنه - الوفاة قال لجاريته: ويحك هل أصبحنا؟ قالت: لا، ثم تركها ساعة، ثم قال: انظري فقالت: نعم، فقال: أعوذ بالله من صباح النار، ثم قال: «مرحبًا بالموت مرحبًا بزائر جاء على فاقة، لا أفلح من ندم أعلم أنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، وظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر».

فهذه همة عالية في الحرص على طلب العلم حين يزاحم المرء الآخرين في طلبه وكذلك ضرب لنا الشافعي أروع المثل في حرصه على طلب العلم إذ يقول لما خرجت من الكُتَّاب كنت أتلقط الخزف والجلود وكرب النخيل وأكتاف الجمال، أكتب منها وأجيء إلى الدواوين فأستوهب منها الظهور فأكتب فيها حتى كانت لأمي صناديق فملأتها أكتافًا وخزفًا وكربًا مملوءة حديثًا.

ويصف حرصه على العلم فيقول: «اسمع بالحرف ما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم به مثلما تنعمت به الأذنان، فقيل له: فكيف حرصك عليه؟، قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذة المال، وقيل: كيف طلبك له؟، قال: طلب المرأة المقبلة ولدها ليس لها غيره».

2- الهمة في العمل: العلم إن لم يصدقه العمل لم ينفع صاحبه، وكان وزرًا عليه.

وهمة الداعية في عمله بعلمه، ويجب أن تكون كبيرة، وإلا هان في نفوس الناس.

قال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا.

وهذا الحسن البصري - رحمه الله - ما بلغ مرتبة القدوة إلا بحرصه على العمل.

يقول عبد الواحد بن زياد: «ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم عنه».

3- الهمة في الدعوة : الشعور الذاتي بالمسؤولية، فالداعية المسلم يجب أن يعد نفسه لمستوى المسؤولية وتحمل التبعة والصعاب، لذا يجب أن يكون إيمانه أثبت من الرواسي، وفي فهمه أعمق من اللجج، وفي صبره أقوى من الشدائد.

كما ينبغي أن يتولد لديه شعور ذاتي بمسؤولية العمل للإسلام والاستعداد الكامل لتلبية حاجات هذه المسؤولية من النفس والجهد فهو لا ينتظر التكيف الحركي وإنما يتولد في أعماقه شعور فطري بالمسؤولية.

هكذا كان شعور الرعيل الأول من المسلمين بمسؤولياتهم تجاه الإسلام الذي كان شغلهم الشاغل في كل الظروف والأحوال.

قال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد أطلب سعد بن الربيع فقال لي: «إن رأيته فأَقْرِئهُ مِنِّي السلام وقل له يقول لك رسول الله: كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته وهو بأخر رمق، وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة رمح، وضربة سيف، ورمية سهم فقلت: يا سعد، إن رسول الله يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجدك؟

فقال سعد: على رسول الله ﷺ السلام قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف»، وفاضت نفسه من وقته.

هذا الشعور الفطري بالمسؤولية يجعل المرء مستعدًا لتنفيذ كل ما يُكلَّف به من مهمات، ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر حادثة إن دلت على شيء فإنما تدل على ما وصلت إليه الحركة الإسلامية من حسن الالتزام بالتكاليف.

حادثة عمَّار بن ياسر، وعبَّاد بن بشر ومواستهما للرسول ﷺ في غزوة ذات الرقاع، وثبات عباد برغم إصابته بالسهام ثم إيقاظه لعمار، وقول عباد: «كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تتابع علىَّ الرمي ركعت وأيقظتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنقذها».

إنَّ ضعف الدعاة في حركتهم جعلت الدعوة في وضع خطير، والمجتمع الذي نعيش فيه كثيرًا ما نتهمه بما ليس فيه تهربًا من التكاليف وتبريرًا لتقصيرنا، إلى درجة أننا خدعنا أنفسنا وتسرب الشك واليأس إلى حد بعيد كمثل القائل: «كاد استماع الوهم يملأ أذني وهمًا»، إن المجتمع لا يزال فيه قابليات واستعدادات حسنة للتفاعل لو تحفزت العزائم، وعلت الهمم.

أخيرًا: هناك صفات للداعية صاحب الهمة العالية تؤهله لحمل اسم الدعوة من هذه الصفات:

1- الإمامة: فالداعية يجب أن يكون قدوة، وفي ذلك يقول علي - رضي الله عنه - «من نصَّب نفسه للناس إمامًا فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه، ومعلم نفسه و مهذبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومهذبهم».

وقال الشُّعَبي: «يَطَّلِعُ يوم القيامة قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون لهم ما أدخلكم النار، وإنما أُدْخِلْنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم فيقولون: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله وننهى عن الشر ونفعله».

دموع على الربوع الخالية: إن الداعية حريص على أن يكون لهذه الدعوة مركز في كل موطن، ويبكي إذا مر على ربعٍ خال من الدعوة ويأبى إلا أن يشحذ الهمم لكي يجعل لها ركيزة.
3- الصبر على مشاق الطريق: فالطريق طويل وقد يشُقُّ على الداعية ألَّا يستجيب له إلا القليل، ولكنه يعلم أن الهداية ليست ملكًا له، وكل ما يملكه هو دعوتهم، فالنفس الإنسانية تحب الكثرة في كل شيء: في المال والأولاد والأنصار لذلك يجب على الإنسان أن يتحكم في هذه الغريزة الإنسانية، ويعوِّدها الصبر لكي لا تمل من طول الطريق، وقلة الأتباع.

3-صفاء القلب ونقاؤه يقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج: 46).

القلب كما هو قابل للضياء والصفاء قابل للظلام والذبول والصدأ، لذلك على الداعية أن يعنى بقلبه فلا يهمله.

إن للقلوب صدأ وجلاؤها الاستغفار، والعناية بالقلب ينبغي أن تكون مستمرة دائمة استعدادًا لكل طارئ، لأن الشيطان يسري من ابن آدم مسرى الدم، وليجلو القلب بإخلاص العبادة وعلى الأخص ناشئة الليل وعمق التبصر والتدبُّر لآيات الله وخاصة عند الصباح.

ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: «ولولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات» والقلوب كذلك عُرضة للقسوة واللين، فالطاعة تكسبها لينًا وإرهاقًا، والمعصية تزيدها قسوة وجفافًا.

وهذا ابن المبارك يقول:

رأيت الذنوب تميت القلوب

وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب

وخير لنفسك عصيانها

فهيا بنا إخواني نشحذ الهمم، ونُشَمِّر عن ساعدي الجد فبهما نحقق أهدافنا ومبتغانا.

من عجائب الدعاء

لقد تضافرت لي ولغيري حوادث شخصية وقصص واقعية مع الدعاء رأينا فيها عظمة هذا السلاح الفتاك الذي يلتقي مع القضاء في السماء فيعتلجان وينتصر الدعاء على القضاء رحمة وشفقة لجباه خرَّت الله ساجدة في خشوع وتذلل تُناجيه بقلوب صادقة وعيون دامعة، تُلِحُّ.. تستغيث تستنجد تتضرَّع إلى بارئها تتوسل إليه تدعوه في ناشئة الليل فتكون ساعة إجابة تخترق القوانين وتعطل السنن بإذن ربها، كرامة لعباده وهي معجزات ربانية باهرة تذهل العقول وتكشف الهموم وتجلي الأحزان.

إليك عزيز القارئ نماذج من هذه الحكايات تحقيقًا لقوله تعالى ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ 
(الضحى:11)، نعرضها في حلقات فتأمل معي:

الحادثة الخامسة

يبدو أن حكاياتنا سترتبط بالسفر شئنا أم أبينا، ربما لأنه قطعة من العذاب وإليكم هذه القصة في طريق عودتنا للكويت بعد أداء مناسك العمرة تعطلت إحدى سياراتنا فتوقفت المجموعة عند محطة البنزين، وأخذت مع صديقي السيارة عائدين بها إلى مدينة الدمام القريبة منا لإصلاحها، وعبثًا حاولنا أن نجد «كراجا» مفتوحًا إلا أن محاولاتنا باءت بالفشل، لأن الوقت كان ظهيرة يوم الجمعة، فدعونا الله أن يفرج همنا لأننا اضطررنا لإكمال البحث مشيًا على الأقدام لأن السيارة توقفت عند مدخل المدينة، ولم نجد أي سيارة تقلنا للمنطقة الصناعية في هذا الوقت.

كان الجو حارَّا جدًا، وبعد الدعاء قررنا أن نفترق على أن نلتقي عند مفرق الطريق خلف إحدى المناطق، وكان الأمل بوجود «كراج» مفتوح شبه معدوم، وبعد المسير مسافة طويلة إلتقينا سويًا عند باب حديدي مفتوح لا توجد فوقه لافتة دلنا إلى المكان بفضول، فإذا هو كراج جديد، ورماله حمراء نظيفة لم تُستعمل بعد، فسألنا الحارس ما هذا؟ فقال «كراج» جديد سيُفتتح غدا السبت، وقد جاء جميع الفنِّيِّين لتفقُّد المكان، وتجهيزه للإفتتاح غدًا، كان جميع العاملين يرتدون لباسًا موحدًا أنيقًا، كأنهم جاءوا لاستقبالنا، والجميع متحمس لإصلاح أول سيارة تدخل إلى الكراج، فكانت هي سيارتنا التي أحاطها الفريق برعاية خاصة، وتمكنوا من إصلاحها في وقت قياسي.

تبادلت وصاحبي النظرات بإعجاب، وفرحة و دهشة ولم تفارقنا الابتسامة لهذه الحفلة التي قوبلنا بها في عز الظهيرة، والعناية الإلهية التي سخَّرت لنا هؤلاء البشر في يوم عطلة، ووقت القيلولة وراحة الناس.

ألم أقل إن الدعاء يخترق الحواجز، ولا يعترف بالأعراف والقوانين لأنه هبة ونعمة من المولى جل وعلا؟

عبد الله الزامل

رسالتان عند الشروق

عبدالقادر أحمد عبدالقادر

إلى أخي المُتَدَيِّن

السلام عليك، وبعد:

فإني حزين بسبب موقفك مني

لماذا لا تهتم بي؟ وكثيرًا ما تمر، ولا تلقي عليَّ السلام.

إنني معجب بك، وأرى في شخصك عزمًا وفي وجهك نورًا، وأرى صحو الأمة في عينيك.

أراك عند كل أذان تتوجه إلى المسجد، لتؤدي الصلاة في جماعة، ولكنك لا تبالي بجماعات كثيرة تمر عليها، وأنت في الطريق إلى المسجد، ولا تكلِّف نفسك مجرد إلقاء السلام عليهم لماذا؟

إنني وغيري نرى فيك، وفي أمثالك، الأمل بعد أن خابت آمالنا في منظمات الشباب الحكومية، ثم في أسر الطلاب العلمانيين، أدوات الغرب في بلادنا الذين يحملون الأفكار اللقيطة من هناك أو من هنا.

إنني يا أخي أحب الإسلام مثلك، أحبه عزيزًا منصورًا.

أحب عقيدة التوحيد، وأكره الشرك والمشركين.

أحب الصلاة، وإذا سمعت الأذان اهتز وجداني، وأشرق قلبي، وأضاءت نفسي بكلمة «الله أكبر».

أحب الزكاة، وأخرجها من مالي، وعن نفسي وأهلي في رمضان، وأتصدق من رزق الله الذي أتاني.

أحب شهر رمضان، وأحب صومه، وأتمنى أن يكون العام كله «رمضان».

تهفو نفسي إلى الحج والعمرة، وإن شاء الله أعزم على أدائهما متى تيسرت لي الأسباب.

أحب الله ورسوله، وأحب الصالحين.

أحب المجاهدين في سبيل الله، وأدعو الله أن يجعلني في صفوفهم لتحرير القدس والأقصى، وسائر بلدان المسلمين المستضعفين.

أحب الدعاة الفاهمين، وأدعو للمرتجلين أن يأخذ الله بأيديهم ليفهموا الدين، ويُحسِنوا الدعوة إلى الله.

أحب جميع العاملين للإسلام بصرف النظر عن أسماء جماعاتهم، لا تهمني اللافتات المهم عندي هو المضمون، أحب كل جماعة تعمل لخير الإسلام في أي جانب وأدعو الله أن يجمع الشمل في كيان واحد يقود الأمة كلها، ويعيد الخلافة رمز وحدة المسلمين.

والآن أسألك أخي المُتديِّن، لماذا أراك منصرفًا عني؟ غير مهتم بي ولا بأمثالي؟

ألِأنِّي لم أطلق لحيتي مثلك؟

أم لِأنِّي لم ألبس الثوب الأبيض؟

أم لِأَنِّي لست ممن يحضرون دروس المساجد؟

فإذا كنت مع إخوانك عشرة أو مائة أو ألف، فإني وأمثالي ألف مليون مسلم، نشكل المجتمع الإسلامي، من جاكرتا، إلى نواكشوط، ومن سراييفو إلى دار السلام فهل يمكن لك ولإخوانك من المتدينين، أن تعملوا شيئًا للإسلام بدوننا؟

إني أستحلفك بالله أن تجيب عن ذلك السؤال، ثم أُذَكِّرك بهذه الذكرى، حينما دخل الإخوان المسلمون السجون والمعتقلات واختفى أصحاب اللِّحَى الجميلة الوقورة من المدن والقرى، هل تعلم من الذين حملوا الدعوة وحفظوها وقاموا بتوصيلها للجيل الجديد؟ إنهم أمثالي، ممن لاتبالي بهم الآن؟

والآن أتركك، وأنا هادئ البال مستريح الضمير، لأني صارحتك القول، وأوضحت لك الأمر، فإني أراك مقصرًا في حقوقي، وفي حقوق أمثالي.

قبل الختام أقول لك: إني أحبك في الله، ولا أزال أردد ما قلته لك سابقًا، إني أرى في شخصك عزمًا، وفي وجهك نورًا، وأرى صحو الأمة في عينيك، بل أراك شعاع الصبح الساري إلى الدنيا بعد ليل قد طال.

والسلام عليك                                                       

  أخوك: عبد الله

إلى أخي عبدالله

وعليك السلام ورحمة الله وبركاته

وإني لحزين بسبب فكرتك عني

وأصدقك القول إني أحبك في الله، برغم فكرتك هذه ثم ألتمس منك العذر، وقبول العذر من شيم الأكرمين، وسأحكي لك طرفًا مما تشكو منه من الأسباب التي قد تخفى على أكثر الناس الطيبين من أمثالك.

أولًا: إني وبعض إخواني من المتدينين لم نتمكن من تلقي العلم والتربية معًا، لقد وجدنا الكتب، وعز المُرَبُّون! كان جُلُّ هَمِّ أحدنا أن يحصل على كتاب من كتب السلف رضوان الله عليهم، فيلتهم ما فيه، ثم يقع في أخطاء العمل والسلوك كنا نظن أن الأمر لا يعدو تحصيل العلم من الكتب.

ثانيًا: من كثرة قراءتنا لكتب السلف انطبعت في أذهاننا صورة خيالية للمجتمع المسلم، وانفصلنا عن مجتمعاتنا، بل صرنا ننظر لمجتمعاتنا وكأنهم مخلوقات غريبة حتى جاء ذلك اليوم الحاسم الذي قال فيه واحد منا: ما بالنا نعيش الإسلام في القرون السابقة؟ يجب أن نعيش في مجتمعنا، يجب أن نفيق من خيالاتنا وأحلامنا في الماضي، الذي لن يعود، وفجأة وجدنا أنفسنا نضحك على أنفسنا، لقد ضحكنا كثيرًا، ولكنه ضحك كالبكاء وبعضنا بكى، ولكن هل يفيد البكاء؟

ورويدًا رويدًا، بدأنا نتخفف من أكوام الكتب، وبدأنا نزيد من اختلاطنا بالمجتمع من حولنا، وبالناس في أحوالهم، لقد بدأنا نستيقظ على الحقيقة، ونفيق على الواقع لقد اقتحمت على وجداني يا أخي عبد الله برسالتك، بل بقلبك الذي أحسست بنبضاته تهزُّني هزَّا يُقاس بمقياس رختر!

ثالثًا: إنني الآن لا أرى في شخصك العادي نقيصة، تحط من قدرك دينيًا، فإن كنت تغبطني على لحيتي فإني أشعر بثقلها الشديد، وبرغم سعادتي بمظهر الاقتداء برسول الله ﷺ غير أني أشعر بوطأة الذنوب وإيلام المخالفات أكثر من الملتحين ولا أخفي عليك يا أخي أن أكثر ما يؤلمني هو الارتجال الذي مارسته بلحيتي في السنوات السابقة، وكم أود أن يتسارع الزمان ليحسب لي صفحات من الرشد في القول والعمل، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: ١١٤)، ولعل الناس ينسون سنوات الارتجال، ليتني أخَّرت إطلاق لحيتي ريثما استوعب دعوتي، ولكن حسبي أن اللحية من سمات الرجولة، وليست فقط علامة تدين.

رابعًا: أراك يا أخي عبد الله، قد أدركت أخطر جوانب تفكير وممارسة المتدينين أمثالي، لقد كنا نتصور أننا نحن فقط جماعة المسلمين ودعاة الإسلام والعاملون من أجله، وأننا وحدنا الذين سنقيم دولة الخلافة الموعودة.

ثم اكتشفت أنا وغيري بعد مِحَن أفغانستان والبوسنة والشيشان أن عامة المسلمين مثلنا في جرأة القلوب، وكفاءة الأداء في ساحات الجهاد، بل ربما أكثر منا في ذلك، لقد جاهد عامة المسلمين في تلك البلاد أحسن ما يكون الجهاد، ولا أنسى إحدى مآسينا نحن المتدينيين الشباب، حينما انصرفنا عن الجهاد وواجباته، وانشغلنا بعقائد المجاهدين، وتفرغ بعضنا للبحث والتنقيب عن عقائد الآخرين.

لقد كانت دماء الشهداء تسيل، ودماء الجرحى تنزف، وبعضنا يتشكك في عقائدهم.

هل يشك أحد في عقيدة رجل يقتحم النار دفاعًا عن الإسلام ويصد الملحدين، والصليبيين، والصهيونيين عن الديار والمقدسات؟

لقد كانت صفحات من الارتجال، لعل القدر وفسحة الأجل يعطيانا فرصة لإصلاح ما أفسدناه خامسًا: أستحلفك بالله يا أخي عبد الله، أن تسامحني وأن يسامحنا المسلمون، فليس التدين الذي سلكنا سبيله سابقًا هو مجرد اللحية فقط وليس هو فقط الثوب الأبيض الناصع، «إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم».

لقد وجدت فيك يا أخي عبد الله تديُّن القلب الذي افتقدته أنا وإخواني، وجدت فيك قلبًا يقظًا كان غائبًا عنا في عالم الكتب ودروس العلم المنفصل عن العمل.

أعدك يا أخي عبد الله، أن أعيش بقية عمري في مجتمع المسلمين، أقصد مجتمعاتهم، وذلك هو الطريق لتحقيق النصر، أملنا المنشود، والسلام عليك.

أخوك المُتدَيِّن

قطوف عملية من حقل التجارب الإسلامية

صور من انعدام الوزن في الممارسات الدعوية

بقلم: د.فتحي يكن

تمامًا كما يحدث عند انعدام الوزن في «المركبات الفضائية»، لدى تجاوزها حدود الجاذبية فيتطاير كل شيء، ويسبح في الهواء فيهوي الرأس إلى أسفل وترتفع الأرجل إلى أعلى ويفقد الإنسان القدرة على السيطرة والتوازن. يمكن أن يحدث مثل ذلك لدى انعدام الوزن في الممارسات التنظيمية والاجتماعية والسياسية، وغيرها من الممارسات.

فقد يحدث أن يُكَلَّف إنسان بمهمة ما.. فإذا كان الإختيار على غير مواصفات ومعايير محددة، ومتكافئة مع المهمة تنشأ حالة من انعدام الوزن يمكن أن تؤدي إلى سوء الاختيار، ووضع الأمور في غير مواضعها، وبالتالي إلى فشل المهمة ومن هنا كانت الحكمة البالغة لدى الشاعر في قوله:

وإن كنت في حاجة فارعها

وأَرْسِلْ حكيمًا ولا تُوصِه

قدر وهدى:

لقد بُنِيَتْ السنن الإلهية على قواعد وأصول، واقتضت إرادة الله، وحكمته حدوث التنوع والتعدد والتفاوت في كل شيء في القدرات الذهنية، والعصبية، والعضلية، والنفسية، وغيرها، ليتحقق ملء الشواغر كلها - صغيرها وكبيرها - وسد الثغرات جميعها - عظيمها ووضيعها - وإنجاز المهمات المختلفة - سهلها وصعبها - ليكون لكل دور وعلى كُل مسؤولية فيتكافل البناء، ويقوى ويستقيم.

فإذا لم يُقَلَّد الناس المهام المتناسبة مع طاقاتهم وقدراتهم، وأحجامهم، اختل التوازن وغاب التكامل، ولحق الفشل بالأعمال والمهام وهوى البنيان وسقط، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (رواه البخاري)، والساعة هنا: ساعة الأمر وقيامته، أي ذهابه وخرابه.

معرفة الإنسان لحدوده:

إن من الأساليب الرئيسة التي تؤدي إلى هذا الإنعدام للوزن، عدم معرفة الإنسان لحدوده وبالتالي عدم وقوفه عندها، وصدق من قال: «رحم الله امرأ عرف حده فوقف عنده».

وإن مما يوقع في ذلك ضغط الأهواء. والمصالح الخاصة، والشخصية نتيجة انعدام التربية التي في كثير من الأحيان تطفئ نور البصيرة وشعلة التفكير، وتطلق العنان لعمل الجوارح والعضلات والأظفار والأنياب، فيلغي الصغير دور الكبير حتى يصغر الدور، ويتقدم الجاهل على العالم حتى يَعُمَّ الجهل، تمامًا كما في انعدام الجاذبية عندما يهوى الرأس إلى أسفل، وترتفع الأرجل والأقدام إلى أعلى أو كما جاء في قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (الملك: 22)، نسأل الله العفو والعافية.

أمثلة من الواقع:

في الواقع فإن ذلك ماثل في كثير من الوقائع والظواهر التي تتكرر في كل مكان وزمان!

سمعتُ أن قُطْرًا أجرى انتخابات تشريعية لاختيار مجموعة ممن يفترض أن يكونوا من أهل الحل والعقد أي من أهل العلم والخبرة والحكمة والمأثرة، ليحسنوا «الحل»، إن حلُّوا، ولا يسيئوا «العقد» إن عقدوا، وهذه الصفات لا يمكن أن تتأتى إلا لِمَن خَبِروا الأيام، وعركتهم التجارب فكوَّنَت مدرسة الحياة ثقافتهم، ومعرفتهم. وحكمتهم، وبُعْدُ نظرهم فكانت النتيجة أن استُبْعِدَ معظم هؤلاء، وحل محلهم من هم في مستوى أولادهم، وأحفادهم معرفة، وخبرة، ووعيًا.

ضوابط المصلحة الشرعية:

إن مسؤولية الإختيار مسؤولية كبيرة وبخاصة عندما تكون لمواقع وأدوار ومهمات إسلامية والتفريط فيها وعدم إخضاعها لضوابط المصلحة الشرعية العليا من شأنه أن يهبط بها إلى مستوى الصراع الشخصي على المواقع ذاتها، وليس على ما تقتضيه وترتبه من مسؤوليات، ومن هنا تتولد الكارثة وتكبر.

وكما تحتل العضلات مواقع التفكير، وتأخذ الجوامح دور المكابح، يندفع القادرون على التنفيذ إلى احتلال مواقع التشريع وهم غير قادرين عليها، في حين يبقى أهل التشريع بلا دور لأنهم تجاوزوا مرحلة القدرة على التنفيذ، مما يُؤَدِّي إلى فشل الدورين وإخفاق الموقعين.

والأمر هكذا يجب أن تخضع عمليات الاقتراع والانتخاب للمواقع التخصصية للاعتبارات والمعطيات التكليفية لا التمثيلية وبخاصة إن كانت تشريعية.

كاتب لبناني.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 318

80

الثلاثاء 21-سبتمبر-1976

من شذرات القلم

نشر في العدد 1891

70

السبت 27-فبراير-2010

المجتمع المحلي (العدد 1891)

نشر في العدد 1395

98

الثلاثاء 11-أبريل-2000

استراحة(1395)