; المجتمع الثقافي (العدد1418) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد1418)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-2000

مشاهدات 44

نشر في العدد 1418

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 19-سبتمبر-2000

العقل.. النص بين الجابري ونصر حامد أبو زيد

محمود الكسواني

صدر د. نصر حامد أبوزيد غلاف كتابه مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن بافتراض يقول: وإذا صح لنا بكثير من التبسيط أن نختزل الحضارة في بعد واحد من أبعادها لصح لنا أن نقول إن الحضارة المصرية القديمة هي حضارة ما بعد الموت» وأن الحضارة اليونانية هي حضارة العقل» أما الحضارة العربية الإسلامية فهي حضارة النص».

وما افترضه أبو زيد بصفته لغويًا كنا قد قرأناه عند الدكتور محمد عابد الجابري على النحو التالي: إذا كانت الفلسفة هي معجزة اليونان، فإن علوم العربية هي معجزة العرب». الجابري تكوين العقل العربي ص (۸۰).

وبعبارة أدق إذا جاز لنا أن نسمي الحضارة الإسلامية بإحدى منتجاتها، فإنه سيكون علينا أن نقول عنها إنها حضارة فقه وذلك بنفس المعنى الذي ينطبق على الحضارة اليونانية، حينما نقول عنها إنها حضارة فلسفة، وعلى الحضارة الأوروبية المعاصرة حينما نصفها بأنها حضارة علم وتقنية (المصدر السابق ص (٩٦).

والمتأمل في النصين السابقين نص أبوزيد ونص الجابري، يجد تشابهًا خفيًا بينهما، ولكن نص أبي زيد كان صريحًا جدًا، حيث أخرج الرجل كل ما في وعائه، ولم يترك لنا مجالًا للتأويل، بينما أفسح الجابري مجالًا لتأويلات وإن صرح في نهاية المطاف بما لا يحتمل التأويل، ولكن على طريقته البرهانية حيث قام بتحليل رسالة الشافعي بما يؤكد أن أبا زيد يتقمص الجابري بقول الأخير حتى غدا النص هو السلطة المرجعية الأساسية للعقل العربي وفاعليته المصدر السابق ص ١٠٥.

الفرق بين الجابري كفيلسوف وأبو زيد يبرز من خلال المنطق البرهاني الذي يغني النص الجابري مقارنة بنصوص أبي زيد، فالجابري لم يكن يعمم بقدر ما كان يكشف الغطاء عن الرأي الشائع المهيمن على الواقع العربي الإسلامي بعد الشافعي، لكنه يقر بأن العقل كان له دور فعال في مكان آخر، وفي منطق آخرين لا يتبنون منهج الشافعي في تأصيل أصول الفقه، فيقول الجابري: هنا مع أبي حنيفة، ومع أهل الرأي عامة، كان المشرع هو العقل. لقد كان أبو حنيفة في الشريعة كالمعتزلة في العقيدة، أما الشافعي فلقد كان هو المشرع له، أي للعقل المصدر نفسه ص ١٠٦.

شرح لغوي المقولات الجابري

ونظرًا لما يحمله افتراض أبوزيد من مغالطات حسب ما نعتقد نحاول بيان ذلك بتفصيل على نحو ما، لقد كرر أبو زيد افتراضه في كتابه أكثر من مرة، وهو يتبنى أحد الوجوه التي يحتملها نص الجابري من تأويلات، ويبني عليها افتراضات معينة، ربما يعتقدها أو لا يعتقدها، إنه بعبارة أخرى يحاول أن يشرح مقولات الجابري من موقعه كلغوي، ولكن الولوج لنصوص أبوزيد من نصوص الجابري يعطي البحث بعدًا معرفيًا نرغب باستلهامه، إذ من الغرابة أن يفوت أبو زيد بيان مقصوده من مصطلح العقل طالما أنه أورده بشكل لافت، فهل يتحدث عن العقل بوصفه أداة للتفكير، أم يقصد به المنتوج الفكري، فكان عليه أن يعرف العقل ثم يطابق تعريفه على حضارة اليونان، فإن تطابق التعريف مع واقع الحضارة اليونانية صح منه ما ادعاه وإن لم يتطابقا بطل ما ادعاه، ولكن موقع أبوزيد كلغوي يمنعه من ذلك وخاصة أنه يتحدث في علوم القرآن.

العقل كأداة، العقل كمحتوى فما العقل؟:

لماذا لا نقبل بحقيقة أن العملية العقلية أو التفكير أو الحكم على الواقع المحسوس لا تختلف بين قوم وقوم ولا يجوز لها أن تختلف؟

بصفتنا عربًا لا نفهم من العقل إلا ما يناسبه داخل منظومة اللسان العربي، ونحن لسنا بدعًا في ذلك، فلكل قوم هاد، والفرنسي كذلك لا يفهم من العقل غير ما تعنيه لغته، ولكن العربي والفرنسي يشتركان في طريقة الاستدلال العقلي، فالعقل كفعل واحد عند كل الناس، وإن اختلفت تسمياته من لغة لأخرى، فليس هناك عقل خاص باليونان وعقل خاص بالعرب، لأن العقل خاصية من خواص الإنسان كنوع لا كجنس، بينما منتوج العقل أو محتواه هو الذي يعول عليه بالتفرقة بين الحضارات وهذه التفرقة التي نشير إليها هي نفسها التمييز الذي أقامه لالاند Lalande بين العقل المكون أو الفاعل، والعقل المكون أو السائد، فالأول يقصد به النشاط الذهني». والثاني هو مجموع المبادئ والقواعد التي نعتمدها في استدلالاتنا (الجابري تكوين العقل العربي ص 15).

مفهوم لا يعنينا

مفهوم لالاند كما أشار إليه الجابري، لا يعنينا نحن العرب في شيء، وإن كان صحيحًا داخل منظومة الحضارة الغربية، فللتمييز بين مفهوم العقل كأداة ومفهوم العقل كمحتوى، ولا نحتاج نحن العرب لبحثه عقليًا أو منطقيًا، ولا نحتاج لغير ما اصطلح عليه العرب في لسانهم، فاللغة العربية إنما اصطلح عليها العرب، ولم يولد الإنسان متكلمًا، فطريق معرفتها هي أخذها عن العرب الذين وضعوها واصطلحوا عليها، فإذا قالوا هم إن لفظ العقل موضوع المعنى كذا، فيقبل قولهم ويسلم به لا يناقش لأنه مسألة وضع واصطلاح، ومسائل الوضع والاصطلاح لیست مسائل عقلية ولا متعلقة بالإدراك والتفكير، أما طريق أخذ اللغة من العرب، فهي الرواية الصحيحة سواء كانت متواترة أو آحادًا لفظًا ومعنى، ولا محل للعقل في اللغة مطلقًا، وتبقى معرفتها متوقفة على النقل عن واضعيها، أي العرب، وخاصة أعراب العرب، لا لأنهم أخشن من غيرهم كما يشير الجابري، بل لأن البدو لم يختلطوا بغير بني جلدتهم فحافظوا على أصول لسانهم.

العقل لغة عن العرب الحبس والربط والمنع والحصن، ولاشتقاق المعنى الاصطلاحي للعقل من المعنى اللغوي، ننظر في القاسم المشترك بين معانيه اللغوية، فنجد أن ما تشترك فيه هذه المعاني لا يخرج عن معنى الاطمئنان والسكون إلى الشيء، ومنع الاضطراب، فربط الناقة يمنع حركتها، فرباطها حصنها الذي تسكن فيه، وكذلك الظبي حين يمتنع بالمعقل أي بالحبل، إنما يبحث عن الأمن والسكون، والدواء يعقل بطن المريض، أي يسكنه ويهدئ من وجعه، ومن المفارقة العجيبة أن نقيض العقل عند العرب هو الجنون والجهل والقاسم المشترك بين الجاهل والمجنون أنهما مضطربان مهتزان، ومن هنا نستطيع أن ندرك المعنى المعياري للعقل عند العرب والذي يعتبره الجابري أمرًا شائنًا وغير موضوعي.

جاء في التعريفات لأبي علي محمد الشريف الجرجاني أن العقل هو ما يعقل به حقائق الأشياء»، وهذا تعريف جامع مانع يشمل كل طرق الاستدلال البرهانية، فكل طريق يمكن أن يعقل بواسطتها حقائق الأشياء تعتبر طريقة عقلية، لأنها اشتغال الحواس بالمحسوسات، فإذا حصل المفكر اطمئنانًا بمحتوى تفكيره، أي بمنتوج عقله، سكن وانقاد إلى المعنى الذي توصل إليه. واعتبره حقيقة وبرهن عليه وفق الطريقة العقلية التي استخدمها لإنتاجه وهي الطريقة المشتركة بين البشر جميعًا.

ولا يقول العرب للمدرك بأنه عاقل ما لم يطابق حسن حكمه ومعتقده حسن صرفه، فهذا عندهم حال المجنون والسفيه، والضال، كذلك لا يعدون الاعتقاد سليمًا ما لم يبن على علم، والعلم عندهم ليس الاعتقاد إنما شرط من شروطه فالعلم هو: تحصيل النفس ليقين تميز به بين حقائق المعاني.

ومن الخطأ بمكان أن يقال: إن اللغة العربية لغة قيمية تعبر عن النظرة المعيارية إلى الأشياء، وأن غيرها من اللغات وخاصة الأوروبية، لغات موضوعية تبحث في مكونات الأشياء، وهو ما يتبناه الجابري في تحليله للعقل العربي، وإن كان معنى العقل بلسان العرب يطوي معاني الحسن ويتجنب القبيح، كذلك الفرنسيون حين اصطلحوا على لفظ Rison بمعنى العقل السبب لم يكونوا بعيدين عن وضع اصطلاح يطوي معاني الحسن ويتجنب القبيح، لأن السببية قانون حسن بمعنى أنه يحمل نظرة قيمية ومعيارية للفظ.و كذلك حال العربية، والمقياس المعياري للغة، ليس عيبًا كما يتصور الجابري بل نابع من المعنى القيمي للفظ العقل، ذلك أن التمييز بين الحسن والقبيح في عرف العرب وغيرهم لا يكون إلا بالعقل، وعلى يد العقلاء، وهم أهل العلم والاتزان العقلي أي الحكماء. فالحكمة لغة عند العرب هي المنع، مأخوذة من حكمة الفرس، وهي قطعة حديدية توضع في رأس اللجام وفي فم الفرس تلجمه أي تمنعه من الاضطراب وهذا مرادف لمعنى العقل لغة عند العرب فالحبس والمنع بمعنى واحد.

من هنا كانت الفلسفة بصفتها مصطلحًا دخيلًا على العربية، لا تجد لها معنى مرادفًا إلا الحكمة، أو حب الحكمة، ولكن الفلسفة بمفهومها اليوناني حملت معاني فضفاضة للعقل، أو لطرق الاستدلال العقلي مع أن للتفكير طريقة واحدة في الاستدلال هي الطريقة العقلية، ولكن الفلسفة اليونانية أسست على خليط من طرق الاستدلال، منها ما هو عقلي ومنها ما هو غير عقلي كالقياس السوفسطائي، والمغالطي، والخطابي، ومنطق الشعراء، فهي عند اليونان تندرج تحت مفهوم فلسفي يحمل مغالطات عديدة يمكن أن نسميها ظنونًا وافتراضات غير علمية، وقد أنكر القرآن على الكافرين ظنونهم وفرضياتهم المبنية على التأمل في الموروثات والجدل الظني، فقال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ (الأنعام : 116).

نقيض العلم والمعرفة

فالظن والتقليد نقيضا العلم والمعرفة، والسفاهة والقبح نقيضا العقل الحسن، وهذا هو واقع العقل عند العرب، كما يعنيه لسانها.

العقل هو الحكم على الواقع بشرط خلو الذهن من الآراء المسبقة ومنها المفاهيم، فالمفاهيم ليست هي العلوم والمعارف، إنما هي الآراء المسبقة عن الواقع، وهي ما يسميه لالاند بالعقل المكون أي «العقل السائد»، ويقدر تطابق المعلومات مع واقعها الحسي، بقدر ما تكون المفاهيم صحيحة، حتى تصبح معلومات يحتكم إليها، فالرأي هو الحكم المسبق على الأشياء، وهذا لا يجوز اعتباره في العملية العقلية، لأنه ليس ركنًا من أركان التفكير، بل هو مشوش لهذا لا نحتاج نحن العرب لغير لسان العربية في تحديد معنى العقل.

تساؤلات أخيرة نضعها بين يدي الدكتور أبوزيد ما الفرق بين النص العقلي والعقل؟ أليست حضارة اليونان العقلية، قد نقلت إلينا بالنص؟ أليس كل ما ينتجه العقل، لا يبين واقعًا إلا من خلال نص؟ أليس فلاسفة العرب هم الذين نقلوا فلسفة اليونان إلى أوروبا بعد أن ترجموها إلى العربية، وهي نصوص، وكانت فلسفة اليونان قبل ذلك دفينة الكتب أي نصوص لا يعلم الأوروبيون عنها شيئًا؟

ولا ندري كيف فات الدكتور أبوزيد وهو متخصص بلسان العرب ما شار إليه عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز في علم المعاني، من أن اللفظ إنما يصاغ ليعبر عن بنية معاني بعبارة أخرى: «الكلام من حيث الماهية هو بنية ألفاظ عقلية، فهو لفظ من فعل جهاز النطق «معقول من كونه معانى» انظر معطيات أخرى عند نزال عمر سميح، مقدمة في دستور العلوم المعرفة الفصل الخامس.

نعم، هناك فرق بين المنتوج العقلي السائد وبين فعل العقل، فالأول ليس ركنًا من أركان التفكير، كما أشرنا، ولا يجوز أن يكون ركنًا من أركان التفكير، والنقد فعلًا يجب أن يتجه إليه، لا على فعل العقل لأنه فعل إنساني لا أتصور أن يختلف بين إنسان وآخر.

أقبل على الموت يا محمود

شعر: شادي الأيوبي

انشد نشيد المعالي في روابيهـ
إن الأعادي تمادت في مخازيها
إلى فتى من دماء الظلم يرويها
والله ساقك يومًا كي تداويها
يا ويحها كان إبليس يمنيها
فيه الشفاء من الداء الذي فيها
تدمي المحبة أحيانًا محبيها
ما لم يكن مبضع الجراح يكويها
إلا يجازي بأضعاف محييها
فالداء كالدم يجري في مجاريها
أعيا المريض وزاد الجرح تشويها
ما أتعس الجند أن قد كنت ساقيها
لهم عيون وإن الحقد يعميها
تجدي الجسوم بدون النور يهديها
أحييتها من سبات كاد ينسيها
فتيانها الغر بالأرواح تفديها
بان قتلت الخوافي من أمانيها
نشرت حسرتهم بانت معانيها
أحلامهم بك فرت من مخابيها
كانت عناية رب الناس تخفيها
كانت يد الله بالنيران ترميها
 

انشد نشيد المعالي في روابيهـ
إن الأعادي تمادت في مخازيها
إلى فتى من دماء الظلم يرويها
والله ساقك يومًا كي تداويها
يا ويحها كان إبليس يمنيها
فيه الشفاء من الداء الذي فيها
تدمي المحبة أحيانًا محبيها
ما لم يكن مبضع الجراح يكويها
إلا يجازي بأضعاف محييها
فالداء كالدم يجري في مجاريها
أعيا المريض وزاد الجرح تشويها
ما أتعس الجند أن قد كنت ساقيها
لهم عيون وإن الحقد يعميها
تجدي الجسوم بدون النور يهديها
أحييتها من سبات كاد ينسيها
فتيانها الغر بالأرواح تفديها
بان قتلت الخوافي من أمانيها
نشرت حسرتهم بانت معانيها
أحلامهم بك فرت من مخابيها
كانت عناية رب الناس تخفيها
كانت يد الله بالنيران ترميها
 

أقبل على الموت شرف هام أمتنا
شق الصفوف وحيدًا دونما وجل
واشف الصدور من الأحزان كم ظمئت
جند المخازي بداء الكبر قد سقمت
جاءتك تهدر والأمال تدفعها
انت الطبيب فعالج بالرصاص عسى
أنت الحبيب فعالج بالدماء وقد
ما يذهب الداء عن مرضى مؤرقة
ما يفرح الجند إذ القوا تحيتهم
ما كان ذنبك إذ مزقت أجسمهم
إن الطبيب إذا ما الخوف راوده
يا ساقي الجند من ذل ومن ندم
لهم قلوب وإن الجبن عطلها
لهم جسوم كاجسام البغال وما
اليوم تنظرك الآلاف في شغف
اليوم ترمقك القدس التي انتظرت
وما قتلت جنود الخزي بل علمت
وما نشرت دماهم في الشوارع بل
وما قررت من الآلاف بل نظروا
وما جروا خلف آثار الدماء فقد
وما رميت جنود الخزي انت فقد

أقبل على الموت شرف هام أمتنا
شق الصفوف وحيدًا دونما وجل
واشف الصدور من الأحزان كم ظمئت
جند المخازي بداء الكبر قد سقمت
جاءتك تهدر والأمال تدفعها
انت الطبيب فعالج بالرصاص عسى
أنت الحبيب فعالج بالدماء وقد
ما يذهب الداء عن مرضى مؤرقة
ما يفرح الجند إذ القوا تحيتهم
ما كان ذنبك إذ مزقت أجسمهم
إن الطبيب إذا ما الخوف راوده
يا ساقي الجند من ذل ومن ندم
لهم قلوب وإن الجبن عطلها
لهم جسوم كاجسام البغال وما
اليوم تنظرك الآلاف في شغف
اليوم ترمقك القدس التي انتظرت
وما قتلت جنود الخزي بل علمت
وما نشرت دماهم في الشوارع بل
وما قررت من الآلاف بل نظروا
وما جروا خلف آثار الدماء فقد
وما رميت جنود الخزي انت فقد
ابن الرومية

بين علوم الدين وعلوم الحياة

في إحدى بلاد الأندلس المفقود، وبالتحديد في إشبيلية حيث الزهور الفواحة والورود وفي سنة ٥٦١هـ كان هذا المولود، أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج بن أبي الخليل الأموي بالولاء الإشبيلي الأندلسي الملقب بابن الرومية.

كان ابن الرومية محبًا للعلم، مقبلًا عليه، لفت انتباهه عالم النبات، واستشعر قول الحق جل وعلا: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ (الأنعام : 99).

ودفعه حبه لهذه الآيات الربانية في هذا الكون الفسيح إلى التحري عن منابت الشجر، والسير وراء الأعشاب، وتتبع حياتها، وجمع أنواع النباتات، وسبر أغوار هذا العالم الذي يعيش بجوار عالم الإنسان، يخدمه في طواعية، ويسبح بحمد ربه، متناغمًا مع هذا الكون وما فيه، لا يتبرم ولا يضيق، بل ينساب في رقة بألوان مختلفة ومذاقات متباينة.

جمع ابن الرومية ما قدر عليه من معلومات حول النباتات التي أنبتها الله في واحة الأندلس الخضراء، ثم انطلق يجوب بلاد المشرق الإسلامي فنزل مصر سنة ٦١٣هـ، وأقام فيها مدة، ثم ارتحل إلى بلاد الشام، ثم العراق، ثم الحجاز نحو عامين أفاد من رحلته كثيرًا من المعارف حول نباتات أخرى لم يرها في الأندلس، وأخذ يجمع العلم بلا كلل، ويضبط كل ما يشاهده، ويصفه بدقة تامة ويقارن بينه وبين ما سبق أن جمعه.

كما دفعه حبه للعلم الشرعي إلى التخصص في علم الحديث، فكان يختلف إلى العلماء في رحلاته التي قام بها في بلاد الشام والعراز والحجاز.

ثم رجع إلى مصر، وكان قد ذاع صيته كعالم نبات بارع، ومحدث نابغ، فأكرمه الملك العادل الأيوبي وأحسن وفادته وقدر منزلته، فرسم له راتبا شهريا وعرض عليه البقاء في مصر، ليفيد أهلها منه ومن علمه غير أنه اختار العودة إلى وطنه الأمة ليضع هناك خلاصة رحلاته وتجاربه ويستجمع كل ما أكرمه الله به من علم.

وظل في إشبيلية يصنف، ويبوب، ويؤلف، ويترجم كتب الأقدمين، ويعلق عليها، ويفسرها وفق مشاهداته ومنهجه العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهد إلى أن وافته المنية في ربيع الثاني سنة ٦٣٧هـ مخلفا آثارًا علمية في علمي النبات والحديث.

فمن أثاره في علم النبات والعقاقير:

- تفسير الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس.

- أدوية جالينوس.

- الرحلة النباتية.

- المستدركة.

- تركيب الأدوية.

- فضلًا عن التعليقات والشروح والتفاسير الكثيرة في هذا العلم.

- ثم ختم تصانيفه في هذا العلم بكتاب رتب فيه أسماء الحشائش على حروف المعجم.

أما آثاره في علم الحديث، فمنها:

- المعلم بما زاده البخاري على مسلم.

- نظم الدراري فيما تفرد به مسلم على البخاري.

- مختصر الكامل.

- توهين طرق حديث الأربعين.

- وأخيرًا له فهرست أفرد فيه روايته بالأندلس عن روايته بالمشرق.

رحم الله ابن الرومية، الذي كان مثالًا للصبر على طلب العلم، والجمع بين علوم الدين وعلوم الحياة.

وما أحوجنا - نحن طلبة العلم اليوم - إلى الصبر على العلم والتوغل فيه وسبر أغواره والجمع بين علوم الدين وعلوم الحياة، والعمل الدؤوب لرفعة شأن أمتنا الإسلامية، والتنقيب على تراث أعلام أمتنا وفهمه والإفادة منه، وأخذ العبر والدروس التي تسهم في إعادة مجدنا التليد. ومواجهة عالم اليوم بصدق وعزيمة.

في ندوة أدبية:

شعرنا الإسلامي بين هم المضمون والشكل

هل هناك ما يسمى الكلمة الشعرية أم ترى أن الكلمة تكون شعرية أو غير شعرية ضمن سياقها وتألفها في الجملة العربية؟ أين يمضي خطابنا الشعري اليوم ثم أليست الشاعرية الأصيلة هي القادرة على النفاذ إلى مضمون سام من خلال شكل معبر جميل؟ هذه الأسئلة احتشدت في ذاكرتي، وأنا أحضر الأمسية الشعرية التي أقامتها رابطة الأدب الإسلامي العالمية في الأسبوع الثاني من جمادى الأولى ١٤٢١هـ في العاصمة الأردنية، وقد كان فارسًا تلك الأمسية الشاعرين حسن الأمراني، وعدنان النحوي، وأدارها الأخ الأديب الدكتور مأمون فريز جرار رئيس مكتب الرابطة في الأردن، وحضرها جمع كبير من الأدباء الإسلاميين، وجمهور من متذوقي الشعر الإسلامي ومشجعيه، وقد عرف الأديب مأمون فريز جرار بالشاعرين، ورحب بهما وسط حشد حافل من الأدباء والمهتمين، وبدأ الأمسية الشاعر حسن الأمراني بقصيدة «بيت الشعر، وهي تتحدث عن قهر الإسلاميين في تركيا، ورغم القمع فإن شموخهم وثباتهم يتحدى الطغيان، أما قصيدته الثانية فهي كشمير» التي تحلق إلى هناك تؤرخ للجهاد الكشميري وبطولات أبنائه عبر صور شعرية حية قادرة على شحننا بالق الفداء والبطولة، ولم يغرد الشاعر عدنان النحوي بعيداً عن هذا الشذا الجهادي، فقد شدا شعرًا عذبًا التحم بعاصمة الهرسك، معبرًا عن الحقد الصربي البغيض للمسلمين، وفي قصيدته الثانية: «الشيشان كان الهم الشيشاني حاضرًا، وقد جاءت هذه القصيدة مترعة باللوعة والحزن لما يحدث لإخواننا هناك أمام صمت العالم الإسلامي، لكنها حفلت أخيرًا بالكثير من الإشراقات الشعرية المتفائلة بانتصار الحق وهزيمة المعتدين.

ويمضي بنا النحوي إلى الأقصى إلى ساحاته وظلاله، فتنفر قصيدته يا قبة الأقصى، إلى دوم تكبيره، إلى حنينه وأنينه إلى جراحه، وأريد برتقاله، ونداوة أسحاره فيقول:

ديا قبة الأقصى طلعت على المدى

أفقًا يظلل لهفتي وأوارة

يا ساحة الأقصى ويا لجلاله

سدت إليك مسالك وبرارة

أصغي إلى الزيتون بين ظلاله

قصص الجدود ونسمة الأخبا

وعلى أريج البرتقال نداوة

نشرت هوى الأصال والأسحا

وشذا من الليمون بين أريجه

دفق الملاحم أو دوي نفا

المسجد الأقصى فيا لحنينه

وأنينه وجراحه وإسار

أما شاعرنا الإسلامي حسن الأمراني، فتزهو قصيدته الخوف من معارج القدس، وتفيء إلى ظلال الأقصى وتهتف بصوته عبر ثراء شعرة مورق، وشفافية من الغموض الفني الجميل الذي يبوح أحيانًا برموزه، ويشف حتى يغدو حلمًا أسرًا

قریبان

غریبان

على بعد توحدنا

ومن عجب تصادر حلمنا الأسوار

وأبصرها كلؤلؤة بأعماق الميحطات

يكاد إذا تجلت بعد إخبات

سناها يخطف الأبصار

مطهرة كمثل الثلج والبرد

ولا بيت يواريها

وتسكن رائق الأشعار

يبشرني حبيب القلب لا تحزن

فإن وراء هذا النهر نهرًا سائغًا

يفضي لذات العاشق المحروم بالأسرار

ويمضي شاعرنا الأمراني مع هذا النغم الروحي يناجي فلسطيني وتناجيه، لتظل في ذاكرته الإسلامية الحية مورقة مؤرقة تصدح بألحان الحب وتطرق محاريبه وتهبه أراجيحها الخضراء:

إلا إني منحتك درة أغلى من الجسد

ومن أفراح هذا الكون

أنت أحب من روحي ومن جسدي

أنا عتباتك الأرجوحة الخضراء

نحو مدارج النفس

نحو معارج القدس

فلا تكسر براعتها

ولا تطفئ سراج الروح يا سندي

وفي نهاية الأمسية دار حوار طيب

حول التجديد الذي نريده للشعر الإسلامي وهو امتداد المدرسة الرافعي في احتفائه بالجملة القرآنية، وفي استحضاره لتراثنا بأبهج صوره.

كما شمل الحوار موضوع المباشرة والخطابية في شعرنا التقليدي ومدى الحاجة إلى التخلص من هذه النمطية التاريخية.

المعجزة الثقافية وثنائية الإيمان بالحق والعمل باتجاه الكمال

تميزت معجزة نبينا الأكرم الله عن سائر معجزات الأنبياء والمرسلين بأنها معجزة ثقافية أبدعت أفكارًا، ومعجزاتهم مادية صير منها تعاقب الليل والنهار أخبارًا، بينما ظلت معجزة القرآن الكريم تتعامل مع العقل طويلًا من خلال الفكرة والحكمة والكلمة وهي تخاطب الإنسان عبر امتدادات الزمان والمكان وتتحدى العالمين على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.

وحينما عجزت العقول والفحول عن أن ياتوا بسورة بل بحديث من مثله، أذعنت الأرواح لهذا الإعجاز الثقافي الرفيع وآمنت به مصدقة بما فيه من قيم ومضامين ومعان سامية، ولم يتصور أحد من أعداء هذا الدين أن يظل هذا التحدي قائمًا حتى الساعة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، رغم ما خطأه العلم من خطوات وقطعه من مسافات وأشواط مذهلات، لكن الكلمات البيئات التي بناها الإبداع الإلهي من حروف (الم) والمر وكهيعص) مازالت شامخة سامقة تتحدى أولي الألباب والكتاب وأهل البيان والبنان والخطاب وتبهرهم فيعجزون لتظل كلمة الله هي العلياء يحفظ نصوصها الأدباء وأهل الذوق حتى لو كانوا بها من غير المؤمنين، لأنهم ذاهلون مشدوهون أمام أية إبداع إلهية لا يستغني عن عطاءاتها وإلهامها مثقف أو أديب أو فنان.

ولم تكن بلاغة القرآن وحدها أسرار إعجازه، وإنما كانت مضامينه ومعانيه هي الأخرى مدعاة للدهشة والحيرة والافتتان.

ومن يتأمل آياته وسوره تتراءى له سمتان هما الحق والكمال، وكان عمارة النص القرآني قد شيدت عليهما إذ الحق والكمال هدف الوحي الإلهي فكان الحق مبثوثًا في ثنايا الآيات وحناياها بكل ما تحمل من دلالات البحث عن الحقيقة، والسعي نحو العدل والعمل على تجسيده في النفس الإنسانية كما في الحياة الاجتماعية، وفي القلوب كما في الأرواح والأفئدة، وفي الأعمال كما في النوايا وأعماق الضمير.

وينتصب الكمال كذلك هدفًا ساميًا مقدسًا لهذا النهج الرباني الرائد يأخذ بيد الإنسان إلى حيث الجمال والجلال وحسن الفعال ويتدرج بالبشرية في معارج سموها حتى لقاء الله.

وبين ثنائية الإيمان بالحق والعمل باتجاه الكمال سير القرآن الحياة والأفراد والمجتمعات صوب الأهداف الإلهية الرامية لعمارة الأرض وصلاح أهلها عبر التجسيد العملي لهذه القيم ومن خلال القدوة الحسنة التي تجلت في شخصية الرسول القائد وهو يسبق الآخرين إلى العمل بما جاء به ودعاهم إليه فيحول النظرية إلى سلوك والأفكار إلى ممارسات، والقيم إلى حركة في المجتمعات وأسلوب في الحياة موجدًا بهذا البرنامج المتكامل خير أمة أخرجت للناس يوم أمرت بالمعروف وعملت به، ونهت عن المنكر وانتهت عنه، وصيرت من إيمانها قرينًا للعمل فصاغت من عمل المؤمنين وإيمان العاملين حضارة البناء والتنمية والإعمار، فتحولت تلك المعجزة الثقافية إلى معجزة سلوك ومشروع حضارة، وبرنامج حياة غير الإنسان والأكوان ولونها بطيف رائق الألوان.

وها هي المعجزة القرآنية اليوم ليست تتحدى وحسب وإنما تتصدى مبشرة بحياة جديدة خيرة ودنيا سعيدة نيرة، واضعة كل المؤمنين بها أمام مسؤولياتهم كي ينقلوا أنفسهم من حالة التنظير إلى مستوى التغيير، ومن مجرد تجليل الأطروحة الإسلامية إلى حيث التفعيل إذ ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.

ويقينًا أن أزمتنا الراهنة تكمن في ضياع الكثير من حملة الثقافة في دهاليز التنظير دونما عمل وتطبيق وتغيير، وأن أخطر آفاتنا تتمظهر في تحول سدنة الفكر إلى عالة عليه. وكأن مهمتهم مختصرة في أن يفكروا بالنيابة عن الأمة ويطالبوها بالعمل، وكأنهم بذلك مصونون غير مسؤولين، ومن هنا فما لم يبادر مثقفونا إلى النزول من أبراج التنظير إلى حيث ساحات الكدح والممارسة، فستظل الثقافة المعجزة شاهدة على عجز المثقفين في التعاطي المسؤول مع الخط الذي رسمته المعجزة الثقافية، فيقتلون الفكرة، ويغتالون النظرية ويؤطرون الإسلام بأهوائهم فيحجمونه ويأسرونه بعد أن أراد الله له أن يكون حركة في الأمة والحياة لا مجرد أفكار ونظريات ومقولات. وهو ما يتقاطع مع مسار الحق وسيرورة الكمال.

الرابط المختصر :