; المجتمع الثقافي: العدد1596 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: العدد1596

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1596

نشر في الصفحة 50

السبت 10-أبريل-2004

معتز محمود شكري

(*) كاتب وباحث مصري( ساهم في الطبعة الأصلية لدائرة المعارف الإسلامية، قبل توقفها في عام 1987. بترجمة عدة بحوث منها الحمدانيون؟، الحنابلة وحيدر أباد والحمام في المجلدين 15و16.

دائرة المعارف الإسلامية أو سر المنزل رقم ١٤!

بعيدًا عن العناوين البوليسية، يمكن بمنتهى الجدية أن نضع لنجاح مشروع الطبعة العربية الأولى من «دائرة المعارف الإسلامية» والمترجمة عن الأصل الأجنبي The Encyclopedia of Islam، والتي مر على بداية العمل فيها (عام ١٩٣٣) أكثر من سبعين عامًا، عنوان: «سر المنزل رقم ١٤!» ففي ذلك المنزل بشارع حسن الأكبر، بحي عابدين العريق بالقاهرة، وبالتحديد في شقة متواضعة بالطابق الأول، كان الأستاذ الكبير الراحل إبراهيم زكي خورشيد يحتضن مشروع حياته، ويرعاه حتى آخر أيام عمره في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، فقد شاء القدر أن يكون هو آخر من بقي على قيد الحياة من أصحاب المشروع الأصلي الذي بدأ أوائل الثلاثينيات، والوحيد الذي رافق المسيرة الصعبة له طوال ما يربو على خمسين عامًا، وكان قد تساقط خلالها باقي الرفاق بانتقالهم للعالم الآخر، وذلك باستثناء الدكتور عبد الحميد يونس الذي لم تكن تسعفه ظروفه الصحية في تلك الآونة بالاستمرار في تحمل أعباء ذلك المشروع المرهق.

لم تكن هذه الشقة بالطبع هي أول مكان يبدأ فيه أولئك الفتية مشروعهم عقب تخرجهم في كلية الآداب بجامعة القاهرة عام ۱۹۲۱، وفي الصدارة منهم إبراهيم زكي خورشيد ورفيق حياته منذ الصبا الدكتور عبد الحميد يونس، والأديب والمترجم أحمد الشنتناوي، فقد استأجروا في البداية غرفة صغيرة في المكان الذي توجد فيه الآن عمارة وهبة بوسط القاهرة- ولكن خصوصية المنزل رقم ١٤ بشارع حسن الأكبر تكمن في أنه شهد المراحل التالية والأخيرة للمشروع.

رؤية من الداخل

ويهمني هنا وقبل عرض المسيرة الشاقة لهذا المشروع الجاد والخطير، أن أقدم شهادتي وإن كانت للأسف عن فترة قصيرة نسبيًا، فقد أتيح لي شرف أن أشارك في هذا المشروع في سنواته الأخيرة، وبالتحديد ما بين عامي ١٩٨٤ و ١٩٨٦، تلميذًا للأستاذ خورشيد، وعضوًا بفريق الترجمة والتحرير المواد الموسوعة، مع رفاق نابهين آخرين، وكنت وقتها مترجمًا محترفًا وأدرس لدبلوم الترجمة العالي ومضى على تخرجي في قسم اللغة الإنجليزية عشر سنوات تقريبًا.

ظل الأستاذ خورشيد يصدر الموسوعة في شكل «ملازم» متتابعة في طبعة رخيصة غير فاخرة، تقوم دار الشعب القاهرية بطبعها وتوزيعها ثم تجليدها بعد ذلك، وفهمت منه خلال عملي معه أنه كان صاحب حق نشر الطبعة العربية بعد شراء حقوقها قديمًا من دار النشر الأصلية بمدينة ليدن Leyden الهولندية «ومعروف أنها واحدة من أكبر معاقل الاستشراق في العالم»، أما دار الشعب فكانت بمثابة الوكيل الذي يتعاقد معه للطبع والتوزيع مقابل نسبة معينة.

كانت الغرفة الداخلية من الشقة تشهد الأستاذ وهو يعكف على مراجعة الترجمات التي يقوم بها تلاميذه ويراجع البطاقات- أو كما كان يفضل أن يسميها «الجذاذات»، وهي ذاتها التي يعتاد الباحثون الآن أن يطلقوا عليها اسم «الفيش» أو «الكروت»، وهي التي تحمل عناوين مداخل الموسوعة entries للترتيب للأجزاء التالية وفقًا للألفبائية العربية وتوزيع موادها على المترجمين.

 كان الأستاذ خورشيد يتولى بنفسه ترجمة بعض المواد بالرغم من كبر سنه وكثرة شواغله واهتماماته في تلك المرحلة المتأخرة من حياته «فقد كان على سبيل المثال يلقي محاضرات في الترجمة على طلبة الدراسات العليا بآداب القاهرة يودعها خلاصة خبرته باعتباره من أكابر شيوخ الترجمة في «العالم العربي» كما كان يرأس جمعية إحياء التراث الموسيقي، وكان عضوًا في بعض المجالس القومية المتخصصة بمصر، كما كان يكتب المقالات وتنشر معه مقابلات في وسائل الإعلام المختلفة».

من طرائف تلك المرحلة أنني كنت أرى المحاسب يعرض عليه الميزانية ومشكلات التمويل والإيرادات والمصروفات، ويظلان يتناقشان، وأحيانًا «يتعاركان حتى يمكن «تضبيط الحسبة» في النهاية للخروج بالدراهم المعدودات التي يأخذها هو ومن يشاركه العمل»!.

يعيشون لرسالتهم.. ولا «يتعيشون» منها 

وإن كان ثمة درس يتعين علينا اقتناصه هنا فهو أن العمل كتب له النجاح لأنه كان أشبه بسيمفونية رائعة يعزف لاعبوها على قيم حب العلم والتبتل في محرابه والنهل من منابعه دونما نظر إلى أي عائد مادي أو منافع دنيوية.

ويعجبني هنا قول لأحد فضلاء مصر المعاصرين د. غريب جمعة، متحدثًا عن علم آخر هو الأستاذ فريد وجدي، ومشيرًا إلى رواد ذلك العصر حيث وصفهم بأنهم كانوا «أصحاب رسائل ودعوات يعيشون لها ولا يتعيشون منها».

ومن الطريف أيضًا أنني كنت أعكف على الترجمة، والبحث، والتحرير، والتعامل مع البنط الصغير جدًا للمادة الأصلية، والتقليب في المصادر والمراجع أيامًا وليالي للبحث عن معنى اصطلاح لفهم نقطة غامضة أو لإحكام الأسلوب بلغة عربية مشرقة.. ثم أفاجأ بعد أسبوع من العمل الشاق في ترجمة نحو ٢٠ صفحة بـ«شيك» بمستحقاتي مزخرف زخرفة ملونة وجميلة بعنوان «لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية»، ويعمل مثلًا مبلغ 11 جنيهًا «أقل من أربعة دولارات عندئذ» تصرف من حساب اللجنة في بنك مصر!.

ومع ذلك، كنت أواصل العمل في الموسوعة يحب وإقبال ليقيني أنه عمل تاريخي شديد الأهمية ويشرف كل من يساهم فيه، وكثيرًا ما كنت أسمع الأستاذ خورشيد إذا أدلهمت الأمور وتفاقمت المشكلات المالية والإدارية وهو يهدد قائلًا: «إنني لو نفضت يدي من هذه الموسوعــة فسوف تنهار تماماً»..

ولكنه لم ينفض يده بالطبع لأن الموسوعة كانت مشروع حياته، ولكن الدنيا هي التي نقضت يدها منه، فانتقل رحمه الله إلى رحاب مولاه في أوائل عام ۱۹۸۷م، وتوقفت الموسوعة بالفعل. 

ودفعني ذلك لكتابة مقال رئيت فيه الفقيد وانتهزت الفرصة فناشدت الدولة في مصر أن تدعم دائرة المعارف الإسلامية، «ونوفر الجو المشجع والإمكانيات للمترجمين والمحررين الأكفاء حتى تكتمل مجلداتها، وحتى لا ينقطع واحد من أخصب روافد العلم وأعمق مراجع الحضارة الإسلامية العظيمة «جريدة الأحرار ٢ مارس 1987 ص ۸».

وحتى تدرك الأجيال الشابة من المترجمين ماكان عليه الحال، وكيف كنا نسعى لاكتساب الخبرات والتتلمذ على أيدي شيوخ الترجمة حتى ولو أنفقنا من جيوبنا على هذا العمل، أضرب مثالًا واحدًا بأحد البحوث التي ترجمتها وهي منشورة في من الموسوعة بتوقيعي «وفي الطبعة الأحدث لمركز الشارقة للإبداع صارت في المجلد ۱7»، وهي مادة «الحمام» بتشديد الميم، فقد اضطررت من أجل فهم المادة ومصطلحاتها التاريخية والمعمارية ونقل أسماء الجغرافية ورد النصوص التراثية إلى أصولها العربية واستيعاب طقوس دخول الحمامات في التراث الإسلامي وما ارتبط به من عادات... إلخ للرجوع إلى نحو ۱۲ مصدرًا ومرجعًا بين عربية وإنجليزية فلم تكن المسألة مجرد ترجمة - على صعوبتها- ولكنها كانت أشبه بعمل الباحث والمحقق.

كيف بدأت «القصة»؟

رأينا إذن كيف انتهى ذلك المشروع العلمي الضخم، في صورته الأولى على الأقل، فلتكن لنا الآن  وقفة حتى نرى كيف بدأت القصة.

ولننصت إلى ما رواه الأستاذ خورشيد بنفسه في أحاديث كثيرة لوسائل الإعلام، من بينها حديث مطول الأول أجريته معه ونشر على جزأين، الأول في حياته بصحيفة «الخليج اليوم» ١٩٨٦م، والثاني عقب رحيله في الأهرام الدولي ۱۹۸۷م:

«عندما تخرجنا في كلية الآداب سنة ١٩٣١، كانت كلية الآداب في هذه الفترة في عز مجدها العلمي، إذ كانت كعبة لطائفة من أئمة أساتذة العالم من كل جنس، وكان عدد طلاب الكلية لا يزيد على ستين طالبًا في مختلف أقسام الكلية، وفي هذا الجو العلمي العجيب كنا نحرص على حضورالمحاضرات في جميع أقسام الكلية لأننا أدركنا أنه لن تتاح لنا الدراسة على أمثال هؤلاء أساتذة مرة آخري، وكان من هؤلاء عدد من أعظم المستشرقين أمثال نللينو أستاذ طه حسين، وشاخت، وغيرهما».

«وباحتكاكنا بهؤلاء المستشرقين تبين لنا أنهم جمعوا خلاصة أبحاثهم في دائرة معارف إسلامية آخرى أصدروها باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية.. ومنهم شاخت، وبلا، وأرنولد، وليفي، وبروفنسال وغيرهم.

الجميع قالوا: مستحيل!

صمم خورشيد ورفاقه على القيام بترجمة هذا العمل الكبير، بعد أن اقتنعوا بضرورة نقله للعربية، لكي تتاح للعرب والمسلمين المعاصرين فرصة الاستفادة مما فيه من بحوث ومعلومات ومنهجية علمية، وللتصدي في الوقت نفسه لأي شبهات وتصحيح أي أخطاء وقع فيها أولئك المستشرقون.

 في البداية استطلعوا آراء عدد من كبار المسؤولين ورجال العلم في مصر طالبين المشورة والنصيحة، ففوجئوا بأن الجميع تقريبًا يحذرونهم من الإقدام على ذلك لأنه مشروع بالغ الضخامة وهو من شأن الحكومات والمجامع العلمية الكبرى لا من شأن المبادرات الفردية.

يقول خورشيد: كانت الآراء كلها مجمعة على استحالة القيام بهذا العمل الخطير.. وقد نوه بذلك لاحقًا أستاذنا الدكتور مصطفى عبد الرازق في رسالة بعث بها إلينا قال فيها «لقد همت طائفة من أهل العلم أن تعرب هذا الأثر الجليل، فتخاذلت هممهم دونه، أما أنتم فيسعدكم شباب في عنفوانه، وشوق إلى الدرس والمجد بمده الإخلاص في العلم والإخلاص في العمل».

ثم.. قامت القيامة!

نهض الفتية المثقفون لمشروعهم بكل حماسة وداب ولم يلقوا بالأ لكل الصعوبات الجمة- مثل العقبات المالية والرجوع للمراجع الأصلية وضخامة العمل- حتى ظهرت في عام ١٩٣٣ باكورة الطبعة المترجمة- وبعد بداية صدور الأجزاء الأولى من هذه الطبعة العربية للموسوعة «قامت القيامة» بتعبير الأستاذ خورشيد، حيث حاول كما يقول «بعض أساتذتنا أن يضموا هذا العمل إلى لجنة كانت لهم.. ووجدنا أن هذا معناه فناء لشخصياتنا.. هنالك لم نشعر إلا بالحملات تتوالى علينا.. بل لا أغالي إذا قلت إننا حوربنا حتى في أرزاقنا».

وبدأت الحملات في بعض المجلات الثقافية التي كانت تصدر أنذاك.

 ويكمل الأستاذ خورشيد القصة قائلًا: «استمرت الحملات ضدنا لترصد أية أخطاء وتهوين قيمة العمل كله.. والواقع أن هذا كان آخر شيء نتوقعه من أساتذة لنا أجلاء، خاصة أننا لم نكن في ذلك العهد تدعي العصمة، بل كنا ندرك أن كل عمل كبير معرض لأن تقع فيه أخطاء وكنا نتوقع منهم العطف والتشجيع والمساندة ونحن في عز الشباب لم تنصرف إلى لهو أو عبث.. وقررنا أن تمضي في طريقنا عملًا بنصيحة الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي أكد لنا أن الاستمرار كفيل بإسكات جميع الألسنة، وبالفعل إنبرى لتأييدنا لفيف من الأساتذة والكتاب من أمثال العقاد والمازني، كما أرسل لنا عدد كبير من المفكرين في البلاد العربية يشجعوننا على مواصلة العمل، منهم محمد مسعود والدكتور عبد الحميد بدوي، والدكتور السنهوري، ومحمد كرد علي، وشفيق غربال وغيرهم».

كاتب وباحث مصري- ساهم في الطبعة العربية الأصلية لدائرة المعارف الإسلامية- قبل توقفها في عام ۱۹۸۷- بترجمة عدة بحوث، منها «الحمدانيون» و«الحنابلة» و«حیدرآباد» و«الحمام» في المجلدين ١٥ و ١٦.

شعر: ياسر محمد غريب

واحة الشعر

شاخ الزمان

يصبو؟ وكيف لمثله يصبو؟!*** ما عاد يخفق بالهوى قلبُ

ضاقت به الأوطان إذ رحبت *** وفؤاده بغرامها رحبُ

وطغى عليه الحزن واغتربت *** أيامه وتبـدد الحبً

لا تعذلوه، فليس من وطن *** يأوي إلى أحضانه صبً

فبدونه عار إذا عشقت *** عيناه حسنًا، والهوى عيبً

                          *****

ردوا له أحبابه يصبو *** في حسنهم ويشوقه قربُ 

أحيوا موات لحونه يشدو *** في عشقهم فغناؤه عذبُ

نادى على الأوتار ما سمعت *** نادى على الأحباب ما لبوا

فإذا بماء شعوره غور *** وإذا بحقل غرامه جدبُ

فجراحه وطن بلا وطن *** و دماؤه من جرحه شعبُ

                          *****

فكوا سلاسل قلبه يصب *** فهو الأسير وما له ذنبُ

 صدنت قيود القهر في يده *** وصدى صراخ جراحه شجبُ

ما شرقت عيناه والتفتت *** إلا ولف ضياءها كربً 

دقت طبول السلم قارعة *** وشهيقها وزفيرها حربُ

 فغدوه ورواحه هم *** وصـبـاحة ومساؤه رعبُ

                       *****

ردوا له تاريخه يصب *** أزف الرحيل وما له دربُ

 أين الحداة تعثر الركب *** قبل المسير.. فإن سعى يكبُ

عز الصراط عليه واستعرت *** ألامه وإيابه صعبُ

فإذا رأيتم حلمه يذوي *** وإذا رأيتم ناره تخبو

لا تعذلوه بل اندبوا وطنًا ***  شاخ الزمان ولم يزل يحبو

محاكمة رجل مجنون

«لم يعد أمامه غير أن يدق رأسه في الجدار».. هذا ما ذكره لنفسه وهو يعالج جرحًا متعرجًا في صدغه الأيمن، أما من هذا الذي لم يعد أمامه سوى دق الجدار برأسه، فلا يذكره وإن كان يؤكد لنفسه أنه كان يذكره منذ لحظة واحدة، حاول أن يتذكر لهذا الجرح المتعرج سببًا، فلم يعثر على شيء في ذاكرته، وقال:

- تلك حياة قذرة...

وأردف وهو يعيد تصفيف شعره الذي بدأ ككومة قش:

- لكنها نضح نفوسنا، لا أستطيع التركيز على أن اليأس موت، علينا أن نواصل ولو لم يثمر عملك من شيء.

- تأوه... وقال وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة غريبة هو نفسه لم يشعر بها :

- لكن كيف يثمر والكلاب في كل مكان!!

 أشعل عود ثقاب وجعل يفترسه بنهم، قال في نفسه: «هل يصمد مثل هذا الضوء أمام عاصفة»؟، كان يقربه من عينيه ويبعده وهو يمضغ كلمات بلا معنى وقد اقتطع من كل كلمة حرفًا أو أكثر، وضع قلنسوة من القطن فوق رأسه وراح يقضم من برتقالة لم ينزع عنها لباسها.. كانت موضوعة في طبق من البلاستيك فوق خوان من خشب التوت وسط الصالة، عاد يؤكد لنفسه أنه لم يعد أمامه من شيء غير أن يدق رأسه في الجدار... لكن من هذا الذي سدت أمامه الطرق ولم يبق له غير دق رأسه؟ إن إعياء كاسحًا يسيطر عليه، وتمايل كسكران، وطوح بقبضة معروقة في الهواء متمتمًا:

- سأجعلهم رمادًا، لن أكف عن الكلام مهمًا حدث.

تغضن وجهه، تقاطرت من عينيه دموع غزيرة لم يستطع كبح جماحها، ولم يعرف لها سببًا واضحًا.. وقال شارداً:

-لكن ماذا أفعل؟.. إن ضجيجهم يخنق صوتي، وزحفهم على كل شيء يلتهمني.. ثمة حلقة مفقودة في سلسلة ذاكرته، حاول أن يتذكر هذا الشيء المفقود لكن شيخوخة أخذت تدب في أوصاله، وإستحال لونه إلى لون رمادي، وسقط فوق أرض الصالة المفروشة بسجادة منقوش عليها جواد وفوقه فارس بلباس غربي.

(۲)

مع الظهيرة صحا من نومه، كان ملقى على السجادة بحذائه وقد اتسخ قميصه، وبدت عليه بقع دماء كبيرة لم يلاحظها بالأمس رغم كثرتها حاول استرجاع ما حدث له بالأمس في مكتب مدير التحرير ترددت في نفسه تلك الكلمة التي حاول أن يتذكر مناسبتها فلم يستطع ساعتئذ لكنه الآن يتذكر بوضوح تام لمن قالها وبدا صراخ المسؤول في الصحيفة أوضح في وعيه مما كان عليه وهو في مكتبه لم يكن يتصور أن يكون بكل هذا الجين.. وحين قال له:

- ما فائدة قلم لا يكشف الفساد!

رد المسؤول بعصبية:

- دعك من الشعارات..

- وما قيمة كاتب لا يؤمن بما يرفعه من شعارات!.

- أنت تسبح ضد التيار.

- ساعري الفساد تمهيدًا لإزالته من جسد البلد..

- الجريدة لا تتحمل الضربات.

- ضربات الباطل طائشة.

- لم لا تحيا الواقع!!

أنا أعبر عن رأيي ولن تتحمل الجريدة أعـ...

قاطعه وقد فاض كيله:

- لكنك من العاملين في الجريدة... 

- لا تهاون مع فساد وقد كشفته. 

- وهم لن يتهاونوا معك.

- ماذا في استطاعتهم أن يفعلوه!

قال المدير باسمًا:

- مالا تتصوره أنت..

- نحن في بلد حر.

- سوف ترى بنفسك تلك الحرية التي أوجعت رؤوسنا بحديثك عنها...

- وأنتم؟

- ماذا تريد منا؟!

- ألن تقفوا معي في مواجهة الفساد؟

- لن يتزحزح الفساد قيد شعرة، وإنما سيرمي بنا في السجون ولا يجد أبناؤنا رغيف خبز.

اقرأ تاريخ هذه المنطقة جيدًا ثم اتخذ قرارك...

- لقد اتخذت قراري. 

- أرجو أن تعود إلى رشدك.

- سأحارب الفساد حتى آخر نفس في حياتي.

- لم أكن أحسبك بكل هذه السذاجة!.

 وأردف المدير وهو يضرب كفًا بكف: 

- لأن يتركك.. صدقني...

- وأنا لن أرضخ له.

- حتى لو أخبرتك أنه عرض مبلغًا لا يـ... قاطعه وقد شاط:

- لم يعد أمامه غير أن يضرب رأسه في الجدار.

وحين أصبح في عرض الطريق استحوذ عليه رجل في قوة بغل، ودفعه إلى سيارة سوداء، حاول أن يثور لكنه لطمه بقوة في نهر الطريق والناس يسيرون، ولا أحد يتحرك لنجدته، لو أفرغ فيه مسدسه ما تحرك من أحد... هذا ما أكده الرجل البغل وهو يقول:

- السيد ينتظرك .. تأكد أنك وحدك.. عليك أن تذكر هذا جيدًا.

- هذا إرهاب..

- دعك من هذا الهراء.

خيل إليه أنه داخل كابوس، وعجب من جمود الناس وسلبيتهم المفرطة، وقفت السيارة أمام قصر كبير، دفعه الرجل إلى الداخل عبر ممرمحفوف بأشجار الموز حتى وصل إلى حمام للسباحة تحف به فتيات عاريات والسيد وسطهن... وحين رآه أقترب منه وعلى وجهه شبح ابتسامة، وقال:

- أخبرني مدير التحرير أنك لا زلت على عنادك!

- لن.. لن أتخلى عن تعرية الفساد وفضح أهله..

- لا أعرف عن أي فساد تتحدث أيها الولد! 

- الفساد الذي نشرته في الأفاق...

- أنا!

رد وهو يشير لما حوله:

- وهذا الثراء الفاحش والترف الذي تعيش فيه.. إنه من دماء الشعب الكادح.

- تتحدث بلغتهم..

- لغة من!

- أصحابك..

- لن نتفق ولن أنحني لإغرائك.

وحين أشار السيد بإصبعه لم يدرك أي شيء مما حوله.. ثم وجد نفسه ملقی أمام باب البيت الذي يسكن فيه، صعد السلم بمساعدة البواب وكلمته التي قالها لمدير التحرير وهو ينصرف تتردد في نفسه بين الحين والآخر.

(۳)

صمم على دخول المعركة مهما كلفه الأمر، وقال في نفسه: «إن الشعب ينزف ولا أحد يتحرك!»... دلف إلى مكتب مدير التحرير وكله إصرار على المواصلة، قال وهو يقدم للمديرمقاله:

- علينا أن نخوض غمار الحرب حتى النهاية. 

 رد المدير دهشًا:

- والدرس الذي تلقيته.

- زاد من عزمي.

- لن استطيع نشر أي شيء يخصك.

- له!

- أوامر..

- ممن؟!

- من السيد رئيس مجلس الإدارة.

- لكننا بهذا نساعد الفساد على أن يستشري، ويلتهم كل شيء..

- علينا أن نعيش واقعنا مهما كان.

- سيخنقنا إن لم نقاوم.

- أنت حر.

- لن أستسلم.

(4)

صور من مقاله هذا مائة صورة، راح يوزعها في الشارع على المارة أمام مبنى الجريدة، اتصل المدير بالشرطة التي سارعت بالقبض عليه متهمة إياه بتحريض الجماهير وإثارة الذعر، وتوزيع منشورات معادية للنظام... وقال:

- أوصلنا إلى هذه الدرجة من السوء!!

- عن أي سوء تتحدث؟

- أينما وليت وجهك وجدته.

- عريضة اتهامك مليئة عن آخرها بما يجعل رقبتك قاب قوسين أو أدنى من حبل المشنقة.

- الموت في مثل حياتنا نعمة.

- إذن فأنت معترف بإثارة الجماهير وتوزيع منشورات ضد النظام؟!

- لو أنها تثور ما كنت هنا..

- لا تراوغ..

ضرب كفا يكف، ود لو يصرخ لكن أحدًا لن يسمعه، وأعلن صومه عن الحديث حتى يرى جدية في التحقيقات، بينما قال المحقق:

- لن يؤثر هذا في سير العدالة.

ود لو يبتسم من حجم المفارقة، لكنه لم يعد يملك القدرة على الإبتسام... وقال في نفسه: «يا لها من حياة شاقة!».

(5)

لم يثر صومه عن الطعام من أحد، ظلت الصحف تنقل عن التحقيقات سيل الاتهامات الموجهة إليه معتبرة صمته هذا علامة الموافقة.. إلى أن انتهى الأمر بتحويل أوراقه إلى مفتي الديار، وحين أقتيد إلى حبل المشنقة كان ضحوك الوجه لدرجة لم يصدقها أحد ممن رأوه، وظنوا أنه جن.. وقال:

- كم كانت رحلة شاقة...

وأردف وسط ذهول من حوله ممن حضروا تنفيذ الحكم:

- حمدًا لله على السلامة.

نطق بالشهادتين وفي عينيه بريق غريب، وكأنما كان ينظر إلى شيء ما.. شيء مبهج، مما أكد الصحفي كان حاضرًا أن الرجل قد جن، فأراد أن يثير قضية في الجريدة حول محاكمة رجل مجنون، ومدى قانونية هذا الفعل، لكن السيد رئيس التحرير قال منهيًا اللقاء معه:

 - لقد أخذ العدل مجراه..

- لكن...

- انصرف إلى عملك.

فاطمة محمد أديب الصالح 

(*) مستشارة التحرير في مجلة بريد المعلم- الرياض

صلى الفجر وارتقى

حقًا إن عيون الفضاء لا تنقل رائحة الدم المشتعل، واللحم المحترق، والحديد الملتهب الذي يستقر نتفًا بعد أن يؤدي ما عليه، لكنها تستطيع مطاردة التفاصيل وتعبيرات الوجوه... قبل أن تشيح حزينة أو ساخطة على تلك العيون المعدنية.

إطار إحدى العجلتين ترفعه يد، والمقعد الجلدي الممزق المتبقي من كرسي الشيخ، تؤرجحه يد، بقعة دماء وبقايا أحذية... ورجل يضع شال الشيخ الذي صغر وتشرشرت أطرافها على رأسه يدور به... ويعول.

والوقت عتمة قليلة.. آخر العتمة، فبعد صلاة الفجر، لا أثناءها كالفاروق عمر، مزق الصاروخ الذي لم يخبره أبو لؤلؤة، جسد أحمد ياسين، رفعه ثم نثره، وما كان الجسد الضئيل يحتاج كل هذا، لكنها الروح العملاقة التي قبعت داخله متململة متمردة، هي التي احتاجت خططًا وجواسيس وطائرات تحلق.. وإشرافًا من كهوف الشر التي تطير فوق الرؤوس.

لامرأة لا تعرف إلا المدن المعدنية النظيفة المسالمة، بضع رجاءات لإخوانها في فلسطين: 

- لا تفرطوا ببقايا عرش الشيخ وملابسه، ففي زمن غير بعيد في أعمار الأمم، سنقيم متحفًا نسميه متحف آثار الشهادة، سيضم ما يخلفه الشهداء وراءهم مما يمكن رؤيته، وما لا يمكن.

- لا تفرطوا بقصر الشيخ: حجره وحديده وأهله وناسه، فثم ثروة مرصودة لمن استحق: كيف ربي وكيف عاش زوجًا وأبا وجارًا وقائدًا أسير الجسد.

- لا تفرطوا في ثأر الشيخ.. من أجل الملايين التي انتخبته، واختارت برنامجه، دون صناديق اقتراع ولا غرف سرية.. وملايين آخري لم تخرج للاقتراع العلني، لا لأنه الجمها الذين يئسوا حتى من التطاول نحو أحلامها، بل لأنها تعرف أن هناك من يقرأ صمتها.

أحمد ياسين!

صلى الفجر وارتقى سلم خلوده، وترك وراءه خيار الحقيقة يستقبل إشراقة يوم جديد، يحسن بنا جميعًا أن نعيشه مختلفًا.

الرابط المختصر :