; المجتمع الثقافي: (العدد: 1235) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: (العدد: 1235)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1997

مشاهدات 100

نشر في العدد 1235

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 21-يناير-1997

ومضة

تعجبني الصراحة حتى لو طرح صاحبها ما لا يعجب ولا يطرب، وذلك لسببين: أولهما: أن الآخر يقضي من خلالها بمكنون نفسه، ويعرض حقيقة ما يؤمن به ولا يتستر بالرياء والملق ليخفي ما يحمله من أفكار وما يتبناه من آراء، لأنه واثق مما لديه من بضاعة، ولا يخشى الحرج من المخالفين له، أو من المجتمع الذي يتحفظ على مثل هذه المعلومات والأقاويل، كما أنه لا ينوي التسلل خفية إلى عقول الآخرين مستغلا غفلتهم وسذاجتهم، وإنما يريد أن يفْجَاهم بها بكل صراحة ووضوح، ويقدمها لهم بدون مواربة أو حيل خادعة. 

وثانيهما: أن الحوار مع صاحب الطرح الصريح يكون سهلًا ميسورًا لأنه لا يحوجك إلى الالتفاف لتلتقي مع دورانه ولا إلى الانتظار الطويل ليخرج إليك من مغارته الثقافية، ويفصح لك عن سر سردابه الفكري، وفي الوقت ذاته تستطيع بيسر تحديد نقاط الاتفاق والإختلاف لأنه لا يضطرك إلى البحث عما وراء الألفاظ ومعاني المسميات، ولا تحيرك كثرة تفسيراته وتنوعها وتقلبها عندما يحس بخطر ما تفوه به، أو عندما يخشى الوقوع في مأزق أو التورط في موقع لا تحمد عقباه. فقدكفاك هذه المصاعب والمتاهات الم أقل لك إن صراحته تعجبني.

والآن إلى صُلب الموضوع.. فقد ناقش أحدهم بهدوء وصراحة غير معه ة من يتهمونه وأقرانه بالانبهار بالغرب، وذكر في معرض دفاعه عن الغرب الذي تنفرون منه هو الذي سهل لنا سبل العيش بإنجازاته الضخمة ومخترعاته المتنوعة، حتى غدت حياتنا صورة منظورة للجنة التي وعد الله بها عباده المتقين.

وأنا أقول «بصراحة» أيضًا، إن أحدًا لا يُنكر أن الغرب هو الذي يمسك اليوم بتلابيب الدورة الحضارية التي تنتقل من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب حسب قانون سماوي لا يتخلف من مواده الأساسية الظروف والمؤهلات، ومن فصوله الرئيسية الإنسان والأفكار والقابلية الحضارية وتلك الأيام نداولها بين الناس.

 شيء آخر أن الدورات الحضارية المتابعة دائمًا يرتكز اللاحق منها على السابق، ويبدأ من حيث انتهى سلفه، ويواصل المشروع الذي أرست اسسه الأولية حضارات غابرة.

 آخر شيء.. وهو الوحيد الذي نختلف فيه هل نرضى بالاستلاب الحضاري الذي يعرض شخصيتنا للذوبان، واستقلالنا للزوال، وأمتنا للتبعية المذلة أم نحافظ على وجودنا بمحافظتنا على تميزنا واستقلال شخصيتنا، مع انفتاحنا على الآخر، نعب من علمه ونتمتع بإنجازاته، ونهيئ أنفسنا لدورة حضارية جديدة يكون لنا فيها دور فاعل، ويصمات واضحة؟!

صورة من أدب الجاليات الإسلامية في الغرب

في مجموعة (حكايات) يمان السباعي

بقلم: محمد حسن بریغش

  • المغترب سرعان ما يفقد هويته أمام المغريات إذا لم يكن مُسلحًا بالعقيدة والأخلاق.
  • في المهجر تكشف الأغطية الخادعة وتبرز صورة القهر والطبقية والعنصرية والتعصب تجاه الآخرين

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين - الميلادي - سافر كثير من أبناء البلاد العربية. ولا سيما من بلاد الشام - إلى القارة الأمريكية طمعًا في جمع المال وهربا من الفقر والاضطرابات التي كانت تسود المنطقة آنذاك، وكما كان لدعاية الغرب في هذه البلدان أثر في ترك الكثير لبلدانهم، وسفرهم نحو بلاد الغنى والحرية - كما كانوا يقولون - وكان للنصارى دور كبير في هذه الهجرة، لصلاتهم في المحافل الكنسية، والمنظمات التبشيرية «التنصيرية» ولعدائهم للدولة العثمانية، وتأمرهم عليها باسم حركات التحرر والإصلاح والقومية والوطنية. 

وتسلطت الأضواء على هؤلاء المهاجرين وخرجت الدراسات والمجلات التي تتناول أوضاعهم وأفكارهم وكان للجانب الأدبي أهمية خاصة لأنه صور أحوالهم ونقل أفكارهم ونشر أراءهم في القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية في بلدانهم، وراح يبشر بحياة جديدة باسم الحرية والإنسانية، والعلم، بعيدًا عن الإسلام والدين وكل القيم الأصيلة لعالمنا العربي والإسلامي.

وكان واضحًا لكل متتبع أن الغرب كان يرعى هؤلاء الأدباء - ويبرز أراءهم، ويفتح المجالات أمامهم من خلال المجلات والروابط الأدبية والدواوين الشعرية والكتب الثقافية والفكرية المتنوعة.[1]

وأصبح الأدب المهجري. كما أطلقوا عليه- حلقة مهمة من حلقات الأدب العربي الحديث، ونال كثيرًا من العناية والإبراز حتى غدا عاملًا من عوامل النهضة، وغاب وسط هذا الضباب الفكري والإعلامي لهذه المرحلة كثير من الحقائق التي تمثلت بتأمر هؤلاء مع الغرب وأمريكا لجلب الاستعمار والحماية الأجنبية والنفوذ الأمريكي للمنطقة - بحجة التحديث والتطوير. 

هذه المقدمة السريعة استدعتها قراءتي لكتاب جدير بالاهتمام، لأنه يصور جوانب من حياة الجاليات الإسلامية والعربية في بلاد الغرب ويعرض كثيرًا من أوضاعهم ومجتمعاتهم ومشكلاتهم من خلال حكايات صاغتها مؤلفة هذا الكتاب «يمان السباعي»، أم عبد الرحمن بطريقة القصة، وعرضها من خلال عشر حكايات ما عدا المقدمة والإهداء ونشرت في جزأين تحت اسم حكايات ([2]) وصدرتها بالآيات الكريمة: 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ[3]﴾ (طه: 124- 127).

 في الجزء الأول من الحكايات عرضت القصص التالية: دبر نفسك، وفي المطار، ورسالة وأبو طاهر وشرطي المصرف، واستغرق ذلك ١٤٦ صفحة من القطع الصغير. 

وفي الجزء الثاني عرضت بائعة النعناع ورباح القطان، والقابضون على الجمر، وطريق من الشوك، والموت غربة. 

وكانت الكاتبة[4] تختار مقطعًا معبرًا من كل حكاية لتبدأ به كنشيد رمزي للحكاية، وكمعنى يعطي إضاءة معبرة للقصة التي ستحكيها.

 وربما اختارت لقصصها هذه اسم الحكاية لأنها تريد أن تحكي أحداثًا واقعية تتجاوز فيها أحيانًا بعض الأمور الفنية لهذا الجنس الأدبي ولأنها - أيضًا - اختارت طريقة السرد للأحداث من قبلها مع بعض التعليقات لتكون الأمور واضحة والغاية من القصة قريبة التناول، ومع اختيارها لأسلوب الحكاية، فقد استخدمت شيئًا من الرمز، أو الأسلوب الرمزي. 

واستخدمت طريقة تداعي الأفكار وطريقة الرسائل ولا سيما في حكاية رسالة.

الغربة والفشل:

في قصتها الأولى «دبر نفسك» تصور أوضاع الطلبة الذين يفشلون في دراستهم، حيث تمضي السنوات دون الحصول على شيء وبيأس الآباء أو يعجزون عن الاستمرار في إرسال ما يحتاجه أولادهم من نفقات فيضطرون، وقد فاتت عليهم كل الفرص - أن يفتشوا عن طريقة يحصلون من خلالها على ما يسد به الرمق والقصة تثير عددًا من الأخطاء التي تؤدي إلى هذه النتيجة، منها حرص الوالد، أو الأهل جميعًا على إرسال الطالب إلى أوروبا طمعًا دراسة الطب، لكي ينال الشهادة التي تضاهي شهادات غيرهم من الأقارب أو الأصدقاء، ولتكون معلمًا لهم على مدى تقدمهم وعلو شأنهم، ولكن الطالب الذي لا يرغب في مثل هذا التخصص، وليس مؤهلًا له، يفشل في تحقيق الغاية، ويقع في تناقضات كثيرة ومشكلات متعددة، ويضيع وسط هذا المجتمع المادي البغيض ويفشل في كل شيء ويصبح عالة على أبيه ومجتمعه.

والقصة تثير أمورًا كثيرة عن تلك المجتمعات وعن الطلبة المسلمين، فتشير إلى احتقار الغربيين للعرب والمسلمين وكل الغرباء وتطلق عليهم أسماء تدل على الازدراء والتحقير.

 وكذلك تشير إلى الصراع النفسي الذي يعيشه الطلاب في المجتمعات الغربية نتيجة فراغهم الفكري من ناحية والحرية الحيوانية التي يراها في أوروبا والصور المثيرة التي يعيش معها في الشارع والسينما والجامعة والحديقة والبيت.

 الكاتبة تعني بوصف الأمكنة والطبيعة والبيئة وترسم لوحات جميلة زاهية معبرة تنسجم مع الأحداث بل تضفي عليها مشاعر خاصة تتناسب معها. 

تقول في مطلع هذه الحكاية «المدينة الصغيرة الناعسة الحالمة، نظيفة لامعة، وأجمل ما فيها صباح شتوي، ومطر ينثر قطرانه وعبيره في أرجائها فيزيدها سحرًا إلى سحر الأقواس العربية ما زالت نائمة هناك تحت العرائش يتمدد الياسمين على جنباتها، والحارات العتيقة ما زالت حجارتها السوداء التي رصفت بها أرضها تئن حنينًا إلى الأيدي التي صنعتها هناك[5] 

ماذا عن الجيل الأول من المغتربين

هذه الظاهرة شديدة الخطورة على الجاليات الإسلامية في بلاد الغرب، حيث إن الجيل الأول الذي سافر بقصد الدراسة واقتناص المجد والمكانة والمال، سرعان ما يفقد هويته أمام المغريات والمفارقات الشديدة خاصة وأنه لم يتسلح. قبل مغادرته بسلاح العقيدة، والالتزام بشرع الله، سلوكًا وخلقًا وتعاملًا، بل ذهب وهو يحمل كل أمراض واقعه العربي الإسلامي، في بعده عن دين الله وتخلفه في العلوم والحياة المادية، وخضوعه الأسر العادات والتقاليد الخاطئة، وهناك يصطدم بواقع جديد فلا يستطيع المقاومة، وحين يشده الحنين والعاطفة وجذوره الإسلامية إلى بلده لا يجد الوسيلة التي تعيده إلى الحق، بعد أن يرى أولاده يذوبون في المجتمع الغربي ويحملون كل عاداته ومعتقداته وأوزاره.

وتسلط الكاتبة الأضواء على بعض السلبيات في البلدان العربية مثل التعامل بين الزوج والزوجة والمهانة التي تعانيها المرأة من تسلط الزوج الجاهل المتعجرف، وإن كان في هذه الصورة بعض المبالغة.

وكذلك تشير إلى معاملة الغريب في سورية واحترامه وتكريمه وتضع هذه الصورة أمام العنصرية الغربية ضد الأجانب، والقصة -بشكل عام- تضع أمام القارئ وقائع مؤلمة لأوضاع المسلمين في أوروبا، وما ينتج عن بقائهم هناك من ضباع لأسرهم، وضياع لقيمهم وأخلاقهم وصراع بين ماضيهم وحاضرهم. 

في قصة «رسالة» تجرب الكاتبة طريقة الرسالة كأسلوب من أساليب القصة، فتعرض لمأساة شاب من المغرب يسافر من تطوان إلى غرناطة مع بعض الأصدقاء، وهناك يجد نفسه في جو من الانحراف والخطيئة، فينغمس في هذا الجو، ويشترك في كثير من الآثام والجرائم، ويفشل في دراسته وتلتف حوله شبكة الإجرام لتسخره في تحقيق أغراضها ولكنه يصحو، بفضل من الله عندما ينبهه أحد أصدقائه القدامى، وينصحه، فتترك كلماته المخلصة اثرها، وتبقى تفعل فعلها حتى يبدأ في العودة إلى الله سبحانه وتعالى، والتوبة عما هو فيه، ويقول لصديقه الذي قدم له النصيحة وأراد استنقاذه من هذا الواقع الآثم «بعد كل هذا حصل ما لا يمكن تصديقه، ولا التعبير عنه، أحسست أن حرارة العبودية لله تسري في دمي ولا شيء غير الظمأ تثور به روحي الظماء الظمأ لله وحده عزَّ وجلَّ».[6]

وكذلك تصور هذه القصة جانبًا من الحياة في الغرب، وما يموج في داخلها من جرائم وانحرافات وعصبيات وأحقاد.

استغلال العمالة من أجل الرفاه:

وفي قصة أبو طاهر، تصور حياة العمال العرب في الغرب، الذين يسافرون طمعًا في الحصول على المال، وتحسين أوضاعهم المالية - المتردية، ولكنهم يصطدمون في الغرب فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا... بواقع مليء بالمآسي «الغربة والإذلال والازدراء من الغربيين وحياة المنبوذين، وما فيها من فساد خلقي وجنسي وممارسات تدعو إلى القرف والرثاء». 

تقول في هذه القصة: «خمسة وستون عامًا هو عمر أبو طاهر، وبلوغه هذا العمر يعني إحالته على التقاعد، أعطوه مبلغًا من المال وطردوه من المعمل هذا المعمل الذي قضى فيه زهرة شبابه وعصارة حياته غريبًا منبوذا حقيرًا، وكيف يكون العامل العربي المسلم في فرنسا إن لم يكن غريبًا منبوذًا؟!».[7]

وقصة شرطي المصرف تصور فيها حياة امرأة مسلمة مات عنها زوجها وترك لها طفلان - مع مرتب ضئيل. فاضطرت للعمل في بيوت الإسبان النصارى هربًا من حياتها في بلدها الخالية من الحب والحنان، وهذه صورة لمأساة المجتمعات الإسلامية التي نأت عن شرع الله فساد فيها الجهل والظلم والقهر والعادات السيئة، وباتت العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة أو المجتمع نوعًا من التسلط والقهر والظلم، وانعدمت روح التآخي والتراحم والتعاون وهذا الواقع هو الذي دفع بعض النساء للهرب إلى أوروبا، ومكابدة هذه الأحوال الذليلة والوقوع في مِحن قاسية، بدافع الخلاص من الظلم، مع الانخداع بمظاهر الحرية ودعايات حقوق الإنسان.

وهذه القصة تشير إلى صورة مشرقة لهؤلاء الذين يعتنقون الإسلام من الإسبان فتتحول مشاعرهم المتعصبة، وعنصريتهم الغربية إلى شعور الإخاء والمواساة وحب الخير وهذا ما جعل شرطي المصرف ينظر إلى هذه المرأة المسلمة نظرة حنو وإعجاب وإكبار لحفاظها على شخصيتها وعقيدتها، وينتهي به المطاف إلى طلب الزواج منها بعد ما يكشف عن شخصيته وإسلامه، وهذا ما يفعله الإسلام بالإنسان.

وفي بقية القصص، تتابع الكاتبة تصوير جوانب مختلفة من حياة الجالية الإسلامية في الغرب الرجال والنساء والأطفال أو الجيل الجديد الأسرة، العلم التعامل مع الغربيين... إلخ. 

مأساة امرأة بائسة:

فقصة «بائعة النعناع» تصلح نموذجًا لحكايات الكاتبة في الجزأين وهي تصور حياة امرأة غريبة في مظهرها تبيع النعناع في سوق الأحد، مع عدد من الأعشاب والورود وتخدم في بيوت أبناء الجالية، وفي دير الرُهبان في بقية أيام الأسبوع وحياتها الحاضرة تنطوي على مأساة حياتها السابقة في بلدها، مع زوج جاهل ظالم أثم، منحرف، مما جعلها تهرب إلى إسبانيا، وتخدم في البيوت لكي تحصل على لقمة العيش، وما يسد حاجتها.

والقصة. كما قلت - تحمل سمات الأديبة القاصة صاحبة هذه الحكايات الواقعية، وهذا العرض الأدبي الممتع لحياة الجاليات الإسلامية في أوروبا، ولعلها أفضل حكايات الكاتبة في عناصرها وأسلوبها، فلقد نجحت في عرضها للأحداث. ووضعها للشخصيات والأماكن وفي استخدام العبارة القصيرة الموحية أو الوصف الشامل المفصل، أو في طريقة عرض اللقطات ذات الدلالة في رسم الشخصية، أو تحديد صفات المكان أو البينة، أو تلوين الحدث، ها هي تصف بائعة النعناع، فتبرز كثيرًا من ملامحها «رأيتها تتهادی مثقلة بملابسها، أو بدانتها أو بأي شيء آخر، ما خلا السنوات التي تثقل كاهلها، لكنها عرفت كيف تكبح جماحها، ولم تدع خطوط الشيب تتغلب على الحنة في شعرها ولم تستطع تجاعيد جبينها أن تقهر حمرة تشوب جبهتها السمراء التي تصافح الشمس كل يوم في مكابدة وجهاد، كلما أشرقت الشمس، وكلما غابت عن هذه الأرض »[8].

الهروب من الاستبداد:

 وقصة رباح القطان تصور لونًا جديدًا من ألوان الهروب من قساوة الأوطان، وبؤس الحياة فيها، إنها تصور الوطن الذي لا يحتضن أبناءه من ذوي العلم والخبرة والتخصص، بل يضيق عليهم سبل العيش ويحرمهم من الفرص المناسبة، ويحول دون الاستفادة من خبراتهم ويقيد حرياتهم في البحث أو يمنعهم من الاستفادة مما وصلوا إليه في أبحاثهم، فضلًا عن الإهانة والإذلال الذي يلقاه الإنسان نتيجة لرأي شخصي، أو معتقد يعتقده في حياته، فيضطر أمثال رياح القطان للهرب من بلده وبيئته إلى البلدان الغربية التي تستقبلهم، لتأخذ خبراتهم وتستغل مواهبهم، وتمتص كل قدراتهم وطاقاتهم دون أن تعطيهم ما يشعرهم بإنسانيتهم.

 وحين يستفيق هؤلاء يشعرون أنهم - لقاء المال والشهرة - خسروا مشاعرهم وقيمهم وإنسانيتهم، وأنهم يعيشون في سجن كبير سوره من الشهرة والمادة، وهو بعيد جدًا عن مشاعر الإنسانية التي نشأ عليها في صغره، وإذا ما فكروا في العودة إلى أوطانهم، تضع البلدان الغربية أمامهم العوائق بطرق خبيثة ووسائل مختلفة حتى يظلوا هناك. في حياة خالية من الطمأنينة بعيدة عن الإنسانية تملؤها الصراعات النفسية، وشعور الخيبة والإحباط.

الجيل الثاني من المهاجرين:

وقصة «القابضون على الجمر»[9] تصور أوضاع الجيل الثاني من أبناء الجالية الإسلامية في الغرب، الذين يبتعدون عن أوطانهم، ومعتقداتهم وأخلاقهم ويغرقون في المجتمعات الغربية بكل ما فيها من انحرافات وتشوهات ومفاسد ظاهرة وباطنة، والقصة تثير كثيرًا من المشكلات التي ينبغي أن تكون موضع دراسة واهتمام من قبل الجاليات الإسلامية في الغرب، ومن قبل المسلمين في الأقطار الإسلامية؛ لأنها تشير إلى كثير من الأخطار التي تحيط بالأسر المسلمة وأبنائها في الغرب، مع العلم بأن كثيرًا من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية ينشغلون بالمؤتمرات، وترديد الشعارات، وينسون هذه الوقائع المأساوية لأبناء الأسرة المسلمة الذين ولدوا هناك وانطبعت في نفوسهم وأخلاقهم وأفكارهم وألسنتهم حياة الغربيين وعاداتهم وأخلاقهم ومعتقداتهم، حتى ذابوا في تلك المجتمعات.

والقصة توضح أن استنقاذ الأولاد، والمحافظة عليهم يعادل القبض على الجمر، وإذا نجحت هذه الأسرة في المحافظة على أبنائها، فإن غيرها غير قادر على ذلك لطبيعة الحياة هناك، ولفقدان الشروط الضرورية لتحقيق هذه الغاية. 

وقصة «طريق من الشوك»، تصوير للبيوت الإسلامية في الغرب، ومصير النساء اللواتي هرين من ظلم الأسرة الجاهلة في البلدان العربية أو من الفقر المهين حتى وقعت في مصائد شبكات مجرمة تصدر إلى الغرب هذا الصيد المسكين، وتستعمل هؤلاء النسوة في الجريمة والبغاء.

صدقية القصة من تجليات مكابدة الكاتبة

هذه الحكايات التي صاغتها الكاتبة في قصصها السابقة، تحكي واقعًا تعيشه الكاتبة وتلمسه، وتكابده مع غيرها من الجاليات الإسلامية وتدرك خطورة المشكلات التي تواجهها، ولذلك ارادت نقلها إلى العالم الإسلامي، بريشة الفنان المبدع الذي يدرك كيف يختار لكي تكون الصورة أكثر دلالة، وأبعد أثرًا، وأكثر تعبيرًا عن الواقع وأصدق أثرًا عند القارئ، وميزتها الكبيرة هي الصدق بكل حرارته وعفويته وجماله، ويرفد هذا الصدق الواقعية الحية التي تستقي الكاتبة منها هذه الحكايات بأشخاصها وأحداثها، وأفكارها وألوانها.

الغرب في عيون المهاجرين إليه

وهذه الحكايات لون من ألوان الأدب المهاجر إلى الغرب، المصور بصدق حياة هؤلاء الذين يعيشون وسط الغربيين بمآسيهم، وأفكارهم وعقائدهم. 

هذا اللون من الأدب، لا يعرض حياة الغربيين بعيون الغربيين أنفسهم، أو أتباعهم لدينا، وإنما بعيون وبصائر المؤمنين، الذين لا ينخدعون بالقشور ومثل هذا الأدب حري بالاهتمام والرعاية وحري بأن يأخذ مكانه في الأدب الإسلامي المعاصر.

 لقد ظهرت الكاتبة كثيرًا من مميزات الأدبية الموهوية، وأثرت الصدق على مواصفات الفن ولكنها لم تخرج عن إطاره المقبول في أضعف حالاتها، أما في حالاته القوية، فقد كانت قاصة ناجحة قادرة على الوصف، ورسم الشخصية وربط الأحداث ودفعها نحو الهدف واستخدام الرمز الخفيف وتداعي الأفكار والرسالة وغير ذلك من الأساليب التي تستخدم في القصة. 

وكما قلت فإن هذا النوع من الأدب جدير بالاهتمام والرعاية، لكي ينقل لنا صور الحياة الإسلامية في الغرب وصور الحياة الغربية من الداخل، إننا بحاجة إلى مثل هذا الصدق في الأدب والواقعية التي لا تقدع القارئ.

المهجر.. والثقافة الأيديولوجية

بقلم: عدلي أبو حمزة

حينما نقوم بعملية تحليل ثقافي لأي مجتمع، نرى أن عناصر الثقافة تتشكل فوق أساس معين قد يكون فكريا أو دينيا أو قوميًا يعبر عنهما احيانًا بالمنطلقات الفلسفية والأيديولوجية، والإنسان المثقف بالتالي يعكس هذه الصورة من خلال القلم واللسان والسلوك، أما أفراد المجتمع العاديين فإنهم يمارسون العناصر الثقافية في حياتهم اليومية دون تحليل لها أو وقوف عند أسسها، ومن هنا يمكننا تحديد فرق جوهري بين الإنسان المثقف والإنسان العادي، يترتب على أهمية وقوف المثقف أمام الظواهر الثقافية الجديدة التي وجد الإنسان نفسه خلالها سواء كان ذلك بوعي منه وإرادة أو بدونهما.

 وواجب المثقف في أي مجتمع لا يقتصر على الملاحظة والتحليل فقط، بل لا بد من ممارسة التقييم والتوجيه والتغيير من خلال البحث عن البدائل أو النقاط الإيجابية المعاصرة والمحدثة بفعل التطور والاندماج أو التلاقي الحضاري وحتى تكون عملية التقييم والتوجيه سليمة ذات نفع لشرائح المجتمع المختلفة، فلابد من تحديد المنطلق الأيديولوجي التي تبنى عليه عمليات البحث والتقييم لأنه لا ثقافة بلا أيديولوجيا، وحيث إننا نعيش في مجتمع غربي بنيت مؤسساته على فكر مادي يبحث عن الرفاه والجمال الماديين، رغم وجود بعض التقاليد الدينية التي تساهم في تشكل الكم الثقافي فيه، لكنها لا توجه مؤسساته ولا تصوغ شخصية أبنائه بتلك القيم والتقاليد.

وبما أننا أصبحنا موجودين ضمن هذا الواقع فإنه أصبح لزامًا علينا أن نحدد ماهية شخصيتنا، وأهدافنا وغاياتنا لتتلاءم مع الواقع الجديد الذي نعيش لنقدم للآخرين ما نعتقد بصحته أو للحفاظ عليه على الأقل.

الحفاظ على الشخصية المعتادة:

والخيارات في هذا المجال أمامنا ستكون واحدة من الأمور التالية: التقوقع والانزواء والحفاظ على الشخصية المعتادة التي شكلتها ثقافة الوطن الأم وهي الثقافة العربية الإسلامية بما تحويه من إيجابيات وسلبيات والثانية: الذوبان والانصهار في المجتمع الغربي مجتمع المهجر بما فيه من إيجابيات وسلبيات والثالث: حدوث اندماج ثقافي في ثقافة أخرى مع المحافظة على شكل ومضمون الثقافتين، أما الرابع فهو تشكيل شخصية معاصرة تعتمد على النقاط الإيجابية في الحضارتين لتقديم نموذج جديد لصالح الإنسانية مستمد من الظواهر الإيجابية في الثقافة الغربية المادية والفلسفة والفكر الإسلامي المعاصر، حتى نحافظ على الحضارة المادية ونحميها من العوامل السلبية التي لازمت تطورها والتي تهدد مستقبلها لانها أصلًا هي نتاج حضارات الأمم كلها ومطلوب منا أن نسلمها نقية للأجيال الإنسانية القادمة، ولا نجد ضامنا لبقائها وتهذيبها أفضل من الإسلام كرسالة ربانية والفكر الإسلامي كاجتهاد واع تكمل وتلبي حاجيات الإنسان التي تفتقد إليها الحضارة المادية الحديثة، نظرًا لأن رسالة الإسلام تشتمل على خلاصة جهود كافة الأنبياء والرسل والمصلحين في التعامل مع الأمم المختلفة عبر الأزمان القريبة والمتباعدة إلى جانب حاجيات الإنسان الشمولية التي تتلاءم مع خصائصه النفسية والبيولوجية والفكرية. 

وبكلمة أدق أقول إن الحضارة الغربية هي حصيلة الجهود البشرية في التقدم المادي والجمالي والإسلام بمبادئه المجردة من التاريخ والعادات والتقاليد هي حصيلة جهود الأنبياء ورسالاتهم التي أرادها الخالق للبشرية للمحافظة على سمو الإنسان ورقيه في المجالات الأخرى.

إن الدور المطلوب من المثقف العربي والمسلم يكمن في قدرته على استيعاب ما في الحضارتين من أسس ومبادئ ثقافية ليصبح مؤهلًا للمشاركة الإيجابية في إحداث هذا التطور المطلوب.

 وقد يلجأ بعض المثقفين للتخلي عن واجباتهم من أجل تحقيق مكاسب مادية فقدوها في سنوات سابقة فينغمسون في الحياة المادية، وقد يلجا آخرون للانطواء على أنفسهم ظنًا منهم أن ذلك هو الحل الأمثل للمحافظة على الذات، إلا أنني أرى أن المشاركة الإيجابية في مجالات الحياة المختلفة هي الحل الأفضل والأصوب لتحقيق الهدفين السابقين مع دوام المحافظة على التوازن في تحقيق الحاجيات والرغبات من جهة وبين متطلبات الواقع وحاجيات المستقبل من جهة أخرى.

 والمثقف العربي والمسلم أمام هذا مدعو لإثبات مقدرته الثقافية من خلال أعمال وإنجازات ومتطلبات يحتاجها كل من الإنسان المهاجر والإنسان المقيم، وأظن أن كل مثقف يمكنه أن يحدد قدراته ومجال عمله، فيتجمع لدينا كم هائل من الجهود والقدرات التي يمكننا بها أن ترسم معالم الشخصية الإنسانية الجديدة، وستبقى كل هذه الآمال والطموحات صيحات في الهواء إذا لم ترتبط الثقافة بالمبادئ والأيديولوجيا لأنها المحرك الذي يقود الإنسان الواعي، وإلا فستبقى الثقافة تسير في مجال الهوى يخسر فيها المثقفون مواقعهم الصالح الجهلاء الذين يعيشون خارج الزمن الذين ينقلون جهالة العالم المتخلف وتقاليده الحضارة العالم المتقدم وإبداعاته، وليس العكس.

واحة الشعر

شعر وليد جاسم القلاف

الفرقد

مِنْ خَلْف تِلْكَ الأَزْمَنَةْ

مِنْ خَلْف تِلْكَ الأَزْمَنَةْ

تأتي كما تُمضي الَحوادِثُ مُحْزِنَةْ

مِنْ خَلْف تِلْكَ الأَزْمَنَةْ

لا فَرْقَ بَينَ قديمها وجديدها

مولودها سرُّ انبعاث فقيدها

هي دَوْرَةً مِنْهَا الخَلائِقُ تَصَطَلي

لا تُنْتَهَيَ أو تَنْثَنِي

إلا بأمر معيدها

مِنْ خَلْفِ تِلْكَ الأَزْمَنَةْ

تاني على رغم اختلاف الأمْكِنَةْ

تاني كما تمضي الحوادث مُحْزِنَةْ

مِنْ خَلْفِ تِلْكَ الأَزْمَنَةْ

***

ها قَدْ أتَتْ مِنْ فَوْقِ عَاَصِفَةِ الأُصُوُلْ

تُزْجِي صَوَاَعِقَهَا

وتَقْتَلِعُ العُقُوُلْ

رغباتُها

نزَواتُها

شهواتُها

سِرُ اخْتِنَاَقِ تَألُّقِ الفَجْرِ المُعَذِّبِ

واحتراق شذا الحُقُوُلْ

ماذا اقولْ؟

ماذا أقولْ؟

ماذا أقولْ؟

ودوائر الحقد الدَّفِين تُحيطُنَا

عن شرْقتنا.. عَنْ غَرْبِنَا

من فَوْقِنَا.. مِنْ تَحْتِنَا

كانَ الدُخُولْ

كان الدخولُ فَكَيفَ مِنْهَا المَخْرَجُ

وشعارُنا:

«أوسٌ» تُساقيها المنايا «خَزْرَجُ».

و «بنو قريظة» في المدينةْ

قد حطموا المحراب واعتقلوا حنينهْ

يا للضغينةْ

يا للضغينةْ

حين انزوى «ابن سَلُولِ» تَحْتَ لساننا

ليُردِّد الخونةْ

ما قاله «الأحبارُ» و«الكَهَنَةْ»

و «بنو النضير» و«قينقاعْ»

صنعوا له التاج المرصع بالخداعْ

يا للضياعْ

يا للضياعْ

من يردعُ الليلَ الذي يتقدَّمُ؟

من يدرك الصرح الذي يتهدمُ؟

من ينقذ الشرفَ الرفيعَ من الأذى

وقد اسْتُبِيحَ على جوانبهِ الدمُ

من بعد ما ماتت جوانحُنَا

جفتْ قرائحُنا

ضاعتْ ملامحُنا

فلا أسماؤنا أسماؤنا

كلا.. ولا الأرحام تُدركُ ما تريدُ نساؤُنا

*****

آه وآه يا تخاذُلُنَا اللعينْ

السوطُ يعْرِفُنَا

وَيُنْكِرُنَا الأنينْ

مُنْذُ ارتضيْنَاَك الغُيُوُمُ تزاحَمَتْ

وتلاطمتْ

وتخاصمتْ

حتى غدونا مِنْ تَخَاصُمها المشينْ

مُسْتَسْلِمِيِنْ

ومُهَرْوِلِيِنْ

في ذلك الدربِ الذي لا يُثْمِرُ

ودماءُ قَتْلَاَنَاَ عَلَى شُطْائَنِا تَتَكَسُرُ

فتُزَمْجِرُ

من بَعْدِ مَا غَدَرَتْ بها ريح التآمُرْ

وانهزام الثائرينْ

رغم اليمينْ

ومع السنينْ

ومع السنين توالت الأمواجُ وهي تُكرر:

أين الحبيبةُ «خَيْبَر»

أين الحبيبةُ «خَيْبَر»

أين الحبيبةً «خَيْبَر»

لا كُنتَ يا ليلَ التَّشَرُ دِ والتَّوَجُدِ

والتردد والردي

لا كُنْتَ.. والفجرُ الغريبُ قَدْ اجْتَدى

أُفْقَ العدى

ومع الصَّدى

ومع الصَّدى تَرْتَدُ صَرْحَهُ حُزْنِهِ

تَرْتَدُ خوفاً وهي قائلة له:

إنَّا زرعْنّا الغرْقَداء

إنَّا زرعْنّا الغرْقَداء

إنَّا زرعْنّا الغرْقَداء

الهامش:

[1] تذكر على سبيل المثال ما تركه جبران خلیل جبران وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة وغيرهم.

2 حكايات الجزء الأول، والجزء الثاني، الطبعة الأولى مكتبة أسامة بيروت.

3 سورة طه الآيات ۱۳٤ - ۱۳۷.

[4]ولعل ذلك فعل الناشر

[5]حكايات ٢٥/١ - ٢٦

[6]قصة رسالة ٩٤/١ 

[7] قصة أبو ظاهر ١٠٣/١

[8] بائعة النعناع ۱۱/۲

[9] لعل الكاتبة استعارت اسم القصة من رواية «القابضون على الجمر» تأليف أنور رياض.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 67

202

الثلاثاء 06-يوليو-1971

مع القراء (العدد 67)

نشر في العدد 929

80

الثلاثاء 22-أغسطس-1989

خفايا.. وأسرار (العدد 929)

نشر في العدد 176

119

الثلاثاء 20-نوفمبر-1973

أزمة أخلاق وإيمان