; المجتمع الثقافي (العدد 1257) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1257)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1997

مشاهدات 74

نشر في العدد 1257

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 08-يوليو-1997

  • ومضة

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ﴾ (سورة الصف: 2,3) أما عند الناس، فإن اختلاف القول عن الفعل إلى حد التناقض أحيانًا، يفقد صاحبه المصداقية بمقدار ما يهز ثقتهم به، ويفقدهم الاطمئنان لأقواله في أحسن الحالات... ذلك أن المستمع أو المتلقي تعجبه شقشقة اللسان، وتطربه نبرة الكلمة ولا سيما الحادة منها، وقد توقعه في شباك محدثه، وتأسره إلى درجة يبدو فيها وكأنه يعيش في عالم مسحور كل ما فيه، جميل ورائع وحبيب، وينقاد لها إلى حد الفتنة بحيث ينحصر فهمه للأشياء في حدود إيحاءاتها، ولا يمكنه النظر إلا من خلال الزاوية الضيقة التي تسلط عليها أضواءها.

لكن براعة المتكلم وعروضه التي تأسر الألباب، وتمسك بمجامع القلوب لا تستطيع ردم الهوة التي تفصل الحرف عن الحركة في مسرحيته الشائقة، كما أنها لا تملك القدرة على إخفاء حقيقة التناقض بين النظريات الحالمة وتطبيقاتها السيئة أو المعدومة ولا سيما عندما يجلس أحدنا ليتأمل ويفكر وتشرق على نفسه لحظات من الإلهام، ينكشف من خلالها الغلاف الوهمي الذي يحجب السوءات عن العيون المسحورة.... وأمام اهتزاز الصورة وظهور الحقيقة قد ينقلب المتأمل رأسًا على عقب، ويتحول مائة وثمانين درجة ويصاب بشيء من السلوك المضطرب نتيجة فقدان السيطرة وانعدام الاتزان وربما انتقل في مساره الفكري من اليمين إلى اليسار، أو من الشمال إلى الجنوب فدعا إلى الرذيلة بعد أن كان ينادي بالفضيلة لأنه لم يستطع التحكم بنفسه وهو يرى بشكل جلي الانفصام الكبير بين الواقع المعاش، وبين التنظيرات الكثيرة التي طالما رددها الزعماء في خطبهم والأدباء في مقالاتهم، وملأوا أسماع جمهورهم، ودغدغوا عواطفهم بالوعود الكاذبة، والأماني الجميلة، حيث يتحول معها التراب إلى تبر، وتتواضع الثريا حتى تخالط الناس في مجالسهم، أو يرتفع الثرى بمن عليه بحيث يغدو من السهل على الجميع مناجاة النجوم، وعقد صفقات من الوئام وتبادل المعلومات معها.

آثار في نفسي هذه الخواطر ما سمعته من صغيري بعد أن استلم جائزته في حفل تاكريمي، بأن فلانً الذي وصف بأنه من الأوائل لا تؤهله درجاته أن يتجاوز المرتبة العاشرة في فصله!! قلت في نفسي: إذا كان الصغير قد انتبه لمثل هذا الخلل - الذي يحصل لاعتبارات عديدة - فما باله عندما يرى تصدع مصداقية الكثيرين، وتهتز ثقته بمن كانوا كبارًا في عينيه.

***

مطولة علي أحمد باكثير في سيرة المصطفى r

قراءة نقدية بقلم: أبو علي حسن(1)

  • حياة الرسول r تتعدى «شريط الأخبار» الذي ينقله الشاعر إلى التعامل مع الواقع المعاصر من خلال الوقائع التاريخية.

يعاني المسلمون دائمًا من فقدان المنظر المنصف أو الناقد المسلم الذي يتناول تاريخهم الأدبي بوعي واقتدار، مالكًا لتصور إسلامي صحيح، مع تمكن علمي دقيق، وعلى الرغم من جهود مصطفى صادق الرافعي في هذا الصدد وغيره، فإن أيادٍ كثيرة وأقلامًا أبرزت كتابات جورجي زيدان، وكارل بروكلمان، مع ما فيها من تجاهل لحق، أو دس مقصود، أو فقدان الرؤية إسلامية مستنيرة.

وكثير من الروائع الأدبية التي يمكن أن تؤدي دورها في نهضة الأمة الإسلامية تحتاج لهذا المنظر المنصف، أو المؤرخ الموضوعي، أو الناقد المسلم، الذي يكشف عن أصالتها في وجهها الأدبي الإسلامي الراقي.... وهذا ما قام به الناقد الأدبي الأستاذ الدكتور حلمي محمد القاعود مع مطولة الشاعر علي أحمد باكثير التي ظلت محصورة في نطاق ضيق لظروف مختلفة لم تتح لها أن تنشر.

يعتبر باكثير من أنضج الأدباء الإسلاميين في القرن الرابع عشر الهجري، فهو يملك تصورًا إسلاميًا ناضجًا ومستنيرًا، استطاع الوصول إليه بمثابرة، فهو صاحب مقدرة فنية، وموهبة إبداعية تجلت في أثاره الأدبية المختلفة التي حازت قدرًا كبيرًا من السمو الفني، ولقد ارتسم باكثير في أذهان الناس ككاتب مسرحي، أو قصاص، أو مترجم، أو كاتب مقالة، أو صاحب مواقف متميزة في دنيا الأدب عامة، ولكنه في هذه «المطولة» يبدو شاعرًا مجيدًا.

وعلى الرغم من أنه يترسم في مطولته هذه خطى سابقة سار عليها شعراء المطولات في العصر الحديث وما قبله، مثل البوصيري، والبارودي، وشوقي وغيرهم، فإن باكثير يبدو متأثرًا بنهج البردة التي صاغها أحمد شوقي أكثر من تأثره بغيرها... بيد أنه في كل الأحوال كان يحاول أن يكون مستقلًا استقلالًا ذاتيًا على الرغم من ظهور التأثر من حين لآخر.

التزام مشرف:

فمحاولته للاستقلال الذاتي بدت واضحة في أكثر من مقطع، كما يقول الناقد د. حلمي محمد القاعود، فهي «تنبئ بصورة أو بأخرى عن موهبة نامية أثر صاحبها ألا يسوح داخل القصة التاريخية أو المسرحية، ليحقق شوقًا متقدًا، يناديه دائمًا لمعالجة قضايا الإسلام الراهنة من خلال التاريخ العريق، وقد حققه باقتدار، وسجل موقفًا مشرفًا لالتزام الأديب المسلم تجاه واقعه ومستقبله، وماضيه أيضًا».

يقول مطلع ميمية باكثير:

يا نجمة الأمل المغشى بالألم

 

 

كوني دليلي في محلولك الظلم

 

في ليلة من ليالي القر حالكة

 

 

صحابة بصدى الأرواح والديم

 

دجى تتالى كأمواج المحيط بها

 

 

عقلي وقلبي وطرفي، كل ذاك عمى

 

 

يقول الدكتور القاعود: «إننا أمام حالة خاصة شديدة الخصوصية، تتحدث عن واقع مدلهم شديد الظلام والبرد يجعل العقل والقلب والطرف في عمى وحيرة وشك وتخبط، وبذلك انخلع «باكثير» عن النمط الموروث في تلك المطولات، والذي يبدأ بالنسيب ويعبر عن ولعه «بالريم» الذي أحل سفك الدم في الأشهر الحرم، كما نرى عند شوقي، أو الطلب من «زائد البرق» أن ييمم شطر دارة العلم، ويحدو الغمام إلى حي بذي سلم، كما نجد عند البارودي، أو مزج الدمع بالدم عند تذكر جيران بذي سلم، كما نطالع لدى البوصيري.

بيد أن «باكثير» يوهمنا أنه على طريق من سبقوه، وأنه وفي لمطالعهم، حتى يلوي عنقنا بنداء «نجمة الأمل» مرة ثانية لتشرق وتنير له السبيل لأنها «الحياة» ولأنها السبيل إلى اتساع مضايق العيش:

فأشرقي وأنيري لي السبيل فما

 

 

لي غير نورك من منجى ومعتصم

 

أنت الحياة ولولا أنت ما اتسعت

 

 

مضايق العيش بين الهم والسقم

 

تلوحين لمن ضاقت مذاهبه

 

 

وأوشك العيش يلقيه إلى الرجم

 

 

ولكنه في البيت الأخير يمهد لنتخلى عن «الوهم» الذي صنعه بخطابه لها، وبتأكيد الخطاب بالضمير «أنت» مرتين في البيت الثاني.

ويرى الناقد «القاعود» أننا ظننا «نجمة الأمل» رمزًا للحبيبة التي يتغزل بها الشعراء في مطالعهم الموروثة، ولكنها الآن على وشك التحول الواضح إلى «نجمة الأمل» الذي يرجوه جميع الناس في حياتهم وأخرتهم، الأمل الذي يمنح الكل الصبر وطول الانتظار حتى تتحقق مطالبهم وأهدافهم... إنه يحمل رسالة مهمة ويريد أن ينقلها إلى الآخرين، الذين هم بالضرورة صانعو أحزانه وأشجانه:

وأرجع الطرف للأحقاف غارقة

 

 

في الجهل، فوضى بلا عدل ولا نظم

 

تفننت في ملاذ العيش تاركة

 

 

ما تقتضيه، فلم تفطر ولم تصم

 

***

كيف القرار على حال يذوب لها

 

 

قلب الكريم ويجري دمعه بدم

 

يا ليت شعري، اللعلياء من سبب

 

 

ألفيه يقذفني منها إلى القمم

 

شوقي إليها وعجزي عن تسلقها

 

 

يعذباني، عذاب الويل والضرم

 

 

فالشاعر يطرح هنا الهم السياسي والحضاري على الأشهاد بوضوح وحسم وأسى عميق، ويصبح هذا الهم محور القضية التي احتشد لها بكل كيانه ووجدانه وأشواقه ويتماذج الواقع النفسي «داخله» مع الواقع السياسي والحضاري من «حوله» ويحدث أمامنا هذا الضرام العنيف، بين الشوق إلى المثال أو «العلياء» وبين العجز والخمود الساكن في قراءة الواقع.

ويرى الدكتور القاعود في دراسته للميمية أن الدمع الذي يمتزج بالدم، ليس من أجل «الريم»، ولا من أجل «جيران ذي سلم»، ولكن من أجل الخروج من وهدة العجز والخمود، فليس هو الشاعر المتيم أو الشاعر المترف الباحث عن متعة خاصة، بل هو الذي يمضي قدمًا نحو غاية نبيلة، ومثال أعظم.... بل إنه يرى «الحب» في معناه الأرحب، والأشمل الذي يتجاوز المحبوب «المرأة» إلى العالم الأوسع والأكبر:

إن الشباب براق المجد يركبه

 

 

إليه كل فتى شيحان معتزم

 

فما وقوفك مشدوها تردد ما

 

 

بين النكوص على الأعقاب والقدم

 

وقد بدا لك نور الله متقدًا

 

 

«يوم الوقوف» أمام الواحد الحكم

 

 

إن الأمل يلوح قويًا وباهرًا... كما يصوره البيت الأخير... فقد بدا للشاعر «باكثير» «نور الله» يوم عرفات أو يوم الوقوف بعرفات، حيث يتخلص المسلم من كل الارتباطات التي تشده إلى الأرض ليتسامي إلى العالم الأعلى صافية نفسه، طيبة روحه... وهنا موطن الإنفراج لكل الأزمات التي يعايشها المسلم المعاصر الذي أضناه الخمود والكسل والحيرة والتردد والنكوص، هنا مجال الحركة الخالصة لوجه الله «نور السموات والأرض» الذي ينبغي أن يتوجه الناس إليه وحده، وهذا التوجه هو حل لكل المعضلات والمشكلات التي تواجههم وتستقطب اهتماماتهم وتستولي على أفئدتهم، ويحرص «باكثير» على المواجهة - فيما يرى القاعود - من خلال هذا الموقف الذي يتجرد فيه المسلم من الأطماع والشهوات والأنانية، ويتهيأ لتنفيذ أوامر الواحد الحكم بكل دقة وإخلاص.

شخصية الرسول r:

وعن شخصية الرسول r يقول علي أحمد باكثير:

عقد من النسب العالي يفوق على

 

 

عقد من الدر والألماس منتظم

 

كأنما الخلق «روض» والرسول به

 

 

«خلاصة العطر» من أزهاره الضغم

 

 

إن حياة محمد r ليست شريطًا إخباريًا ينقله الشاعر لنتعرف على وقائع هذه الحياة، وإنما المسألة تتعدى ذلك التعامل مع الواقع المعاصر من خلال الوقائع التاريخية، فنرى بعد هذه الأبيات أكثر من قضية معاصرة يتناولها «باكثير» ليدلل على سبق الإسلام إلى الوقوف بجانب الإنسان، مقدمًا شخصية الرسول rكصورة تجمع إلى الكمال الجلال، وتجمع إلى صفاته الإنسانية الفاضلة كل معالم الخلق العظيم.

ويلاحظ الدكتور القاعود أن «باكثير» قد ركز على الصفات المعنوية دون الصفات الجسدية، وهذا إدراك متقدم لا ينبغي أن تكون عليه الوقفة الحضارية التي تحمل هموم الحاضر، أمام شخصية الرسول r:

ولم يكن ملكًا، لكنه بشر

 

 

فاق الملائك بالأخلاق والعظم

 

 

إن الأمل عند «باكثير» يتجلى في أحسن تعبير، يجمع إليه اعتزاز المسلم بدينه، ورفض الإسلام للذل والهوان... فيقول:

لا يلتقي الذل والإسلام في خلد

 

 

أو يمكن الجمع بين الماء والضرم؟

 

 

ضرورة الطرح من جديد:

إن الأعمال الشعرية التي أبدعها كثير من شعراء الأدب الإسلامي في حاجة إلى الطرح والحوار على مائدة الباحثين والنقاد، وإذا كان الشعراء الحاليون في مكنتهم أن يلقوا بأشعارهم داخل ندوات، يعقبها أحيانًا محاورات، فإن الشعراء المعاصرين الذين لقوا ربهم في حاجة الطرح أشعارهم على الباحثين والنقاد، وكل من هذه الطريقة وتلك تقربان المفهوم، وتساعدان على النضج المطلوب للأدب الإسلامي – شعراء وقصاص ومسرحيين وروائيين.

 

الشعر ينسى أحيانًا:

فمع ما تتميز به ميمية «باكثير» في صورتها العامة من حس مرهف تجاه التاريخ والعقيدة، وإدراكها للمؤامرات الخبيثة التي أضرمت في جنبات الواقع الإسلامي، مستترة وظاهرة، فإن اضطرار «باكثير» لأن ينسى الشعر أحيانًا، ويقف محاورًا في ندوة عقائدية، وليس في قصيدة شعرية يعد أمرًا جديرًا بالانتباه لمن يخطو الخطو بعده، ولعل الشاعر الإسلامي كامل أمين يحذو حذو «باكثير» في هذا الصدد رغم أن محاوراته - شعرًا - تأتي مليئة بطرافة، وربما سخرية تخفف أحيانًا من حدة المحاورة داخل القصيدة.... وهذا «باكثير» أيضًا، يتذكر في معمعة الحوار أنه يؤدي دورًا آخر خارج القصيدة فينسحب إليها مستضيئًا بهدي إيمانه إلى الاستمرار في الإنشاد الحزين والثائر.

إن حاجة الأمة الإسلامية إلى التعرف على الأعمال الإبداعية في عالم الأدب الإسلامي المعاصر، لا تقل أهمية عن حاجتها إلى محاولات التنظير والدراسات النقدية لهذه الأعمال.... فالنوعان لبنة في بناء عظيم منوط بالمبدعين والنقاد معًا أن يشيدوه، فيقيموا بذلك صرحًا من صروح حضارتنا الإسلامية المنشودة.

سياسة الجوائز الدولية ومقاصدها الخبيثة

بقلم: د. عبد السلام الهراس(2)

لأعداء الإسلام مراكز للدراسات والأبحاث، ولكل مركز أقسام وشعب ومصالح ولجان تدعم كل أناس منهم، وهذه الأجهزة مختلفة المهمات والوظائف، ومنها ما هو مختص فقط بإبداع أساليب الحروب النفسية للمسلمين، وتتخذ هذه الحروب أشكالًا وألوانًا وتستعمل وسائل وأساليب وألفاظًا ومصطلحات حسب العصر والمصر والظروف، وقد رأينا أن من أوائل ما استعمل ضد المسلمين وصفهم بـ «التعصب» و«التزمت»، ثم «التطرف»، ثم الإرهاب، وهكذا أصبح كثير من المسلمين مشغولين بتبرئة انفسهم أمام الغرب من هذه الأوصاف، والظهور أمامه بالاعتدال والتفتح والتجاوب مع الحضارة الجديدة وإظهار أن «دينهم» صالح لكل زمان ومكان، ولو كان في ذلك تحليل بعض الحرام، وتحريم بعض الحلال، ليتسق مع الخط الغربي المطلوب منا سلوكه... ومن بعض سلوكهم محاربة غطاء الرأس والتحاء الشباب والتضييق على المظاهر الإسلامية المكروهة لدى الغرب، ومن السياسة الرائجة والناجحة التي اتخذها الإمبرياليون لمحاربة الإسلام والمسلمين إعطاء الجوائز الدولية والمحلية لكل من خان الله ورسوله وأمته ووطنه.

وقد رأينا كيف اهتمت إنجلترا ثم باقي البلدان الغربية برجل تافه يدعى سلمان رشدي، فهذا الرجل كتب رواية ساقطة، لا تساوي فلسًا صدئًا، وظلت روايته «تخيلات شيطانية» - وهذه هي الترجمة الصحيحة لعنوان الرواية - مهملة لا يلتفت إليها أحد، حتى قراها أحد المسلمين الهنود بلندن، وأرسل تقريرًا عن القصة طالبًا من زعيم الثورة الإيرانية آية الله الخميني فتوى في حق هذه التخيلات الشيطانية، فما كان من إمام الثورة الإيرانية إلا أن أفتى بوجوب قتله، ورصدت إيران لذلك مبلغًا من الدولارات، فهذه الفتوى صنعت من فرد نكرة مغمور شخصية أدبية كبرى يحاط بحراسات مشددة، ويستدعى للعواصم حتى أصبح محل تنافس وتسابق بينها، وأصبحت روايته التافهة ذات رواج كبير، وترجمت لعدة لغات في ظرف وجيز، وذلك كله لإغاظة المسلمين ومحاربتهم والتشهير بضيق أفقهم، ولو كان لهذا الذي كان السبب في هذه الفتوى وهذه الضجة وعي بالمحيط الذي يعيش فيه وبسياسة أعداء الإسلام لواجه الأمور بصمت، أو لأخذ بنصيحة اللورد هوك تريفور الواردة في مقالته القيمة المنشورة في مجلة المستقل INDEPENDANT MAGAZINE حيث وصف هذه الرواية بالتفاهة والصفاقة، وقال أمام هذه الضجة المفتعلة: «إنه كان يكفي أن يطعنه مسلم عادي لكونه استفز مشاعر المسلمين».

تفاهة الرواية:

وتفاهة هذه الرواية وسقوطها موضوعًا وأسلوبًا وحبكة أمر متفق عليه في الأوساط الأدبية الراقية على الرغم مما روج لها بعض الحاقدين على الإسلام في بلادنا العربية وعلى صفحات جرائد العملاء الذين حولوا ولاءهم من موسكو إلى عواصم الغرب، ومن أهم الشهادات على تفاهتها وسقوطها ما قاله العلامة الكبير البروفيسور عبد الله الطيب من أن هذه الرواية بلغت من التفاهة والإسفاف ما يجعل المرء يندم على تضييع دقيقة واحدة من وقته لقراءتها، لفراغ المحتوى وتفكك الأسلوب وركاكته والإفراط في الغموض والتمويهات.

وهناك أديب إيطاليا الأكبر ألبرتو مورافيا يقول في حوار أجراه معه مندوب وكالة «أورينت برس» بمناسبة بلوغه الحادي والثمانين عامًا من عمره جوابًا عن سؤال المندوب المذكور: ما موقفك من رواية سلمان رشدي، يقول: «لقد قرأت هذا الكتاب الذي أثيرت حوله ضجة عالمية استثنائية، وأنا بصدد وضع دراسة نقدية حوله، إن سلمان رشدي رجل هندي مصاب بعقدة نقص عنصرية تجعله مستعدًا لكتابة وارتكاب أي شيء يبعده عن انتمائه الهندي، ويثبت جدارته لحمل الجنسية البريطانية، ومن الناحية الأدبية فإن رواية «تخيلات شيطانية» عمل أدبي تافه ومفكك، واعتقد جازمًا أنه لولا التجديف الذي تضمنته هذه الرواية لما كان أحد سمع باسمها أو باسم صاحبها» «جريدة العلم المغربية 28\1\1995 م»، وقد كان طه حسين مجرد أستاذ جامعي بجانب زملائه كالدكتور أحمد ضيف، لكن جرأته غير العلمية على ترويج الشك في الشعر الجاهلي الذي أثاره بعض المستشرقين قبله، إضافة إلى تطاوله على القرآن الكريم متظاهرًا أن ذلك من بنات أفكاره واعتماده منهج ديكارت لفت إليه الأنظار وآثار عليه معارك عنيفة تزعمها شيخنا الأستاذ الكبير محمود شاكر، ومصطفى صادق الرافعي، وانتقلت المعركة من ميادين الصراع الفكري إلى المحاكم، وهكذا أصبح لطه حسين مكانة كبرى في الأدب في مصر والعالم العربي إلى درجة أنه لقب بعميد الأدب العربي لا لشيء إلا أنه خالف تلك المخالفة التافهة التي تراجع عنها بعد ذلك، وقد صرح لمستشرق صديق كما أخبرني عندما سأله: هل ما يزال يتبنى الأفكار الواردة في كتابه «الشعر الجاهلي» فقال: «إن ذلك كان شيئًا وضعه الشيطان على لساني فتكلمت به» كما أن أستاذ العربية الأكبر محمود شاكر الذي انتقد أراء طه حسين وأفكاره الأدبية قال في مقالة له نشرها في مجلة العربي الكويتية بأن طه حسين تراجع عن أفكاره حول القرآن الكريم والشعر الجاهلي كما أسر إليه بذلك، دون أن يكون أمينًا ولا شجاعًا في الإعلان عن ذلك أمام أولئك الذين ما زالوا إلى الآن ينشرون أغاليطه بل اتخذوها عقائد وأورادا يضللون بها طلابهم، هذا ولا يستبعد أن تكون جائزة «كان» السينمائية لفيلم «المصير» ليوسف شاهين الذي منعه الأزهر في مصر من قبيل المناوأة للإسلام والتشهير بالأزهر الشريف والترويج لهذا الفيلم وإبراز اسم مخرجه الذي عاد من «كان» يتحدى بجائزته «الكاذبة» التي ما كان «ليحظى» بها لولا أن الأزهر الشريف منع فيلمه من التداول في مصر، مما يدل أن الجوائز هذه لها علاقات مشبوهة.

موضة التطاول على الإسلام:

ويبدو أن «موضة» المخالفة والتطاول على الإسلام وعلى القرآن الكريم والحديث الشريف والقيم الإسلامية بدافع الحصول على الشهرة ونيل رضى أعداء الإسلام وتلقي جوائزهم قد أغرت بعض المنحرفين التافهين بالجرأة على الإسلام والتعرض للشخصيات الإسلامية، ومن ذلك ما حدثني به مستشرق صديق زارني منذ شهرين أن مصريين جامعيين حضرا ندوة بألمانيا، وكان تدخلهما في الندوة غير علمي سوى الطعن في القرآن الكريم، فانبرى هو للرد عليهما، وأبدى لهما أن هذه الندوة ندوة علمية، وليست من النوع الذي تروج فيه أمثال هذه الأفكار المنحرفة، فاضطرا إلى جمع أوراق تفاهتهما والعودة إلى قواعدهما، وهذه الأيام اطلعت على كتاب صغير لأستاذ جامعي كان يساريًا ماركسيًا، يهاجم الدكتور كمال أبو المجد ويتهمه وآخرين بالقصور في الثقافة وفي العلم والمعرفة بعدما هاجم ابن خلدون فعجبت كل العجب أن يسمح أستاذ يحترم نفسه بأن يتطاول على عالم كبير ومفكر أصيل وشخصية فذة ويقول فيه ما لا يصدقه أحد عرف ويعرف الدكتور أحمد كمال أبو المجد، إني أعرف كلا الرجلين معرفة تامة وأعرف مكانتهما العلمية، ولست محابيًا ولا متجنيًا إذا ما قلت: شتان بين المؤلف اللامز وبين الدكتور أبو المجد الذي عرفته في آخر مرحلته الجامعية باحثًا عندما قدم أطروحته للدكتوراه للمناقشة في كلية الحقوق سنة 1958 م أمام لجنة علمية كانت تمثل إذاك قمة القانون الدستوري بمصر، وقد أجمعت اللجنة على أن هذه الرسالة لم تشاهدها كلية الحقوق جامعة القاهرة منذ عشر سنوات، بل أن بعض الدكاترة الكبار أعلن أمام الملأ - وهم صفوة القانونيين بمصر أساتذة وطلابًا ورجال قضاء ومحامين - أنه يقف من هذه الأطروحة موقف المستفيد، وليس له أي ملاحظة عليها، لأنها جمعت من الكمال جدة ومنهجًا وأسلوبًا وتفكيرًا ودقة وعمقًا ما لم يترك لباحث أن يزيد أو ينقص أو يلاحظ.. كان ذلك منذ تسعة وثلاثين عامًا، أصبح الدكتور أبو المجد بعدها من ألمع رجال القانون والفكر في العالم الإسلامي.

ويعجبني من بعض الشخصيات الإسلامية مثل الدكتور أبو المجد أنهم لا يقعون في فخ ردود الفعل، فلا يسارعون إلى الرد والإجابة إلا بعد دراسة الأمر من وجوهه، حتى لا يكون هناك من متربص ليرتب الأمور من أجل الردود لتحقيق مقاصد أخرى لغير صالح الإسلام والمسلمين، كما رأينا مثلًا في قضية الطبيبة البنغالية التي كانت الضجة عليها في بلادها فرصة أهتبلتها أجهزة الرصد لتحتضنها وتغدق عليها من الألقاب والجوائز ما جعلها موضوع إعلام طويل وعريض، وهي امرأة عادية كما حكى لي من أعتمد على علمه وعقله وموضوعيته وجديته إذ استمع إلى محاضرة لها وإلى أجوبتها المضطربة، إن أعداء الإسلام يعرفون سطحية هؤلاء وتفاهتهم، ولكنهم يلمعونهم ويجعلون منهم شخصيات بارزة في العالم، ويضفون عليهم من التزيين والتوشيح والأصباغ والزركشة على نحو ما يفعلون في هوليود ليقضوا بهم أغراضهم ويحققوا من ورائهم مقاصدهم الخبيثة، وآخر ما سمعنا من ذلك إعطاء جائزة أمريكية لسوداني متأمر على وطنه مناوئ لجهاد الشباب السوداني لتحرير الجنوب من عملاء الدوائر اليهودية، والكنائس العالمية والاستعمار الغربي، وقد تعمدوا إخفاء اسمه إمعانًا في توفير عوامل نجاح المقاصد الخبيثة من هذه الجائزة.

مثال على الخبث:

ومن ذلك إعطاء جائزة نوبل اليهودي لمتمرد تیموري بالاشتراك مع قس نصراني تيموري أيضًا يتزعمان الدعوة إلى انفصال تيمور الشرقية عن إندونيسيا لتكون قاعدة للتنصير في تلك الربوع، وكلا الرجلين، عادي لا يستحق أي جائزة، لولا المقصد الخبيث لمزيق إندونيسيا.

إن سياسة الجوائز باسم الأدب أو الفكر أو السلام أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان لها رواج كبير في هذه السنوات، وليس ذلك بعجب على من وصفهم الله بالماكرين وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال لأنه مكر الليل والنهار، وليس بعجب أن يسارع لخدمتهم منافقو هذه الأمة وضعاف النفوس فيها والمستولية عليهم نزواتهم وشهواتهم، لكن العجب أن نظل صامتين أمام هذه المؤامرات التي استمراها منظموها وساروا فيها أشواطًا بعيدة للكيد والدس والإيقاع بين المسلمين والفت في عضدهم، لذلك يجب مواجهة هذه السياسة بما تقتضيه الحكمة والمصلحة العليا للمسلمين حتى يرتدع هؤلاء المغامرون والمتآمرون الذين يتطارحون على أبواب أسيادهم، لينالوا من دنياهم لقاء القيام بمهمات تخريب أوطانهم ومناوأة الإسلام والقدح في الحضارة الإسلامية وقيمها السامية، وأبسط ما تجب المبادرة به: إشهار أسماء أصحاب هذه الجوائز تحت عناوين لافتة للنظر مؤثرة في النفوس، وليكن مثلًا:

«أصحاب جوائز الخزي والعار»، «عمولة القوارض الفكرية والأدبية»، «جوائز النفاق والتزلف».

حتى تعرف هذه الأسماء في عالمنا الإسلامي بهذه الصفات الذميمة لكي يرتدع كل من يحاول ولوج هذه السراديب المنتنة، ويكون المؤمنون على معرفة بأسماء الطابور الخامس ليحذروهم ويحتقروهم ما داموا يحاربون الله ورسوله والمؤمنين.

***

واحة الشعر

أبناء السلام يضبطون أنفسهم

شعر: د. محمد وليد(3)

يقول نتنياهو «إذا أعرض العرب عن السلام كانوا أشبه برجل يجدع أنفه بيده، ويشكو من ضياع أنفه».

أرعد السامري بالتهديد 

 

فسرت رعشة بقلب العبيد

 

اجدعوا أنفكم يقول نتنيا 

 

هو ونوحوا على السلام الفقيد

 

إن حزبي وهدنتي وسلامي 

 

وحياتي لخدمة.. التلمود

 

إنما القدس أرضنا ذاك وعد  

 

وعد الرب من زمان بعيد

 

أنتم الغاصبون فيها وإنا  

 

سوف نحيا بها بدون حدود

 

ومضى يشتم العروبة والدين  

 

جهارًا... بخسة العربيد

 

ضبط العرب نفسهم واستكانوا  

 

لفحيح الوعيد والتهديد

 

ومضوا للسلام مثل خراف  

 

قادها الذئب نحو حتف أكيد

 

***

 

اضبطوا نفسكم فهذي فلســ  

 

ــطين سراعًا تسير للتهويد

 

اضبطوا نفسكم فهذا أنين  

 

القدس يشكو للخالق المعبود

 

اضبطوا نفسكم فكل شريد

 

لاعن ذلكم وكل شهيد

 

ما ضبطتم نفوسكم حين شيدت

 

لحماس مقامع من حديد

 

ما ضبطتم نفوسكم حين سألت

 

يوم رابين أدمع التسهيد

 

عجب الناس حينما طفح الذل

 

فقلتم للذل هل من مزيد

 

***

وأقام المستوطنات نتنياهو

 

على أرض أهلكم والجدود

 

قصف الأمنين في كل دار

 

وهم في الصلاة عند السجود

 

فبقيتم على الهوان وأصررتم

 

على ضبط نفسكم من جديد

 

اضبطوا نفوسكم فلا بقيت نفس

 

تعيش الحياة عيش العبيد

 

كشفت سوءة العبيد وصرتم

 

مثلًا للهوان غير حميد

 

فلمن تذخرون تلك الصواريخ

 

العوالي... وناقلات الجنود

 

ولمن تلك البوارج في البحر

 

وتلك الدروع ملء البيد

 

إن ضبط النفس الذليلة عار

 

عند ذبح الوليد حتى الوريد

 

***

يا إلهي رحماك إنا مضينا

 

نحو درب الجهاد والتوحيد

 

أظلم الليل.. غير نور تبدى

 

في عيون المجاهدين الصيد

 

وصحا المسلمون في كل أرض

 

فاستنارت بوعينا من جديد

 

ورياح الإسلام هبت علينا

 

بصلاح وخالد بن الوليد

 

***

 

 

 

 


 

(1) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

(2) مفكر إسلامي مغربي.

(3) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

121

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

122

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد