; المجتمع الثقافي (العدد 1329) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1329)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1998

مشاهدات 58

نشر في العدد 1329

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 08-ديسمبر-1998

وقفات: أمام غريب القرآن: الجوار الكنس

بقلم: أنور عبد الفتاح

حينما نسمع أو نقرأ سورة التكوير، تستوقفنا هذه الآيات بطيب جرسها، وبديع نظمها، ثم لا نلبث أن نتوقف أمام مفرداتها لنستفسر عن معنى الخنس والكنس وعسعس، ولا سيما أن الآيات الكريمات تلفت نظرنا إلى آيات كونية عظيمة، فما معنى هذه المفردات في لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم؟ وما رأي المفسرين في شرح معانيها؟ 

يقول بعض المفسرين إن الخُنَّس هي الكواكب الخمسة زحل، والمشترى، وعطارد والمريخ والزهرة وفي تخصيصها من بين سائر النجوم يرى هؤلاء المفسرون أن هذه الكواكب الخمسة تستقبل الشمس وتقطع المجرة.

ويرى البعض الآخر من المفسرين أن الخُنَّس هي النجوم التي نراها في السماء بصورة عامة نظرًا لأنها تختفي نهارًا، ويتفق هذا الرأي مع ما روي عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه  أن الخُنَّس هي النجوم تخنس نهارًا وتظهر بالليل وتكنس في وقت غروبها أي تتأخر وتتوارى عن البصر تدريجيًّا حتى تختفي. 

وفي لغة العرب خنس يَخْنَس وَيَخْنُسُ بالكسر وبالضم خنوسًا وخناسًا وانخنس وكلها بمعنى انقبض وتأخر وقيل رجع. 

والخنوس هو الانقباض والاستخفاء، وخنس من بين أصحابه، بمعنى اختفى منهم، وغاب عن أعينهم، وقد حكى الأصمعي قال: سمعت أعرابيًّا من بني عقيل يقول لخادمه الذي كان معه في السفر فغاب عنه لبعض الوقت لم خنست عنا؟ أراد لم تأخرت عنا وغبت وتواريت. 

كما روي أن أحد الشعراء قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأنشده من أبيات 

وإن دحسوا بالشر فاعف تكرمًا            وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل 

أراد إن قبضوا عنك الحديث وأخفوه ولم يظهروه.

وقد وردت هذه المادة - مادة خنس – في القرآن الكريم في موضع آخر وهو قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (الناس: ٤) في إشارة إلى الشيطان، فقد ورد في الحديث الشريف أن الشيطان يوسوس العبد فإذا ذكر العبد ربه خنس الشيطان أي انقبض وتأخر.

وفي حديث جابر t أنه كان نخل فخنست أي تأخرت عن قبول التلقيح في تحمل تلك السنة.

والخنس في الأنف تأخره إلى الرأس وارتفاعًا عن الشفة، وقيل الخنس في الأنف قريب الفطس وهو لصوق قصبة الأنف بالوجنة مع ضخم الأرنبة.

أما الكُنَّس فهي جمع كانس وكانسة مثله الحال في الجنس التي هي جمع خانس وخانسة.

وكنس يكنس كنوسًا للظباء والوحوش إذا أو إلى مكانها أي ملاجئها ومواضعها التي تحتم فيها، وتختبئ بها من العدو أو من شدة الحر.

فانظر أيها الأخ المؤمن إلى تصوير القرآن الكريم للنجوم في حركتها الدائبة ليلًا ونهار وتتابعها في عملية الاختفاء والكناس نهار والخناس ليلًا أي التأخر في مغيبها.

ولعلنا نلاحظ في هذه الآية الكريمة المعجزة الكونية التي أشار إليها القرآن الكريم منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام.

 توقيع الديوان الجديد للشاعر الدكتور حسن الأمراني

أشجان النيل الأزرق

الدار البيضاء: إبراهيم الخشباني

اختتم المعرض الدولي السابع للكتاب والنشر بالدار البيضاء فاعلياته مؤخرًا بعد أن انعقدت دورته هذا العام تحت شعار الكتاب دعامة أساسية للتنمية الوطنية.

وعرفت دورة المعرض السابعة بعض التغيير في منهجية التنظيم التي سار عليها المعرض في دوراته السابقة، بحيث تم الاقتصار في الندوات الموازية للمعرض على قضايا الكتاب، فيما تم تغييب قضايا النشر الذي كان فيما مضى يأخذ حيزًا مهمًا من الندوات.

تحول آخر عرفه المعرض هذه السنة ويتمثل في التركيز على العالم العربي بصفة خاصة والتقليل من الكتاب الأجنبي الذي كان يطغى وجوده على أروقة المعرض خلال الدورات الست السابقة، وقد بادرت وزارة الثقافة إلى دعوة مجموعة من المؤلفين والكتاب العرب للقاء المباشر مع الجمهور خلال ندوات المعرض وحفلات التوقيع بقصد رفع بعض ما يعانيه الكتاب العربي من أزمة حقيقية على مستوى النشر والتوزيع.

وقد حاول المنظمون تخصيص فضاءات داخل المعرض خاصة بالطفل والإنتاج الموجه له على قلته، كما تم ابتكار بعض الأساليب لترويج الكتاب وتقريبه من الناس، خصوصًا في البوادي التي تعاني خصاصة واضحة في هذا المجال، كفكرة قافلة القراءة التي ستجوب أنحاء المغرب على مدار السنة، ابتداء من أحياء الدار البيضاء نفسها. 

وكذلك تم الاتفاق قبل افتتاح المعرض بين الوزارة الوصية والعارضين على تخفيض الأسعار بنسبة ٣٠ على ما هو موجود في السوق تشجيعًا للإقبال أكثر على القراءة.

لقد كان المعرض السابع وخصوصًا من خلال الندوات الموازية فرصة لاستحضار المشاكل التي يعاني منها الكتاب منذ أن كان فكرة إلى أو يصبح مادة للتسويق والتثقيف.

فالأسئلة المطروحة على الساحة العربية في مجال الكتاب كثيرة ومتنوعة في الوقت الذي تبقى الأجوبة فيه ضئيلة، إلى الآن لم تجد مشكلة التواصل بين مبدع الكتاب العربي ومتلقيه أجوبة حقيقية لأمور مثل حقوق التأليف خصوصًا عند نشر الكتاب في بلد عربي غير بلده الأصلي -تنظيم دور النشر والتوزيع، التكلفة النهائية للكتاب واجبات الجمارك على الكتاب بين البلاد العربية الرقابة التي تخف وتشتد حسب كل بلد على حدة، دور المطالعة دور الثقافة.

موازاة مع انعقاد المعرض، وفي إطار أنشطة رواق مجلة الفرقان تم تنظيم حفل توقيع الديوان الجديد للشاعر الدكتور حسن الأمراني عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية «أشجان النيل الأزرق».

يقول الشاعر في مقدمة ديوانه التي جعلها على ألف وأربعمائة عام، وعرفها العلم الحديث، ونعني بذلك حركة الكواكب والنجوم في مداراتها الفلكية فقد وصفت الآية الكريمة النجوم بأنها الجواري، أي التي يجري كل منها في مداره في حركة مستمرة. أما مادة «عَسْعَسَ» في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ فقد قال فيها بعض المفسرين: إنها بمعنى أدبر، فيما قال بعضهم عَسْعَسَ الليل، إذا دنا من أوله وأظلم، وكذلك عسعس السحاب إذا دنا من الأرض وذهب فريق من المفسرين إلى أن العرب تقول عَسْعَسَ الليل أو سعسع السين مكان العين والعين في مكان السين، إذا أقبل الليل أو أدبر والفعل عَسْعَسَ مأخوذ من الفعل عس يعس عسا وعسسا، أي طاف بالليل، وقد روي أن عمر بن الخطاب t كان يعس بالمدينة، أي يطوف بالليل ويحرس الرعية ويكشف أهل الريبة.

والعسعسة ظلمة الليل كله وعسعس فلان الأمر إذا لبسه وعماه، وأصله من عسعسة الليل.

وتعسعس الذئب: طلب الصيد ليلًا كذلك يقال للذئب العسعس والعسعاس، لأنه يعس الليل طلبًا للصيد والعس والعسس لها معنى البطء أيضًا، تقول عس على يعس عسًا، بمعنى أبطأ، وكذلك عس على جنده أي أبطأ، وإنه لعسوس بين العسس أي واضح البطء.

والعسوس من الرجال الذي يقل خيره، وقد عس عليّ بخيره أي ضن عليَّ به ولم يعطني منه إلا القليل.

والعس: القدح الضخم والإناء الكبير والعسعس والعسعاس الخفيف من كل شيء.

غير العادة في آخر الديوان وكانت أخبار الأمة تترى بما يكشف عن رغبة الأعداء في الجام كل حركة فيها نحو النهوض الحضاري أو الاستقلال السياسي أو الإقلاع الاقتصادي، أو التحرر الثقافي الشامل، أخبار الحصار والتكالب والعدوان والاستفزاز في كل مكان.

وكان المنطلق من المؤامرة ضد وحدة السودان واستقلاله، فلذلك كان المنطلق الشعري من أشجان النيل الأزرق، ولكن الدائرة تتسع شيئًا فشيئًا لتشمل سائر بؤر التوتر في عالمنا العربي والإسلامي فلسطين، العراق، لبنان المغرب العربي کشمير، مصر، بلاد آسيا الوسطى إلخ كلها كانت تلح علي، وأحسست بتدفق شعري من جهة ومعاناة المخاض الشعري من جهة أخرى، ولأول مرة أحس بهذا القدر الموجع المعض، وهذا الألم المقض في الكتابة، وهو لا يخلو في بعض الأحيان من شعور محبب هو أقرب إلى الشعور الذي يتلبس سلوك المدارج الأولى في مسيرة المتبتل.. ولأول مرة أسهر في بعض الأحيان إلى قرآن الفجر، لا أملك من أمري شيئًا أمام سلطان الشعر ولا أخفي أن مكابدة الذات كانت ممتزجة مع المكابدة الجماعية وأني لي الفصل بينهما؟

إلى الشيخ المجاهد أحمد ياسين

المقعد الذي زلزل العدو

شعر: محمد الأمين محمد الهادي الصومال

ثمانٍ ونصف مضت أوْمضتْ *** بعمرك نورًا فزدت شروقا

أهبت سجينا فكيف ستغدو  *** بربك إما غدوت طليقا

وكالجمر أنت إذا ما احتجزت  *** بأيدي الأعادي اشتعلت حريقا

وإن أطلقوك ستشعل فينا  *** حماسا وترعد فيهم بروقا

همُ بين نارين داروا فحاروا  *** ولم يستبينوا الرشاد طريقا

فلم تحنِ رأسا سوى للمهيمن  *** ذبت بدمع لديه غريقا

وأنت القعيد أشد عليهم  *** بعزك ممن يسير أنيقا

فحسبك جيل الحجارة فخرا *** بمقلاع طفل يفك المضيقا

يعرِّي العدو ويكشف زيفا *** تستَّر فيه زمانا سحيقا

فيغدو كأضحوكة في البرايا *** جنود تواجه طفلا رقيقا

سلام عليك وليدا وطفلا *** وشابا وكهلا وشيخا رفيقا

تبارك عمرك إذ أثمرت *** لياليه فخرا ومجدا عريقا

أهبت العدو شموخا وعزًّا *** وهِبْتَ المعز فبت طليقا

وربيت جيل الشهادة حتى *** إذا شبَّ قام يعيد الحقوقا

شباب «حماس» وأنعم بهم من *** شباب تحدى العدوّ لحوقا

يحوطون حولك أشبال ليث *** وأنت المفدّى تقود الفريقا

يحوطون حولك هالات نور  *** وكالبدر أنت تزيد بريقا

خرجت من السجن ليثا هصورا  *** تُهاب وتُخشى عدوًّا صديقا

وأنت أمام عيون أعاديك  *** تمرق كالسهم فيهم مروقا

وتهتز أرواحنا بهجةً  *** وتفديك كل النفوس خليقا

أعِد للشهادة طعم الدّوالي *** ومهِّد لجيل الجهاد الطريقا

ووثق عرى الشعب في دربه *** إلى المجد حتى يزيد وثوقا

ووحِّد وراءك رايات حق *** ليبزغ فجر أهلَّ أنيقا

من أين ننطلق في تغيير الواقع المحيط بنا؟

بقلم: غازي التوبة

المطلوب توصيف دقيق لواقع الأمة يحدد أمراضها ويرسم معالم نهضتها

الهجرة حل في بعض المراحل ليس على حساب بقية 

الأحكام تحديد دار الحرب مرهون بوجود دار الإسلام

 مهما كان نشر العلم فسيبقى هناك جاهلون في المجتمع

 المزاوجة بين النظر الشرعي والتوصيف الواقعي لتحديد الأولويات وخطوات الحركة ومراحل البناء 

ليس من شك في أن الجماعات والحركات التي استهدفت تغيير واقع المسلمين في العصر الحديث كثيرة ولكنها اختلفت في النقطة التي يجب أن تكون بداية التغيير وقد تعثر الكثير منها، وبالعكس جر ويلات على الأمة في بعض الأحيان، ونحن نستعرض بعضًا من هذه الحركات وسندرس النقطة التي انطلقت منها:

١-حزب التحرير

بدأ حزب التحرير نشاطه قبل نصف قرن تقريبًا، وكانت النقطة التي انطلق منها هي أن الضعف الفكري هو سبب انهيار الدولة الإسلامية، وأن الفكر طريق إعادة الدولة الإسلامية، وأن النهضة تكون بالارتفاع الفكري، لذلك كانت مراحل الحزب مبنية على التثقيف الفكري. 

نحن لا ننكر أن الفكر الإسلامي الصحيح جزء من كيان المسلم، ليس هذا فحسب، بل جزء مهم لكنه ليس المسلم كله فهناك القلب والنفس والروح، وهي بحاجة إلى معالجة وعندما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته عالج الأفكار الخاطئة التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي لكنه عالج –في الوقت نفسه – القلوب والنفوس والأرواح وخلصها من أمراضها وبناها البناء الصحيح وهو ما أغفله حزب التحرير إغفالًا تامًا، مما جعل عمله الدعوي قاصرًا ومتعثرًا ([1])

٢-جماعة المسلمين «التكفير والهجرة»

أنشأ شكري مصطفى جماعة المسلمين في مطلع السبعينيات وكانت الهجرة إحدى النقاط الرئيسة العملية التي أقام جماعته عليها، وأراد من فكرة الهجرة الانتقال إلى مكان أمن من أجل ترتيب صفوف جماعته، وبنائها البناء السليم حتى تستطيع أن تواجه الكفر بعد ذلك وتنتصر عليه. 

ولا شك في أن الهجرة جزء من حركة النبي ﷺ في مكة والمدينة فقد أمر الرسول ﷺ المسلمين بالهجرة إلى الحبشة مرتين هربًا من أذى مشركي مكة، كما ألزم المسلمين بالهجرة إلى المدينة في بداية إقامة الدولة الإسلامية، وقد وردت عدة آيات وأحاديث عن فضل الهجرة وأجر المهاجرين.

لكن الأمر الأساسي الذي يجب الذي يجب ننتبه له الهجرة جاءت في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حالًا في بعض مراحل الدعوة لبعض أحوال المسلمين، وكانت سبقتها عشرات الأحكام والتصرفات والأعمال لذلك عندما نأتي ونبرز حكم الهجرة ونجعله منطلقًا لعمل حركي نكون قد غالينا، وضخمنا حكمًا شرعيًا هو جزء من عدة أحكام وهو مرتبط بأشياء قبله وليس هو البداية.

٣- انطلق بعض الجماعات من مقولة دار الحرب ودار الإسلام، فاعتبر أن بلادنا بعد سقوط الخلافة العثماني دار حرب، وأنزل عليها كل الأحكام الفقهية المتعلقة بدار الحرب، ونسيت هذه الجماعات أن مقولة دار الحرب ودار الإسلام إنما هو حكم فقهي مستجد لمعالجة اوضاع جديدة عاشها المسلمون قبل عدة قرون، ولا يمكن تعميمها على كل الأماكن، وكل الأزمان، وإن اعتبار ديارنا دار حرب حكم خاطئ لأن تحديد دار الحرب مرهون بوجود دار الإسلام أولًا، لتتحدد دار الحرب ثانيًا.

٤-انطلق بعض الجماعات من دعوى انتشار الجهل بين المسلمين وضرورة تعميم العلم الشرعي، ليس من شك في أن الإسلام حض على العلم الشرعي واعتبره فرض عين في بعض الحالات وفرض كفاية في بعض حالات أخرى وأجزل مثوبة طالبه، وأعلى شأن العلماء وحض على توقيرهم، وقد كان للعلماء دور بارز في قيادة المسلمين والتأثير فيهم على مدار التاريخ الإسلامي، ولا شك أيضًا في أنه كلما ازداد العلم في المسلمين ازداد الخير فيهم وابتعد الشر عنهم، لكن العلم وحده لا يكفي لإصلاح أمور المسلمين، فسيبقى هناك جاهلون، ويدل على ذلك سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم خير معلم لصحابته، وكان الصحابة خير متعلمين، ومع ذلك فلم يكن الصحابة جميعهم في مستوى واحد في كل العلوم، بل أحسن بعضهم علم الفرائض وأحسن بعضهم علم الحلال والحرام، وأحسن بعضها قراءة كتاب الله تعالى، وأحسن بعضهم القضاء، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أرحم امتي: بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»([2])

ومع وجود أولئك الأعلام من الصحابة – رضي الله عنهم- جهل بعض الصحابة بعض المسائل، وإذا عرفنا أن هذا حال الصحابة، فمن باب أولى أن يكون حال غيرهم أدنى من حالهم.

٥- انطلق بعض الحركات من تقسيم الدعوة إلى مرحلتين مكية ومدنية، واعتبر أننا في مرحلة مكية الآن بعد سقوط الخلافة عام ١٩٢٤م، واعتبر – كذلك – أن علينا تطبيق الأحكام التي نزلت في المرحلة المكية وأبرزها بناء العقيدة، وأننا في حل من تطبق الاحكام التي نزلت في المرحلة المدنية.

 ليس من شك في أن مثل هذا التقسيم ينطلق من فهم خاطئ للمكي والمدني، فالمكي والمدني هو أحد علوم القرآن الذي يقسم الآيات والسور بحسب نزولها من أجل فهمها وتحديد صفاتها والاستفادة من ذلك في تفسير القرآن الكريم، ويتأكد الخطأ عندما نعلم أن مرحلة مكة لم تتنزل فيها أحكام العقيدة فحسب بل نزلت فيها أحكام شرعية أخرى كانت أصولًا لكل الأحكام الشرعية التي نزلت في المدينة، فالمرحلتان متكاملتان، ولو أخذنا مثالًا على ذلك الزكاة والجهاد وهما تشريعان مدنيان لا جدال في ذلك ولكن أصولهما كانت في مكة، الأول في تشريع الأمر بالصدقة والثاني في تشريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد فصل ذلك الشاطبي - رحمه الله – في كتاب الموافقات([3]) وبالمقابل لم يتوقف البناء العقائدي في المرحلة المدنية، فالآيات التي تتحدث عن صفات الله ورحمته وعلمه وحكمته أكثر من أن تحصى، والآيات التي تخوف من عقاب الله ومن ناره كثيرة، والآيات التي تتحدث عن القرآن الكريم وتتحدى المشركين به، وتثبت نبوة محمد الله متعددة لقد اختلفت صفات الآيات المكية عن صفات الآيات المدنية لكن المرحلتين المكية والمدنية متداخلتان، ولا نستطيع أن نفصل بين أحكامهما، وبالعكس نجد معظم الأحكام التشريعية بدأت في مكة وتبلورت في المدينة.

٦-جماعة التبليغ

اعتبرت جماعة التبليغ الخروج سبيلًا لإصلاح النفس لا أريد أن أناقش مصدر فكرة الخروج عند جماعة التبليغ ومدى شرعيته، ومدى صحة اعتباره سبيلًا لإصلاح النفس فقد فعل ذلك غيري وفي ذلك الغنية والكفاية، ولكني أشير إلى فكرة دعوة الآخرين وهي فكرة زكاها القرآن بقوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣)، وقد كان الرسول خير داعية، وكذلك كان صحابته خير دعاة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم انتقل بدعوته من مرحلة إلى أخرى، وانتقل بصحابته المدعويين من وضع إلى آخر، في حين أن جماعة التبليغ تبقى في حدود الدعوة دون أن تستفيد من رصيدها التراكمي ودون أن تنتقل إلى مراحل أخرى.

والآن بعد أن فندنا بعض البدايات لبعض الجماعات الإسلامية، نتساءل: ما البداية الصحيحة؟

البداية الصحيحة الانطلاق من مفهوم الأمة الإسلامية وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بني هذه الأمة، وكانت خير الأمم لقوله تعالى: ﴿كنتم خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ (آل عمران: ۱۱۰) وكانت أعدل الأمم لقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:١٤٣) ، وقد تكونت من أجناس وأعراق وشعوب وقبائل متعددة، وأنشأت ثقافة واحدة مستمدة من القرآن الكريم والسنة المشرفة، ونشرت الإسلام في الأرض وحافظت على القيم والمثل الإسلامية، وحمت البلاد الإسلامية من المعتدين الصليبيين والمغول وغيرهم، ونشرت مختلف العلوم الدينية والدنيوية، وعمرت الأرض بمختلف أنواع العمران.

لا شك في أن الأمة تعرضت لأمراض متعددة أفقدتها جانبًا من قوتها وحيويتها، ومرت بمراحل مختلفة من الضعف والقوة، وهددها أعداء مختلفون، لكن الأمة الإسلامية استمرت موجودة مع كل الظروف السابقة إلى مطلع القرن العشرين بكل عناصر وجودها وحدة القيادة لوحدة الثقافة، ووحدة المرجعية المستمدة من القرآن والسنة ووحدة العادات والتقاليد، ووحدة القيم والمثل، ووحدة الآمال والتطلعات، ووحدة التاريخ المشترك، ووحدة اللغة... إلخ. وعندما ألغى كمال أتاتورك الخلافة في عام ١٩٢٤م خسرت الأمة قيادتها السياسية فقط، لكن بقيت الأمة موجودة بكل عناصرها الأخرى، ومما يؤكد ذلك أن كل حركات التحرير التي تصدت للاستعمار ومحاولات التغريب استفادت من جماهير الأمة الإسلامية في مواجهة الأعداء في كل من سورية وفلسطين والعراق ومصر وليبيا والجزائر وتونس والمغرب إلخ.

لقد غفل كثير من الجماعات والحركات الإسلامية عن هذا الوجود الجماعي للأمة الإسلامية أو قل بصورة أدق لم يجعله بداية الانطلاق له، لذلك تعثر ولم يحقق أهدافه المرجوة، والسؤال الذي يرد في هذا المجال هو ما فوائد أن نبدأ التغيير من الأمة؟ هناك عدة فوائد:

١-عندما نبدأ التغيير من الأمة نكون بدأنا من واقع موضوعي محسوس هو الذي يحدد الأمور الشرعية المطلوبة المواجهة هذا الواقع، ولا تكون أهواؤنا ولا أوهامنا هي المنطلق لتحديد المطلوب.

٢-عندما نبدأ التغيير من الأمة نكون انطلقنا من رصيد جماعي ضخم فاعل موجود وليس من الصفر كما يحدث عندما نبدأ من نقطة أخرى.

٣-عندما نبدأ التغيير من الأمة يسهل تقويم النجاح والفشل، فمقياس النجاح هو زيادة فاعلية الأمة، وتعميق جذورها، وزيادة حيويتها، والفشل هو نقيض ذلك، ويبقى الأمر الذي يجب أن تحرص عليه كل حركة هو ألا تستهلك من رصيد الأمة الذي ورثناه جميعًا ولكن نجد بكل أسف أن فشل كثير من الحركات لا ينعكس عليه وحده بل ينعكس على مجموع الأمة وذلك منتهى الخسارة.

٤-عندما يبدأ التغيير من الأمة فذلك يربط الجماعة المغيرة بالأمة، ويحتضن كل منهما الآخر، وهذا ما يجعلنا نفسر كثيرًا من الأفعال العنيفة من بعض الحركات الإسلامية بأنه ناتج عن فقدان الارتباط بالأمة، وبإحساس الانتماء إليها.

بعد أن عرفنا فوائد البداية من الأمة في عملية التغيير فما الخطوات المطلوبة قبل البدء بعملية التغيير المطلوب خطوتان

الأولى: توصيف دقيق وكامل لواقع الأمة يحدد أمراضها، ويحلل عناصر قوتها، ويرسم معالم ثقافتها ويصنف أعداءها، ويوضح أهم العقبات التي تواجه مسيرتها، ويستجلي آفاق استعادة قوتها وحيويتها إلخ. 

الثانية: تتم المزاوجة بين النظر الشرعي وبين التوصيف السابق لتحديد أولويات العلاج، وخطوات الحركة، ومراحل البناء، وقد تقتضي المزاوجة تلك أن تبدأ بنشر علم العقيدة أو بنشر السنة ومحاربة البدعة، أو بتدعيم وحدة الأمة وزيادة وعيها بأخطار الفرقة والتمزق، أو بتعميق بعض عناصر ثقافتها، أو بتوجيهها إلى خطر خارجي ماحق، أو بحضها على المحافظة على ثروتها إلخ.

 

 ([1])انظر تفصيلاً لمناقشة هذه الفكرة وغيرها عن حزب التحرير كتابي: الفكر الإسلامي المعاصر، دراسة وتقويم، الصفحات (۱۷۹) - ١٩٥) الطبعة الثالثة.

 ([2])الشيخ ناصر الدين الألباني، صحيح ابن ماجة، رقم الحديث ١٥٤

([3]) انظر تفصيلاً لهذا الرأي الموافقات للشاطبي مجلد ۲ ج ۳، ص ۳۲ وما بعدها

الرابط المختصر :