العنوان الأديب الإسلامي الدكتور عمر عبد الرحمن الساريسي لـ«المجتمع»: يبدع الأديب بمقدار قناعاته ومعايشته ومعاناته الحارة لموضوعه
الكاتب محمد شلال الحناحنة
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
مشاهدات 65
نشر في العدد 1421
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
• تفجير اللغة دعوة مشبوهة عند بعض نقاد الحداثة يقصد من ورائها الطعن بتراثنا القديم وأساليبه الجمالية
• الكتابة الأدبية ينبغي أن تحاط بغلالة رقيقة من الغموض الموحي بالمراد لكنها استحالت عند أدونيس وأمثاله غطاء كثيفًا يأخذك ولا يعود بك!!
حوارنا مع الأديب الإسلامي الدكتور عمر عبد الرحمن الساريسي الأستاذ في جامعة الزرقاء الإسلامية الأهلية جاء دافئًا ثريًا حيث التقته المجتمع فأبحر بنا إلى هموم الأدب الإسلامي، ورد على بعض ما يثار حول هوية هذا الأدب وما يتعرض له من تشويه ومحاولات تغييب من رموز ثقافية تجاهر بولائها لغير الإسلام وأهله.
في البداية دعنا نتحدث عن سيرتك الذاتية والأدبية كيف بدأت؟ وبمن تأثرت؟
_ أول أرض مس جلدي ترابها «قرية عريقة تنتظر على كتف إحدى هضاب باب الواد على يسار المسافر من القدس إلى يافا، مقابل الأحراش، تلك القرية مازالت تنتظر أهلها الذين أخرجوا منها يوم الإثنين الموافق ١٤/٤/١٩٤٨م بعد أن أوقعوا بالقوافل المعادية الذاهبة لليهود المحصورين في القدس ما أوقعوا حتى إن قائد هذه القوافل العسكرية إسحق رابين فر هاربًا وترك جنوده للمجاهدين المدافعين عن بلادهم، باعتراف إعلامهم وموسوعاتهم، تلك هي قرية ساريس التي حفرتها على وجهي ووجوه أولادي من بعدي، أليست هي الأرض التي بارك الله تعالى فيها وفيما حولها؟ أليست من أكناف بيت المقدس؟!
وفي المدرسة الرشيدية – قرب باب الساهرة – في القدس الشريف أنهيت الدراسة الثانوية، وبعد إعدادي للتدريس عشت سنوات ما قبل النكسة وبعدها في التدريس، تحصلت خلالها على الشهادات الجامعية الثلاث من جامعات دمشق والقاهرة وعين شمس، ومنذ عام ١٩٩٠م أعمل في التعليم الجامعي في الجامعات الخاصة الأردنية. وقبلها عملت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، فيما بين الأعوام من ۸۰ – ١٩٨٥م، أما سيرتي الأدبية فقد بدأت مع جيل مجلة «الأفق الجديد» المقدسية في النصف الأول من عقد الستينيات، فعلى قلم محرر هذه المجلة الرائدة، الشاعر والدرامي الإسلامي أمين شتار وعلى أشعار وليد الأعظمي وأحمد فرح عقيلان وعبد الرحمن بارود ويوسف العظم وعمر بهاء الدين الأميري وكتابات أحمد العناني، على هذه الأسنة بدأت رحلة الأدب الإسلامي في العصر الحديث وبدأت الكتابة في جريدة «الجهاد» في القدس الشريف قبل النكسة بعدد من الخواطر والمقالات، واستمرت ثم أفرغت في كتاب «حداة وأحاديث»، وكانت تدور في معظمها حول ما ينشر في الساحة الأردنية من إبداعات شعرية على شكل نظرات نقدية أولية، ويبدو لي أنني تأثرت فيما أكتب بالمرحوم الأديب مصطفى صادق الرافعي في دفاعه عن الإسلام والمسلمين تأثرت بأسلوب تراكيب الجملة القرآنية في تشكيلها اللغوي وجرسها الموسيقي المحبوك، وأحس كذلك أنني متأثر بالفطرة بحب والدي - شفاء الله وعافاه -للشعر، فكثيرًا ما سمعته يحفظ أبياتًا جيدة نقلها بالسماع، ويروي مواقف معبرةمن تغريبة بني هلال، ويسرد أخبارها وأزجالها.
يتهم الشعر الملتزم بأنه يفتقر للصيغة الجمالية أو صفة الفن! ماذا تقول في ذلك؟
يبدو للمتأمل في هذا الأمر أن الالتزام يكون أكثر ما يكون بالفكر أولًا، وقلما يعنى الملتزم بفن الصنعة أو الصبغة الجمالية في الأساس، فالذهن مسكون بقضية أعظم وأسمى، وليس لدى المبدع بعد أن يعمل الفكر وقت كاف للتعبير والتجميل هذه واحدة، والثانية أن جمهور الشاعر الملتزم غالبًا من عامة الناس وسواد المثقفين، وهؤلاء تصنع لهم وجبات سريعة من التغذية الفكرية الضرورية لحياة القضية المشتركة، غير أن الحد المقبول من الوجه الجمالي الفني ليس التقريرية والمباشرة في الشكل على أي حال، ولاشك أن الناقد المتابع يدرك هذا الجمال الفني في بعض شعرنا الملتزم.
لك اهتمام خاص بعناصر التجربة الأدبية هل تحدد لنا عناصر هذه التجربة؟
عناصر التجربة الأدبية هي قصة ميلاد العمل الأدبي وعناصر تشكله وتكونه فيما بعد. إن مبتدأ أي عمل أدبي هو المعاناة المباشرة، ومعايشة الموضوع معايشة الأصابع للنار التي تصطلي بها، لا لمناظر النيران التي يصطلي بها الآخرون، وبذلك تكون أقرب إلى سر الإبداع لأننا نكون في أواره لا في أطرافه، وهذا هو العنصر الأول، والأساس في عملية ولادة النص الأدبي.
إذن هذه المعاناة المباشرة والمعايشة الملامسة تولد في نفس المبدع شرارات فكرية هي بذور المعاني والأفكار التي تتأتى للمبدع إثر انفعاله بموضوعه، وتكون في شكل مشروعات فكرية أولية تعرض لصاحبها ليس في حال يقينية، بل هي أقرب الحالة الحدس والتخمين وهذا هو العنصر الثاني من عناصر العمل الأدبي، وتظل هذه البذور الفكرية الهلامية تختمر في ذهن المبدع في حالة أشبه ما تكون بفترة الحمل ثم يطيئها المخاض بعد اكتمال الحمل ونضجه فتفرغ على الورق في أهب من التراكيب اللغوية فتكون كما قال الله تعالى عن بعض مراحل خلق الجنين ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (المؤمنون: ١٤) فعظام العمل الأدبي فيما أحسب هي أفكاره، وهي تنتج أولًا، وأما لحمه فجمله ومفرداته اللغوية وفي الآية الكريمة قبل هذه الكلمات ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ (المؤمنون: ١٤) والمضغة في العمل الأدبي هي فيما يمكن تشبيهه بنتيجة المعاناة المباشرة للموضوع في أصله، ومن هذه العناصر الثلاثة تتكون – فيما نظن – أساسيات العمل الأدبي بوجه عام، في الشعر والنشر الأدبي حتى إذا ما أريد لهذا العمل الأدبي أن يظهر على الناس في صورة الشعر أفرغ في قوالب الشعر والحانه المعروفة بالبحور وتفعيلاتها المختلفة، وهذا هو العنصر الرابع من عناصر التجربة الشعرية وهو عنصر الوزن أو الموسيقى أما العنصر الخامس فهو عنصر الصورة الشعرية عنصر الخيال الذي يجعل النص يطير بجناحيه على سماء الواقع ويتميز عنه، وهو أمر لا غنى عنه في الشعر ولا حاجة بنا أن نذكر مرة أخرى أن هذه العناصر تجود وتبدع بمقدار قدرة الأديب ومعايشته لموضوعه معايشة ومعاناة تلامس الكبد وتخرج مصبوغة بلون نجيعه وحرارته.
يطرح بعض نقاد الحداثة مصطلح «تفجير اللغة» ويصفون الأدب الإسلامي بـ «جاهزية اللغة المستهلكة» ما تعليقك على ذلك؟
نعم، إن نقاد الحداثة المعاصرين في أغلبهم يطلقون مصطلح تفجير اللغة ويغمرون من قناة حملة الأدب الإسلامي بجاهزية اللغة المستهلكة، وما نراه أن هذا المصطلح ليس جديدًا، وإن ظنوه جديدًا فلقد نادى به الناقد المعروف محمد مندور، وتحدث عنه الناقد على النجدي ناصف، وطالب بتفجير اللغة من الداخل المفكر الدكتور كمال الحاج من أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت، وهي دعوة مشبوهة يقصد من ورائها الطعن بتراثنا القديم وأساليبه الجمالية عند بعض نقاد الحداثة، والجواب أن الأدب الإسلامي بريء، في نماذجه الفذة من هذه الغربة لمن قرأه قراءة محايدة متأنية، وإن كان لا يغفل الاستفادة من الأساليب اللغوية القديمة والحديثة، ثم إن الأهمية لا تكمن في تاريخ صنع الألفاظ والتراكيب اللغوية، واستخدام القديم منها والمستحدث، بل هي أعمق من ذلك بكثير، إنها تنبع من حيوية الموضوع المطروح وطريقة تناوله و عرضه إنها تكمن في قناعة الأديب بموضوع كتابته، ومدى هذه القناعة، إن المعاناة الصادقة مرة أخرى تنتج صدقًا فنيًا يبدو في انسجام الأديم اللغوي مع نسخ الموضوع الذي يمور تحته.
عنصر «الغموض» أضحى مطلبًا أساسيًا عند بعض النقاد في عصرنا كيف تنظر لهذه المسالة؟
إن الكتابة الإيحائية أساس متفق عليه ليس في الشعر فحسب، وإنما في النثر أيضًا، ذلك أن الأسلوب التقريري والمباشر أمر مرفوض فيهما معًا، وإن كان مقدار الرفض لهما في الشعر أكثر من النثر، وهذا معناه أن الكتابة الأدبية ينبغي أن تؤدي بغلالة دقيقة من الغموض الموحي بالمراد هذا أمر لا نقاش فيه، ويحسب بعض المنشئين أنهم من أوغلوا في هذا الغموض إنما يصيبون نجاحًا أوفى في الكتابة الفنية، وهنا نقول لهم أن الخط الأحمر الذي يحدد المقدار الضروري واللازم قد اجتيز، وأن الغلالة الرقيقة الضرورية للشعر أولًا، والنثر ثانيًا قد استحالت غطاء كثيفًا دون وصول النص إلى الملتقى.
وأحسب أننا لو سألنا أدونيس وأمثاله أن يوضح لنا ما تحت هذا الغموض الذي يأخذك ولا يعود بك فإنه سيعجز!
شاركت مرات كثيرة في الفريق الوطني لتأليف المناهج الدراسية، ولكن يثار أحيانًا أن هذه المناهج لا تتناسب مع طموحات النشء لمستقبل واعد أفضل: بم ترد على ذلك؟
_ تطالب المناهج الدراسية في كل أقطار الدنيا أن تلبي حاجات أبناء الأمة في تربيتهم الجسدية النفسية والعلمية، ولئن وجه هذا اللوم للكتب الدراسية المقررة في مادة اللغة العربية لاسيما في صفوف التعليم الأساسي (من الأول إلى العاشر) هي الكتب التي تشرفت بعضوية الفريق الوطني الذي أشرف على تأليفها فيما بين عامي ۱۹۸۹م. ۱۹۹م تحت مظلة مجمع اللغة العربية الأردني - إنني أذكر أن بعض الجهات قد تساءلت عن محتويات هذه الكتب، وما إذا كانت في اللغة العربية م في التربية الإسلامية، وغير خاف على أحد أثر المناهج والكتب الدراسية المقررة في بناء الأمم أو هدمها في كتاب التاريخ الإنساني كله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل