; المجتمع الثقافي- العدد (1437) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي- العدد (1437)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-2001

مشاهدات 71

نشر في العدد 1437

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 06-فبراير-2001

د. حامد الأنصاري أول مدير لموقع «إسلام أون لاين»

(118) مليون زيارة تصفح لموقع «إسلام أون لاين» في عامه الأول

حوار: حازم غراب.

عندما بدأ المشرفون على موقع «إسلام أون لاين» التخطيط لإنشائه على الشبكة العلمية للإنترنت، تصوروا أن عدد زيارات تصفحه لن تزيد على عشرة ملايين في العام، ولكن الرقم تخطی (۱۱۸) ملیون متصفح، إنه نجاح كبير يسعد كل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية.

في المقابلة التالية مع أول مسؤول عن إدارة «إسلام أون لاين» الدكتور حامد الأنصاري، والذي ترك إدارة الموقع الآن للدكتور محمد قطبة مع استمراره مستشارًا للمشروع، نتعرف على أسباب هذا النجاح، ونستشرف آفاق المستقبل والتطوير، وواجبات كل الغيورين على الدعوة الإسلامية نحو هذا المشروع العالمي الذي يعتبر بحق جهاد العصر:

  • يعدد د. حامد أسباب هذا النجاح كالتالي:

- تبنى القائمون على إدارة إسلام أون لاين منهج الوسطية في طرح الموضوعات.

- وحرصوا على انتهاج سياسة تجمع ولا تفرق؛ بمعنى نبذ الطائفية، أو المذهبية، أو الانحياز لجماعة، أو هيئة، أو جهة.

- الحرص على شمولية التناول باعتبار أن الإسلام دين ودعوة ومنهج حياة، ولهذا نطرح على صفحات إسلام أون لاين الثقافة والاقتصاد والسياسة والفتاوى والدعوة ومشكلات الشباب والأسرة وقضايا المرأة بلا حساسية ولا تحفظات، اللهم التخلق بآداب الإسلام وأخلاقه.

- الحرص على التعامل المباشر مع الجمهور المتصفح للموقع غير الأسئلة والمناقشات واستطلاعات الرأي السريعة، والحوارات الحية، وسوف تخصص قريبًا مساحة للشباب دون (١٦) سنة يبثون فيها مشكلاتهم وتعاملاتهم مع مدرسيهم أو والديهم؛ بغرض الاستشارة ورفع الحرج الذي قد يستشعره الشاب أو الشابة في مثل هذه السنة، عند تناول بعض الأمور مع من هم أكبر منه سنًا ولو كانوا قريبين منه. 

  • ألا تعد حملات ترويج الموقع والدعاية المدفوعة له سببًا من أسباب النجاح؟

  • الترويج والدعاية للموقع اقتصر على إعلانات مجانية عبر قناة الجزيرة الفضائية مقابل البرامج واللقاءات التي يقدمها الدكتور القرضاوي الذي يتبنى المشروع في القناة ولا يتقاضى عليها أجرًا، والحقيقة أننا نعتبر أن الموقع روج نفسه بنفسه بعد الشهر الثاني من بدايته.

  • هل يعتبر حجم تمويل المشروع عنصرًا أساسيًا من عناصر نجاحه؟

  • لقد قدرنا أن مشروعًا بهذا الشكل يحتاج ميزانية تصل إلى خمسين مليون دولار، ولم ننجح إلا في تدبير (٢.٥) مليون فقط في العام الأول، ولك أن تتخيل الفارق الضخم، ولهذا نسعى بهمة كي نوفر الموارد اللازمة لاستمرار المشروع.

  • ما هي بالضبط موارد التمويل؟

  • الأصل هو تبرعات المحسنين، وقريبًا نبدأ في تطبيق فكرة «الوقف» للإنفاق عليه، ونحن متفائلون بأريحية وإقدام كل مسلم وسع الله عليه بمال وفير كي يسهم منه بقدر في هذا المشروع الدعوي العالمي. 

  • كم بلغت ميزانية العام الثاني في عمر إسلام أون لاين؟

  • (٦,٥) مليون دولار مازلنا نجتهد في محاولة توفيرها، ولا يألو الدكتور القرضاوي جهدًا في هذا المضمار، وقد خص الموقع بربع جائزته الأخيرة من الإمارات، والباقي يذهب للموهوبين من شباب الأمة الإسلامية، كما وعد للشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي بمليون جنيه إسترليني لمدة السنوات الثلاث المقبلة.

  • كم عدد العاملين والمكاتب الخاصة بالموقع في العالم؟

  • (٨٥) موظفًا دائمًا يضاف إليهم مئات من الكتاب والمراسلين، أما المكاتب فأكبرها القاهرة، ثم قطر، وواشنطن.

  • وما المشكلات التي واجهت إنشاء الموقع في البداية وأثناء العام الأول؟

  • خطة توفير التمويل اللازم لاستمرار قوة الدفع، وقلة الكوادر المؤهلة والخبيرة في هذا المجال الجديد؛ أي النشر الإلكتروني، وقد بدأنا -بفضل الله- نتغلب على المشكلة الثانية بإرسال الكوادر القليلة التي اخترناها لدورات تدريبية متعددة وعالية المستوى.

إحصائيات موجزة: 

- بلغ عدد مرات تصفح الموقع قرابة (۱۱۸) مليونًا من (١٢٢) دولة.

- تم إنتاج قرابة أربعين ألف موضوع على مدار الشهور الأربعة عشر من عمر الموقع على مساحة تعادل مائة ألف صفحة بحجم (A4).

- يبث الموقع هذه الموضوعات باللغتين العربية والإنجليزية.

- وهناك إعداد لبداية البث باللغتين اليابانية والصينية حال توافر الكوادر الإسلامية والمهنية الخبيرة والموثوقة المجيدة لهاتين اللغتين، والفاهمة لمنهج الإسلام الشامل المعتدل الوسطي.

- في الموقع أضخم بنك للفتوى على الإنترنت، إذ يتوافر فيه ما يزيد على (١٦٢٥٠) من الفتاوي في كل الموضوعات، ويشارك في الإفتاء (۱۲) عالمًا من عشرة أقطار، إضافة إلى (١٧) مرجعًا فقهيًا موثقًا.

- يبث الموقع (٤٢) خبرًا يوميًا في صفحة الأخبار (40%) منها من مراسلي إسلام أون لاين في مناطق مختلفة من العالم «أي أن الهيمنة التاريخية والخطيرة لوكالات الأنباء الغربية قد بدأت حدتها تنكسر».

- في رمضان الماضي وصل عدد الإطلالات في اليوم الواحد إلى رقم المليون إطلالة (أي زيارة سريعة من القارئ).

الملتقي الدولي الثالث للأدب الإسلامي: 

 أقامت رابطة الأدب الإسلامي العالمية مؤخرًا في مدينة أغادير بالمغرب «الملتقى الدولي الثالث للأدب الإسلامي» بالتعاون مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر، ومجلة المشكاة المغربية، وقد أطلق على هذه الدورة اسم الأديب الإسلامي الكبير «محمد المختار السوسي» يرحمه الله، وكان موضوع الملتقى الذي دارت حوله البحوث هو: النقد التطبيقي بين النص والمنهج. 

وقد حضر الملتقى عدد كبير من أدباء الرابطة ونقادها وشعرائها الذين جاؤوا من مختلف المكاتب الإقليمية.

وشهد الملتقى (5) جلسات لتقديم البحوث، فضلًا عن الجلستين الافتتاحية والختامية، تم خلالها تقديم (٣٥) بحثًا، وألقي عدد من القصائد الشعرية، شارك فيها حوالي (٣٠) شاعرًا من المغرب ومصر والسعودية وسورية والعراق والأردن وبريطانيا، وقد امتاز الملتقى بالحضور الكثيف لطلاب جامعة ابن زهر وطالباتها، وصدر عن الملتقى عدد من التوصيات التي تعزز مكانة الأدب الإسلامي من خلال إيجاد أساليب ناجعة لتواصل أفضل بين الأدباء الإسلاميين، وتخصيص ندوات ومؤتمرات لبحث قضايا الأدب الإسلامي.

وقد تقرر عقد الملتقى الدولي الرابع للأدب الإسلامي في مدينة فاس، وتسمية الدورة باسم «علال الفاسي» وأن يكون موضوعه: الرواية المعاصرة بين الواقع والتطلع.

 

لمثل هذا تسيلُ العينُ في حَزَنٍ.

شعر: إبراهيم الكلثم.

يا عينُ فيضي بدمع الحزن تسكابا * * * وابكي كريمًا عزيز النفس توابا

سمي بدمعِكِ في الخدين أودية * * * تجري بنهرٍ فإن البدر قد غابا

أما ترين سوادًا في مرابعنا * * * فذلك الليل جرا لهم أثوابا؟

حزنًا على الشيخ نبكي في مصيبتنا * * * فنبصر الدمع في الوجدان مُنسابا

وكل شيء لعمر الله منتحبُ * * * والكونُ يلبسُ ثوب الحزن جِلبابا

والأرض تمسح بالأطراف دمعَتَها * * * إذ فارقت بفراق الشيخ محرابا

يا بن العثيمين مَنْ للعلم بعدكمو * * * وأنت من علم الطلاب آدابا

مَنْ للعلومِ والأخلاق إن دُرِسَتْ؟ * * * مَنْ للقواعد تبيانًا وإعرابا؟

مَنْ للفوائدِ يجنيها ويقطفُها * * * فأنتَ تقطفُ مِمَّا لذ أو طابا؟

مَنْ للمجالسِ بالفتوى يعطرُها * * * وكنت تملؤها مِسْكًا وأطيابا؟

ماتَ الحبيبُ وما ماتت مآثرهُ * * * إن العلومَ تزيدُ العمر أحقابا

مات الذي كسب الميراث من سلف * * * وورث العلم أجيالًا وطلابا

فودعي يا رياض العلم ذا أدب * * * سمحًا بشوشًا حليم القلب أوابا

وودعي مَنْ دعا لله مجتهدًا * * * شيخًا كبيرًا على التعليم قد شابا

لمثلِ هذا تسيلُ العين في حَزنٍ * * * وتذرف الدْمعَ آلآمًا وأوصابا

 

واحة الشعر.

إنَّ فَقْدَ الحبيبِ أصعبُ شيءٍ:

شعر: عبد الله بن ناصر آل عويد

غَرُبَتْ شَمسُ الكَوكب الوضاء * * * نصْف شَوال.. في مسَا الأربعاء!

بَعد عامٍ.. تلاه عُشروَنَ عامًا * * * وَمِئات تَربعتْ في انقضاء

ثم ألف من السنين.. اللواتي * * * تتباهی بالهجرة الغراء

قد فقدْنا علامة العصر، أمسى * * * رياض الأجداث.. في نعماء

فمضى شيخُنا (العُثيْمِين) مُشتا * * * قًا.. إلى ربه.. كثير الدعاء

عامرًا وقتهُ بذكر وشُكْر * * * فهنيئًا لهُ من السعداءَ 

وهنيئًا له، يُجاوِرُ رَبَا * * * بيقين.. وطاعة ورضاء

إيْه يا تلميذَ «ابن سعدي وباز» * * * قسمًا.. قد سكنْتَ في الأحْشاء! 

فسلام عليك.. حيًا وميْتًا * * * ووداعًا.. يا خاطب العليـاء

كُتبُ الشيخ ثروة واغتنام * * * درر أهْداها إلى الأحياء

فتلقاها المسلمون ببشر * * * أبحروا في شطآنها الحسناء

فَتْحُها مَفخَر، وعِطْر دُروس * * * فهي في المَخْمَصَاتِ خَيْرُ غذَاء

حلَق الذِّكْر.. ودعت ألمعيا * * * باقرًا.. من أفذاذها الخطباء

فَقَدَ الجامع العُنَيزي بحرًا * * * من بحار العلوم.. يا للعزاء

مَنْ يلوم الطلابَ في فقد علا * * * مَة عَصْر.. مضى مع الأتْقياء؟

لُغة القرآن الكريم.. رعَاهَا * * * وبها يشدو باسمًا في اللقاء!

فانْبرى في تدرْيسها بافتخار * * * وحماس.. وهمة قعساء

ولهُ في علْم (البلاغة) شَوْط * * * حيث أولاهُ.. أيما إيلاء

فتجلت له البلاغة نَهْجًا * * * فغدا فيها أنبغ البُلغاء

یا تلاميذ العلْم لا لا يفتكم * * * حُجة للقـريب والبُعَدَاءَ

في بسَاتينِ علمَه عرجوا دوْ * * * مًا.. تُلاقُوا دَرب الهُدى والسناء!

فَهُناكَ الأزهَارُ.. فَاحتْ عبيرًا * * * بابتسام لمعشر القراء!!

زَرَعَ العلْم في التلاميذ تَطْبيقًا * * * بإخلاصِ العـالم البَكاء

وله.. كم يدينُ طُلابُ عِلْم * * * بفتاوى وسيــرة واقتداء

ظلِ مِنْ أمْنَع الحصون الْتَزامًا * * * شامخًا نحو قمة الجَوْزاء

صَبَر الله أسْرة مَنْ «تميم» * * * وجميع الطلاب في الأنحاء

إنَّ فَقْدَ الحبيبِ أصعبُ شيءٍ * * * كيف إن كان كوكبًا في الفضاء

كيف إن كان في العلوم إمامًا * * * وفضيلًا في موكب العلماء!

كيف إن كان منهلًا في حياة * * * قل فيها الثقات من فقهاء

شيخنا أُمُة بعصْر شحيح * * * أين منهُ التحكيم بالأهواء؟!

وَدْعَ المسْجدُ الحرامُ أنيسًا * * * فاح مسْكًا في صَحْنه الوضاء!

غيبَتْه «أم القرى» باحتضان * * * فدنا من مواكب الشهداء!!

باشتياق زَفتْه نَحْوَ «ابن باز» * * * فَالْتَقاه روحًا.. وفي الغبراء!!

فَقَدَتْهُ حمائم البيتِ.. ناحت * * * عبر تحليقها على الأجواء!

ووجوم على مآذِنِ «بيت الله» * * * في مشهد، مثير البكاء!!

مشهد «كابن حنبل.. وابن الباز» * * * حضرته آلاف أهل الوفاء

لم يَمُتْ شيخُنا، وميراثه علم * * * على أن غيرهُ ذُو ثَرَاءِ

ذيْ مُواساة بالنيابة تُهْدَىَ * * * ذي تعاز.. من «واحة الأحساء»

قُلتها تعبيرًا عن الشيخ.. أرْجو * * * من إلهي قبول هذا الرثاء

قُلتها عن قومي بلابل «هَجر» * * * من شدوا بالقصائد العَصماء

وختامًا.. صلوا كثيرًا على «سيد * * * عدنان».. أفضل الأنبياء

وعلى الهِ.. وصـحْبٍ كرامٍ * * * وعلى التابعينَ مِنْ أولياءِ

 

    نظرية الأدب في التصور الإسلامي (2)

الأدب والفلسفة

الأدب والفن يتأثران أعمق التأثر بالتأملات الدينية الكونية.. كما يتأثران أيضًا بالاعتبارات الجمالية والأعراف الأخلاقية

حسين علاوي- باحث في مركز

 الغدير للدراسات الإسلامية-إيران

يمكن القول إن الأدب يختصر مجموعة كبيرة من نشاطات الفكر وتمثلاته للوجود منذ زمن طويل، حيث لم يكن الوعي الإنساني قد وصل إلى صياغة الأفكار في منظومات علمية أو فلسفية، ولا حتى أدبية في شكلها المتطور.

وكان هذا النوع من الأدب يشتمل ويعبر عن تصورات الإنسان في صيغ فنية وشعرية وأسطورية وملحمية تدخل جميعها في إعداد الأدب، وتشكل مرحلة تاريخية من مراحل تطوره، دون أن يعني ذلك أن الفن والشعر قد أصبحا خارج الأدب، بقدر ما يعني أن الأدب يتضمن باستمرار أشكالًا وأنواعًا تكون -مجتمعة- خصوصيته كنشاط للفكر، وبالتالي فالأدب -وبكل ما فيه من تنوع- يؤكد أن جميع التمثلات والتصورات الإنسانية للوجود والعالم قد أظهرت -ومنذ زمن سحيق- بواسطة الفن والشعر، والنقش والمحاكاة والرسوم، وسواء كان الفكر البشري يعبر من خارجها عن رؤيته لذاته أو فهمه للكون، أم كان يستخدمها في سياق تحديد موقفه ورأيه في ميادين السياسة والاجتماع والأخلاق، فإنه في كل هذه الحالات، كان يجد في الأدب وحده ما يساعده على التعبير عن كل ما يجول في نفسه من أفكار ورؤى، وعن كل ما يحيط به من أسرار والتباسات ومشكلات، وكل ما ينتظره ويحدد مصيره.

«وقد أظهر تاريخ الفكر بشكل عام، وتاريخ الفلسفة بصورة خاصة، أهمية الأدب بما هو تعبير فكري من الكون والوجود وغالبًا: «ما ينظر إلى الأدب على أنه شكل من الفلسفة، على أنه «أفكار» يلفها الشكل وهو يحلل بغية استخراج الأفكار الرئيسة منه». (١)

 «فالأدب والفلسفة شكلان متجاوران من أشكال الإنتاج الفكري الإنساني، يترابطان ترابط جوانب مختلفة لإنسان واحد وأنماط مختلفة من حضارة واحدة، أو ترابط صيغ متنوعة القضية واحدة». (۲)

ويجد أرسطو: «أن الشعر أكثر نزوعًا فلسفيًا، وأكثر خطورة في التاريخ، وأنه يتعامل بالكليات، بينما التاريخ يتعامل مع الخصوصيات، وأن الشعر لا يهتم بما قد حدث، وإنما بما يمكن أن يحدث، وأنه يفصل الاحتمالات غير الممكنة على الممكنات غير المحتملة» (۳)

إن الفلسفة والأدب بما هما مظهران من مظاهر الفكر، وتعبيران من التعابير التي ترسلها الإنسان ولا يزال من أجل اكتمال رؤيته وموقفه في العالم، ورغم تعبيرهما المشترك عن الوجود، إلا أنهما ليسا شيئًا واحدًا، وبينما يكون الإنسان مضمونًا لهما، فإن طريقة تعبيرهما عن هذا المضمون ليست واحدة، وبالتالي فالعلاقة بينهما تقوم على اختلاف في الطريقة، واتفاق مع المضمون، دون أن يعني ذلك عدم قابلية كل منهما للتفاعل والاقتباس والتجاوب مع الآخر.

ويعود الاختلاف بين الفلسفة والأدب إلى خصوصية كل منهما، ففي حين تبحث الفلسفة وتسعى إلى الحقيقة لكي تغرسها في العقل وترشد الإنسان إليها، يعمل الأدب على صياغة الحقيقة وتصويرها في لغة جميلة، تستهدف مشاعر الإنسان ورغبته في تذوق الفن والجمال.

الأدب والدين: إذا كان أرسطو قد عرف الإنسان بأنه «حيوان ناطق» أي مفكر، فقد عرفه غيره من الفلاسفة بأنه «حيوان متدين» فذهب هيجل، مثلًا: إلى «إن الإنسان وحده، هو الذي يمكن أن يكون له دين، وأن الحيوانات تفتقر إلى الدين بمقدار ما يفتقر إلى القانون والأخلاق» (٤).

ذلك أن التدين عنصر أساسي في فكر الإنسان والحس الديني، إنما يكمن في أعماق كل عنصر بشري، بل هو يدخل في صميم ماهية الإنسان مثله في ذلك مثل العقل سواء بسواء» (٥).

وإذا سلمنا بأن الحس الديني جزء أساسي في تكوين الإنسان، وأنه موجود بدرجات متفاوتة عند الناس جـمـيـعـًا، فـقـد يكون مطمورًا عند من يحاول أن يحجبه أو يمنعه من الظهور، بل ربما يجحد وجوده، والعجيب أن كلمة «الكفر» في العربية تؤيد هذا المعنى: فكفر يعني غطى وستر، وكافر: الزارع لستره البذر بالتراب، وهو الليل المظلم؛ لأنه ستر بظلمته كل شيء، وبهذا المعنى يكون «الكافر» بالمعنى الديني: هو الذي يغطي إيمانه ويحجبه ويمنعه من الظهور. (6) 

فالدين يؤكد على الإيمان والخلود والمطلق، وتؤكد الأخلاق على السلوك والاستقامة والحرية، «ويؤكد الفن على الإنسان والخلق، وهيكلهما في أساسها نواح مختلفة لحقيقة جوانية واحدة، عبر عنها بلغة قد تكون وسيلة قاصرة في التعبير، ولكنها الوسيلة الوحيدة المتاحة» (۷).

وفي جذور الدين والفن هناك وحدة مبدئية، «الدرامات ذات أصل ديني سواء من ناحية الموضوع أو من ناحية التاريخ. (۸)

 فالأدب والفن يتأثران أعمق التأثر بالتأملات الدينية الكونية، وكذلك يتأثران مباشرة أيضًا بالاعتبارات الجمالية والأعراف الأخلاقية.

فالدين وحده الذي يجيب عن سؤال: ما الأدب؟ بينما تكون المهمة الأساسية للأدب هي أن تطرح الأسئلة: ما الأدب ما مناهجه؟ وما مهمته في الحياة الإنسانية؟

جاء في الحديث الشريف عن الرسول محمد ﷺ قوله: «أدبني ربي فأحسن تأديبي».

 وتفيد هذه العبارة في تبيان الدلالة الاجتماعية الأخلاقية للأدب وعلاقته العضوية بالحياة، ووفق ما جاء من تفسيرات علماء اللغة العربية لكلمة «أدب» ما يؤكد هذا المعنى يقول «أحمد بن محمد المقري» في كتابه «المصباح المنير» «أدبه أدبًا من باب ضرب: كلمة رياضة النفس ومحاسن الأخلاق» (۹)، و«الأدب يقع على رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل» (۱۰)، وبذلك يصبح معنى الأدب في الإسلام بمثابة فن استخدام اللغة بهدف التعبير عن المضمون العملي الاجتماعي، بحيث يغدو الأدب عبارة عن مأثور الكلام شعرًا ونثرًا. 

 أما في الأدب الغربي فإن كلمة «أدب» حديثة الاستعمال، رغم أنها تتفق في مدلولها الاجتماعي مع التعريفات السابقة، إلا أنها لا تحمل الدلالة نفسها عند علماء اللغة، أي أن البعد الأخلاقي والاجتماعي للأدب يرتبط بوظيفته أكثر مما هو اشتقاق للمعنى من المصطلح اللغوي.

وبهذا يقول رولان بات: «إن الأدب مفهوم مشوش، بالإضافة إلى أنه قد تغير كثيرًا عن مساره التاريخي، وسيتحتم علينا -مثلًا- أن نتذكر بأن كلمة «أدب» نفسها هي حديثة العهد؛ إذ إنها من الناحية المصطلحية لم توجد إلا منذ نهاية القرن الثامن عشر، قبل ذلك كان الحديث عن الآداب الجميلة، وكان لهما معنى مختلف، كذلك يجب في البدء وتلافيًا لكل التباس حول الطريقة التي يمكن أن نفكر بها في الأدب اليوم، أن نضعه في إطاره الاجتماعي، وضمن الإطار المجتمعي هذا شيء مهم؛ لأن الأدب ليس موضوعًا لا زمانيًا، وليس قيم خارج الزمن، بل هو مجموعة من الممارسات والقيم الموجودة في مجتمع معين» (۱۱).

أما الأدب الإسلامي، فإن تأريخه يمتد إلى ألف وأربعمائة عام، والتاريخ الأدبي -كما يقول المؤرخون- لا ينشأ عادة إلا بعد أن يجتمع لكل أمة تراث أدبي يستحق أن يؤرخ.

الهوامش:

(1) نظرية الأدب- تأليف: رينيه ويليك وأوستن وادين ص ١٤١. 

(۲) في الأدب الفلسفي- الدكتور محمد شفيق شيا- ص ٧٦.

 (۳) وك بروكس- تاريخ النقد الأوروبي الغربي- ترجمة الدين صبحي - ج ١ ص ٤٠- ٤١.

(٤) هيجل موسوعة العلوم الفلسفة- ترجمة إمام عبد الفتاح إمام- بيروت - ص ٤٧. 

(5) جفری باوند- المعتقدات الدينية لدى الشعوب- ترجمة إمام عبد الفتاح إمام- الكويت ص7.

 (٦) ابن منظور: لسان العرب- المجلد الثاني عشر- دار الإحياء العربي - ص ۱۲۰ - ۱۲۱.

 (۷) علي عزت بيجوفيتش: الإسلام بين الغرب والشرق - ص ١٤٦.

(۸) علي عزت بيجوفيتش المصدر نفسه، ص ١٤٧. 

(۹) انظر د. أيمن مرتضى «فن الأدب»: مجلة المنطلق - عدد مزدوج - 73-٧4 ص ٧. 

(۱۰) عبد المجيد زراقط- محاضرات في الأدب. دار بن بارس - بیروت - ص ۱۲۹.

(۱۱) رولان بارت وموريس فادو - حوار عن الأدب - ترجمة: محمد برادة مجلة الفكر العربي- العدد ٢٢٥ - الصفحات ١٥ – ١٦. 

ضد التعصب أم ضد الإسلام؟ (2 من 6) 

  • اليساريون والدنيويون أفسدوا عقل نصر طه أبو زيد، لقد كان شخصًا متدينًا وفلاحًا مجتهدًا 

بقلم: د. حلمي القاعود 

يبكي الدكتور جابر عصفور في كتابه «ضد التعصب» من أجل الدكتور نصر أبو زيد الذي رفضت اللجنة العلمية ترقيته إلى درجة أستاذ، ويخصص أكثر من نصف الكتاب للدفاع عن نصر، وسرد محاكماته، وانتقاد الأحكام التي صدرت بردته، والتفريق بينه وبين زوجته؛ نتيجة لتأويلاته الفاسدة لمبادئ إسلامية ثابتة ومعلومة.

والحقيقة أن نصر أبو زيد ضحية لجابر عصفور ومن معه، فقد ألقاه في اليم، وحذره من الغرق وهو لا يعرف العوم، ويعلم جابر عصفور أن اللجنة العلمية، وخاصة لجنة الأساتذة المساعدين التي كان مهيمنًا عليها، مع وجود من هم أقدم منه سنًا وعلمًا ووظيفة قد ظلمت كثيرين، ونكلت بكثيرين، وغدرت بكثيرين، لا لشيء إلا لأنهم لم يكونوا على منهج أهل اليسار والدنيويين، أو لأنهم أرادوا التعبير عن ذواتهم ونهوضهم في وجه المتاعب والصعاب.

هؤلاء المظلومون -وما أكثرهم- لم يجدوا صفحة للحوار القومي تساندهم، ولا صحافة يسارية تعضدهم، ولا أقسامًا أو مجالس كليات علمانية تدعمهم، بل لم يجدوا من يصغي لهم أو يهدهد أحزانهم، وقد سمعت بأنني أحد أعضاء اللجنة يسخط على المهيمنين عليها، ويقول: إنهم يريدون ذلك، أي عدم ترقية فلان أو علان، فالترقية المزاجية لم تكن ضد نصر أبو زيده، ولم تكن رغبة عبد الصبور شاهين الذي اتهمه جابر عصفور بتهم غليظة، ولكنها كانت ضد المخالفين لليسار وأتباعه، ورغبة المحكمين اليساريين الدنيويين.

مشكلة جابر عصفور وجماعته أنهم لا يرون إلا أنفسهم ومصالحهم، وهذه مأساة بكل المقاييس، وكانت الظروف التي تقدم فيها «نصر أبو زيد» للترقية حافلة برغبة جهات خارجية وداخلية للقضاء على بقية مظاهر النشاط الإسلامي، حتى الأنشطة الخيرية، مما أعطى لجابر وجماعته فرصة الانطلاق، ليس دفاعًا عن نصر بقدر ما كانت سعيًا لعملية الاستئصال والتشهير بالإسلام والداعين إليه وإلى تطبيق تعاليمه في الحياة اليومية والعامة، لا شك أن «نصر أبوزيد» كان ضحية لعملية واسعة ضد الإسلام، حيث كان موضوعه مدخلًا لبعث الأفكار الرديئة والكتابات السخيفة والتصورات الفاسدة التي تصب في تقويض مفاهيم الإسلام وأخلاقه، وتخدم الغرب الصليبي الاستعماري وقاعدته اليهودية في فلسطين المحتلة.

فرأينا مقولات الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر لطه حسين، والإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، والمرأة في الإسلام لمنصور فهمي، وتربية سلامة موسى ومؤلفات لويس عوض وغيرهم من الذين استباحوا ثوابت الإسلام وقيم الأمة، يعاد إنتاجها من جديد، أو تطبع مرة أخرى في الوقت الذي يتم فيه حصار الكتاب الإسلامي والمجلة الإسلامية والصحيفة الإسلامية من خلال أجهزة الدولة.

«نصر أبوزيد» كان شخصًا متدينًا، وكان فلاحًا مجتهدًا، ولكنه تحول بفضل الهيمنة اليسارية الدنيوية إلى ما اعتقد أنه صواب، فتجرأ على القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي بغير الحقيقة العلمية، ودخل في متاهات ما كان أغناه عنها لو أنه احتكم إلى المفاهيم الصحيحة للتأويل من خلال المنظور الإسلامي، وليس المنظور الغربي «الهرمينوطيقا»، إن القرآن الكريم يضم آيات محكمات، وأخر متشابهات، والمحكمات واضحة وضوح الشمس، لا يجوز تأويلها لأنها تقنن العقيدة والشريعة في قوانين إلهية لا تحتاج إلى تأويل أو اجتهاد، وقد أجمعت عليها الأمة سلفًا وخلفًا، فما الذي يدعوه إلى اختراق الثوابت واللعب بها؟ إنها الدعاوى التي غررت به وثبت زيفها: حرية التعبير وحرية الفكر والعقلانية والاستنارة، وكأن الإسلام لا يعرف شيئًا من ذلك أبدًا في مفهوم اليساريين.

أما المتشابهات من الآيات فمردها إلى أولي العلم الذين يملكون صلاحية البحث والتحري، وهؤلاء هم الثقات الذين تستريح إليهم الضمائر والأفئدة، ولهم اجتهادهم أو تأويلهم الذي يصل بهم إلى الحقيقة والصواب بإذنه تعالى.

 لقد أخطأ نصر حامد أبوزيد، ورصدت محكمة النقض -أعلى درجات التقاضي- عددًا من أخطائه الفادحة والفاضحة، ولكن هذا لم يقنع جابر عصفور الذي بات ينوح على نصر، ويهجو القضاة والمحكمة والحكم، ويستشهد بآراء اليساريين والدنيويين الذين انحازوا إلى التجليات الفكرية الاستعمارية.

مشكلة جابر وجماعته مركبة ومعقدة؛ لأنهم يرفعون قميص عثمان، ويطالبون بالثأر له، ولكنهم في الحقيقة يريدون الانتقام من الإسلام الذي يمثل عائقًا وحائط صد خطيرًا في وجه التغريب والعلمنة والهيمنة الاستعمارية.

ترى لو أن نصر حامد أبوزيد استخدم التأويل في تفسير الإنجيل والتوراة، وذهب إلى عكس ما تعارف عليه الكرادلة والحاخامات، هل كانوا سيتركونه أو يتركون المؤازرين له؟ وهل كان جابر عصفور وجماعته يستطيعون رفع أصواتهم، بل يتحدون القانون الذي يحظر التعليق على الأحكام الصادرة عن القضاء، وخاصة محكمة النقض؟

 هل وصل الأمر إلى أن يكون الإسلام دينًا مستباحًا، وأن يكون تسفيه أحكامه وتشريعاته ومبادئها التي تربط الفرد بالمجتمع، وتضع أسس العلاقة بين الراعية والراعي- أمرًا مطلوبًا من جهات خارجية وداخلية لإذلال العرب والمسلمين، وترسيخ أقدام اليهود في فلسطين:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (سورة النساء: 65).

الرابط المختصر :