العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1487)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2002
مشاهدات 77
نشر في العدد 1487
نشر في الصفحة 48
السبت 02-فبراير-2002
معرض القاهرة الدولي الرابع والثلاثون للكتاب:
حفل شتائي بارد.. ودعاية تسير في اتجاه واحد
إعداد: مبارك عبد الله
القاهرة: محمود خليل
كما كان متوقعًا، جاء المعرض الدولي الرابع والثلاثون للكتاب بالقاهرة باهتًا فاترًا، غير متواكب مع الأحداث الجارية بمصر والمنطقة... ذلك لأنه قد تم توظيفه للتخديم على ثلاثة أهداف تقع جميعًا خارج الإطار:
أولها: مرور عشرين عامًا من حكم مبارك.
ثانيها: مرور خمسين عامًا على ثورة يوليو ١٩٥٢م.
ثالثها: مرور تسعين عامًا من عمر الأديب «النوبلي».... نجيب محفوظ.
وفي ظروف غير مواتية.. تواكب هذا المعرض مع فترة تطبيق المرحلة الثالثة من ضريبة المبيعات, بما شهدته من ركود وكساد، الأمر الذي حول المعرض إلى احتفالية شتائية باردة.
شارك في المعرض هذا العام أكثر من ٣٠٠٠ ناشر، يمثلون ۹۲ دولة, قاموا بعرض أكثر من ٤ ملايين كتاب... ومن خلال ۱۱ موقعًا للندوات واللقاءات, ۱۲ نقطة للاستعلامات والمعلومات, وحاولت وزارة الثقافة، والهيئة العامة للكتاب طرح إشكالية «صراع أم حوار الحضارات»؟, للمناقشة في ظل واقع ما بعد 11 سبتمبر، إلا أن وقوع الجهات والمؤسسات المسؤولة تحت ضغط الترويج لأهداف المعرض المعلنة سلفًا... جعلها تلاحق رواد المعرض بالأرقام والإحصاءات عن الإنجازات الرسمية التي تحققت في العشرين عامًا الماضية، الأمر الذي حول كثيرًا من اللقاءات والندوات إلى حملات انتخابية فجة، ودعاية تسير في اتجاه واحد.
وكالمعتاد... خلت الندوات بصورة تامة لغلاة العلمانيين ليقولوا ما شاءوا من تخرصات ولغط, يدون جميعه تحت بند «محاربة الإرهاب»!.
ففي إحدى ندوات المعرض التي كانت تناقش »قصيدة النثر» قال واحد من هؤلاء »الشواذ»: إن القرآن الكريم يعاني من حالة »تصنيم!»، ويجسد مفهومًا صنميًّا للأدب.. لا سيما الشعر والفن, ونحن في خطاب مختلف عنه تمامًا، لأننا في مواجهة مع الساتر الديني الذي وقعت فيه الأجيال بعد نكسة ١٩٦٧م!!..
وقال آخر- ونهمل الأسماء لتفاهتها وتفاهة ذويها:- الذائقة المصرية ذائقة حتمية وجامدة؛ لأنها تتلقى عن القرآن بالتحديد.. وهو الذي أصابها بهذه الحالة من الركود والتاريخية.. ومن ثم فنحن بحاجة إلى قياس فني وأدبي وفكري جديد... يتناسب مع ما نحن فيه الآن.
وفي محاولة ملتوية، لعدم الخروج على النص السياسي الرسمي، أو الامتداد في فراغاته الكثيرة، تم الالتفاف على صور الوضوح والشفافية... سواء في البيانات الرسمية التي ألقاها كثير من المسؤولين أو الندوات المفتوحة التي تعرضت للأجندة الإسلامية الملتهبة.
وعندما علمنا أنه سوف تتم مناقشة «التيارات الإسلامية في مصر وموقفها تجاه الخارج، من النكسة إلى المنصة»- وهي دراسة د. وليد عبد الناصر.. ويديرها الدكتور محمد سليم العوا- استبشرنا خيرًا... وإذا بنا نجد المناقشين عبارة عن مجموعة من غلاة العلمانيين واليساريين من أمثال: د حسن حنفي، ود. رفعت السعيد، ود. عبد الباسط عبد المعطي.. مما يجعل د. سليم العوا، يضيق ذرعًا بالجلسة، وهكذا في كل الندوات واللقاءات تقريبًا.
إخلاء الساحة للعلمانيين للهجوم على الإسلام والقرآن
وكانت الآلة الإعلامية للمعرض قد روجت دعايتها عن أن المعرض سوف يشهد مواجهات مع «فرنسيس فوكوياما»، صاحب «نهاية العالم»، و«صامويل هنتنجتون» صاحب «الصدام بين الحضارات»، إلا أن الندوة الخاصة بحوار وصراع الحضارات, جاءت خالية من مثل هذا التفنيد المباشر لمفكري الغرب أصحاب هذه النبوءة الأمريكية... وغيرهم من مستشاري البنتاجون، وإن لم تخل من إضافات وتحليلات جيدة وجديدة، ولعل أبرزها يتمثل في مشاركة الدكتور محمد خليفة حسن مدير مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة، الذي أكد خطورة أبعاد نظرية صدام الحضارات في عملية تسييس القيم الحضارية والتلاعب بالبعد الثقافي في حياة الشعوب, وإخضاعه للسياسة ومصالحها وابتزازاتها... ذلك لأن كتاب هنتنجتون ليس كتابًا في الحضارة والحضارات، ولكنه كتاب في السياسة الدولية, معنى هذا أن الحضارة أصبحت, أو ستصبح موضوعًا للسياسة!! فالحضارات ستكون المصدر الأساسي للنزاعات الدولية في العالم الجديد، وستكون النزاعات الأساسية فيه بين أمم وشعوب لها حضارات مختلفة، وستكون الخطوط الفاصلة بين الحضارات هي خطوط المعارك في المستقبل... ويمثل النزاع بين الحضارات المرحلة الأخيرة من تطور النزاع في العالم... والمطلوب أن تغير الحضارات ثوبها وترتدي رداء الحرب, وتتحول الحضارة من عامل للتوفيق بين الشعوب إلى عامل للتفريق والصراع، وبدلًا من أن تستمر في فتح قنوات الاتصال والاندماج والمشاركة, تستعد للعراك والمنازلة.
وطرح د. محمد خليفة حسن عددًا من السيناريوهات المخيفة والشديدة التهديد للاستقرار العالمي.
وإلى ما سبق، فإن هذه النظرية تحض على العزلة والخصوصية وعدم التعاون، الأمر الذي يصطدم بفكرة العولمة بأبعادها الثقافية والاتصالية ودعوتها إلى حوار الحضارات....
فعلى الرغم من أن التفكير السياسي يعتبر جزءًا من الفكر الحضاري، إلا أنه في النهاية يخضع للقيم والعادات والتقاليد والأعراف التي تعارفت عليها الشعوب، وهذه القيم الحضارية هي التي تدفع الأمم إلى العمل بسياسات معينة ورفض أخرى... ومن ثم فإن هذه النظرية تمثل قمة الخلط والطغيان الحضاري الذي سيصطدم بكل حقائق الحياة والعمران، وسقطت هذه النظرية بشدة على بساط البحث العلمي في أمريكا نفسها، وقام بالرد عليها عشرات الباحثين, أخرهم من جامعة هارفارد نفسها، وهو البروفسور «جوزيف ناي».... ولكن هذه النظرية تم استدعاؤها في هذه الآونة بشدة لتفسير ما حدث في 11 سبتمبر... وعلى حد تعبير صامويل هانتنجتون نفسه بعد هذه الأحداث: «هؤلاء الإرهابيون لا يمثلون الإسلام، ولا هذا العمل يمثل صدامًا للحضارات إنما قد يؤدي إلى مثل ذلك.!«
وأخيرًا أكد د. خليفة حسن, أن الرد على هذه النظريات لا يكون بالجدليات الكلامية أو الأبحاث النظرية، ولكن لابد من تشكيل آلية إسلامية عالمية فاعلة تنفذ إلى العقل الغربي بشتى الوسائل والأساليب؛ لتصحيح هذه الصورة الغامضة المبنية على جهالات تقف حائلًا ضد تفاعل الحضارات وتقويتها وتمتينها... وهذا يدعونا إلى النظر الصحيح لأنفسنا أولًا، قبل أن نفزع من نظرة الغرب إلينا.
بكارة الوطن
على هذا المحور الجاد، جاءت ندوة المقهى الثقافي حول رواية الأديب محمد القصبي «عراف السيدة الأولى»، واشترك فيها د. محمد حسن عبد الله، ود. حامد أبو احمد, ود. عزازي علي عزازي... حيث أظهرت الرواية عملية تحويل البلدان إلى شركات خاصة، وهي تدور حول شخصية سلوى المنياوي «مصر» التي تمثل غشاء بكارة هذا الوطن، وكيف تتحول إلى »مزاد» بعد شهود حالة إفلاس مشينة كحالة الإفلاس التي اشترى في إثرها «دزرائيلي»، أسهم مصر في شركة قناة السويس على عهد الخديوي إسماعيل، في فصل زمني وتاريخي مفارق, وكيف آلت كل الثوابت الوطنية والسياسية إلى أقنعة أيديولوجية حولت البلد إلى شركة مرهونة لمندوبين أحدهما فرنسي والآخر بريطاني جاءا لحراسة أموالهما ....
القدوس في مواجهة التهويد
وجاءت ندوة عروبة القدس التي شارك فيها الدكتور عبد الله الأشعل والكاتبة الفلسطينية سها قليبو، لتكون سردًا إخباريًّا لما يجري في فلسطين, بعيدًا عن فرض أي تجمع إسلامي وطني فاعل- حتى من جمهور المعرض- في الوقت الذي دخلت فيه المؤامرة الصهيونية ضد الوجود الفلسطيني كله مرحلة جديدة وخطيرة في التدمير والتهويد وطمس معالم الوجود العربي والإسلامي، في همجية العنف والإرهاب المتجسد في الشخصية الصهيونية التي دعا مؤسسها «هيرتزل» إلى صهيونية يهودية مفتولة العضلات.
واحة الشعر
الإرهابي!
رسالة إلى لجان حقوق الإنسان في كل مكان
شعر: د. طارق محمد شقران
أنا يا أخي الإنسان طاش صوابي * * * قل لي: بربك من هو الإرهابي؟
من يحصد الأرواح دون جريرةِ * * * بمدافع وبنادق وحراب!
أمن يلاقي الموت كل صبيحة * * * وعشية من صبية وشباب؟
من يغصب الأرض الحبيبة هازئًا * * * بالعرف والأخلاق والآداب!
أمن يدافع جاهدًا عن حقه * * * بدمائه وفؤاده الوثاب؟
من يشعل الحرب الكريهة عامدًا * * * ويتيه بالتنكيل والإخراب!
أمن ينادي بالحياة كريمة * * * ونداؤه يبقى بغير جواب؟
* * *
يا مجلس الأمن الذي جلساته * * * أضغاث أحلام وطيف سراب
ياهيئة الأمم التي في ظلها * * * كَمْ ضيعت أمم بغير حساب
مالي أراكم صامتين جميعكم * * * وكأنكم لا تشهدون عذابي
مالي أراكم تُطلقون يد العدا * * * وتغلقون بقسوة أبوابي
مالي أراكم عاجزين وقد بدا * * * ظلم تحكم فيه شرع الغاب
الشاة تذبح دون ذنب جهرة * * * والذئب يمرح دون أي عقاب
أين الحقوق وأين من يدعو لها * * * بلسانه وكلامه الخلاب؟
أين الوعود بعالم متحرر * * * فيه يُساس الناس دون تحابي؟
أين العدالة أين ميزان القوى * * * أين الحضارة يا أولي الألباب؟
أنا لا ألوم عليكم خُذلانكم * * * مادام قومي قطعوا أنسابي
قومي الآلى كانوا كجسم واحد * * * يقوى على الآلام والأوصاب
لعبت بهم أهواؤهم فتفرقوا * * * زُمرًا مع الدجال والكذاب
زلّت بهم اقدامهم حتى غدوا * * * تبعًا وكانوا سادة الأحقاب
* * *
يا أمة الإسلام هل من عودة * * * لحظيرة الإسلام بعد غياب؟
والله ما أطفى العدو عليكم * * * إلا تقلبكم مع الأحزاب
داء الممالك بُعدها عن ربها * * * وخروجها عن سُنة وكتاب
يا رب إن السيل قد بلغ الزبي * * * وأصابنا في الدين شر مصاب
فامنن بفضلك يا كريم ونجنا * * * من فتنة عصفت بكل صواب
واجمع صفوف المسلمين وقف لهم * * * في وجه كل مُضلل مُرتاب
وأعد لأمة أحمد أمجادها * * * محفوفة بالفخر والإعجاب
يا رب إن يهلك رجال محمد * * * ذهب الهدى والخير دون إياب
كيف نتناول الشخصية اليهودية فنيًّا؟
القاهرة: المجتمع
د. محمد عمارة: الأساطير الصهيونية تطلق الرصاص المكتوم الصوت سينمائيًّا ومسرحيًّا وروائيًّا منذ عام ١٨٦٢م
بعد شهور قليلة من أول عرض سينمائي في العالم في باريس عام ١٨٩٥م، دخلت السينما إلى البلاد الإسلامية، وهي تحمل التهديد والتهديم للكيان الإسلامي, والتذويب والتشويه للشخصية الإسلامية, والإعلاء والإكبار للشخصية اليهودية؛ ذلك لأن اليهود كانوا قد تنبهوا- بالتعاون مع أعداء الإسلام- إلى أهمية وخطورة هذا السلاح منذ مؤتمرهم الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام ۱۹۸۷م.
ومن ثم فقد نشأ هذا الفن- وما تفرع عنه- وهو سيئ السيرة والسلوك، فيما يخص الشخصية الإسلامية فكرة وتطبيقًا, على المستويين العالمي والمحلي، أما بخصوص الشخصية اليهودية، فإن سجل السينما العالمية هو سجل العبقرية والتفوق!! والكل شهود على هذا الفن المسموم!!
ويكفي أن نعلم أنه بعد إعلان الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨م، سارعت «هوليود» بإنتاج الأفلام الدعائية التي تحشو الفكرة وتحشرها في رؤوس العباد، وتعبئ بها عقولهم وقلوبهم سرًا وجهرًا.. ففي أعوام ٤٩ وحتى ١٩٥١م... أنتجت هوليود «53» فيلمًا لخدمة الصهيونية، كما اجتهدت الفنون المعاصرة في استجلاب العطف العالمي على اليهود, وترسيخ مزاعمهم في فلسطين، بدءًا من أفلام الكتاب المقدس مثل «جوديت من تتوليا» عام ١٩١٣م, و«التائه» لليهودي راؤول والش... وحتى اليوم.....
تقول الناقدة الفنية «صافي ناز كاظم»: تفاجئنا بدايات السينما المصرية بوجود شخصية «شالوم» اليهودية الشهيرة بطلًا لأربعة أفلام... هي «٥٠٠١» سنة ۱۹۳٣م، «شالوم الترجمان»، سنة ١٩٣٥م، «العز بهدلة» ۱۹۳۷م، «شالوم الرياضي»، ۱۹۳۷م، وكلها للمخرج توجو مزراحي، وهو مخرج متمصر من أصل أيطالي، يهودي الديانة, وقد حاول في ذكاء غير محمود، فرض هذه الشخصية على المجتمع آنذاك من خلال فن السينما، لكن محاولاته باءت بالفشل لعدم تقبل الجمهور لهذه الشخصية المقيتة.
وفي أية صورة كان «مزراحي» يقدم هذه الشخصية اليهودية؟
كان يقدمها على عكس حقيقتها تمامًا... فاليهودي الماكر الخبيث اللعين، والخائن الجشع اللئيم, كان يقدم في صورة من النبل والشجاعة والكرم، فكانت هذه الشخصية أكثر مقتًا مما هي عليه.
لكن البعض يقع في شرك السطحية والسذاجة في معالجة هذه الشخصية المعقدة المركبة فنيًّا، ومن ثمّ.. يكون ذلك تكريسًا لسطحية الرؤية والتناول للشخصية اليهودية؟
التناول الفني لمثل هذه الشخصية العدائية الصهيونية.. لا بد أن يتم وفق ثقافة عميقة وتاريخية وممتدة، ولا يمكن أبدًا أن يكون نهبًا لكل من هب ودب... بل لابد أن يتم التناول برؤية واعية عميقة, وتقويم فني رفيع.. بعيدًا عن ذلك اليهودي ذي اللحية الطويلة المخيفة، والأنف المعقوف الأحدب.. والسلوك المرابي الراجف.. فيهود اليوم هم القتلة الفجرة المارقون من كل الأعراق, الخارجون على كل حدود الجغرافيا والتاريخ.. من هنا، فإن معالجات علي أحمد باكثير مسرحيًّا في «شيلوك الجديد» و«التوراة الجديدة»، والكثير من أعماله في أوائل الخمسينيات, وكذلك معالجات الدكتور نجيب الكيلاني في «عمر يظهر في القدس» في أعقاب ١٩٦٧م وغيرها من الأعمال الفنية الإسلامية الرفيعة.. رغم أنها فضحت الشخصية اليهودية المعبأة بالأباطيل والترهات والتحريف.. وأسهمت إلى حد كبير في هز الركود, وتحريك الجمود حيال هذه الشخصية، إلا أن الكيلاني كان أكثر إبداعًا وعمقًا في «دم لفطير صهيون»، حيث كنت الشخصية اليهودية «رجالاً ونساء»... هي محور هذا العمل الفني العالي، الذي جسدها على حقيقتها الجرثومية الحقيرة، وليته يتم تجسيده فنيًّا الآن.
تطبيع فني قديم
يضيف الفنان حسن يوسف: فعلًا.. كانت المعالجة في غاية السذاجة.. لهذه الشخصية الكريهة في بدايات الأربعينيات والخمسينيات.. رغم أنها الفترة المواكبة لظهور «الكيان الصهيوني»، ولكن... معظم أفلام السينما في تلك الفترة كانت لا تعدو اللهو والإغراء والترفيه وتزجية الوقت.. وهذا يرجع لقلة العاملين بها من الوطنيين والشرفاء.. فقد كان معظم الشخصيات الفنية البارزة من الأجانب.. لاسيما المخرجين والمنتجين.. وهم الأساس في كل عمل فني.
صافى ناز كاظم: لابد من تجسيد الشخصية الصهيونية على حقيقتها الجرثومية الحقيرة...
وهذا أوان الجهاد الفني
الفنان حسن يوسف: معالجتنا الفنية للشخصية اليهودية.. لا تعدو «المرابي الماكر» أو «رجل المخابرات الداهية» أو «الفتاة اللعوب».. بعيدًا عن الشخصية التي ضربت عليها الذلة والمسكنة, وباءت بغضب من الله
ربما لم تكن أبعاد هذه الشخصية اليهودية قد اتضحت بعد...؟
الشخصية اليهودية معروفة الأبعاد, منذ تاريخ الرسالات.. فهي شخصية الكبر والبطر، والاحتيال والغرور, والفجور والخيانة، والمال والجنس, والغموض والابتزاز.. هي الشخصية التي ضربت عليها الذلة والمسكنة وباءت بغضب من الله.
وبماذا تبرر الاختراق المبكر للفكر اليهودي الفني في إبراز قدراته على كل مستويات الأداء الفني عبر المسرح والشريط والقرص والكتاب والصحيفة؟
لا يجب أن نغفل أو نتجاهل أن الشخصية اليهودية تتمتع بقدر كبير من حسن استغلال الموقف, وابتزاز المتاح... وتوظيف الأحداث لصالحها تمامًا.... بطريقة غير مباشرة... انظر مثلًا إلى فيلم «فاطمة وماريكا وراشيل» سنة ١٩٤٨م، وفيلم «حسن ومرقص وكوهين» سنة ١٩٥٤م، لقد كان مقدمة لفيلم «إسكندرية ليه» ليوسف شاهين ۱۹۷۸م، الذي يجسد فكرة التعايش بين الأديان الثلاثة متواكبًا مع اتفاقية «كامب ديفيد» الشهيرة.
لكن.. خرجت بعض الأعمال الفنية مؤخرًا- تتناول هذه الشخصية بشيء من التحليل.. مثل مسلسلات «الحفار», «رأفت الهجان», «دموع في عيون وقحة», وأفلام «مهمة في تل أبيب», «بئر الخيانة», «٤٨ ساعة في تل أبيب» و«الطريق إلى إيلات».... وغيرها ؟!
معظم هذه الأعمال إن لم تكن جميعًا، لم تتعمق في الشخصية اليهودية بالشكل اللائق.. فلم تعد جميعًا شخصية الفتاة اللعوب أو رجل المخابرات الماكر الداهية.. وأيضًا تتم المعالجة من خلال منظور وطني وجغرافي ضيق.. ولو تعمق كل فنان في تجسيد أي نموذج من نماذج هذه الشخصية في بعدها الديني الصهيوني الاقتصادي السياسي.. لخرج علينا بعمل مكتمل فنيًّا ووطنيًّا. وأعتقد أنه قد نجح في أداء هذا الدور «مصطفى فهمي»، في أعماله التي تناول فيها اليهود، وكذلك عبد العزيز مخيون في «بئر الخيانة»..
إلى ما سبق.. ماذا يضيف المفكر الإسلامي الكبير د. محمد عمارة؟
أساطير الصهيونية تنطلق من غيابات «الجيتو» اليهودي، لتسمم الآداب والعلوم والفنون وتفسد الديار والأقطار والأفكار.. فمنذ أصدر «موزيسي هيسي» سنة ١٨٦٢م كتابه «روما والقدس»، الذي بذر فيه فكرة إقامة وطن لليهود في فلسطين، كحل لمشكلة العداء للسامية في أوروبا، ودعا إلى الهجرة إلى فلسطين واحتلالها، وبعد نحو ۲۲ سنة من موت صاحب كتاب «روما والقدس»، تلقف الصهيوني «تيودور هرتزل» هذه الأساطير الجامحة, ونصب حولها المؤتمر الصهيوني الأول عام ١٨٩٧م..... وحتى إقامة «إسرائيل» وطن الفساد واللعنة عام ١٩٤٨م، ووطن العدوان والفجور عام ١٩٦٧م, ووطن الخداع والتطبيع عام ۱۹۷۸م، ووطن القتل والجريمة العالمية ۱۹۹۷م.... طوال هذا المشوار الدامي, والأساطير الصهيونية تطلق الرصاص المكتوم الصوت سينمائيًّا ومسرحيًّا وروائيًّا.. في خطوط صهيونية دموية صاعدة بعيدًا عن الدعاية والمزايدة.
وبصورة عامة.. هل ترى أن تجسيد الشخصية «الصهيونية اليهودية»، يتم فنيًّا على مستوى تجسيد الشخصية «العربية الإسلامية»؟
منذ قامت الأديبة الطورانية اللعوب «خالدة أديب» بتأليف وعرض مسرحيتها «رعاة كنعان» في العقد الثاني من القرن العشرين، وموضوعها برمته مأخوذ من التوراة، وكانت تعرض بسوريا، في إحدى مدارس الاتحاد والترقي، وكانت عبارة عن «بشرى» تعلن قرب قيام الكيان الصهيوني.
ومنذ انسحاب مصطفى كمال من فلسطين في 19/9/1917م، بصورة مسرحية فجائية وتسليمها للإنجليز، وأنت ترى مدى اللعب والتلاعب اليهودي بالعقلية الإسلامية الواهنة، والشخصة الإسلامية المخدرة.. و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
والمطلوب.. أن ندخل عليهم الباب.. لملء هذا الفراغ الفني الرهيب.. الذي تم من خلاله تصوير وتجسيد الشخصية العربية الإسلامية بصورة باهتة متخلفة، بدائية مخاصمة للتطور والحضارة.. بينما كانت الشخصية اليهودية ذات ذكاء ولماحية وإشعاع وحق في الوجود والعبقرية.. ذلك.. بدلًا من عرض أفلام «مناحم جولان» الإسرائيلي اليمني المتطرف... بسينما «راديو» بوسط القاهرة في ١٢ أكتوبر عام ۱۹۸۷م. ويكفي أن نعلم أن المشروع الصهيوني، قد ولد على على يد كاتب مسرحي هو تيودور هرتزل.. ولنقرأ معًا الكتاب المهم «الدراما والأيديولوجيا في إسرائيل»، الصادر حديثًا عن جامعة«كمبردج» لأستاذة الدراسات العبرية واليهودية في جامعة أكسفورد «جلندا إبرامسون»، لنرى كيف تمت بلورة الرأي والرؤية الفنية «للذات والضد» الصهيونية في رحلة المرارة والطغيان.. بين «لوعة» الضياع والإبعاد إلى متعة «الجزارة»، والإفساد.
لغويات سياسية
العلاقة بين «الناخب» و«النائب» علاقة طريفة.. مضحكة حينًا، مبكية أحيانًا، حلوة يومًا، مرة أيامًا وأعوامًا. مهمة الناخب أن يدلي بصوته للمرشح الذي يتوسم فيه خيرًا؛ ليكون نائبًا في «مجلس الأمة- الشعب- البرلمان- الجمعية الوطنية....» ليمثله وينوب عنه في طرح القضايا التي تهمه، داخلية كانت أم خارجية.
ومهمة النائب أن يكون صوتًا في المجلس المنتخب معبرًا عن ضميره، وعن ضمير الناخب الذي انتخبه بوعي وحكمة وإخلاص.
والرابط المباشر بينهما عملية الانتخاب, وهو رابط متكون من مجموعة معارف متراكمة لدى الناخب عن النائب «معرفة بسلوكه وخلقه ووعيه وطباعه ومؤهلاته..».
فإذا أدى الناخب مهمته في اختيار النائب، وانتهى دوره, بدأ دور النائب في ساحة المجلس التمثيلي الذي اختير له، وهنا تبدأ النتائج- نتائج الاختيار- بالبروز.
فقد يكتشف الناخب أن النائب الذي اختاره، إنما هو «ناهب» أو «ناعب» أو «ناصب» أو «ناكب»، فيتحول المسكين الناخب إلى «ناحب» أو «نادب»!
هذا إذا كان الناخب في الأصل بريئًا أو ساذجًا مخدوعًا بالمرشح الذي انتخبه وأحسن الظن به, لما رأه لديه من فصاحة و«فهلوة»!
أما إذا كانت عملية الانتخاب بالأصل تمت بناء على «صفقة» أو كانت مجرد عملية «بيع وشراء»، يقبض فيها الناخب ثمن صوته من المرشح، ولا يهمه شيء من أخلاقه أو مؤهلاته, فإن العملية تأخذ منحى آخر، وهذا مثال حي, من بين ملايين الأمثلة، يتكرر بشكل دائم في الانتخابات العربية وغير العربية.
«زيد» في مدينة «ح» في دولة «س».. كان وما زال يشتري أصوات الناخبين بمبلغ من المال, بقطعة نقدية واحدة, قيمتها خمس ليرات «قبل نصف قرن» وألف ليرة «اليوم», يقسم القطعة قسمين من منتصفها، يبقى عنده نصفها، ويعطي الناخب النصف الآخر, فإذا تبين له بالدليل القطعي أنه منحه صوته, أعطاه النصف الثاني من القطعة النقدية.
ومن طرائف الصفقات الانتخابية «الدستورية»، أن المرشح المذكور أعلاه «زيد» كان يشتري مجموعة من النعال الجديدة، وكل زوجين من النعال مربوطان بخيط، وكانت هذه النعال من تلك الأنواع التي ينتعلها الفلاحون, وبعض أبناء الأحياء الفقيرة في المدن وضواحيها، وكان ثمنها قبل نصف قرن خمس مرات ليرات، فكان المرشح يقطع الخيط الرابط بين «الفردتين»، ويبقى فردة عنده، ويسلم الناخب الفردة الأخرى، فإذا تأكد من «إخلاصه»، ومن أنه لم يبع صوته لمرشح آخر بخمس ليرات أخرى أعطاه الفردة الثانية, ليكمل بها ثمن الصوت الانتخابي الذي يجعل منه عضوًا في مجلس الأمة، يسن لها القوانين والتشريعات، ويختار رئيس الحكومة أو الدولة,
ويحاسبه على أدائه ويعزله إذا اقتضى الأمر.
«وغني عن البيان أن الكلام هنا مقصور على نوع معين من الناخبين، ونوع معين من المرشحين، فما كل البشر على هذا المستوى «الرفيع!» من الوعي والخلق». وهنا تبرز طرافة المأساة المضحكة لشدة مرارتها!
إن النائب الذي ينجح إلى مجلس الأمة بخمسات الليرات، أو بأزواج الأحذية يبيع صوته للمرشح فلان ليكون رئيسًا للدولة «حين يكون انتخابه من قبل البرلمان» أو يبيعه لـ «فلان» آخر ليكون هذا رئيسًا للوزراء أو يبيع صوته للكتلة «الفلانية» لإنجاح القرار الفلاني، الذي يخدم مصالحها، وبالطبع لن يكون النائب بالسذاجة ذاتها التي كان عليها الناخب الذي باعه صوته بخمس ليرات، فهو أذكى من ناخبه- بحسب الأصل- وصوته أغلى من صوت ناخبه- بحسب الأصل والموقع كذلك- ولكل صوت ثمن!
وتأتي الطامة عبر «الدائرة الدستورية» الرائعة، ناخب يبيع صوته بحذاء لنائب يبيع صوته بسيارة أو «فيلا» لرئيس دولة أو رئيس وزراء، يبيع البلاد كلها «لجهة ما» تدعم بقاءه في كرسي الحكم، وتبارك «خطواته» الداخلية في تدمير بلاده ونهب ثرواتها، كما تبارك خطواته الخارجية في الاستسلام لأعدائه وإضعاف جيشه حتي لا يكون قادرًا على مقاومة أي معتد أو محتل لجزء من البلاد.. تتوالى بعد ذلك خفقات الأحذية لا على رأس بائع صوته «بحذاء» وحده، بل على رأس الوطن كله, بكل ما فيه ومن فيه, دون أن ينجو من هذه «الخفقات» النائب الذي باع صوته بسيارة أو فيلا أو مزرعة.
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس: 83)
عبد الله عيسى السلامة
الرحلة المعاكسة في رواية «البحث عن الجذور» (٢ من ٢)
بقلم: د. حلمي محمد القاعود
في هذه الحلقة نتابع القراءة المتانية للرواية، حيث يركز الكاتب على الشخصيات والسرد والحوار في الرحلة المعاكسة من الغرب إلى الشرق.
هذه رواية حوادث وليست رواية أشخاص, الحوادث هي أساس الرواية، أما الأشخاص فهم جاهزون تقريبًا، لا نستطيع أن نعيش في أعماقهم, ولا نرى تطوراتهم إلا بقدر تطور الأحداث وتحولها, ولعل هذا يرجع إلى رغبة الكاتبة في تبسيط الموضوع الروائي، والوصول بالقارئ إلى نتيجة عبر مقدمات من صنع الزمان وتراكم الأحداث.
أهم شخصيات الرواية, شخصية الابن «يوسف» الذي ولد لأب مسلم وأم مسيحية, فاستطاعت الأم في طفولته وصباه أن تجذبه إليها، خاصة بعد فراق الأب... وأن تجعله مسيحيًّا، حتى وصل إلى مرحلة الجامعة, ولكن هذه الحال جعلته يعيش مشكلة الابن الذي يبحث عن أب, مع أن الآلاف غيره يعيشون بلا أب, ولا يمثل لهم هذا الأمر مشكلة في الولايات المتحدة, عندما كان يحادث أصدقاءه المقربين عن مشكلته, ومشكلة أمه، كانوا يسخرون منه، ويقولون له: لم تهتم؟ عش حياتك يا رجل، ولا تنظر إلى الماضي, ولا تهتم لأمك ولا لأبيك.. ولكن يوسف كان مهمومًا ومشغولًا بأمه وأبيه، كان هناك شيء في داخله يدفعه إلى البحث عن حقيقة أبيه، والبحث عن جذوره, شيء يسري في دمائه, شيء مختلف عن الذين حوله ومختلف عما ربته عليه أمه.
إنه شخصية مختلفة عن نظرائه، ولعل ذلك يرجع إلى الدم العربي الذي يجري في عروقه، لذا يخوض رحلة شاقة للعثور على أبيه, والتعرف إلى أسرة أبيه في الشرق، كما يوظف عقليته العلمية في الوصول إلى الإسلام- وهو الأمر الأهم -والدخول في دائرته عن اقتناع ويقين.
وسوف نلحظ عبر الرواية أن يوسف يتمتع بإرادة قوية وعزيمة راسخة في رحلة البحث, وهو ما جعله يواجه كثيرًا من المتاعب والإحباطات بالصبر والمثابرة، وقد ساعده على ذلك أيضًا، اعتناقه الإسلام, وتعلمه العربية, حتى عرف أباه، ووصل إلى الجذور.
أما شخصية الأم، فهي امرأة أمريكية اسمها «إيلين», تعيش حياة الأمريكان بما فيها من تحرر في العلاقات والسلوك، وتشرب وترقص وتصادق الرجال, في أثناء عملها ممرضة أعجبت بوالد يوسف وتزوجته حين رأت فيه نمطًا مغايرًا للشباب الأمريكي، حاول أن يوفر لها حياة كريمة هادئة، ويوفر عليها عناء العمل، خاصة بعد أن حملت بولدها، ولكنها تمردت عليه، وجمحت.
وعاشت مع يوسف حتى صار شابًا، ولكنها مرضت بالمرض العضال، وبدأت رحلة العلاج التي انتهت بالموت، وتركت وراءها رجلين يعيشان في محنة, الأول ولدها الذي لم يتعرف إلى والده مع أنه حي، والآخر والد ابنها الذي شك فيه، وهام على وجهه في الأرض بعد أن تحطم حلمه في العيش مع ولده!.
أما هذا الرجل الشرقي فهو أحمد, الذي هاجر إلى أمريكا بعد ملاحقته بسبب نشاطه السياسي، وهناك التقى بإيلين الممرضة في المستشفى وأحبها وتزوجها وأنجب منها يوسف, ولكنهما افترقا بعد أن زعمت أنه يحد من حريتها وسلوكها، كان متمسكًا بإسلامه، لا يشرب الخمر, ولا يقارف الزنى، يحافظ على كرامته ويعتد بنفسه, ويترك العمل إذا أحس بجرح لكرامته، ويرفض أن يقدم التنازلات أو التساهلات، لذا عمل في أعمال كثيرة، وشعر بالهزيمة حين أخبرته زوجته كذبًا أن يوسف ليس ولده.
لا تقدم لنا الرواية تفصيلًا عن حياته لا في المشرق ولا في المغرب، ولا تدخل بنا إلى أعماقه, ولا تعلل لترحاله الدائم وتنقلاته داخل أمريكا.. ولكنها تركز على أبرز معالم شخصيته العملية, التي تتمثل في مواقفه من ابنه وزوجه الراحلة.
تأتي بعد ذلك شخصيات أخرى لعل أهمها «صلاح الدين» الذي يمثل صورة المضطهدين أو المظلومين الذين يدخلون الإسلام حيث يجدون فيه حلًا لمشكلاتهم، وسندًا لوجودهم، إنه زنجي من نيويورك، نشأ في الشوارع الخلفية للمدينة، بدأ بالنشاط الإجرامي مبكرًا منذ الثالثة عشرة، تاجر في المخدرات وسرقة السيارات، إنه واحد من مراهقي أمريكا, قبضت عليه الشرطة وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، وهناك كانت رحلته مع الإسلام عن طريق أحد الدعاة الذي صابر على دعوة السجناء بعزيمة جبارة حتى انسكب النور في روح الزنجي المنحرف، فصار يبكي ويبكي كالولد الصغير, وكانت شهادة... وكان إسلام... وكان اسم جديد «صلاح الدين» تيمنًا بالقائد العظيم «صلاح الدين الأيوبي»، الذي أوقف حملة «تشارلز» قلب الأسد الصليبية على الأرض المقدسة!.
ومن الشخصيات الثانوية، شخصية «جانيت» التي كانت صديقة «يوسف».. لقد حزنت عندما ودعها ليبدأ رحلة البحث عن والده، ونصحته أن يستغل الإجازة في المتعة، ومرافقتها بدلًا من الجري وراء ماض وأوهام وسراب، وهي شخصية باهتة فنيًا إلى حد كبير، وكان يمكن أن تمثل الصورة الغربية للفتاة بالنسبة ليوسف, في مقابل الفتاة الشرقية «سلمى» التي جاءت أكثر عمقًا ونضجًا، وقدمت نموذجًا للفتاة المسلمة التي تحافظ على إسلامها، وفي الوقت ذاته تأخذ بأسباب العلم والثقافة والمعرفة, وتقدم شخصية قوية فعالة، وجعلت «يوسف» الذي يعيش في قلب أمريكا حيث الجميلات الفاتنات بلا حصر ولا عدد يقول عنها: «تلك السمراء هي من أجمل ما رأيت وأكثر ما تمنيت» (ص ۸۷).
لقد أثرت في حياة «يوسف» تأثيرًا وجدانيًّا عاصفًا، بهرته بفكرها وذكائها وثقافتها، وأثبتت له أن الفتاة المسلمة الملتزمة لا تقل عن زميلتها الغربية وعيًّا ومعرفة حين تأخذ بالأسباب، لذا صدمه مشروع خطبتها، ودفعه إلى العودة إلى أمريكا.
ومن الشخصيات الثانوية التي تمثل نموذجًا إيجابيًّا شخصية الطبيب «أسامة» الذي درس في أمريكا، وعاد إلى الوطن، مع أن الفرصة أتيحت له ليبقى في المهجر، ويحقق طموحات أكبر وأفضل.
وإذا كانت الشخصيات- كما قلت سلفًا– تبدو جاهزة غالبًا، وغير معمقة، فإن هذا لا ينفي أن تقدم لنا الرواية بعض التغيرات التي تصيب بعض الشخصيات أو تنعكس عليها تغيرات البعض الآخر.
شخصية يوسف مثلًا مع إصراره وقوة عزيمته وإرادته، فإن عوامل الضعف البشري تنتابه أحيانًا، وخاصة في رحلة البحث عن أبيه، إن الشك يغزو قلبه عندما تتكشف له بعض المعلومات عن والده في البداية، هل سيقابله أم يرفض الاعتراف به! هل يمكنه أن يقنع والده بأنه ابنه، متذكرًا ما قالته أمه: «إنه ليس ابنك» لن يستطيع الوالد نسيانها- هذه المقولة- أبدًا, ولن يصفح عنه وعنها أبدًا. تأخذ عزيمته في الخور، ويبدأ في التفكير في العوة إلى حياته السابقة ونسيان أبيه والإسلام، إن الضعف الإنساني أمر طبيعي.
«مع مضي الوقت وتضاؤل الأمل، وموت الرغبة بالعثور على أبي بدأت أفكر بالمستقبل» (ص ٣٦).
ولكنه لا يلبث أن يقهر الضعف واليأس, ويواصل مسيرته، حتى يحقق الأمل.
ونرى شخصية «جانيت» صديقة يوسف الأمريكية، تمثل الشخصية التي تعكس تغيرات يوسف عليها، فعندما أعلن إسلامه عبرت جانيت عن ذلك أن إسلامه لم يكن مفاجأة، وقد لخصت ذلك بكلمات قالت فيها:
«كنت حاضرًا معنا بجسدك، ولكن روحك كانت تواقة لشيء أكبر بكثير من واقعنا الذي نعيشه» (ص ٦٩).
وسوف نلاحظ أن شخصية المرأة في الرواية لها حضور، فقال: وهي شخصية إيجابية وليست سلبية، وأقصد بالإيجابية أنها تقوم- غالبًا- بالفعل ولا تنتظر رد العقل, أيًا كان هذا الفعل، فإيلين مثلًا تسعى للزواج من أحمد الراوي، وهي التي تدفعه إلى تركها، و«سلمى» ترفض أن تكون العلاقة مفتوحة مع يوسف، مع أنه ابن عمها، وتقوم بإعادة العلاقة بين الأب وابنه, والعمة «سهيلة»، معلمة مثقفة وتأخذ زمام المبادرة لطرح مشروع الزواج بين سلمى ويوسف، ولها كلمة مسموعة في الأسرة تعادل كلمتها في مدرستها التي تعمل بها، وهي تدرك جيدًا دور المرأة في المجتمع وتأثيرها على الرجل.
توجه حديثها إلى يوسف قائلة: «فالمرأة يا بني تسمو بالرجل نحو السماء أو تقذف به إلى القاع.. المرأة في أكثر الأحيان هي الاختبار الحقيقي للرجل».
فيرد عليها يوسف: «كما حصل لأبي» (ص۹۹(.
إن شخصية المرأة في رواية «البحث عن الجذور» حاضرة حضورًا قويًّا، ليس لأن امرأة هي التي صاغتها، ولكن لأنها الأساس، أساس صناعة المجد الذي يحلم به الرجل «يوسف»، وهي التي ستربي أطفالها على العقيدة والإخلاص، وتلقنهم تاريخ الأجداد المليء بالجهاد والكفاح، إنها هي التي ستصنع جيلًا جديدًا يعيد المجد لأمة المسلمين «فالمرأة هي الأساس» (ص ٩٥).
يقوم السرد على لغة بسيطة سهلة، تعبر عن المعنى من أقرب طريق، وتبدو أقرب إلى لغة الحديث، لذا يقل فيها المجاز، وإن كان بعض الصور يأتي عفوًا، وهي قليلة بشكل عام، بيد أن الصياغة التعبيرية، مع سلامتها بصفة عامة تحتاج في بعض المواضع، إلى مراجعة بسبب خطأ الاستخدام أو الاشتقاق أو الاضطراب أو عدم استخدام علامات الترقيم بصورة دقيقة.
فالرواية- مثلاً- تكثر من استخدام لفظة «قناعة» وجمعها بمعنى الاقتناع، وهو خطأ شائع بين الكتاب في عصرنا، فالقناعة معناها الرضا بالنصيب أو القدر أو عدم التطلع إلى ما يتجاوز الواقع، أما الاقتناع فهو الموافقة على الرأي، فعندما نقرأ في الرواية مثلًا: «لا أريد أن أعرف شيئًا عن قناعاتك» (ص ٤٨)، فهي تقصد لا أريد أن أعرف شيئًا عن أفكارك التي اقتنعت بها، أو استقر عليها رأيك. ويتكرر استخدام «قناعة» وجمعها في أكثر من موضع. (انظر: صفحات ٦١ - ٧٤ - ٧٧ - ٩١)
وتفتقر الرواية إلى الاستخدام الدقيق لعلامات الترقيم، وخاصة علامة الاستفهام, والنقطة، وعلامة التعجب والتأثر، وهذه العلامات ليست شيئًا ثانويًّا.
ويحسب للراوية قدرتها على وصف الطبيعة الخارجية، وتطابق هذا الوصف مع
أحوال الأشخاص ومشاعرهم، وكأن أحوال الطبيعة تسير في اتجاه مواز لأحوال البشر، ولعل المثال التالي يكشف هذا الأمر، يتحدث يوسف عن لحظة ما، وهو في عرض البحر على القارب مع أبيه: «بدأنا نراقب أشعة الشمس المودعة، وكانت بعض السحب تتجمع في السماء، نظرت إلى تجمع الغيوم وقلت: هل تتوقع عاصفة؟» (ص ٥٤).
هنا تبدو أحوال الطبيعة، كأنها إنذار بما سيجري بين الأب وابنه من حوار غاضب حول الأم التي زرعت الشك في نفس الأب، وجعلته يعيش في جحيم، وبالفعل حدثت العاصفة وانقطع الحوار بين الرجلين.
يقوم الوصف بصفة عامة على المباشرة والبساطة، وقد يسقط كثيرًا من أدوات الربط, وخاصة في بعض المواقف المتصلة بالشعور، إنه يتدفق كما النهر الجاري، ولنقرأ وصف يوسف لأهل الشرق ممثلين في عائلة أبيه.
«خليط عجيب من البشر، بهم دفء وعاطفة لم أر مثيلًا لهم من قبل، إذا جاءت سيرة أبي تدمع العيون.. وإذا تكلموا عني ابتسموا.. مشاعر صادقة.. عواطف متميزة... شيء مختلف عما تعودته.. حرارة تذيب الجليد الذي عشته من قبل, وصرت أردد بيني وبين نفسي: سامحك الله يا أبي.. حرمتني من كل هذا الحب» (ص ۸۰).
في حوار بين الأب وابنه نلاحظ نظرة الشرقي إلى وطنه واعتزازه به, حتى لو اضطرته الظروف إلى مغادرته قسرًا والهجرة إلى الغرب، وفي الوقت ذاته نرى رؤية الغربيين لمن يهاجر إليهم من الشرق وازدرائهم له، مع إشارة إلى طبيعة الأوضاع في الشرق أو العالم الثالث عمومًا:
«هيه... هل تحب الإبحار دائمًا، ألا تشعر بالحنين إلى الأرض؟.
أجابني باستهزاء: أي أرض؟
أرض الوطن.
تقصد وطنك أنت؟
لا, أقصد وطنك أنت.
نظر إليّ نظرة طويلة، وقال: وما الذي تعرفه أنت عن وطني؟
ليس من الضروري أن أعرف عنه شيئًا, ولكن من الطبيعي أن يحن المرء إلى وطنه.
ألم تذكر لك أمك شيئًا عني البته، ألم تقل إني صعلوك ليس له وطن.
بلى.. لقد قالت لي: إنك هارب من بلدك لسبب ما.. ولكن مضى وقت طويل.
أجابني بسخرية: لا تتغير الأمور في وطني بسرعة، فالتغيرات في العالم الثالث تحتاج إلى قرون، لذلك لا أستطيع العودة بعد» (ص ٤٥).
بعد ذلك يفاجئ الابن أباه بحديثه عما يستشعره من عذاب بسبب عدم انتمائه وعدم وجود عائلة، وعدم وجود أب, كان الأب يعتقد أن الأم وفرت لابنها كل شيء، حتى يصبح أمريكيًا خالصًا، بيد أن الابن يعبر عن حاجته إلى شيء ينقصه, ها هو الأب يقول لابنه: «اسمع يا يوسف, لا تدع صورتي المشوهة بداخلك تحجبك عن الحقيقة.. حقيقة من الداخل.. إنك تعيش بحالة فراغ روحي، والإسلام هو الحل لك، ولكن لا تريد أن تعترف... وذلك بسببي.. أليس كذلك..» (ص ٦١(.
أو يقول له في موضع آخر من الحوار بعد أن أعلن يوسف الشهادتين:
«إن لم يجمعنا دم واحد فقد جمعنا رباط قوي... الإسلام.... فأنت أخ لي في الدين، وأتمنى لك الخير والتوفيق دائمًا وأبدًا» (ص ٦٨).
وتوظف الرواية الحوار في مجال المقارنة بين أمريكا والشرق, في الحوار التالي بين يوسف وابن عمه، وهما يتجولان في منطقة أثرية بالمدينة العربية التي ينتمي إليها الأب أحمد الراوي:
«سألني أحمد: ما الذي يعجبك بالآثار والقدم مع أنك من بلد التقدم..
فقاطعته: أحمد، إن أمريكا برغم تقدمها لم تستطع أن تخلق ماضيًا عريقًا لها، (ليس) هناك جذور حضارية.. بل قشور صنعتها التكنولوجيا الحديثة.
أما هنا فعبق القدم ينبض بالحضارة الأصلية, هنا الإنسان بدأ من الصفر.. ورافقت البشرية.. كل شبر من أرضكم يتكلم عن بطولات وأمجاد سالفة... ثم أتى الإسلام ليتوجكم خير أمة أخرجت للناس... وهذا مبعث فخري... لقد اختبرت الحضارتين وبدأت أشعر باهتزاز الثقة بحضارة الغرب رغم أني ولدت هناك ونشأت.. ولكن «ليس» هناك روح, روح الأشياء أهم من جمودها... أفهمت قصدي يا أحمد.
أظن ذلك... ولكن في بلادكم مساحة من الحرية لا توجد في أي بلد ثان.
يجوز، ولكن أيضًا تمادينا كثيرًا باستخدامنا لمفهوم الحرية، فالجميع ينغمس بملذات ومحرمات تحت شعار أنه يمارس حريته الشخصية، فشاعت الفوضى في المجتمع.. وانهارت قيم ومبادئ كثيرة, لذا فإن الحرية يجب أن تحدها ضوابط ولا تكون مطلقة.
نعم.. نعم أعتقد هذا» (ص ٨٤ وما بعدها).
وتتوزع صورة المقارنة بين الشرق والغرب على امتداد الرواية وفي حوارات أخرى، منها مثلًا ما جاء على لسان سلمى وهي تتكلم مع يوسف:
«أنت لم تعرف معاناة الناس هنا... الجهل.... الفقر.. وحتى قلة الإيمان؟ (ص ٩٤).
ومنها مثلًا ما جاء في الحوار التالي حول الاستعمار الآخر من وجهة نظر يوسف: «...هناك استعمار من نوع آخر، استعمار عقلي، ألم تلاحظ أن الجميع يسألني عن أمريكا...عن الرفاهية هناك, عن الكمال هناك... ألم تلحظ تلهف الشباب للتعرف علي ليس لأني مسلم بل لأني أمريكي... هذا دليل على أن العقول مستعمرة.
لا يا يوسف إنه فقط إعجاب بالحضارة والتقدم.
بل أكثر من الإعجاب, إنه انبهار أعمى يسوقكم إلى التخلي عن هويتكم الحقيقية .... لتذوبوا بحضارة أمريكا.
لا تبالغ يا يوسف, البعض لم يتأثر, هذا الدكتور أسامة مثال جيد، درس هناك ومع ذلك حافظ على هويته «كمسلم» وعاد إلى الشرق مرة أخرى.
الجيل القديم أكثر وعيًا من الجيل الحديث والشباب يجتاحه التيار» (ص ۱۰۸ - ۱۰۹).
وهكذا يقوم الحوار بتقديم الصورة الحضارية على الناحيتين من خلال وجهات النظر المختلفة, فضلًا عن وظائفه الأخرى بالنسبة للأحداث والأشخاص والأفكار.
وبعد... فقد قدمت رواية «البحث عن الجذور»، رحلة معاكسة من الغرب إلى الشرق للتعرف إلى الذات وأعماقها، وهو ما يبدو مخالفًا في الغالب للروايات المماثلة التي اتجهت من الشرق إلى الغرب لمعرفة أعماقه وأغواره.