; المجتمع الثقافي- العدد 1564 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي- العدد 1564

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003

مشاهدات 44

نشر في العدد 1564

نشر في الصفحة 50

السبت 16-أغسطس-2003

فلسطين.. القضية والحبيبة

في ديوان «ياسمين الذاكرة» لمحمد شلال الحناحنة

محمد الحسناوي

قيل للشاعر جميل بثينة: لم لا تمدح الخلفاء، فقال: أنا أمدح النساء! 

في عهد الاستقرار أو التوسع والفتوحات، كعهد بني أمية كان من الطبيعي أن يظهر شعراء ينصرفون للغزل وحده أو «لمدح النساء»، مثل عمر بن أبي ربيعة وجميل بثينة، أما حين نُتخطف في أوطاننا، وتُغتصب مقدساتُنا، ويُغرز نصلٌ في مهوى أفئدتنا «فلسطين»، فإن الأمر مختلف، واللحن أيضًا بالتالي سيختلف، وهكذا ظهر جيل، بل أجيال من شعراء القضية الفلسطينية.

دیوان «ياسمين الذاكرة» للصديق محمد شلال الحناحنة، أحد الأصوات الشعرية المستغرقة بالقضية، من بابها إلى محرابها «في أقل من مئة صفحة، وأكثر من خمس وعشرين قصيدة أو نشيدًا» عن الغربة المخيمات – المعاناة – الحنين إلى الوطن – المقاومة – المفاوضات – الأنظمة – الطواغيت- المقدسات – الحنًاء – المواويل – الشهداء – الأطفال: 

فرحي تُعانقُه العصافيرُ الحزينة، ذكرياتُ النازحِين 

والنهرُ دمعُ غمامةْ 

يا أيها الوطنُ العمامةْ 

ناحتْ على غُصني حَمامةْ 

الاستغراق هنا ليس وصفة «أيديولوجية»، أو اندفاعًا مع التيار العام، بل هو حب حقيقي، يتملك الروح والجوارح، ويتحول إلى عقيدة شاملة فاعلة علوية. 

قد يكون للتجربة الشخصية دور، وقد يكون للمعاناة دور، وقد يكون لبوار البضاعة الأخرى دور، لكن الدور الأول والأخير للحبيبة نفسها، لفلسطين: الأرض والشعب والمقدسات والجمال. 

هجعَ الليلُ قليلًا، وأنا تَلطمُني أوردتي 

ودمائي المكدودةُ لم تَهجَعْ 

هجعَ القهرُ قليلًا، لكنْ! 

ما زلنا في اللجةِ نَبكي فُرقتَنا 

نَحشدُ طابورَ الحُزنِ القارصِ 

ما زلنا نَتقطَعْ 

و«حَماسُ» الكَلِمُ الطَيِبُ في أَزمتِنَا 

وحماسُ الأمُّ المُتوضئَةُ الآن لفجرٍ تُهرَعْ!!

وهكذا يكون البعد الإسلامي في الديوان عفو الخاطر سمحاً، ليس تناصًا بالألفاظ والعبارات والإشارات التاريخية، بل هو مع ذلك وقبله وبعده، تصور شامل، تعبر عنه المواقف والأفكار والمعاني والصور والأخيلة، بقدر ما تعبر عنه الألفاظ وأسماء الأعلام والمواقع. في قصيدة «مقاطع مرهقة من مدينة تحتضر»، ينظر الشاعر من خلال ثلاثة أناشيد أو ثلاث فقرات إلى مفردات القضية الفلسطينية كلها من منظار إسلامي: غضب وحزن لما في الواقع، ثم كشف لتناقضات هذا الواقع السوداء: «امرأة تزهو حاملة جبلًا من ذهب - صياد محترف في الرغبة يقنص فتيات الحي -  كلب يورث أموال عشيقته الشقراء – قطٌ حضري يمرح منتشيًا بعد الوجبات الدسمة – أطفال ذُبحوا ذبح الشاة بكل هدوء – والعالم يرقص محتفلًا بحقوق الإنسان» ثم يأتيه احتجاج: 

صوتٌ من بين السادة يأتي مُنتـفِـخــًا: 

إحساسُكَ هذا جَهمٌ حدَّ الشُؤمِ، ومازالِ الكونُ بخير! 

فلماذا أفسدتَ علينا بسوداوية أفكارِك جوَّ مدينتا الخضراء؟ 

فَيردُ الشاعر بقوة:

هذرًا قولوا ما شئتم 

أتساءلُ مكتئبًا أو مُبتسمًا: 

لله الأول والآخر 

هل قرُبت لحظاتُ الساعةْ؟ 

وأنت أيضًا تتساءل: أيَ ساعة قربت؟ قيام الساعة، أم قيام الثورة؟ وهي تورية صحيحة إسلاميًا في الحالين: وهكذا تشع الألفاظ والعبارات وأسماء الأعلام والمواقع بذاتها أو بعلاقاتها، بمدلولاتها اللغوية والفكرية أو التاريخية، ثم بعلاقاتها في السياق الذي ترد فيه. تأمل معي توظيف آيتين من آخر سورة «العاديات» في وصفه عملية فدائية: 

لحظةً يرتدون مناسكهم والنذور 

لحظةً يقطفون لأجيالها وردة من سرور 

لحظةً يمتطون قواربهم للعبور 

لحظةً و«يُبَعْثَرُ ما في القبور» 

لحظةً و«يُحصلُ ما في الصدور» 

ومثل ذلك توظيفه أسماء «السور» القرآنية: 

للمؤمن الحقِّ صاحب «الشمس»، للقرنفل في «اللدَ»، للولدْ 

لقليل من الآخرين، لهذي السُّحبْ 

سيُرتلُ أطفالُنا سورة «الواقِعةْ». 

ناهيك بالحديث عن الشهادة: «للمساجد حين تعطر انداءها برحيق الشهادة، للذكر، للصلوات»، وعقيدة التوحيد: «ما انحنى للتخاذل عاش يُردد أدعية الأرض للرب يفلحها في المواسم تُخصب جيل المساجد» لذلك يهتف الشاعر بفخر واعتداد: 

مسلمون ورغم الحصار 

مسلمون ورغم الدمار

مسلمون ونَرنو لسيرةِ أحمدْ 

نشدو لفاروقنا.. نسمو فِتِنهمَرُ الخيلُ خارطةً للبلاد 

وحين يضطر للهجاء السياسي، لا يخونه الفن، ولا يَندَ التصور الإسلامي، فيرى خصمه في اسم «فرعون» ورسمه: 

تُسام الشعوبُ لأبقى. ويُجلَدُ كلُّ الدُعاة لأرضي. وما الظلم إلا جذوري وهذا النفاق لساني فمنْ لا يُباركْ هوايَ يُحرقْ بناري!

إذا استثنينا القصائد الست أو السبع المنظومة على عروض الخليل والقافية الموحدة، لتخلف مستواها الفني عن بقية قصائد الديوان «الحديثة»، فإننا نصادف عددًا من البني والأشكال الفنية، التي أسهمت في نقل نبض الشاعر، والتحليق بصوره وأخيلته المتوالدة. نخص بالذكر منها قانونين من قوانين الجمال، أحدهما «التكرار» وثانيهما «التغير». 

قصيدة «نافذتان» ابتدأت شطورها المؤلفة من «٥٨ سطرًا» بحرف الجر: «للعقول.. للوجوه.. لافتضاح الدبابير.. لهذا الشطط.. كُدِّس هذا العفن العربي على المائدة» إلا في موضعين أو ثلاثة حيث يظهر الفعل متأخرًا لتتعلق به حروف الجر لغةً ومعنى ومبنى، فحصل للشاعر تماسك شديد في بناء القصيدة من جهة، مع الحاج أو توكيد للمعاني، وتراكم في الصور من جهة ثانية. فإذا كانت النافذة/ القصيدة الأولى ۲۸ سطرًا تصور الشقاء في الواقع، والثانية ٣٠ سطرًا تصور البهجة فيه.. اكتمل البناء بالتقابل أو التضاد الفني المعبر. 

من أغراض التكرار الفني توكيد المعنى أو الترنم الموسيقي أو التعبير عن حالة انفعالية. والشاعر الحناحنة يوظفه لهذه الأغراض كلها ولغيرها، ولعل مسحة الحزن التي غلبت على الديوان، هي العامل الأكبر الذي أنتج هذا الاحتفال بالتكرار، فضلًا عن ميل الشاعر إلى النبرة الخطابية في السرد والتوقيع الموسيقي، من غير إهمال للأبعاد الفنية الأخرى كالخيال والصور الكثيرة المتوالدة. في قصيدته «قصيدة جديدة لرمز قديم» يكرر الشطر / السطر «على نعش هذا السلام. سلام» مرتين بلفظه، ومرتين بشكل مقارب «سلام على نعش هذا الجنين!!» الترنم الحزين والنواح أولًا، وللتقسيم أو الختام ثانيًا وللغرضين نفسيهما استخدم تكرار الشطر/ السطر في قصيدتي «اليمامة» و«الغزال»، من خاتمة «الغزال» كانت بقوله «فتجليت شهيدًا» فهو غياب للغزال بشكل احتفالي مهيب.

أما قانون «التغير» الجمالي، فنصادفه في عدد من الأشكال بدءًا من «تغير» القافية أو تنوعها –هو أحد مزايا الشعر الحديث وفواصل القرآن الكريم– وانتهاءً بتقابل الصور والمعاني والأفكار أو تقاطع الشعرية. سبق أن أشرنا إلى التقابل في قصيدة «نافذتان»، حيث قام البناء على لوحتين اثنتين متضادتين متكاملتين في الوقت نفسه والضدَّ يظهر حسنَه الضدُّ». اللوحة الأولى تصور الجانب الأسود المؤلم من الواقع الفلسطيني والعربي والدولي «لهذا الشطط كُدِّسَ العفن العربي على المائدة»، واللوحة الثانية تصور الجانب الأبيض البهيج من الواقع الفلسطيني والعربي ولا سيما المقاومة وأبطال الحجارة «سيرتلُ أطفالُنا سورة الواقعةْ وبين كلمتي «المائدة» و«الواقعة» ما بينهما من علاقات لغوية في المستوى الأول، اسمين لسورتين في القرآن الكريم في المستوى الثاني، وتقابل تضاد في سياقهما هنا في المستوى الثالث، وإيرادهما في خاتمة اللوحتين المتقابلتين في المستوى الرابع، فتأمل! 

أما القصيدة التي عنوانها «قصيدتان»، فهي تتألف أيضًا من مقطعين متقابلين تقابل تكامل بلا تضاد المقطع الأول بعنوان: «المئذنة»، والمقطع الثاني بعنوان: «الجبل»، ولعل الشاعر يعني به قبة المسجد التي تقابل المئذنة في الهندسة المعمارية، لعل المقصود «قبة مسجد الصخرة» بالذات. فإذا كانت المئذنة رمز الصعود والسمو إلى السماء عموديًا: «تلك مئذنةٌ شامخة. تلك مئذنة من سحاب. مئذنة ترتوي من عطور الكتاب»، فإن الجبل/ القبة رمز للرسوخ والامتداد الأفقي: «يا عرينَ الهداية ذا شجاي. فكنْ صخرتي ورؤاي. لأطلق عصفورة حقول الدِماء». 

وبمناسبة الحديث عن قانون «التغير» من خلال التقابل أو التكامل.. نشير إلى دلالات العنوانات، التي تستحق وقفة خاصة، بدءًا من عنوان الديوان ياسمين الذاكرة»، ونخص بالذكر تلك العنوانات الطويلة أو المبنية على التقابل، مثل «قصيدة جديدة ورمز قديم»، «أسدُنا وسُمية»، «مقاطع مرهقة من مدينة تحتضر»، وهذه القصية الأخيرة، قام بناؤها فيها على حشد من الصور المتناقضة أو المتقابلة والمتكاملة في الوقت نفسه، مثل: «عائلة تتمزَقُ تحتَ سياط الرُّعب امرأة تزهر حاملةً جبلًا من دهب»، أطفالٌ ذُبحوا ذبح الشاة بكلِّ هدوء، والعالم يرقصُ مُحتَفِلًا بحقوق الإنسَان» في القصيدة نفسها يصل التقابل إلى بنية الصورة الجزئية الواحدة: «حيوانٌ يركبُ رجلًا»، «أتساءلُ مكتئبًا أو مبتسمًا»، والأمر -كما نقدر– ليس تلاعبًا بالألفاظ وبحثًا عن الغرابة والإدهاش، بل هي تناقضات الواقع المرير، وانعكاسها على مرآة الشاعر المرهفة.

 

 

  • دور اليهود العرب في تأسيس الكيان الصهيوني (۲)

الأدباء اليهود العرب بين التأسيس والتسييس

هل أصبح الدين في إسرائيل «وسيلة مواصلات فقط»!!

القاهرة: محمود خليل

ستظل الشخصية اليهودية الصهيونية، ملتاثة الوعي، طافحة الغل والحقد، جاهدة في تشويه الوجود الإنساني كله، لاهثة في نخره ونحره.. وفق مراحل تكتيكية، حددتها الأسفار المكذوبة التي رأت الدين «وسيلة مواصلات فقط ولذلك علينا أن نبقى فيها بعض الوقت لا كل الوقت» على حد قول «بن جوريون» وهو الذي رأى في الوقت نفسه «أن الجيش الإسرائيلي هو خير مفسر للتوراة».. ومن ثم فإن مخيم «ثعبان يهوذا» لا يقف عند حد. وحين تتلاقى الثعابين السامة.. لتشكل «جوقة» أدبية مسممة.. فماذا تنتظر أن يكون نتاجها؟ وماذا عن هؤلاء «الأدباء العبريين ذوي الأصول العربية».. ممن أكلوا خيرنا، وشكروا غيرنا ونهشوا صورنا؟!!

كيف نظر هؤلاء إلينا فكريًا واجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا، وكيف صورت الرواية العبرية عندهم شخوصنا وشخوص آبائنا وأمهاتنا، وكيف خرجت هذه «الحيات» الروائية الصهيونية من جحورها في مصر واليمن والمغرب والعراق لترسم صورة أليمة للعرب والمسلمين، عبر حرب العاشر من رمضان، ومرورًا بنشأة الكيان الصهيوني وحتى الانتفاضة المباركة. 

وثمة ملاحظة أساسية، وهي إجادة هؤلاء الأدباء العبريين لعمليات الاندماج والتسلل، وأخذ المراكز الأدبية العبرية.. وهناك ملاحظة أخرى مفادها، سعى اليهود الحثيث إلى نقل مركز الأدب العبري إلى فلسطين، قبيل انهياره في أوروبا أوائل القرن الماضي.. حيث سعى الأدباء الذين هاجروا من أوروبا إلى تأسيس الصحف الأدبية مثل «حفتسليت» أي «السوسن» و«أريئيل» أي «البطل» و«شعاري تسيون» أي أبواب صهيون «وتسفي» أي «الغزال» و«هيوعيل مستعير» أي «العامل الفتى» و«موليدت» أي «الوطن». كل هذا قبل عام ١٩١١م. 

وفي أحضان هذا التأسيس الصهيوني لأدباء الهجرتين الأولى والثانية.. تنامي اليهود الأدباء ذوو الأصول العربية، حيث كانت إرهاصتهم الأولى يتسحاق شامي (۱۸۸۸ –١٩٤٩م) السوري الأصل، الذي أمضى حياته في حقل التعليم في دمشق وعكا وبلغاريا ثم عاد إلى فلسطين مستقراً في حيفا، وأخرج روايات «جمعة الأهبل» و«أب وبناته» و«بين أشجار الياسمين وفدية»، و«انتقام الآباء» وهي عن حياة العرب.. حيث يمثل «شامي» يهود الشرق في فلسطين، وليكون طليعة كاشفة على طريق الإجرام اليهودي القادم من بعيد.... 

ثم يأتي «يهودا بورلا» (١٨٨٦ – )١٩٦٩ والذي عمل مديرًا للمدارس العبرية التابعة للاتحاد الصهيوني في دمشق، كما عمل من قبل مترجمًا بالجيش التركي، وبعد تأسيس «إسرائيل» عمل مديرًا للدائرة الثقافية في وزارة الشؤون الدينية ثم رئيسًا لمعهد المخطوطات. 

كتب «يهودا» روايته الأولى «بولا» عام ۱۹۱۳م ليكون أول يهودي عربي يجسد حياة اليهود «السفارديم» في الفترة التي شهدت انحسار الظل التركي من المنطقة ونشأة الكيان الصهيوني، عن طريق وصف حياة هذه الفتاة «لونا» التي عاشت بالقدس وصفد والخليل.. ولتتكامل رؤية «شامي ويهودا»، في نثر البذور وحرث الحقل الأدبي العبري القادم من «الجيتو المسدود» إلى «الوطن الموعود»، ويمكن القول إن «شامي»، وصديقه «يهودا بورلا» قد فتحا عهدًا جديدًا في حياة الإنتاج الأدبي ليهود الشرق، فأعمالهما تعبر عن ظاهرة ثقافية مرتبطة بالتغيرات التي طرأت على اليهود في البلدان الإسلامية والعربية بصفة عامة، ويهود فلسطين بصفة خاصة، حيث بشر ظهور «شامي» ببداية ميلاد جيل جديد من كتاب يهود الشرق ذوي الثقافة الشرقية، بلغة ثقافية أدبية هي اللغة العربية. 

  • مرحلة التأسيس 

وعلى الرغم من ذلك، فقد تم إهمال «شامي» و «بورلا» فترة طويلة من قبل النقاد اليهود الغربيين بحجة أنهما قد قضيا طفولتهما في فلسطين، ولذلك كان عندهما بعض الاستعداد لتقبل بيئتهما، ومن ثم لم يقدما لليهود تجارب التكيف، ومعاناة الغربة التي قاساها المهاجرون اليهود إلى فلسطين، لذلك فقد تم ابتزازهما نقديًا لحساب الأدباء اليهود الاشكناز مثل «عجنون» و«برينو» و«جنسين» و«راحيل» و«شلونسكي» و«جولدبرج» المعاصرين لهم.. لأن الهدف الأول للأدب العبري في تلك الفترة كان منصبًا على الحشد والتحميس والاستنفار الديني والسياسي الصهيوني للقدوم إلى فلسطين، وفق أيديولوجي «صهيو – غربية» تم تجنيد اليهود والمتهودين لها في العالم أجمع، ولكن تظل كتابات هذا الجيل. جيل «البلماح» أي «سرايا الصاعقة» أو جيل ١٩٤٨م هو الجيل الذي أسهم بجهده الخبيث المتواصل في تأسيس الكيان الصهيوني الذي انتهى بإعلان قيام دولة «إسرائيل».. لذا فإنها أخيرًا قد أطلقوا على هذا الجيل «البلد» وإلى هذا الجيل ينتمي «حانوح برطوف» (١٩٢٦- و«سامع بزها» (۱۹۱٦–) و«بنيامين تامون (۱۹۱۹–) و «يجال موسيزون» (۱۹۱۷- ) و «نتار شحم» (١٩٢٥-)  و«حاييم جوري» (۱۹۲۳- وكلهم من أصل أشكنازي و«مرخادي طبيب» (۱۹۱۰– ۱۹۷۰) اليمني الأصل. 

  • جيل «البلد» 

وقد ظهر جليًا لدى هذا الجيل خاصة «مردخاي اليمن» كيف تم تصوير حرب ١٩٤٨ روائيًا، حيث كان الهدف منها هو طرد العرب من قراهم وانتزاع أملاكهم، حتى صارت كأنها حرب وصراع بين «قناصي حمير» أو «ضاربي جمال» كما تم تصوير «الكيبوتس» اليهودي وإبراز شخصية «الصبار» كرمز لليهودي الذي نشأ وكبر في فلسطين لتحل محل شخصيات الفترات السابقة، كشخصية «المنعزل» في فترة الأحياء وشخصية «الطليعي» في فترة الهجرات. ويذكر الأدب العبري المعاصر «لمردخاي طبيب» أنه أول من أدخل المجتمع اليمني وما يدور فيه إلى الأدب العبري، حيث لم يكن هذا الباب مطروقًا في الأدب العبري من قبل.. لذا فقد حظي نتاج «مردخاي» بحفاوة بالغة لتعريته التقاليد والعادات اليمنية وإبرازه للاضطهاد الذي عانته أسرته باليمن.. على حد زعمه.. حيث ولد في مدينة «ريشون لتسيون» عام ۱۹۱۰م بعد هجرة أسرته من منطقة «حيدان» في شمال اليمن عام ١٩٠٩م، وقد تدرج في مراحل تعليمية ليحصل على الشهادة الثانوية وهو في الثامنة عشرة من عمره، ثم نشأ في الحي اليمني وعمل منذ صغره كعامل بناء ومزارع في المستوطنات اليهودية ثم عمل بميناء تل أبيب ثم عمل بالزراعة والصناعة والحراسة إلى أن وصل إلى عضوية اللجنة التنفيذية للهستدروت حيث كان هذا هو عمله الرئيس، ثم تزوج من فتاة من أصل بولندي.. وهو «أول يهودي يمني في إسرائيل يتزوج من أشكنازية» أوروبية الأصل... أخرج مردخاي خلال هذه الرحلة روايات «كشعب الحقل» و«كالعرعر في البادية» و«رحلة إلى البلد الكبير» ومسرحية «قيثارة يوسي» ومسرحية الملك سليمان و «دبورا» ثم نشر عام 1964م مجموعة أشعار «صباح بارد ومساء مع الابن». وقام «مردخاي طبيب»، بتأليف عدد كبير من القصص القصيرة وقصص الأطفال لمسرحيات والتمثيليات الإذاعية ترجمت معظمها إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية وحصل على جائزة «أوسكشن» عام ١٩54، وفي عام ١٩٥٧م حصل على جائزة «أهرونوفيتش» عن روايته «كالعرعر في البادية».. 

وبالجملة فقد طفحت روايات وقصص وأشعار «مردخاي» بوصف الواقع العربي الإسلامي اليمني بأنه واقع «منحط»، وكان جل همة التأكيد إلى تواصل التراث اليهودي في دولة «إسرائيل» لتحقيق الاستمرارية بين جيل الآباء وجيل الأبناء وتناول الشخصية اليهودية –على حساب الشخصية العربية الإسلامية- على امتداد التاريخ ووصفها بالإيجابية والتفاؤلية وسيطرة البطل اليهودي الإيجابي على الأرض والواقع والتاريخ. 

  • بين حربي ١٩٤٨ – ١٩٥٦م 

بعد أن انتهت حرب ١٩٤٨م –بكل خياناتها- تمكنت التنظيمات الصهيونية من إقامة دولة!!! ملكت الإسرائيليين أمآل التفاؤل والسيطرة، فراحوا يعملون على تثبيت أركان هذه الدولة الناشئة من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فظهرت الدعوة إلى اقتحام الصحراء لتشجيع يهود الشتات على الهجرة إلى الوطن الموعود!! حيث تحقق حلم الآباء والأجداد،.. ويبرز من بين أدباء تلك الفترة «أ ب یهوشواع» ابن يعقوب وهو من مواليد القدس عام ١٩٣٦م من أمه المغربية القادمة من أسرة غنية بمدينة «مونادرو» المغربية، ولا يزال أقاربة لأمه يقيمون في المغرب.. حيث درس «يهوشواع» الفلسفة والأدب العبري ومكث بباريس للدراسة منذ عام ٦٣ – ١٩٦٧م. عمل هناك سكرتيرًا عامًا للاتحاد العالمي للطلبة اليهود، وقد أسندت له السلطات الإسرائيلية عام 1965م مهمة تجنيد متطوعين من عدة دول، وفي الفترة من عام ٦٧ – ٧٢ شغل منصب رئيس وحدة الأكاديمية لشؤون الطلبة المهاجرين التابعة لجامعة حيفا، وفي الفترة من ٧٦ – ٧٨ أصبح رئيسًا لقسم الفنون في الجامعة، وعين عام ۱۹۸٠م أستاذاً مشاركاً في قسم الأدب العام في نفس الجامعة. 

نشر «يهوشواع» عددًا كبيرًا من القصص مثل «موت العجوز» «أمام الغابات» و«صمت متواصل لشاعر»، و«ثلاثة أيام وطفل» ثم نشر رواية قصيرة» عام ۱۹۷۰ م و«تسع قصص» عام 72 «وفي الشتاء» ومسرحية «العاشق» ومسرحية «بفضل الطبيعة»، ورواية «طلاق متأخر» ورواية «مولخو» و«الحائط والجبل» و«السيدماني» و«العودة من الهند» و«رحلة إلى نهاية الألفية» عام ۱۹۹۷م و«القوة المروعة للإثم البسيط» عام ۱۹۹۸م.. وتُرجم إلى العربية عدد من قصص «يهو شواع» كما ترجم معظم النتاج الأدبي له إلى لغات أجنبية متعددة، وتحول عدد كبير من أعماله إلى أفلام سينمائية مثل «ثلاثة أيام وطفل»، و«في الشتاء» وغيرها.. وحصل «يهو شواع» على عدة جوائز مثل جائزة «برينو» عام ۸۳ وجائزة «الترمان ١٩٨٦م، وجائزة «بالك» ۱۹۸۹م كما فازت مسرحيته «أمتعة» بجوائز كثيرة. 

ومن ثم يرى النقاد اليهود أن «يهو شواع» يتقدم على كل الأدباء ذوي الأصول العربية، بل يتقدم الأدباء ذوي الأصول الغربية –الأشكناز- أنفسهم ويفوقهم، بما أحدثه من تغيير شامل في أسلوب القصة العبرية وموضوعها. 

ويمكن تلخيص سمات أدب «يهو شواع» بأنه أدب حرب حيث قضى حياته كلها عضوًا في التنظيمات العسكرية الصهيونية التي خاضت غمار الحرب وما سبقها من مجازر صهيونية إرهابية، ومن ثم طفح كل سطر من أعماله بإثارة مشاعر العدوانية تجاه العرب والمسلمين، وسادت لديه التفاؤلية بالواقع الإسرائيلي ومستقبله، وكانت أمه الصهيونية المغربية مصدر إلهامه الأول، حيث أرجع الكثير من أسباب تفوقه وشخوصه وموضوعاته إلى نصائحها التي كانت توجهها إليه، مما جعل رموزه جميعاً مزودة باستعلاء وتفوق على كل معطيات الحضارة الإسلامية على اعتبار أنها حضارة ذات مستوى بائد ومتدن، وأن موروثاتها لا تصلح للتداول أساسًا، فالإسلام لديه دين دموي ملطخ بالدم، انتشر بحد السيف، كما أن المجتمع العربي والمسلم مزعزع العقيدة منهار القيم، إلى درجة أن أفراده يتخلون عن دينهم ويقبلون الدخول في اليهودية بكل بساطة ، وأن الوجود العربي والإسلامي في كل زمان ومكان مرتبط بالدمار أو العنف أو الموت أو الحرب أو الحريق، وقد استطاع «يهو شواع» أن يجند كل الوسائل النفسية والعملية والذاتية ليعبر عما يريد قوله من افتراءات وأكاذيب، وما يبثه من أباطيل وأضاليل. وإذا كان الأدب العبري قد شهد ظهور جيل التأسيس من أمثال «شامي وبورلا» وفي مرحلة «جيل البلد» من أمثال «مردخاي طبيب» اليمني، وفي مرحلة جيل الدولة من أمثال «يهو شواع» المغربي.. فإنه قد شهد منذ بداية السبعينيات تيارًا واسعًا من الأدباء الذين ولدوا ونشأوا في الدول العربية وهاجروا إلى «إسرائيل» من العراق وسورية ومصر والمغرب واليمن من أمثال جاكلين كهانوف التي ولدت بالقاهرة عام ١٩١٧م, وراحيل مكابي المولودة بالإسكندرية في 10/۱۱/1918م، وإسحاق جور میزانو جورن الذي ولد بالإسكندرية عام ١٩٤١م، ورونيت مطلون المصرية المولودة عام ١٩٥٩م وسامي ميخائيل الذي ولد في بغداد عام ١٩2٦ وشمعون بلاص الذي ولد في بغداد عام ١٩٣٠م ونير شوحيط المولود في العراق عام ١٩٢٨م، وإيلي عامير الذي ولد في ٢٦/٩/١٩٣٧م بالعراق ودان بنا ياساري اليمني المولود عام ١٩٣٥م وامنون شموش الذي ولد في حلب عام ١٩٢٩م وأندا هارئيل داجان الشاعر الإسرائيلي المولود بالقاهرة عام ١٩٣٤م.. وغيرهم.. وغيرهم.. 

ماذا قال هؤلاء عن ديننا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ كيف صور هؤلاء مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكيف تناولوا شعائرنا وشرائعنا وشخوصنا وعلاقاتنا الاجتماعية؟!!! كيف نظروا إلى تاريخنا وحضارتنا التي آوتهم من الضياع حتى عاشوا أعمارهم في ظلالها.. فأكلوا وسمنوا.. إلى أن أصبحوا اليوم كلابًا مسعورة تنهشنا بلا رحمة، وتأكل لحومنا بلا شفقة!! كيف مرت صحواتنا وانتفاضاتنا في أعصابهم، وكيف صورونا في أشعارهم وقصصهم ورواياتهم ومسرحياتهم.. ومسلسلاتهم التليفزيونية؟!. 

وكيف نسي هؤلاء ما قرأوه في سفر «الخروج ٢١٦»: «وقال لهما بنو إسرائيل ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر، إذا كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزاً حتى الشبع» وما قاله لهم «تيودور هرتسل» (۱۸۹۰- ١٩٠٤م): «لدى خروجنا من مصر مرة أخرى، لن ننسى خلفنا قدر اللحم»! 

وكيف سار هؤلاء على خطى بن جوريون الذي قال لهم: «حدودنا حيث يصل جنودنا»!!.. فلهذا حديث آخر.

الرابط المختصر :