; المجتمع الثقافي (1736) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1736)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 27-يناير-2007

مشاهدات 63

نشر في العدد 1736

نشر في الصفحة 48

السبت 27-يناير-2007

كتاب «الحلال والحرام في الإسلام» للشيخ القرضاوي
ما شرع من الحلال فيه كفاية عن ارتكاب الحرام
* لم يسرد كل ما يتعلق بالحلال والحرام وإنما أتى بأمهات المسائل التي يمكن أن يستغنى بها عن كثير من المسائل الجزئية
* د. القرضاوي: لم أقيد نفسي بمذهب فقهي لأن الحق لا يشتمل عليه مذهب واحد

مسعود صبري

يعد كتاب «الحلال والحرام في الإسلام» لفضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي من أشهر كتب الفتاوى في العصر الحديث، وذلك أنه نتاج فكر أحد فقهاء العصر المجددين، ولما تميز به الشيخ من منهج في هذا الكتاب يعد شيئًا جديدًا في وقته بل رسخ فيه لمنهج في الإفتاء أضحى علامة بارزة لمدرسة يتبعها كثير من المفتين من اعتماد التيسير في الفتوى، القائم على الدليل وعدم التعصب لمذهب بعينه أو رأي لإمام.
ويعد الكتاب البداية الحقيقية لمؤلفات الشيخ، وإن كان كتب قبلها بعض الفتاوى في مجلة منبر الإسلام، ولكنه لم يكن يكتب اسم القرضاوي لدواع أمنية.

قصة الكتاب
كان موضوع الحلال والحرام، هو واحد من ثلاثين عنوانًا أرسلت الوزارة الخارجية المصرية من بعض سفاراتها بالغرب في أمريكا وبريطانيا وغيرها لترجمته إلى اللغة الإنجليزية وغيرها حتى ينتفع به المسلمون هناك، وأحيل الموضوع لشيخ الأزهر محمود شلتوت، يرحمه الله الذي أحاله إلى الدكتور بهي الخولي المدير العام لإدارة الثقافة الإسلامية بالأزهر في ذلك الوقت والشيخ الباقوري وزير الأوقاف آنذاك.
وكلّف الدكتور الخولي الشيخ القرضاوي بالكتابة فيما يحل ويحرم على المسلمين فاستعان الشيخ بالله، وشحذ همته، وخاصة ما جاءه من حال المسلمين في الغرب ساعتها من تشوه صورة الإسلام وبعد المسلمين عن تعاليمهم، فـ «معظم المسلمين في بعض الولايات يتكسبون من فتح البارات والتجارة في الخمور، ولا يشعرون أن ذلك من أكبر المحرمات في الإسلام.
كما أن الكتابة في مثل هذا الموضوع صعب المرتقى، فلم يسبق لمؤلف في القديم أو الحديث أن جمع شتات هذا الموضوع في كتاب خاص، ولكن الشيخ وجد أجزاءه موزعة في أبواب الفقه الإسلامي كلها، وبين ثنايا كتب التفسير والحديث النبوي».

منهج الكتابة والتأليف
وقد اعتمد الشيخ منهج الاجتهاد في الكتابة بعدما رأى الفقهاء في عصره في الكتابة عن الحلال والحرام فريقين، فريق يولي وجهه شطر الغرب وحضارته، يلتمس فيه النجاة، وفريق حجر عقله واكتفى بنقل ما هو موجود من الآراء القديمة، فلا يجتهد في شيء، بل يقلد رأيًّا من الآراء أو مذهبًا من المذاهب.
يقول الشيخ: وقد حاولت ألا أكون واحدًا من الفريقين.. بل لم أحاول أن أقيد نفسي بمذهب فقهي من المذاهب السائدة في العالم الإسلامي، ذلك أن الحق لا يشتمل عليه مذهب واحد، وأئمة هذه المذاهب المتبوعة لم يدعوا لأنفسهم العصمة، وإنما هم مجتهدون في تعرف الحق، فإن أخطأوا فلهم أجر، وإن أصابوا فلهم أجران.
وقد اعتمد الشيخ في كتابه أن الحلال والحرام تشريع قائم على أساس تحقيق الخير للبشر، ودفع الحرج والعنت عنهم وإرادة اليسر بهم، يقوم على درء المفسدة وجلب المصلحة، مصلحة الإنسان كله، جسمه وروحه وعقله، ومصلحة الجماعة كلها، أغنياء وفقراء وحكامًا ومحكومين ورجالاً ونساء، ومصلحة النوع الإنساني كله بمختلف أجناسه وألوانه، وفي شتى أقطاره وبلدانه، وفي كل عصوره وأجياله.

أبواب الكتاب
ويأتي الكتاب في أربعة أبواب:
الباب الأول: مبادئ الإسلام في شأن الحلال والحرام، وقد اشتمل هذا الباب على بعض القواعد المهمة والضوابط الحاكمة في فهم الحلال والحرام، ومن أهمها: أن التحايل على الحرام حرام، وأن النية الحسنة وحدها غير كافية في الحكم بالحل والحرمة، بل لا بد من الدليل، وأن التحليل والتحريم حق لله تعالى، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن التحريم يتبع الخبث والضرر، وأن ما شرع من الحلال فيه كفاية عن ارتكاب الحرام، وأن الوسائل التي تؤدي إلى الحرام فهي حرام.
ويتحدث الباب الثاني عن الحلال والحرام فيما يخص الحياة الشخصية للمسلم من المأكل والمشرب والملبس والزينة والبيت والكسب والاحتراف.
أما الباب الثالث فخصصه الشيخ القرضاوي لفتاوى الحياة الزوجية والأسرة فتحدث عن الغريزة والزواج والعلاقة بين الزوجين وطبيعتها في الشرع، كما تحدث عن قضية تحديد النسل، وتناول موضوع الطلاق، وبين الإطار العام والحكمة من مشروعيته، وكيف أن الإسلام ضيقه وجعله أبغض الحلال، كما تناول طبيعة العلاقة بين الوالدين والأبناء.
وتناول الباب الرابع الحلال والحرام في الحياة العامة، في المعتقدات والتقاليد واللهو والإباحة، وبيان سعة الشريعة في هذه المساحة بما يوافق فطرة الإنسان وإيضاح العلاقة الاجتماعية بين المسلمين والعلاقة بين المسلم وغير المسلم.

خاتمة الكتاب
وجعل الشيخ للكتاب خاتمة، بيّن فيها أنه تحدث عن الحلال والحرام فيما يخص الجوارح، أما فيما يخص القلوب، فلم يكن موضوعًا، مع كونه مهمًّا، ومع خطورة حرمة أفعال القلوب وأهميتها.
كما أنه ذكر أنه لم يسرد كل ما يتعلق بالحلال والحرام، ولكنه أتى بأمهات المسائل التي يمكن أن يستغنى بها عن كثير من المسائل الجزئية ..
=======================
واحة الشعر

مؤتمر قمة.. في بيت حانون (1)

شعر: فيصل بن محمد الحجي
في صباح يوم الجمعة 12 شوال 1437هـ الموافق3/11/2006م، تحركت مسيرة للنساء الفلسطينيات في بيت حانون إلى مسجد (أم النصر ) لفك الحصار الذي فرضه الجيش الإسرائيلي على (73) من المقاومين الفلسطينيين... كان الرصاص ينهمر من الدبابات وطائرات الهليكوبتر، فاستشهدت امرأتان و جرح بعضهن، لكن المسيرة نجحت في تطويق المسجد والإفراج عن المقاومين الذين خرجوا من بيت حانون سالمين.
ما للغواني قد غضبن * * * وحشدن خيارهنه؟!
وتجهم الحسن المض * * * يء وقد عقدن خمارهنه
ومشين مشية لبوة * * * تخذت قراع الخصم سنه
والغيظ قد طحن الحصى * * * خطا الحصان المطمئنه
هذا العدو عداؤه * * * بلغ المدى وأثارهنه
أفلاذ أكباد تحا * * * صرهم عصابات الدجنه (2)
فتح العدو جحيمه * * * فجعلنه مفتاح جنه
وهجمن كالشهب المضي * * * ئة.. فالظلام يخافهنه * * * 
أيقن أن الحين في الـ * * * إدبار.. والإقدام جنه
هن الرجال.. وربما * * * لان الحديد ولم يلنه
وهناك في وجه المخا * * * طر .. قد أقمن لقاءهنه
وعقدن قمة غزة * * * أهدافها فوق المظنه
كالجمر ينتثر الحدي * * * ث وقد بدأن حوارهنه
قررن أن المجد لا * * * نرقاه إلا بالأسنه
والمسجد الأقصى تق * * * يه التضحيات.. وإن حزنه
والصبر والآلام أث * * * داء لإرضاع الأجنه
إن أنّت الثكلى فسو * * * ف يئن خصمي ألف أنّه
نتقاسم الدنيا.. وفي الـ * * * أخرى يخيب الله ظنه
ورجعن كالقمم.. المني * * * فة ما وهن ولم يهنه
ودم الشهادة في العرا * * * ء يصيح مت فداء هنه
وبشائر النصر القري * * * ب على محيا زحفهنه 
وحضن أشبالا لهن * * * وكم سعدن بما حضنه
فدع الخرائط (3) والوعو * * * د ومن يدندن حولهنه
لا ينقذ الأقصى وأهـ * * * ليه سوى طلاب جنه

الهوامش:
(1) قبل قرن من الزمان –تقريبا- أيام الاستعمار الإنجليزي لمصر خرجت مسيرة للنساء في مصر متجهة إلى دار الزعيم الوطني سعد زغلول، فتعرض لها الجيش الإنجليزي وأطلق عليها الرصاص وفرقها .. وقد خلد الشاعر حافظ إبراهيم هذه المسيرة بقصيدة قال في مطلعها:
خرج الغواني يحتججـ * * * ــن ورحت أرقب جمعهنه
فإذا بهن تخذن * * * سود الثياب شعارهنه
فطلعن مثل كواكب * * * يسطعن في وسط الدجنه
(2) الدجنة: الظلام.
(3) إشارة إلى اتفاقية (خارطة الطريق) وأمثالها.
============================

صفحة من التاريخ الحديث
في رواية الإعصار والمئذنة .. للدكتور عماد الدين خليل
* للمكان في الرواية حضور واضح سواء في تأثيره في الأحداث والشخصيات أو توظيفه في البنية الفنية للرواية.
* إعدام الشابة سلمى.. خاتمة مأساوية لبداية بهيجة كما هو الحال في خاتمة «عطيل» لشكسبير وأمثالها من الخواتم الجارحة

محمد الحسناوي ( * )

نطالع في رواية الإعصار والمئذنة للمؤرخ الأديب الدكتور عماد الدين خليل.. صفحة من تاريخ العراق الحديث؛ فأحداث الرواية تدور أيام ثورة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل ضد حكم عبد الكريم قاسم عام 1958م، وذلك من خلال الصراع بين أنصار الاستبداد والإلحاد من جهة وأنصار الحرية والإيمان من جهة ثانية.
في صف الإيمان تبرز الشابة (سلمى) ابنة الضابط المتقاعد عبد الرحمن الداود، كما يبرز أبوها نفسه، وخطيبها عاصم الدباغ صاحب معمل الدباغة، والشيخ هاشم عبد السلام إمام جامع الشيخ عجيل وخطيبه، ثم صديقه حازم صبري. في الصف الثاني تتعرف إلى يونس سعيد عتّالة العضو في الحزب الشيوعي، وإلى حنا جرجيس الذي يعمل في مديرية المعارف، وإلى عبد الله الجزار الزعيم الشيوعي الذي توليه الغوغاء منصب رئيس محكمة.
الشابة (سلمى) بطلة هذه الرواية يخطبها عاصم الدباغ - على الرغم منها - بعد وفاة أمها بأربع سنوات، وهي على وشك الانتقال إلى بيت الزوجية، جريمة هذه الفتاة الطاهرة أنها تصلي الجمعة في المسجد الذي يخطب فيه الإمام هشام عبد السلام، قائد الحملة الشعبية المناهضة لاستبداد عبد الكريم قاسم، ولإلحاد الشيوعيين، حين يقرر عبد الكريم قاسم محاصرة مدينة الموصل وتفجيرها من الداخل والخارج، بإرساله (أنصار السلام) للتظاهر في شوارع المدينة لاستفزازها، وليعقدوا مؤتمرهم في كنيسة (مار كوركيس)...
تواجههم المدينة بعلمائها وشبابها وباللواء العسكري الذي يقوده العقيد عبد الوهاب الشواف الذي يعلن الثورة على أمل أن تنضم قوات العاصمة، وبقية القطاعات العسكرية، ومن باب الاحتياط يتم اعتقال الشيوعيين في الموصل، لكن بعد أيام قليلة تخفق ثورة الشواف وتتعرض الموصل ودفاعاتها العسكرية والمدنية لهجمات الطيران الرسمية؛ فيستشهد الشواف، ويطلق سراح المعتقلين الشيوعيين الذين يتحولون للانتقام المفرط ممن يسمونهم أعداء الجمهورية والزعيم والديمقراطية، بدءًا بأسرة عبد الرحمن الداود وابنته سلمى، ومرورًا بالشيخ هاشم عبد السلام، وانتهاء بكل مواطن شريف.
شخصية المكان
للمكان في هذه الرواية - بدءًا من عنوانها: الإعصار والمئذنة - حضور واضح سواء في تأثيره بالأحداث والشخصيات أو كونه وعاء وانعكاسًا للتصور الإسلامي، أو توظيفه في البنية الفنية للرواية.
خدمة المكان للبنية الفنية تتجلى في صور الطبيعة الموصلية المشرقة – لا سيما موسم الربيع - في عيني عبد الرحمن الداود، من خلال شرفة بيته التي تعود الإطلال منها عصر كل يوم، مما عمّق في نفسه ونفس ابنته وأهل المدينة حب الطبيعة، ومن ثم حب الوطن والتعلق بالبقاء فيها، برغم إمكانية الانتقال المؤقت إلى العاصمة، ريثما تمر العاصفة الأمنية. ومثل ذلك تلون السحاب والشمس بلون الأرجوان أو احمرار الدماء إرهاصًا وموازاة لأحداث العنف الدامية.
وتأثير المكان في الأحداث والشخصيات نلحظه في نسق اصطفافي، كاصطفاف عسكرين متقابلين فمعسكر الاستبداد والإلحاد له مواقعه، مثل: مطبعة جريدة الأنوار، ودير مار كوركيس، والمقهى المحروق والشارع الذي يحلو للشيوعيين أن يطلقوا عليه شارع موسكو، وهنا أيضًا تمكن التنظيم من إحكام قبضته، وسعى جاهدًا، لجعل الشارع بأزقته الملتوية كالأفاعي، ودوره الصغيرة المزدحمة ككتل حجرية لا تعرف النظام، معقلاً للشيوعيين وحدهم (ص 113 - 114).
ومعسكر الحرية والإيمان له مواقعه كذلك، مثل: مثل مسجد الشيخ عجيل والطراز الأصيل في العمارة الموصلية ومئذنة جامع النوري الكبير: «أحس الشيخ هاشم، وهو يحدق بالمنارة العالية باطمئنان عميق، وقال في نفسه: ها هي ذي المنارة المتفردة التي بناها يومًا نور الدين محمود قاهر الغزاة الصليبيين الموحد والمحرر واختار لها مكانًا في قلب المدينة، ومد أسبابها إلى السماء، لكي تبرز واضحة للعيان من أي مكان، يلقي منه المرء بصره. لقد ظلت قائمة عبر القرون المتطاولة بانسيابها الجميل صوب الأعالي، شاهدة على أنه ما من أحد يقدر على تغيير وجه المدينة الأصيل» (ص 53).
على أن أهم مكان في الرواية لعب دورًا مؤثرًا من حيث المساحة والدلالة هو الشارع الموصلي، فقد دار كثير من الأحداث وأهمها في هذا الشارع، وضم تظاهرات المعسكرين. وصح ما قاله المؤلف في السرد معلقًا: «إنه قدر المدينة أن تبعث بشبابها وشيوخها، لكي يجعلوا من شوارع البلد برلمانهم الحقيقي، بعد أن عجز برلمانهم القابع في بغداد عن أن يوصل صوتهم الحقيقي إلى مسامع السلطة» (739).
الطبيعة في التصور الإسلامي صديق لا عدو يتربص به كإحساس عبد الرحمن الداود تجاهها: «لطالما حدثته بألف حديث، ولطالما قالت له كلمات وجملاً مما لا يقوله إنسان أو مذياع.. كانت تحكي بلغتها الخاصة، وهي بحق لغة شفافة لأنها تصوغ معانيها بالروائح والألوان» (164)، ولذلك يخلع عليها المؤلف العواطف والأحاسيس كالتي يحسها البشر أيضًا، يقول في عواطف الجدران الحجرية لبيوت الأزقة الموصلية: «حيث تميل الجدران المغلفة بالمرمر الأزرق الجميل على بعضها، وكأنها تتحدث إلى بعضها.. كان سكان الزقاق يلجؤون إلى إسناد جدرانهم المتداعية بأعمدة غليظة من الخشب خشية أن يهوي بعضها على بعض صبابة وهيامًا» (51)، وهي التي احتضنت الحضارة الإسلامية: «إن الغرباء الذين يزورون هذه الأزقة، ويدخلون دورها، يتذكرون، والحنين يعتصرهم، مدن الإسلام القديمة التي لا تزال تشخص بتكويناتها متحدية الزمن والتاريخ، قرطبة غرناطة دمشق القاهرة القديمة، وبغداد» (51).
لعبة التقابلات
يتجلى ذلك في اعتماد المؤلف على تعانق التناقضات والثنائيات في تواز أو تقابل أو تكامل أو صراع، بدءًا من افتتاح الرواية بالحب والغزل، واختتامًا بالسحل والقتل، وتعليق جثة الشابة الجميلة (سلمى) على عمود الكهرباء، تعليق المشنوقين.. خاتمة مأساوية لبداية بهيجة، كما هي الحال في خاتمة مسرحية عطيل الشكسبير، وأمثالها من الخواتيم الجارحة.
الجدلية (إبراز تماسك المتناقضات ووحدتها)، ليست إنجازًا ماركسيًّا محضًا، بل هي تطوير للجدلية في فلسفة (هيجل) الألمانية، كما أن جدلية هيجل نفسه ليست أكثر من قراءة فلسفية لحقائق ملموسة في الطبيعة والمجتمع والتاريخ: ثنائية الأبيض والأسود، الخير والشر، ثم الصراع بين النقيضين.
إن احتفال المؤلف بهذه الثنائية أو النقيضين في رواية، تضع التصور الإسلامي في مواجهة التصور الماركسي أمرًا ذا بال، نصادفه ابتداء من عنوان الرواية التاريخية، الذي يعكس بُعدًا جغرافيًّا مكانيًّا، هو الإعصار والمئذنة، أو ثنائية بين الإعصار والمئذنة نفسيهما، ثم إدارة الصراع بين مدينتين اثنتين إحداهما العاصمة بغداد، ثانيتهما الموصل، زد على ذلك ثنائيات تتجاوز الأمكنة والشوارع إلى الشخصيات والأفكار على حد سواء.
فالمنزل الموصلي القديم يقابله المنزل/ القصر الحديث الذي يريد عاصم أن ينقل خطيبته سلمى إليه، ومقابل الكنيسة التي يعقد فيها الشيوعيون مؤتمرهم، يبرز جامع الشيخ عجيل الذي يقود المقاومة الشعبية الإسلامية في المدينة.
والكتاب الذي يترجمه حنا جرجيس بعنوان (الغرب والإسلام) - وعنوانه جدلي في ذاته - للمستشرق برنارد لويس، يقابله كتاب يطالعه عبد الرحمن الداود عنوانه (تاريخ الإستراتيجية في العالم)، بل إن الداود نفسه، لا يكتفي بتلاوة القرآن الكريم، بل يقرأ كتاب الله في الطبيعة الجميلة أيضًا.
من التقابلات المعبرة فكريًّا أن التدابير الأمنية لحركة الشواف اقتضت اعتقال الشيوعيين في سجن احتياطي: لا تعذيب ولا تصفيات. أما إخفاق الحركة وانتصار الشيوعيين، فقد تم تدشينه بعمليات انتقام وتصفيات دموية سحلاً وقتلاً وتعليقاً للمرأة على عمود الكهرباء بعد سحلها وقتلها. هذه طريقة فنية، توضح الفرق والمقارنة بين التصور الإسلامي والتصور الماركسي للحياة في التمثلات والوقائع، لا في الشعارات المتناقضة مع الممارسات، ناهيك بذهاب الشيخ هاشم عبد السلام إلى مقابلة صديقه وخصمه الفكري حنا جرجيس في مطبعة الأنوار يقارعه الحجة بالحجة سلميًّا، على حين يهدد يونس سعيد عتّالة زميله عاصم الدباغ، وينفذ تهديداته بقتل عمه عبد الرحمن وعروسه الشابة سلمى.
لم تقف الثنائيات عند حد، ولا عند النوع القائم على الصراع؛ لأن النقيضين -خلافًا للماركسية - قد يتكاملان كالرجل والمرأة، والليل والنهار.

( * ) شاعر وكاتب سوري

الرابط المختصر :