العنوان المجتمع الثقافي- العدد 1810
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2008
مشاهدات 68
نشر في العدد 1810
نشر في الصفحة 38
السبت 12-يوليو-2008
- طفولة وأحلام
الكاتب: فداء الدين السيد عيسى
لست أنسى حينما كانت تأخذني الخواطر بعيدًا بعيدًا فوق الشمس لتترك العنان للفكر يخط بنفسه ما تبطنه القريحة الطفولية التي كانت تتملكني، والتي كانت تشعرني بأنني الوحيد سيد الأحلام الأبدي.
على أجنحة من نور، وسيف من فضة، وأميرة جميلة في مملكة خضراء واسعة الأنهار المتشعبة تترقرق قطرات الندى المتساقطة على حبات التراب الذهبية، وحده صوتي الذي أسمعه أزيز العصافير يعطي لذة أميرية من ذهب أحمر.
كنت أعيشها لحظة بلحظة، تلك الخطفات السريعة التي ملئت بأجمل الأحلام والأنغام، كانت تأخذني ممن حولي أفكار طفولية بريئة تنطفئ كلما كبرت... لم يعلم بها أحد، لم يشاطرني فيها إلا الفرح والوقت الذي كان يسرقها من بين جنبي. كنت أخفيها حتى عن أمي خشية أن تسرق مني مملكتي التي بنيتها بسلاسل أفكاري الوردية، لم أكن أعلم في ذلك الوقت أنها كانت أسطورة ومجرد حلم بناها الواقع المؤلم الذي كان يعيشه طفل عـاصـر فيـه ضياع الطفولة واغتصاب الوطن.
كل ليلة وقبل أن أغمض جفني المتعبين تأخذني قريحتي بجولة بعيدة لعالم سحري كنت انتظر دخوله في كل ليلة... هناك تستقبلني الأزهار بابتسامات تتقافز من على ضفتي النهر وعلى الجسر ينتظرني الناس وهم يهتفون باسمي، وفي كل مرة اخترع فيها قصة انسجها على طريقتي الخاصة لأكون البطل المنقذ وفارس الأحلام.
كانت تتملكني شهوة طفولية عارمة بالفرحة كلما دخلت هذا العالم الذي حكمت فيه بقانوني لا قانون الكبار، كنت الآمر الناهي وصاحب الفخامة المحبوب من الجميع هي لحظات بسيطة ما تكاد تبدأ حتى تنتهي، تشغلني عمن حولي حتى عني لأجدني صرت في سبات عميق أخذني من بين الرعية والخدم والحشم والقصور والأنهار والأشجار، والزرابي المبثوثة في كل مكان أكرهها تلك اللحظة عندما ينطبق الجفنان وتذوب الأفكار، لأستيقظ مع إشراقة صباح جديد، فأراني في واد ومملكتي في واد آخر.
حاولت أن أفك اللغز الحائر في مخيلتي عن العلاقة بين اليوم الذي يتمثل في أربع وعشرين ساعة زمنية وبين الوقت اللا متناهي عندما كنت أحث الخطى لألتقي بالأحباب في الصفحة الأخرى.
لكنني كنت أفضل دائمًا أن أعيش دون الوصول لحقيقة تروي عطش أسئلتي المتكررة التي لم أكن أشاطر بها أي أحد. ومع كل يوم أكبر فيه تشغلني الحياة التي أعيشها عن عالم الأحلام الطفولي؛ لأنه مهما حاولت أن تعيش بدور طفل لاه حالم بريء، فلن تستطيع لأنه من أصعب الأدوار في حوار الحياة المعقد.
وفي كل يوم يولد فيه طفل يولد معه ملك ومملكة يعيش كل لحظة من لحظات وجودها يحكمها يتنفس عبق جمالها، يجعلها ملجأ لخوفه الصغير، وكلما كبر هذا الطفل ومعه أطفال كثر بقي ملكًا في الخيال، وأميرًا منتظرًا وفارس الأحلام الموعود... لكن بدون سيف وفرس...
هكذا هي الحياة تخلق منا ملوكًا بلا مملكة.
- هذه الحياة مبنية على الاختيار
الكاتب: حارثة مجاهد ديرانية
قلة من الناس يعون هذه الحقيقة، حقيقة أن الحياة مبنية على الاختيار، ولعل ذلك لأنهم لا يريدون الاعتراف بحقيقة مرة لا يحبونها. فثمة أمور تمنعنا من أن نفعل أي شيء نريد ولا نستطيع معها إلا أن نختار -من بين قائمة الاحتمالات -شيئًا يسيرًا.
فمثلًا يوجد «أنا» واحد فقط، و«أنا» لا أستطيع أن أسافر هذا الصيف إلى «ماليزيا» وأصيف «أنا» في ذات الوقت - في «الأردن» ولأنني محدود بشخصي الواحد كان علي أن «أختار» بين الذهاب إلى «ماليزيا» أو «الأردن» ولم أكن أستطيع جمعهما معًا.
ومالي محدود، فلو كنت أملك مئة ألف ريال ما استطعت أن أشتري بها شقة لنفسي وسيارة جديدة في نفس الوقت، ولكنني أستطيع أن أختار إما أن أشتري سيارة جديدة، وإما أن أضع المال في دفعة أولى لامتلاك شقة سكنية.
ووقتي وطاقتي البشرية محدودان أيضًا، فلا يمكنني أن أصبح فقيهًا عظيمًا وعالم أحياء بارزًا وأشهر لاعب لكرة السلة في العالم في أن معًا مهما اجتهدت؛ لأن عمري كله لا يكفي لذلك ولو أردت وعملت بجد، ولكن أستطيع أن أختار واحدة منها وأعمل لها.
إن أي اختيار لا بد أن يترتب عليه التضحية باختيار آخر؛ فلو أنني كنت اخترت -في مثالي الأول -الذهاب إلى «ماليزيا» لضحيت بالذهاب إلى الأردن لأجل ذلك، ولو اشتريت السيارة في مثالي الثاني لضحيت بامتلاك الشقة.
وهذا مبدأ يعرفه الاقتصاديون ويفهمونه، فالاقتصادي لا يقيس أثمان الأشياء بالنقود بل بما ضحيت به في سبيل الحصول عليها. إنه يعتبر قولك إنك دفعت ألفي ريال ثمنًا لاشتراك ناديك السنوي تعبيرًا يفتقر إلى الوضوح ويسألك بدلًا عن هذا ما أهم الأشياء التي كنت تهم بشرائها بالألفي ريال لو أنك لم تشترك بناديك؟ ما أهم ما ضحيت به لأجل ناديك؟ فلو قلت له: حاسوب وتلفاز حديث لقال لك: هذا هو الثمن الذي دفعته لقاء اشتراكك بناديك.
لقد اخترت (ولم يكن بوسعك إلا أن تختار)، وحينما اخترت دفعت ثمن اختيارك أنك تركت الخيارات الأخرى. فإذا كان الذي اخترته أفضل من الذي ضحيت به فهذا معناه أن اختيارك كان صوابًا، وإلا كنت مخطئًا.
وبعض الأمور لا يمكن جمعها، ولا بد أن تختار من بينها لتعارضها، وقد أجلت مثالي الأهم لأختتم به مقالي القصير، فهل عرفتم ما هو؟
إنه الاختيار بين لهو الدنيا في الفواحش والمحرمات وبين سعادة الآخرة! ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ﴾ (البلد: 10) فهذان متعارضان لا يمكن جمعهما معًا؛ بل أنت مضطر للاختيار بينهما، فمن كان يجرؤ أن يدعي أن اللهو في الحرام شيء يستحق أن يضحي بالآخرة لأجله فتعسًا له بلذته الزائلة! والكيِّس الفطن هو الذي يوازن بين الاختيارات بما لها وما عليها، ثم يختار ما فيه مصلحته وسعادته الدائمة.
- قلب «نظرية نيتشه» رأسًا على عقب
قراءة أعمال الروائي الفرنسي «شميث».
- من أقواله: الحياة الحقيقية ليست في النسيان المرتبط بحب البقاء بل في وعي الإنسان العميق بضعفه.
- تُرجمت روايته «السيد إبراهيم وزهور القرآن» إلى أكثر من 25 لغة.
عبد الباقي خليفة (*)[2]
إن كان هناك سؤال يستحق أن يطرح فهو ذلك الذي طرحه «أريك إيمانويل شميث» في روايته: «السيد إبراهيم وزهور القرآن» وإن كان هناك جواب على ذلك السؤال فهو ذلك الرد الذي تضمنته الرواية.. كيف تكون سعيدًا؟ أعرف ما يقوله القرآن وأعمل به وهذه نسخة منه لا تفارقني أبدًا.
هذه مقتطفات من رواية السيد إبراهيم وزهور القرآن، وهي إحدى الروائع الأدبية التي ألفها الكاتب الفرنسي «إريك إيمانويل شميث»، وهو باحث في الفلسفة والأدب تحول إلى الإسلام بعد حياة بائسة عبر عنها في روايته، كما عبر عن جميع تفاصيل تطوره ورقيه من حياة متعفنة إلى طهارة الإسلام بكل ما فيها من صفاء. وتعد رواية السيد إبراهيم وزهور القرآن من أكثر أعماله رواجًا، حيث ترجمت إلى أكثر من 25 لغة.
- بين الأدب والدين
تدور كتابات «شميت» في الغالب حول الأديان فيقول: «تتمتع معرفة الإنسان بالأديان بأهمية خاصة في اعتقادي؛ لأن ذلك أهم شيء في وقتنا الراهن، ويؤكد أن التعددية الثقافية والقبول بالآخر ركائز حاسمة للتعايش المشترك داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات والثقافات والأديان المختلفة، فيما يشير إلى أن «عالم اليوم ازداد عدوانية وعنفا».
وعن الأدب يرى «شميت» أن «أهم شيء بالنسبة للأدب هو التركيز على الناحية الإنسانية، فالقيمة الإنسانية هي الأهم في النهاية».
ويكتب شميث كتبه ومختلف أعماله الروائية بأسلوب بسيط ومجرد للغاية، وهو لا يرى في ذلك عيبا بل عمقًا، إذ يقول: «تقتضي البساطة وقتًا طويلًا وتحليلًا شديدا للتوفيق بين الجوهري والعرضي، لقد قضيت حياتي، بحثا عن ذلك لأني أعتقد بأن التعبير البسيط هو احترام للآخر في النهاية»، وأضاف: صحيح أني أعالج مواقف مأساوية دائمًا، مثل: «الطفل أوسكار على فراش الموت، وهو صبي محطم. لكن لا يستسلم أي بطل من أبطالي للهزيمة أو الموت بسبب الأوضاع التي يعيشها فهم يلجؤون للنهوض دائمًا، وإلى معايشة الواقع حتى النهاية، وهذه هي السعادة، فليست السعادة نفيًا للألم، أو تغييبًا له، أو الانغلاق بين جدران حقيقة ذاتية، السعادة هي القبول بكل أنواع الحياة».
- الشك واليقين
اهتم شميت بالكثير من المسائل الفلسفية كالشك واليقين فهو يقول: «يصعب على الناس إيصال المثل العليا إلى غيرهم والإجابة عن تساؤلاتهم. وعندما يلح علينا الأطفال بأسئلتهم نفضل الصمت لأننا لا نملك الجواب أحيانًا، أو لأن الشكوك تحيط بإجاباتنا هذه فتلجأ إلى السكوت».. ليس هذا الأمر سلبيا بحد ذاته كما يقول، ولكن «علينا التمتع بالقوة اللازمة للرد وللتعبير عن الشكوك المحيطة بأجوبتنا، لذا يلتقي أطفال جميع رواياتي بأشخاص من أجيال اخرى اجتازوا من درب العمر مراحل كافية لمنحهم الإيمان اللازم لأجوبتهم. فقد قضوا أعمارهم كلها للتحقق من صحتها» فالمتقدمون في السن يتمتعون بالشجاعة الكافية للكلام، وهم يستطيعون أن يصرخوا عاليا: «هذه هي إجابتي.. يمكنك الأخذ بها أو لا، ولكنها تبقى إجابتي في كافة الأحوال أمرًا يتطلب شجاعة لا تملكها أجيال الأعمار المتوسطة لأنها تعيش في خضم عصر يملؤه الشك».
- الموت والحياة
ويقول البعض إن شميت قلب نظرية نيتشه حول الموت رأسا على عقب، فالأخير كان يكره الحديث عن الموت، ويعير به من يذكره باستمرار تفوح من ألسنتهم وكتاباتهم رائحة الأموات. لكن نيتشه فشل في معرفة كيف يموت وزاد من فشله مقولته الشهيرة الرجل العظيم هو الذي يعرف كيف يموت وقد مات مجنونا. ولا يعرف إن كان صاحب فلسفة العبث، اختار نهايته تلك أم هي التي اختارته!! لكن شميث ابن القرن الحادي والعشرين ينظر للموت بمنظار مختلف فالموت بالنسبة له جزء من فلسفة الحياة. كما في «رواية أوسكار على فراش الموت»..
- لا أحد يقول لي بأنني سأموت يا جدتي.
- لماذا عليهم أن يخبروك عن أمر تعرفه يا أوسكار.
- يا للتعاسة يا جدتي يريدون أن يوهمونني بأنهم اخترعوا مستشفى مختلفًا عن غيره، ويريدون أن يقنعوني بأن الإنسان يذهب للمستشفى ليشفي من أمراضه فقط لكنه يأتي ليموت فيه أيضًا.
يقول شميث عن ذلك: «ولدت عام ١٩٦٠م. أي كنت في العشرين من عمري خلال الثمانينيات، وعندما أتطلع اليوم في صوري الجامعية أفتقد شبابًا وشابات كثيرين من أصدقائي ماتوا بسبب الإيدز وطالما أتيت المستشفيات وأنا في الثلاثينيات من عمري لأرافق من لم تعد تفصله عن الموت إلا خطوات. وهذا ما يجعلني أعتقد بأني كسبت سنوات من الخبرة، واستطعت التفكير كالبالغين سريعًا، ولكن ذلك لم يجعلني كثيبًا بل زاد من عشقي للحياة، وهكذا شعرت بأن كل يوم جديد أحيا فيه هو عطية إضافية أحصل عليها من الله الرحمن الرحيم، وهذا ما أردت الكتابة عنه».
ما معنى الموت إذن؟
سؤال يدور حوله تفكير الناس دائمًا.
لكن من المهم أن يكون لهذا السؤال جواب وليس من الصواب التوقف عند نظرية الموت والقول بأن الموت هو العدم. فالكاتب يرى أن الموت يتماثل مع سر الحياة كلما شعر الإنسان بأنه فان كلما عاش بشكل أفضل، فليست الحياة الحقيقية في النسيان المرتبط بحب البقاء بل في وعي الإنسان العميق بضعفه. ويعتقد بأن فكرة الموت مفيدة ليس على الصعيد الفردي فقط بل في مجال العلاقات الإنسانية المتبادلة فعندما أتطلع إلى إنسان وكلي ثقة بأنه سيموت يوما ما تتحرك عواطفي ويزول غضبي، فهذه الفكرة تمتص كل عدوانية؛ لأني أدرك تمامًا ما يجعلني بالآخر فكلانا نشترك في هذا الضعف والفناء وهذا ما يجعل كل واحد منا إنسانًا بمعنى الكلمة وفي القرآن: ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ﴾ (الأنبياء:35).
ولعل هذه الرؤية للحياة هي ما دفعته لوصف الروحانية الإسلامية في مصر وبعض الدول العربية والإسلامية بطريقة فلسفية تختلف عن النظرة المجردة أو السطحية للأشخاص الاعتياديين لأن أصحاب الروحانية في نظره: مهتمون بأعمال القلوب حب الله يملأ جوانحهم: لقد فقدوا ذلك الثقل الذي ران على النفوس.
قراءات متعددة
يرى شميت أن الكتب غير كافية لتحصيل المعرفة لقد كونت الكتب حياتي وشكلتها ولكني لا أثق بها تمامًا فعندما نعالج علاقة القراء بالكتب مثلًا ندرك أن الأمر قد يكون رائعًا أو رهيبًا أيضًا، مما يعني أن قيمة الكتب ليست مجردة وقائمة بذاتها، بل بأسلوب قراءتها والمعنى المسبغ عليها، فقد يكون الكتاب نفسه بذرة تثمر حبا، أو وسيلة الزرع الكره والحقد.
في إحدى مشاهد روايته السيد إبراهيم وزهور القرآن، نجد هذا المقطع:
- لم أعد أراك في الصباح أين صاحبك؟
- يعمل كثيرًا، ويخرج لعمله الجديد باكرًا.
- ألم يغضب لأنك تقرأ القرآن؟
- أقرأ خفية وإن كنت لا أفهم كثيرًا.
- لا تأتي المعرفة من قراءة الكتب، بل بالاستماع للعلماء.
فقراءة الكتب من وجهة نظر شميت قد تحمل قراءة مغرضة، فالقرآن الكريم على سبيل المثال: «هناك من يستغله لارتكاب أعمال غير مبررة، وهناك من يتخذه دستورا لممارسة حياته اليومية الخاصة، وعلاقاته مع الناس والطبيعة والعالم بشكل رائع مليء بالحكمة والعمق».. ويؤكد هذا المعنى أيضا بقوله: «لي دعوة للجميع وهي ألا يثقوا بتفسير حرفي للكتب ويدركوا أن الكتاب يمنحنا حرية تفسيره باتجاه أو آخر؛ لذلك دعوت إبراهيم بـ «السيد إبراهيم وزهور القرآن» لأنه لم يتوقف طيلة حياته عن ترديد جملة واحدة، أعرف ما يقوله قرآني، وعندما مات إبراهيم أخذ «مونو»، قرآنه وفتحه فماذا وجد.. وجد زهورًا بين صفحاته وقال: «القرآن كتاب مقدس مرتبط بمشاعر من يقرؤه، وبالمشاعر التي يبثها القرآن في قلبه... المهم طريقة القراءة والنشوء على الجمال الذي فيه».
(*) كاتب عربي مقيم في منطقة البلقان.