العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1814)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1814
نشر في الصفحة 48
السبت 09-أغسطس-2008
تأثير القرآن الكريم في مجال اللغة والحضارة ( ۲ من ۱۰)
بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
يصف الأديب الإسلامي مصطفى صادق الرافعي. يرحمه الله تأثير القرآن في اللغة العربية، ويشبهه بالنور الذي يأتي جملة واحدة، دون شوائب أو أكدار ويحقق من خلالها الإعجاز والعجب الذي لا ينقضي على مر التاريخ ولنتركه يعبر بلفظه.
الجمال والجلال
يقول الرافعي نزل القرآن الكريم بهذه اللغة على نمط يُعجز قليله وكثيره معًا، فكان أشبه شيء بالنور في جملة نسقه؛ إذ النور جملة واحدة ، وإنما يتجزأ باعتبار لا يخرجه عن طبيعته، وهو في كل جزء من أجزائه، وفي أجزائه جملة لا يعارض بشيء إلا إذا خلقت سماء غير السماء، وبدلت الأرض غير الأرض، وإنما كان ذلك لأنه صفى اللغة من أكدارها، وأجراها في ظاهرها على بواطن أسرارها.
فجاء بها في ماء الجمال أملأ من السحاب، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب، ثم هو بما تناول بها من المعاني الدقيقة التي أبرزها في جلال الإعجاز وصورها بالحقيقة وأنطقها بالمجاز، وما ركبها من المطاوعة في تقلب الأساليب وتحول التراكيب إلى التراكيب وقد أظهرها مظهرًا لا يُقضي العجب منه لأنه جلاها على التاريخ كله لا على جيل العرب بخاصته. ( ۱)
ويلاحظ أن الرافعي في لغته الأدبية التي وصفها سعد زغلول، وهو يقدم كتابه وحي القلم ثلاثة أجزاء. وينطبق تقديمه على معظم ما كتبه الرافعي بأنه تنزيل من التنزيل وقبس من الذكر الحكيم كان دقيقًا في تصويره لأثر القرآن الكريم في طبيعة اللغة العربية. ففضلًا عن تصفيتها فقد جمعت الجمال إلى الجلال، وكانت معانيه الدقيقة طريقا إلى إبراز جلال الإعجاز في لغته، وهو ما انعكس على العربية حين جمعت بين الحقيقة والمجاز وصارت أساليبها المتنوعة مطاوعة لكل المعاني، على مدى التاريخ كله، وليس الجيل الذي استقبل القرآن الكريم في مطلع الدعوة.
ويشير الرافعي إلى أن العرب بهتوا حين جاءهم القرآن المعجز، فأحسوا أنهم في حيرة أيسمعون بلغة القرآن صوت حاضرهم أم صوت مستقبلهم أم صوت الخلود؟ لأنها هي لغتهم التي يعرفونها ولكن في جزالة لم يمضغ لها شيح، ولا في قيصوم من نباتات البادية ورقة غير ما انتهى إليهم من أمر الحاضرة، وهذا معنى ليس أظهر منه في إعجاز القرآن فإن اللغة لاتشب عن أطوار أهلها متى كانت من غرائزهم وإنما تكون على مقدارهم ضعفًا وقوة؛ لأنها صورتهم المتكلمة وهم صورتها المفكرة ، فهي ألفاظ معانيهم، وهم الحقيقة معاني الفاظها، ولذلك لاتزيد عليهم، ولا ينقصون عنها، مادام رسمهم لم يتغير، وما دامت عاداتهم لم تنتقل (٢).
ولعلنا نستشف من خلال أسلوب الرافعي التوليدي ذلك التقابل الذي جمعته اللغة العربية بفضل القرآن الكريم بين الجزالة والرقة، وهو تقابل معجز بكل المقابيس لمن عاشوا في البادية والحاضرة، مع أن لغتهم هي هي ألفاظًا ومعان لدرجة أن تكون ألفاظ معانيهم، وأن يكونوا معاني ألفاظهم.
لغة قريش
لقد كان طبيعيًا أن يكون القرآن الكريم بلغة قريش، فرسول الله صلى الله عليه وسلم قرشي، وكما تميزت قريش بجوار البيت الحرام وسقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، وغيرها من ميزات أقرها العرب واختصوها بها، فلابد أن يضاف إلى هذه الميزات أو الخصائص نزول القرآن بلغة قريش لتكون هذه اللغة زعيمة اللغات كلها.
ويرى الرافعي، لو أن القرآن الكريم نزل بغير لغة قريش، التي ألفها النبي صلى الله عليه وسلم لكان ذلك مغمزًا، أو عيبًا فيه حيث لا تستقيم المقابلة بين القرآن وأساليبه من ناحية وبين ما يأثرونه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيهون ذلك على قريش، ثم على العرب وعندئذ يجدون لكل قبيلة من القبائل مذهبًا من القول فيه، وحينئذ تنشق الكلمة ثم يتحول الأمر إلى عصبية وشحناء وبغضاء وتفرق وأبسط النتائج لذلك، لو أن شاعرًا من شعرائهم ظهر فيهم بدين خيالي، وأقامهم عليه، لكان من الرجاء والاحتمال أن يستجيبوا له دون صاحب القرآن الذي ينزل عليه بلغة قبيلته ( ۳).
وكي ندرك تأثير نزول القرآن بلغة قريش، وتوحيده للهجاتهم، فإننا نشير إلى أن اللهجات والألفاظ الأخرى التي نزل بها القرآن قد صبت في نهاية الأمر لصالح لغة قريش، إلى درجة أن ائتلفت لغة القرآن الكريم على وجه يستطيع العرب أن يقرؤوه بلحونهم أو لهجاتهم، وإن اختلفت وتناقضت. كما يقول الرافعي- ثم بقيت لغة القرآن مع ذلك على فصاحته وخلوصه.
لقد نزل القرآن بلغات غير لغة قريش منها: لغة بني سعد بن بكر الذين كان النبي مسترضعًا فيهم، وتلك هي أفصح لغات العرب جملة، ثم « خزاعة» ، و «هذيل»، و « كنانة وأسد»، وضبة، وكانوا على قرب من: يكثرون التردد عليها ومن بعدهم « قيس» وألفافها في وسط الجزيرة مكة
وأشار بعض العلماء إلى أن هناك ألفاظًا القرآن من لغات أخرى، كقوله تعالى: ﴿ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ ﴾ (الحجرات: ١٤)
أي: لا ينقصكم بلغة عبس .
ونقل الواسطي في كتابه الذي وضعه في القراءات العشر، أن في القرآن أكثر من أربعين لغة عربية وهي قريش وهذيل وكنانة وخثعم والخزرج، وأشعر، ونمير، وقيس عيلان وجرهم، واليمن وأزد شنوءة، وتميم وكنده، وحمير ومدين، ولخم وسعد العشيرة وحضرموت وسدوس والعمالقة وأنمار وغسان ومذحج وخزاعة وغطفان وسبا وعمان وبنو حنيفة، وثعلب وطي، وعامر ابن صعصعة وأوس ومزينة وثقيف وجذام وبلى وعذرة، وهوازن والنمر واليمامة أ.هـ. ويشير الرافعي إلى أنه لا سبيل إلى تحقيق ذلك.( ٤)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل