; المجتمع الثقافي (1888) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1888)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 06-فبراير-2010

مشاهدات 66

نشر في العدد 1888

نشر في الصفحة 46

السبت 06-فبراير-2010

 شِعر نجيب الكيلاني بين مقتضيات الرسالة وآفاق التطور الحلقة (٤)

  • ديوان «أغاني الغرباء» تصوير صادق لمحنة الشاعر السجين ونموذج متكامل لأدب السجون المعبر عن المعاناة بشكل مباشر.
  • رؤية نجيب الكيلاني الشعرية اتسع نطاقها لترى الوطن كله سجنًا كبيرًا للشعب المغلوب على أمره. 
  • دراسة الكيلاني لفكر الإخوان المسلمين بتوسع أثمر خصوصيات شعرية في ديوانه التزمت بالطوابع العقدية والروحية والأخلاقية.

د. جابر قميحة

مرحلة الترشد وثبوت الذات

  • أغاني الغرباء أو السجنيات الشعرية (1): 

في بحثه الممتع الذي قدمه لمؤتمر الأدب الإسلامي في خدمة الدعوة، يستعرض د. جابر قميحة ملامح الإلتزام في شعر الأديب الكبير نجيب الكيلاني -يرحمه الله- مستشهدًا بالعديد من المقطوعات الشعرية التي تبرز هذا الجانب من حياته الشعرية، ثم يتابع مسيرة الشاعر الفنية ليضع أيدينا على المراحل التي تطور شعره من خلالها وما وصل إليه من نضج وتألق. 

وفي الصفحات التالية نعرض لأهم ما جاء في بحث د. قميحة ليكون في متناول الجميع من مرتادي الساحة الأدبية ومتذوقي الشِعر الأصيل.

بعد ديوان «أغاني الغرباء» البداية الحقيقية لشاعرية نجيب الكيلاني، وهو الديوان الذي ضم بين دفتيه القصائد التي نظمها في السجن، وتصور معاناة الشاعر السجين وجنايات الظلم والظالمين على صفوة أبناء الأمة، وتتسع دائرة هذا اللون من الأدب لما هو أكثر وأبعد مدى من ذلك، كما سنرى.

وأغلب قصائد هذا الديوان نظمها الشاعر في الفترة من أواخر سنة ١٩٥٥ إلى سنة ١٩٥٧م، وهو رهن السجن أو السجون، فقد قبض عليه وسيق إلى السجن في السابع من أغسطس سنة ١٩٥٥م (2). وهذا يعني أن بين قصائد ديوان «نحو العلاء»، وديوانه هذا خمس سنوات على الأقل، وهذه السنوات الخمس لم تخل من إبداعات شعرية، ولكنها -كما يقول نجيب- ضاعت في خضم الأحداث (3).

ويؤكد هذا انعدام التدرجية الفنية (من ١٩٥٠ - ١٩٥٧م): إذ إن الديوان الجديد يمثل قفزة تشعر القارئ ببعد المدى الفكري والفني والأسلوبي بين الديوانين. وبعض قصائد هذا الديوان أستطاع نجيب أن يسربه إلى مجلات أدبية، وخصوصًا مجلة الأدب التي كان يصدرها أمين الخولي (4).

وقد أبان الكيلاني عن شدة حرصه على نشر هذا الديوان كاملًا، لأن القصائد التي ضمها إنما هي -كما يقول- قطعة من تاريخ، وتعبير عن حالة، وصورة صادقة لجو، وقد عاش هذه الأشعار بكل ما فيها من بأس وأمل، وفرح وترح، وصعود وهبوط، ونور وظلمات، وقوة وضعف، عاشها بما تترنم به من نفثات الغربة القاسية، وأهوالها العنيفة، وبما يضع فيها من تساؤلات حائرة، وأمنيات قاصرة، وأحلام عاجزة متعثرة (5).

وهذا الديوان الذي نظمه الشاعر في السجن جاء تصويرًا صادقًا لمحنة الشاعر في سجنه، وهو بذلك يعد نموذجًا متكاملًا لأدب السجون، وهو الأدب الذي يصور فيه السجين -بطريقة مباشرة صريحة، أو طريقة رمزية غير مباشرة- المعاناة التي عاشها -أو يعيشها- في السجن، وأبعاد العلائق بين المسجونين وحكام السجن والمهيمنين عليه.

ويدخل في نطاق هذا الأدب كذلك تصوير الأديب السجين لبعض النماذج والأنماط البشرية التي يرصدها السجين، ويصورها بقلمه، وخصوصًا الشخصيات السيكيوباتية الغربية الأطوار (6). 

ويلجأ السجين الأديب كذلك إلى الربط بين حياة السجن، وما في المجتمع من اختلالات سياسية واجتماعية، وغالبًا ما يلجأ إلى الرمز والإسقاط المتواري (7).

ومن ناحية الاستشراف النفسي المستقبلي تتراوح نظرة الأديب السجين بين أمل مشرق يتدفق بالتفاؤل، ويأس مطبق يصبغ كلماته بلون قاتم حاد.

وكثير من هذه الإبداعات تنزع نزعة روحية عقدية في تبرير محنة السجن ومعاناته، والنظر إلى هذه التجربة على أنها ابتلاء وتربية نفسية وروحية بعيدة المدى (8).

وباستقراء أدب الكيلاني شِعره ونثره، نجد أنه قد وسع من قاعدة أدب السجون وآماده من ناحية الأجناس الأدبية أو الأشكال الفنية، وكذلك من ناحية المضامين والمفاهيم، فترى سجنياته تظهر في دراسة ميدانية كاملة باسم «المجتمع المريض» وفي عدد كبير من القصص القصيرة منها على سبيل التمثيل قصة «البحث عن منى» (9)، وقصة «القافلة» (10)، ونرى هذا اللون من الأدب كذلك في عدد من الروايات، منها «رحلة إلى الله»، ورواية «ليل وقضبان» التي صدرت في طبعتها الأولى باسم «ليل العبيد» (11). 

فإذا ما حصرنا نظرتنا في الإبداع الشعري وخصوصًا أغاني الغرباء، وجدنا أن الأصل الموضوعي لهذا الشعر هو ارتباطه الوثيق بالسجن مكانًا يفقد الإنسان فيه حريته، ويحرم فيه المعاملة الإنسانية وكثيرًا من ضرورات الحياة، مما يعمق الألم والأسى في نفس الشاعر، ويسم تجربته الشعورية بالتوهج والصدق.

وتتسع رؤية الشاعر، وتزداد تجربته، توهجًا وشمولًا، فيرى أن السجن أكبر وأبعد من أن يكون محصورًا بين حيطان وأسوار، بل يرى في الوطن كله سجنًا كبيرًا، مساجينه وأسراه هم ملايين الشعب المقهور المطحون، ويكون الشاعر في هذه الحال نهب شعور حاد بالغربة الروحية.

وقد يتحول السجن والقضبان والسجان إلى مجرد رموز للظلم والطغيان والقهر والعدوان أيًا كانت صورتها. 

  • بين ديوانين و مرحلتين

كان ديوان «نحو العلا» هو الديوان الأول للشاعر، ثم كان ديوانه الثاني «أغاني الغرباء».

والناظر في الديوانين يقطع بأنهما يمثلان مرحلتين متفاوتتين في المستوى من الناحيتين الموضوعية والفنية، قد يشترك الديوانان في صدق العاطفة وسلامة اللغة، وطول النفس الشعري أحيانًا، واقتباس بعض الألفاظ والصور والقوالب التراثية. 

ولكن بينهما فروقًا بيّنة لا يخطئها النظر:

1- فالموضوعات التي عالجها نجيب في ديوانه الأول لا تكاد تخرج عن:

أ-  مدح شخصيات تاريخية ومعاصرة، من أمثال: خالد بن الوليد، ومحمد علي باشا، وسعد زغلول، ووزير المعارف.

ب- مناسبات تاريخية كالمولد النبوي.

جـــ- رثاء بعض الشخصيات، كالشاعر علي محمود طه. 

د- السياسة الوطنية والدينية، كما نرى في قصيدة «النور بين أيادينا». 

 ولكننا نرى في «أغاني الغرباء» توسيعًا لقاعدة الموضوعات وتنويعًا موضوعيًا أكثر وأبعد مدى، فلم يتجه الشاعر بقصائده إلى الشخصيات مدحًا، ورثاء، إنما اتجه بشعره إلى «أخلاقيات وقيم»، فإذا كان رثاء أو بكاء فليس على فلان من الزعماء أو العظماء، ولكن على قيمة منتهكة، وشعب مطحون مغتال.

2- ومن ناحية المضامين الفكرية، نجد تطورًا هائلًا في ديوان «أغاني الغرباء»، وهذا لا غرابة فيه بعد أن أتسعت ثقافة الشاعر، وتعمق حقائق الدين ودرس بتوسع فكر الإخوان المسلمين وتأثر بطوابعهم ومنهجهم التربوي، فأصبحت «خصوصياته الشعرية» محكومة بالالتزامات والطوابع العقدية والروحية والأخلاقية بعيدًا عن الحسيات والمتع الدنيا.

3- وفي الديوان الأول «نحو العلا»، نرى الغلبة للقصائد الغنائية التي يطول نفس الشاعر في بعضها، وهي تسير في خط أفقي في معالجة الأفكار وعرضها، بينما نجد النزعة القصصية واضحة في «أغاني الغرباء». 

وقد يرجع ذلك إلى أن «نجيب» بدأ شاعرًا هواه مع الشِعر والشِعر، وخصوصًا أنه وجد التشجيع والتقدير من أساتذته وإخوانه لشاعريته، فهو في المرحلة الثانوية كان «الشاعر النجم» في الحفلات قبل أن يجد في القصة مجالًا أرحب لما يريد أن يقوله (12).

وقادته نزعته القصصية إلى نظم قصص شعرية، أو قصائد قصصية  كما تسربت بعض العناصر القصصية إلى قصائده الغنائية، وكل أولئك تجده في «أغاني الغرباء». 

وفي هذه المرحلة.. مرحلة «السجنيات»، أو «أغاني الغرباء» تلك التي تزيد على العامين، وهي المرحلة التي تمثل البداية الجادة لنجيب الشاعر، والبداية الجادة لنجيب القصاص.. في هذه المرحلة نرى توازيًا وتوازنًا عند الكيلاني في إبداعه القصصي الشعري، وإبداعه القصصي النثري، فمن رواياته التي كتبها في هذه الفترة رواية «الطريق الطويل»، ورواية «ليل وقضبان» التي صدرت في طبعتها الأولى باسم «ليل العبيد» (13).

4- وقد رأينا أن الكيلاني في ديوانه «نحو العلا» لم يخرج على النظام الخليلي في نظمه، وكان أكثر ما نظم على بحري «الكامل» و«البسيط»، ثم «الخفيف»، كما أنه لم ينوع في القافية ولو على نظام المقطوعات في القصيدة الواحدة. 

أما في ديوانه «أغاني الغرباء»، فنلاحظ في صنعته العروضية ما يأتي:

أ- أنه تحرر من سلطان بحر «الكامل»، فلم ينظم عليه إلا قصيدة واحدة مقابل تسع قصائد على «الكامل» في «نحو العلا».

ب- أنه وسع في «أغاني الغرباء» من دائرته العروضية، فنظم على بحور لم ينظم عليها في ديوانه الأول، ما يعني أنه أثر البحور الأكثر موسيقية من غيرها، فتفعيلاتها ذات جرس موسيقي آسر، وأغلبها من البحور الصافية.

 وقد يخرج الشاعر على وحدة القافية في كل مقطوعة ببيت تُذيّل به كل مقطوعة مختلف الصياغة والروي، مع التزامه بالتصريع بين شطريه، كما نرى في قصيدته «الحياة وامرأة» (14) -وهي على مجزوء «الكامل»- فقافية المقطوعة الأولى نونية، وتنتهي بالبيت التالي:

وأتيتِ أنت كأمنية

رفّت كأقدس الغنية

وقافية المقطوعة الثانية لامية، ويذيلها البيت التالي: 

والحب يغفر يا فتاهْ 

الحبّ من نورِ الإله

ويعلل أحد الباحثين خروج الكيلاني على هذا المعهود الشكلي للقصيدة باحتمال تأثره بالمدرسة المهجرية.

ونرى أن الباحث قد جانبه التوفيق فيما ذهب إليه، فنجيب لم يعترف بأي أثر لمدرسة المهجر في اتجاهه الشعري، وطوابعه الفنية، ولو من ناحية الشكل.

كانت هذه أهم مظاهر التجديد في شكل القصيدة عند الكيلاني في ديوان «أغاني الغرباء»، ولم ينظم الشاعر في هذه المرحلة قصيدة - أو جزءًا من قصيدة على نظام الشِعر الحُر: شعر التفعيلة. وقد يرجع ذلك إلى أن الدعوة إلى الشِعر الحُر لم تكن قد تبلورت وترسخت في ذلك الوقت، وكانت المنازعات حولها آنذاك على أشدها، كما كان شعراء التيار الإسلامي عازفين عن هذا النوع من الشعر الذي كان أغلب من رفع لواءه من اليساريين مما ألقى شبهة غير حميدة على هذه الدعوة.

ويصرخ نجيب بأن استساغته للشعر المحرر من الوزن استساغة محدودة، لأنه يعتبره نوعًا من النثر الفني، والشعر بالنسبة له يعتمد أساسًا على الموسيقا حتى وإن لم يلتزم بالقافية، فلا بد من التفعيلة أو الوحدة الموسيقية، والشِعر الخالي من .الوزن أو «الشعر الحديث» كما يقول نجيب - يعتبر لونًا أدبيًا، ولكنه لا يعتبر شِعرًا (15). 

المراجع

(1) نقصد بالسجنيات -كما ذكرنا في المتن- القصائد التي نظمها نجيب الكيلاني وهو في السجن، أو في أمر أو حدث أو شخصية لها بالسجن ارتباط ما، وذلك قياسًا على ما عرف في تاريخ الأدب العربي من أندلسيات شوقي، وسرنديبيات البارودي، وروميات أبي فراس، «أنظر: جابر قميحة: السجنيات في أدب الكيلاني، دراسة في مجلة «المنتدى»، دبي، يوليو ١٩٩٦م»

(2) لمحات من حياتي 2/223.

 (3) من مقدمة ديوان «أغاني الغرباء»، 7. 

(٤) فقصيدته المنشورة ص ۱۱ بديوان «أغاني الغرباء»، وعنوانها «في الوادي الرهيب»، نشرها نجيب الكيلاني في إحدى المجلات الأدبية بعنوان «سجين الجزائر».

(5) من مقدمة ديوان «أغاني الغرباء»، مرجع سابق، 8. 

(6) كالشخصيات التي صورها عباس العقاد في كتابه «عالم السدود والقيود»، من ٣٠ - ٠٥٥ 

(۷) أنظر كتاب «الأسر والسجن في شعر العرب»، للدكتور أحمد البرزة، وخصوصًا الفصل الرابع، 450 - 675.

(۸) جابر قميحة: الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف ٢٠٠.

(9) نُشرت في مجموعة: «عند الرحيل» ۲۱۹ -۲۳۰. 

(۱۰) نُشرت في المجموعة السابقة، ٢٦٠ - ۲۸۱، وأنظر اللمحات 3/43.

(11) اللمحات 3/30.

(12) الكيلاني، رحلتي مع الأدب الإسلامي، ١٠.

(13) لمحات من حياتي، مرجع سابق، (2/121، 3/30).

(١٤) «أغاني الغرباء»، مرجع سابق، 84.

(١٥) من حواره مع زوجته «مخطوط»، وهو حوار مسجل على مدى العامين الأخيرين من حياته.

========

  • قناة «الحياة» التنصيرية تعود للبث على «نايل سات»

رصد «المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير» عودة قناة «الحياة» التنصيرية للبث على القمر الصناعي المصري «نايل سات»، بعد أن كان قد تم حجبها في السابق عدة مرات.

وقال المرصد: إن هذه «هي المرة الخامسة التي تبت فيها القناة عبر القمر المصري  بعد حجبها عدة مرات بسبب أسلوبها غير الأخلاقي والمستفز للمسلمين، والتي يقدم فيها القمص زكريا بطرس برامجه الكاذبة والمتطاولة على الإسلام»..

ووجه المرصد انتقادات قوية لقيادات وزارة الإعلام لسماحها بإعادة بث قناة «الحياة» التنصيرية.

وقال المرصد في بيان له أخيرًا: «على المواطنين التقدم ببلاغات ودعاوى قضائية ضد أنس الفقي وزير الإعلام المصري، وشركة «النايل سات» للمطالبة بمنع بث القناة على القمر المصري». 

ووصف البيان قناة «الحياة» التنصيرية بأنها متخصصة في سَب الإسلام والتطاول على الرسول ﷺ. 

وأضاف البيان: «هذه القناة معروفة باستضافتها الدائمة للقمص زكريا بطرس الذي يتطاول على الإسلام». 

وأشار «المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير» على موقعه على شبكة الإنترنت إلى أن قناة «الحياة» تتسبب للمواطنين في إيذاء نفسي ومعنوي، بالمخالفة للدستور المصري الذي يجرّم الإساءة للأديان.

 

  • كتّاب وشعراء بالبطاقة

ما من شك أن ظاهرة الكتّاب الكبار التي عرفتها المجتمعات العربية في أربعينيات القرن الماضي قد زالت لأسباب كثيرة، منها تدخل المؤسسة السياسية والحزبية على الخط، فنحن أمام ظاهرة جديدة تتمثل في كون الكثير من الشعراء والكتّاب العرب يدينون بتألقهم وشهرتهم المزعومة إلى المؤسسة السياسية، فهي التي أطلقتهم ذات مرة وزرعتهم وشملتهم برعايتها، بل وأغدقت عليهم من الأموال 

والعطايا، ووفرت لهم المنابر الإعلامية التي قدمتهم كأصحاب شأن إلى جمهور القراء العريض، لكن دوام الحال من المحال فالمسألة تنتهي بانتهاء المصلحة. 

وأحيانًا تكون العلاقة دائمة وعقدًا مبرمًا بين الطرفين لا يعترف بالمؤقت ولا مجال فيه للطلاق.. إلا في القليل النادر من الوقت، وإذا أستثنينا بعض الكتاب المحترمين بالعربية، فإن كلمة «كاتب» تُجمع على «كتبة»، لا على «کتّاب»؛ لأنهم لا يزيدون على كونهم شارحين لمتون غيرهم وما يملى عليهم من إملاءات، وهم من عرفناهم لم يكونوا في أحسن حالاتهم إلا أدوات تنفيذ ورضوخ وإذعان لا أدوات خلق وإبداع وابتكار. 

عودة إلى الحديث عن المؤسسة السياسية أو الحزبية، فهي تتفاني بكل ما تمتلك من أدوات ووسائل محلية ودولية مثل ارتباطاتها باللوبيات الخارجية في تلميع كتّابها وشعرائها، واستطاعت أن تحقق في ذلك نجاحًا كبيرًا فاق المتوقع، فهناك من الكتّاب المشاهير من وصل إلى الشهرة والعالمية، كما يسمونها باعتماده على لوبي سياسي وثقافي عالمي نشر شِعره أو رواياته أو كتبه وروج لها إلى أن بلغت كل قارة، ودخلت كل بيت من بيوت العالمين وأوصلتهم إلى مراتب عليا ما كانوا ليحلموا بها في يوم من الأيام.

نحن لا نلوم هذه المؤسسة السياسية فما تقوم به شيء طبيعي إذا كان مبنيًا على قواعد سليمة، فهي إن لم تروج الشعراء وكتّاب تابعين لها ولترسانتها الدعائية فلمن تروج يا ترى؟ هل تروج للمؤسسة السياسية أو الحزبية المنافسة لها؟.. كلا، ولكن المشكلة أن المؤسسة الحزبية أو السياسية عندنا لا تمتلك أفكارًا، وليست لها قوة اقتراح ولا تنطلق من نظريات لا في السياسة ولا في الأدب أو الشعر أو الفن والحياة.. فإذا أضفنا لذلك التعسف الذي تمارسه ويتمثل في تكبير حجم من لا حجم له ولا قيمة لإنتاجه، عرفنا لماذا وصل الكثير من النكرات إلى العالمية، كزعمهم: إن هذا الشاعر ترجم إلى الكثير من اللغات العالمية.. والمسألة تعود إلى اللوبي.

المؤسسة السياسية من حقها أن تقدم خدمات لكتابها مقابل خدمات يؤدونها هم بدورهم لها، غير أنه لن يكون هذا الدور مجديًا وفاعلًا ما لم يكن هؤلاء الكتّاب والشعراء أصحاب ثقافة وهمة شامخة شموخ الجبال.. هذا ما حصل مع الكتّاب والأدباء والشعراء الكبار في أربعينيات القرن الماضي.. والواقع أنهم استفادوا من خدمات إعلامية أدتها لهم الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها، وهي أحزاب ذات قيمة كبيرة وساهمت مساهمة فعالة تذكر فتشكر في التحرر الوطني والتبشير بالثورة ضد الاستعمار ،كما أنهم كانوا كبارًا وشرفاء ولهم مكانتهم وقيمتهم الاجتماعية.. أما اليوم، فإن هذه المؤسسات انهارت بدورها، ولذلك نراها تلجأ إلى اعتماد أساليب زرع فلان من الشعراء وفلان من الكتاب، وفلان من الأدباء زرعًا لا لشيء إلا لأنه حامل البطاقة حزبية، وينتمي إلى الحزب الفلاني، ومن يزرع الريح يحصد العاصفة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

861

الثلاثاء 31-مارس-1970

سراقة بن مالك

نشر في العدد 3

195

الثلاثاء 31-مارس-1970

سراقة بن مالك رضي الله عنه