; المجتمع الثقافي- العدد 1922 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي- العدد 1922

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2010

مشاهدات 81

نشر في العدد 1922

نشر في الصفحة 40

السبت 09-أكتوبر-2010

  • مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية
  • مضمونه الدرامي ضعيف جداً وذبح التاريخ بسكين باردة
  • التركيز على انفصال الإسلام عن السياسة وإدانة الجماعة ومؤسسها من هذه الزاوية هي أهم رسالة وجهها المسلسل للجماعة دون أدلة موثوقة

د. إبراهيم البيومي غانم (*)

يعبر مسلسل «الجماعة» الذي عرضته الفضائيات في رمضان الماضي أصدق تعبير عن «بؤس الدراما المصرية» التاريخية منها والاجتماعية، وقد ذكرنا هذا المسلسل بكتاب قرأناه ونسيناه وراء ظهرنا منذ زمن بعنوان «بؤس الفلسفة لـ كارل ماركس»، ولكن بالمقلوب؛ في ماركس » كان يدعو في هذا الكتاب إلى التغيير وتجديد النظر للعالم أما «وحيد حامد » كاتب سيناريو «الجماعة» فيدعو إلى المحافظة على الوضع القائم، وتسليح المبارزين الجدد بسيوف قديمة في الصراعات الراهنة بين القوى السياسية المصرية.

مسلسل «الجماعة» دراما تاريخية، وهو كأي عمل درامي له إيجابيات وسلبيات يختلف تقديرها باختلاف زوايا النظر إليه، والحبكة الدرامية في رأينا هي أهم الإيجابيات والأرجح أن محصلتها النهائية ستكون في صالح الجماعة؛ لأن هذه الحبكة ستحبب الشيخ وجماعته للأجيال الجديدة من الشباب المتحمس؛ فالمسلسل أظهر لهم حسن البنا في صباه نشيطاً ذكياً، وفي شبابه قوياً غيوراً يرتدي زي الجوالة، وأحيانا زيا حربيا، ويشرف على تدريبات شبه عسكرية، وفي أواخر أيامه رأوه مظلوما محاصرا، ومثل هذه القدوة يفتقدها الشباب في الواقع الراهن، ولن يقلل من ذلك كثيراً أن السيناريست «وحيد حامد» أبكى الشيخ - دون سند من حقائق التاريخ وسيرة الرجل - في حضرة بعض مسؤولي الحكومة؛ وذلك ليظهره منهارا ضعيفاً لا حول له ولا قوة؛ ومن ثم يخدش شخصيته الكارزمية ويزيح بعض البريق المحيط به.

وفي رأينا أن التركيز على انفصال الإسلام عن السياسة، وإدانة الجماعة ومؤسسها من هذه الزاوية بشكل منظم ورتيب عبر جميع حلقات المسلسل بلا استثناء وكذلك التركيز على أحداث العنف، وتأصيل هذه النزعة عند الجماعة ومؤسسها والإلحاح عليها في أغلب الحلقات، هما أهم رسالة إدانة وجهها المسلسل للجماعة، دون أن يكون لديه أدلة موثوقة من أدبيات الشيخ والجماعة، ولا وقائع من سجلات الأحداث التي شهدتها مصر في الثلاثينيات والأربعينيات.

سنقدم - في المقالات التي نبدأها اليوم - أدلة تاريخية من السجلات والوثائق الرسمية، تبرهن على أن المسلسل من حيث صلته بالوقائع التاريخية الموثقة ضعيف جدا وأن مضمونه الدرامي فقير جداً، وأنه قد ذبح التاريخ بسكين باردة؛ كان واعيا بما فعل أم لم يكن.

الأستاذ «وحيد حامد» في برنامج واحد من الناس (٢٠١٠/٩/١٦م) قال: إن مسلسل «الجماعة» أعاد للدراما المصرية مجدها»، والواقع أنه فوت هذه الفرصة، وجاء المسلسل الذي يتناول شخصية مؤسس الإخوان المسلمين، وتدور أحداثه في فترة من أخصب فترات تاريخ مصر الحديث سياسيا، وثقافيا، وفنيا، وأدبيا خلال الربع الثاني من النصف الأول من القرن العشرين جاء فقيراً شديد الفقر في مضمونه الدرامي ومشاهده التي تحاول أن تحاكي الواقع، إلى جانب أنه جاء مضطربا في مساره التاريخي العام، وزاد على هذا أنه ألقى في روع كثيرين من مشاهديه أن الدراما باتت في خدمة السلطة بدلا من أن تكون في خدمة المجتمع، بالطريقة نفسها التي باتت بها الشرطة في خدمة القانون بدلا من أن تكون في خدمة الشعب.

من شاهد مسلسل «الجماعة»، وقرأ كتاب حسن البنا : متى وكيف ولماذا؟ لم رفعت السعيد»، وكتاب الإخوان والتنظيم السري له عبد العظيم رمضان، وهما من ألد خصوم الجماعة ومنهجها الفكري سيكون من السهل عليه جداً أن يكتشف أن أغلبية مادة السيناريو الذي كتبه الأستاذ وحيد حامد مأخوذة من هذين الكتابين، وهما أسوأ ما في بضاعة رفعت السعيد»، و«عبد العظيم رمضان، فهما لم يتركا مجالا للشك في أن حسن البنا كان من جنس الشياطين، وأنه «رجعي» عتيد، وإن صح هذا - وإن صح أيضاً ما ذهب إليه رفعت السعيد في كتاب آخر له عن أحمد حسين زعيم مصر الفتاة» أنه «فاشي عنيد» - فمعنى ذلك أنه لم يكن أحد قلبه على مصر في الثلاثينيات والأربعينيات إلا «هنري كوربيل» اليهودي مؤسس الحركة الشيوعية التي انتمى إليها عبد العظيم رمضان لفترة، ورفعت السعيد دوماً، على حد ما قاله صديقنا الماركسي الراحل الدكتور أحمد عبدالله رزة.

وقوع «وحيد حامد» في أسر الكتابين المذكورين هو السبب الأساسي وراء كثرة الأخطاء التاريخية التي غص بها المسلسل، أما بقية قائمة الكتب والمصادر التي ظهرت يوميا في نهاية «تتر» المسلسل، فالأرجح أن الأستاذ «وحيد» لم يستفد منها إلا بأقل القليل، بما في ذلك كتابي المعنون الفكر السياسي للإمام حسن البنا، وبقية الكتب والمذكرات التي ذيل بها حلقات المسلسل.

لا تكمن مشكلة «وحيد حامد» فقط في أنه وقع أسير «رفعت السعيد»، و«عبد العظيم رمضان»، وإنما في أنه وقع أيضا أسير رؤيته الأيديولوجية وهو يكتب مسلسلاً درامياً تاريخيا، وكانت النتيجة أنه صور «الجماعة» على أنها «ضد» على طول الخط، لقد أظهر الجماعة ومؤسسها في صورة «ضد» لكل شيء، حتى إنها صارت «ضد» ذاتها، وضد الإسلام، إضافة إلى ضديتها للمجتمع والدولة والقانون. وهذا غير معقول، ولا دليل عليه لا من وقائع التاريخ ولا من حقائق الواقع فقط إنها لعنة «الأيديولوجيا التي هي أعدى أعداء الدراما الناجحة؛ فهما ضدان لا يلتقيان« الأيديولوجيا» تنتمي لعالم «اليوتوبيا» غير المتحقق، والدراما تنتمي لعالم الواقع الإنساني المترع بالصراع بين الخير والشر، ولسنا نشك أن الأستاذ «وحيد» يعرف هذا الفرق جيدا . 

وقد وجدت في نفسي القوة والعزم على الكتابة حول ما قدمه المسلسل، وما أثاره من جدل بعد أن انتهى عرض جزئه الأول في شهر رمضان الماضي، وبعد أن استكملت مشاهدة بعض حلقات كانت فاتتني، وبعد أن قرأت أغلب ما أثير حوله في وسائل الإعلام والمدونات والمواقع الإلكترونية، ودفعني للكتابة سببان:

السبب الأول: هو أن الأستاذ وحيد حامد وضع عنوان كتابي الفكر السياسي للإمام حسن البنا ضمن قائمة طويلة من الكتب والمذكرات والبحوث التي من المفترض أنه قرأها، واستعان بها في كتابة سيناريو هذا المسلسل، وبعد أن شاهدت المسلسل وجدت أن مضمونه لا صلة له بمضمون كتابي، وتساءلت: لماذا إذا وضعه في قائمة مراجعه؟ هل فعل كما يفعل بعض طلابنا في الدراسات العليا عندما يزينون رسائلهم للماجستير أو الدكتوراه بعناوين مراجع لم يطلعوا عليها، أو اطلعوا ولم يستفيدوا منها، ويضعونها فقط للإيهام بالجدية والموضوعية؟

والسبب الثاني: هو واجبي في المشاركة في أداء الأمانة العلمية باعتباري باحثا أكاديميا وأن أشارك في تصويب بعض الأخطاء التي تناولها المسلسل، بشأن قضايا سبق أن أشبعتها بحثاً، وقرأتها في مصادرها الأولية؛ وخاصة المقالات التي كتبها الشيخ نفسه وإجمالي عددها ۱۰۳۰ مقالة منشورة في ثمان من الصحف والمجلات التي صدرت في الثلاثينيات والأربعينيات من (القرن الماضي)، وكذلك رسائله ومذكراته والخطب والتسجيلات الصوتية وهي مجموعة ومنشورة، إلى جانب الوثائق الرسمية للجماعة من قوانين ولوائح تنظيمية وسجلات ومحاضر اجتماعات ومؤتمرات دورية، ومحاضر تحقيقات رسمية في قضايا مختلفة، وتقارير أجنبية محفوظة في الأرشيف البريطاني المعروف اختصارا ب(F.O)، هذا فضلا عن البحوث والدراسات الأكاديمية التي تناولت تاريخ الشيخ والجماعة في تلك الفترة بما فيها قائمة المراجع التي أوردها الأستاذ «وحيد» في نهاية «تتر» المسلسل، وزيادة على كل ذلك، كان لي حظ فتح المكتبة الخاصة للشيخ حسن البنا - أثناء إعداد دراستي الجامعية عنه سنة ۱۹۸۹م - بعد أن ظلت مغلقة علماً أربعين عاما متواصلة، وقمت بجرد محتوياتها، وتصنيفها تصنيفا عاما، وكتبت عنها دراسة وافية لم يقبل نشرها إلا غالي شكري يرحمه الله رئيس تحرير مجلة «القاهرة»، والدراسة منشورة في عددها الصادر في ديسمبر سنة۱۹۹۳ م (ص ١٨ – ٦٢).

الفكرة المركزية في «فن الدراما» هي أن الخير والشر يتواجدان ويتصارعان في النفس الإنسانية، وفي وقائع الحياة اليومية، وأنه لا دراما تقوم على الخير والنقاء فقط، ولا على الشر والفساد فقط؛ بل لابد من هذا وذاك باعتبار أن الدراما هي أعلى مراحل التحقق الإنساني بخيره وشره في الواقع الاجتماعي. 

والهدف الأساسي للفن الدرامي هو اكتشاف الطريق إلى الحرية، ومن ثم فإن الدراما بمعناها الصحيح لابد أن تكون في خدمة المجتمع، ولكن مشكلة «وحيد حامد» في هذا المسلسل أنه وضع الدراما في خدمة السياسة والصراع حول السلطة، مشكلته أنه حول الدراما إلى طريقة للتفكير بدلا من أن تكون وسيلة للعمل من أجل الحرية، وهنا بالضبط فقدت دراما «الجماعة» وظيفتها الفنية في الدلالة على أنسب الطرق إلى الحرية.

الأستاذ «وحيد» أكد في مقالاته وحواراته حول المسلسل على أن الدراما لا تعني «غسل» الشخصيات من الذنوب، ونحن نوافقه على ذلك تمام الموافقة، ونرى أن معه الحق كله في قوله هذا، ولكن من الحق أيضا أن الدراما لا تبيح لـه «الدراماتست» أن يضيف من عنده سيئات أو ذنوبا لم يرتكبها الشخص، ولا أن يحذف من حسناته ما يشاء، ووقائع المسلسل تؤكد أنه قد أضاف الكثير من السيئات إلى صحيفة حسن البنا، وإلى صحائف سيئات الجماعة، وحذف من حسناته وحسناتها الكثير أيضا، وهو ما سنبرهن عليه في المقالات التالية إن شاء الله ..

 

=================

  • إسلامية الأديب شرطاً لإسلامية الأدب «۸»
  • الشعر الكادي
  • الشاعر الألماني « جوته »: لا توجد لغة في العالم ينسجم فيها الفكر والكلمة والحرف بأصالة عريقة كما هي الحال في اللغة العربية

بقلم: أ. د. جابر قميحة

يستكمل الكاتب الفصل الرابع بعرض نماذج من الشعر الكادي، وهذه ثلاثة نماذج له، وهي بالترتيب القصيدة الحوارية نشيد محمد، للشاعر الألماني جوته»، «رأس السنة الهجرية لخليل مطران الطين لإيليا أبي ماضي.

  • قيم حقيقية: 

كان «جوته» (١٧٤٩) (۱۸۳۲م) يعتز - إلى أقصى حد - باللغة العربية، ونقل عنه قوله : «لا توجد لغة في العالم ينسجم فيها الفكر والكلمة والحرف بأصالة عريقة كما هي الحال في اللغة العربية (1)، بل كان يرى فيها شواهد مقدسة وقيما حقيقية في المعاملات العقلية والروحية (٢)، وقد أبرز في أدبه كثيراً من القيم العقدية والإنسانية والروحية في الإسلام، مثل عقيدة التوحيد التي أولاها اهتماماً خاصاً في عمله الأدبي المشهور تراجيدية محمد (۳(.

  • حوار مسرحي

وفي القصيدة التي تقدم أجزاء منها اتخذ الشاعر الحوارالمسرحي شكلاً فنياً لها، وفي تصوير رومانسي منبسط أخاذ يتحدث «جوته» عن الدعوة الإسلامية، ذلك السيل العارم القوي الذي انحدر من الجبل الشامخ العلي منطلقا فتيا متوثبا يجرف في طريقه عقبات الشرك والتخلف، ويؤتي أكله النبيل بالتوحيد ونور الهداية أزهارا ومروجا تحيا من أنفاسه، حتى أصبحت الدعوة وصاحبها مفخرة السهول والوهاد، بعد أن تخطى الصحراء ناشرا نوره وريه وفيضه في العالم كله، إنها رؤية شعرية فيها الجلال والعظمة ونبالة التصور، ورواء المعالجة مع البعد عن المباشرية والتقريرية في إبراز ركائز الإسلام وعظمته وآثاره الممتدة التي تنطلق إلى الأمام دائماً بلا توقف.

  • دروس وعبر

ونرى خليل مطران (۱۸۷۲ - ۱۹۴۹م) في مطولته التي بلغت ٧٨ بيتا (٤) يربط في براعة بين الماضي والحاضر، ويؤطر قصيدته - بدءا وختاما - بدعوة أبناء مصر إلى الانتفاع بالذكرى العظيمة ذكرى هجرة النبي وما فيها من عبر ودروس وعظات ويستعرض الشاعر فيها من خلال حدث الهجرة «جهاد رسول الله ﷺ وصحبه في مواجهة الشرك والتخلف والهوى بدعوة التوحيد والعدل والشورى والجد والعلم وإنصاف أهل الكتاب من يهود ونصارى». 

ويحرص الشاعر - في أدائه التعبيري على الكلمة العربية الرصينة بعيدا عن الركاكة والابتذال، كما نلمس تأثره ببعض المعاني والقوالب القرآنية فقوله: رسالة الله لو حلت على جبل لاندك منها وأضحى بطن أخدود متأثراً بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحشر: ۲۱(.

  • قيم إنسانية

أما قصيدة «الطين » لإيليا أبي ماضي (۱۸۹۱- ۱۹۴۷م) (٥) ، فهي دعوة قوية إلى القيم الإنسانية التي دعا إليها الإسلام، مثل التواضع والتعاون والحب وسلام المعايشة ونبل المشاعر، وجاءت هذه الدعوة منطلقة من فكرة أساسية محورية هيمنت على القصيدة كلها، وهي الحملة البارعة على الإنسان المتكبر المغرور، أو الإنسان الطين كما وصفه الشاعر، وتأتي هذه الحملة في صورة محاكمة استجوابية لهذا الإنسان«المنسلخ» من القيم النبيلة.

والشاعر هنا يوظف وقائع الحياة ومشاهد الطبيعة لتعرية هذا الإنسان الدعي المتكبر المغرور، جاعلا من آلياته الفنية تشخيص هذه المشاهد، والمزج بينها وبين النفس إلى درجة الحلول الشعري وكذلك الإكثار من الأساليب الإنشائية مثل النداء: «يا أخي.. أيها المزدهي... أيها الطين ..... والاستفهام: ألك القصر ..؟ ألك النهر ..؟ أجميل ..؟ أم ..؟ أم غني ..؟ أم قوي ..؟

أعليم ... إلخ»، ومعروف أن الأساليب الإنشائية من أقدر الأساليب على الإثارة والتأثير... وتتوالى «الاستجوابات» في تلاحق ليخلص الشاعر بعد ذلك إلى القرار الحاسم المتمثل في الحكم أو الدعوة الإنسانية الآتية: 

لا يكن للخصام قلبك مأوى         إن قلبي للحب أصبح معبد 

 أنا أولى بالحب منك وأحرى       من كساء يبلى ومال ينفد

 

  • «نشید محمد» .. 

للشاعر الألماني «جوته» قصيدة حوارية بعنوان «نشيد محمد»:

 علي: انظروا إلى السيل العارم القوي قد انحدر من الجبل الشامخ العلي أبلج متألقا كأنه الكوكب الدري.

فاطمة : لقد أرضعته من وراء السحاب ملائكة الخير في مهده بين الصخور والأدغال.

علي: وإنه لينهمر من السحاب مندفعاً في عنفوان الشاب ولا يزال في انحداره على جلاميد الصخر يتنزى فائرا متوثبا نحو السماء، مهللاً تهليل الفرح.

فاطمة : جارفا في طريقه الحصى المجزع والغثاء الأحوى.

علي: وكالقائد المقدام الجريء الجنان الثابت الخطى يجر في أثره جداول الربى والنجاد.

فاطمة: ويبلغ الوادي، فتتفتح الأزهار تحت أقدامه، وتحيا المروج من أنفاسه.

علي : لا شيء يستوقفه لا الوادي الوارف الظليل، ولا الأزهار تلتف حول قدميه وتطوق رجليه وترمقه بلحاظها الواقعة، بل هو مندفع عجلان صامد إلى الوهاد.

فاطمة : وهذه أنهار الوهاد وتسعى إليه في سماح ومحبة ومستسلمة له مندمجة فيه، وهذا هو يجري في الوهاد فخوراً بعبابه السلسال الفضى.

علي: الوهاد والنجاد كلها فخورة به. 

فاطمة: وأنهار الوهاد، وجداول النجاد تهلل جميعاً من الفرح متصايحة.

علي وفاطمة (في وقت واحد) : خذنا معك، خذنا معك .

فاطمة: خذنا معك إلى البحر المحيط الأزلي، الذي ينتظرنا باسطاً ذراعيه، لقد طال ما بسطهما ليضم أبناءه المشتاقين إليه. 

علي: وما كان هذا الفيض كله ليبقى مقصورا على الصحراء الجرداء، ما كان هذا الفيض ليفيض في رمال الرمضاء، وتمتصه الشمس الصالية في كبد السماء، ويصده الكثيب من الكثبان، فيلبث عنده غديراً راكداً من الغدران، أيها السيل، خذ معك أنهار الوهاد.

فاطمة: وجداول النجاد.

علي وفاطمة (في وقت واحد): خذنا معك .

 

  • «رأس السنة الهجرية»

 ولخليل مطران قصيدة بعنوان «رأس السنة الهجرية» يقول فيها: 

هل الهلال فحيوا طالع العيد             حيوا البشير بتحقيق المواعيد

 يا أيها الرمز تستجلي العقول به      لحكمة الله معنى غير محدود 

كان حسنك هذا وهو رائعنا           حسن لبكر من الأقمار مولود

لله في الخلق آيات وأعجبها            تجديد روعتها في كل تجديد

فتيان مصر وما أدعو بدعوتكم       سوى مجيبين أحرار مناجيد (6(

سوى الأهلة من علم ومن أدب      مؤملين لفضل غير مجحود

ما زال من مبدأ الدنيا ينبئنا          أن التمام بمسعاة ومجهود

فإن تسيروا إلى الغايات سيرته       إلى الكمال فقد فزتم بمنشود

يا عيد جنت على وعد تعيد لنا       أولى حوادثك الأولى بتأييد

بل كنت عيدين في التقريب بينهما      معنى لطيف ينافي كل تبعيد

رددت يوما يسر المؤمنون به         ولم تكن بادنا يوما لتعييد

رسالة الله لا تنهى بلا نصب       يشتي الأمين وتغريب وتنكيد 

رسالة الله لو حلت على جبل     لاندك منها وأضحى بطن أخدود(7 )

ولو تحملها بحر لشب لظى       وجف وانهال فيه كل جلمود (۸(

فليس بدعا إذا ناء الصفي بها       وبات في ألم منها وتسهيد

ينوي الترحل عن أهل وعن وطن      وفي جوانحه أحزان مكبود

يكاد يمكث لولا أن تداركه           أمر الإله الأمر منه موعود

فإذ غلا القوم في إيذائه خطلا        وشردوا تابعيه كل تشريد (9(

دعا الموالين إزماعا لهجرته        فلم يجبه سوى الرهط الصناديد

مضى هو البدر والصديق يصحبه     يغامر الحزن في تيهاء صيخود (۱۰(

مولياً وجهه شطر المدينة في          ليل أغر على الأدهار مشهود

حتى إذا اتخذ الغار الأمين حمى       ونام بين صفاه نوم مجهود (۱۱)

حماه وشي بباب الغار منسدل       من الألى هددوه شر تهديد (12)

يا للعقيدة والصديق في سهر       تؤذيه أفعى ويبكي غير منجود (۱۳)

إن العقيدة إن صحت وزلزلها     مفتى القرى فهى حصن غير مهدود

أما الصحاب الذين استأخروا قتلوا      سارين في كل مسری غیر مرصود

ما جند قيصر أو كسرى إذا افتخروا      كهؤلاء الأعزاء المطاريد (14)

كأنهم في الدجى والنجم شاهدهم         فرسان رؤيا لشأن غير معهود

كأنهم وضياء الصبح كاشفهم           آمال خير سرت في مهجة البيد

 في حيطة الله ما شعت أسنتهم         فوق الطلال على المهرية القود

عاني «محمد» ما عانى بهجرته       المأرب في سبيل الله محمود

وكم غزاة وكم حرب تجشمها       حتى يعود بتمكين وتأييد

كذا الحياة جهاد والجهاد على    قدر الحياة ومن فادى بها فودي

أدنى الكفاح كفاح المرء عن سفه      للاحتفاظ بعمر رهن تحديد

ليغنم العيش طلقا كل مشتحم       وليبغ في الأرض شتا كل رعديد

ومن عدا الأجل المحتوم مطلبه      عدا الفناء بذكر غير ملحود

لقد علمتم وما مثلي ينبئكم           لكن صوتي فيكم صوت ترديد

ما أثمرت هجرة الهادي لأمته      من صالحات أعدتها لتخليد

وسودتها على الدنيا بأجمعها       طوال ما خلقت فيها بتسويد (15)

بدا وللشرك أشياع توطده          في كل مسرح باد كل توطيد

 والجاهليون لا يرضون خالقهم     إلا كعيد لهم في شكل معبود 

مؤلهون عليهم من صناعتهم      بعض المعادن أو بعض الجلاميد (16)

مستكبرون أباة الضيم غير حجى      ثقال بطش لدان كالأماليد (17(

لا ينزل الرأي منهم في تفرقهم            إلا منازل تشتيت وتبديد

ولا يضم دعاء من أوابدهم        إلا كما صبح في عفر عباديد (18)

بأي حلم مبيد الجهل عن ثقة        وأي عزم مذل القادة الصيد

 أعاد ذاك الفتى الأمي أمته      شملاً جميعاً من الغر الأماجيد (19)

لتلك تالية الفرقان في عجب       بل آية الحق إذ ينغى بتأييد

صعبان راضهما توحيد معشرهم      وأخذهم بعد إشراك بتوحيد 

وزاد في الأرض تمهيدا لدعوته     بعهده للمسيحيين والهود

وبدنه الحكم بالشورى يتم به      ما شاءه الله عن عدل وعن جود

هذا هو الحق والإجماع أيده        فمن يفنده أولى بتفنيد (20(

أي مسلمي مصر، إن الجد دينكم      ويئس ما قيل شعب غير مجدود (۲۱(

طال التقاعس والأعوام عاجلة       والعام ليس إذا ولى بمردود

هبوا إلى عمل يجدي البلاد فما      يفيدها قائل: يا أمتي سودي

سعياً وحزماً فود العدل ودكم       وإن رأى العدل قوم غير مودود

 لا تتعبوا لا تملوا إن ظمأتكم      إلى غدير من الأقوام مورود

تعلموا كل علم وانبغوا وخذوا      بكل خلق نبيه أخذ تشديد

فكوا العقول من التصفيد تنطلقوا    وما تبالون أقداما بتصفيد

 مصر الفؤاد فإن تدرك سلامتها     فالشرق ليس وقد صحت بمفؤود (22)

الشرق نصف من الدنيا بلا عمل     سوى المتاع بها يضني وما يودي (23)

والغرب يرقى وما بالشرق من همم     سوى التفات إلى الماضى وتعديد

تشكو الحضارة من جسم أشل به       شطر يعد وشطر غير معدود

أبناء مصر، عليكم واجب جلل        لبعث مجد قديم العهد مفقود 

فليرجع الشرق مرفوع المقام بكم      ولتزه مصر بكم مرفوعة الجيد

ما أجمل الدهر إذ يأتي وأربعنا       حقيقة الفعل والذكرى بتمجيد

 والشرق والغرب معوانان قد خلصا     من حاسد كاند كيدا لمحسود

صنوان بران في علم وفي عمل        حران من كلا تقييد وتعبيد

لا فعل يخطئ فيه الخير بعضهما       إلا تداركه الثاني بتسديد

ولا خصومة إلا في استباقهما          لما يعم بنفع كل موجود

هذي الثمار التي يرجو الأنام لها      من روضكم كل نام ناصر المود

المصر والشرق بل للخافقين معا      دعم زعم كل عدو الحق مريد (24)

جوزوا على بركات الله عامكم       فقد تبدل منحوس بمسعود

رجاؤكم أبدا ملء النفوس فما     ينفى بحسنى ولا يوهى بتهديد (25)

بدا الفلاح وفي هذا الهلال لكم       بشرى التمام لوقت غير ممدود

غدا نرى البدر في طرس السماء محا     بخاتم النور زلات الدجى السود (26)

 

  • قصيدة «الطين» لإيليا أبي ماضي ..

دعوة قوية إلى القيم الإنسانية التي دعا إليها الإسلام مثل التواضع والتعاون والحب وسلام المعايشة ونبل المشاعر

«قصيدة الطين» 

وهذه بعض أبيات من قصيدة «الطين» لإيليا أبي ماضي :

نسى الطين ساعة أنه طين         حقير فصال تيها وعريد 

وكسا الخز جسمه فتباهي         وحوى المال كيسه فتمرد

يا أخي لا تمل بوجهك عنى       ما أنا فحمة ولا أنت فرقد

أنت لم تصنع الحرير           تلبس واللؤلؤ الذي تتقلد

أنت لا تأكل النضار إذا       ولا تشرب الجمان المنضد

أنت في البردة الموشاة مثلى     في كساني الرديم تشقى وتسعد

لك في عالم النهار أماني      ورؤى والظلام فوقك ممتد

ولتلبي كما لقلبك أحلا           م حسان فإنه غير جلمد

أأماني كلها من تراب        وأمانيك كلها من عسجد ؟

وأماني كلها للتلاشي        وأمانيك للخلود المؤكد ؟

لا، فهذي وتلك تأتي وتمضي      كذويها وأي شيء يؤيد؟

أيها المزدهي إذا مسك الستم      ألا تشتكى؟ ألا تتنهد؟

وإذا راعك الحبيب بهجر       ودعتك الذكرى ألا تتوجد ؟

أنت مثلي يبش وجهك للنعمى     وفي حالة المصيبة يكمد

أدموعي خل ودمعك شهد ؟      وبكائي ذل ونوحك سؤدد ؟

وابتسامي السراب لا ري فيه ؟     وابتساماتك اللالي الخرد؟

فلك واحد يظل كلينا حار         طرفی به وطرفك أرمد

قمر واحد يطل علينا      وعلى الكوخ والبناء الموطد

إن يكن مشرقا لعينيك إني     الأراه من كوة الكوخ أسود

النجوم التي تراها أراها       حين تخفى وعندما تتوقد

لست أدنى على غناك إليها     وأنا مع خصاصتي لست أبعد

ألك القصر دونه الحرس الشا      کى ومن حوله الجدار المشيد 

فامنع الليل أن يهد رواقا         فوقه والضباب أن يتلبد

وانظر النور كيف يدخل     لا يطلب إذنا، فما له ليس يطرد ؟

مرقد واحد نصيبك منه         أفتدري كم فيك للذر مرقد ؟

بينما الكلب واجد فيه مأوى     وطعاما، والهر كالكلب يرقد 

فسمعت الحياة تضحك منى      أترجي ومنك تأبى وتجحد

 ألك الروضة الجميلة فيها      الماء والطير والأزهار والند؟

فازجر الريح أن تهز وتلوي     شجر الروض، إنه يتأود

 والجم الماء في الغدير ومره     لا يصفق إلا وأنت بمشهد

 إن طير الأراك ليس يبالي      أنت أصغيت أم أنا إن غرد

 والأزاهير ليس تسخر من فقري        ولا فيك للغني تتودد

ألك النهر، إنه للنعيم الرطب            درب وللعصافير مورد 

وهو للشهب تستحم به               في الصيف ليلا كأنها تتبرد 

تدعيه، فهل بأمرك يجري          في عروق الأشجار أو يتجعد

 كان من قبل أن تجيء، وتمضى      وهو باق في الأرض للجزر والمد 

ألك الحقل ؟ هذه النحل تجنى الـ       شهد من زهره ولا تتردد

وأرى للنمل ملكا كبيرا            قد بنته بالكدح فيه وبالكد

أنت في شرعها دخيل على الحمل      ولص جنى عليها فأفسد

لو ملكت الحقول في الأرض طرا     لم تكن من فراشة الحقل أسعد

أجميل ؟ ما أنت أبهى من الور        دة ذات الشذا ولا أنت أجود

أم عزيز؟ وللبعوضة من خديك       قوت، وفي يديك المهند

 أم غني؟ هيهات تختال لولا        دودة القز بالحياء المسجد 

أم قوي ؟ إذن من النوم إذ          والليل عن جفونك يرتد 

وامنع الشيب أن يلم بفوديك       ومر تلبث النضارة في الخد

 أعليم؟ فما الخيال الذي        يطرق ليلا؟ في أي دنيا يولد ؟

ما الحياة التي تبين وتخفى ؟    ما الزمان الذي يذم ويحمد ؟

 أيها الطين لست أنقى وأسمى    من تراب تدوس أو تتوسد

سدت أو لم تسد فما أنت إلا       حيوان مسير مستعبد

إن قصرا سمكته سوف يندك     وثوبا حبكته سوف ينقد

لا يكن للخصام قلبك مأوى      إن قلبي للحب أصبح معبد

 أنا أولى بالحب منك وأحرى     من كساء يبلى ومال ينفد

==============

الهوامش

(۲،۱) كاترينا مومزن: «جوته والعالم العربي» ص ٥٠ .

)۳( المرجع السابق، ص ۲۰۷.

)٤( ديوان الخليل، ص ٣٩ - ٤٤ .

)٥(عن كتاب «إيليا أبو ماضي» شاعر التساؤل والتفاؤل «لإيليا حاوي» ص ۲۱۷ – ۲۲۳.

(6) المناجيد : الشجعان السابقون إلى النجدة.

)۷ ( الأخدود: الشق في الأرض.

)۸( الجلمود : الصخر.

 (۹) الخطل: فساد العقل.

(۱۰)تيهاء : أرض يتيه فيها السالك، صيخود: شديد الحر.

(۱۱)الصفا الحجارة.

(۱۲)إشارة إلى ما نسج العنكبوت بيابه فضلل المتعقبين الباحثين عنه.

)۱۳ ( منجود : مكروب مغموم.

)١٤ ( المطاريد : فرسان الطراد والحرب.

)١٥ (خلقت: جدرت واستحقت.

(١٦) الجلاميد: الصخور.

)۱۷ (لدان: جمع لدن، وهو اللبن، والأماليد: جمع أملود، وهو الغصن اللين.

)۱۸ (العفر : جمع أعفر، وهو الظبي، عباديد متفرقة.

)۱۹(  الأماجيد : الأماثل من ذوي المجد .

)۲۰ ( التقنيد: التخطئة والتكذيب. 

(۲۱) مجدود : محظوظ مسعد .

(۲۲) المفؤود : المصاب فؤاده.

(۲۳)يودي : يهلك.

(٢٤) الخافقان: الشرق والغرب: مريد: خبيث شرير .

)٢٥ ( الحسنى: المعاملة الطيبة، يوهي: يضعف .

)٢٦ ( زلات: سقطات وعثرات.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية