; المجتمع الثقافي (1066) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1066)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1993

مشاهدات 91

نشر في العدد 1066

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 14-سبتمبر-1993

الأمومة في الأدب العربي والتراث الإسلامي

بقلم: فرج محمود أبو ليلى - قطر

من معاني الأمومة في معجمات اللغة العربية أم رحم، وأم القرى كناية عن مكة المكرمة مهبط الإسلام، وأم النجوم كناية عن المجرة التي عرفت بكثرة نجومها في السماء. وأم الكتاب: إما كناية عن اللوح المحفوظ الذي اجتمعت فيه خطوط القضاء والقدر من الأزل إلى الأبد، وإما كناية عن سورة الفاتحة، وفي هذا المقال أعرض على القراء ما تيسر من هذه الروائع وتلك الألوان والله -عز وجل- المستعان.

بر الوالدين

بر الوالدين من الفروض المؤكدة وعقوقهما من الكبائر، وقد مضت الحياة من أزلها وستبقى إلى أبدها وهي تحض على البر وتدعو إليه فطرة الله التي فطر الناس عليها. ولأنه حق رفعه إلى مستوى حق عبادته وقرنه بها في أكثر من موضع من كتابه الكريم قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: 36).

ومهما نسينا فما ينبغي أن ننسى هذه الأم التي حملتنا بين أحشائها تسعة أشهر نتقلب في ظلمات ثلاث قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍۢ فِي ظُلُمَٰتٍۢ ثَلَٰثٍۢۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر: 6).

والمقصود بالظلمات الثلاث ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين، وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس، وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم، ويد الله تخلق هذه الخلية الصغيرة خلقًا من بعد خلق، وعين الله ترعى هذه الخليقة وتودعها المقدرة على النمو، والقدرة على التطور والارتقاء.

ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل جسامة التضحية وبذلها في صورة حسية مؤثرة أن البويضة بمجرد تلقحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجوار الرحم وهي مزودة بخاصية أكالة تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله فيتوارد دم الأم إلى موضعها؛ حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائمًا في بركة دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات وتمتصه لتحيا به وتنمو وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم، دائمة الامتصاص لمادة الحياة.

والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص لتصب هذا كله دمًا نقيًا غنيًا لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول، وفي فترة تكون عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر إلى الجير، وذلك لأنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم هيكل هذا الصغير، وهذا كله قليل من كثير كما أن للآباء الحقوق الكثيرة في تربية الأبناء.

من ألوان البر المثالي

فمن أروع نماذج البر المثالي أن علي بن الحسين سأله أحدهم: لماذا تتحاشى أن تأكل مع أمك في صحفة واحدة؟ فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها. وللإمام زين العابدين اقرأ الصحيفة السجادية ومن دعائه لأبويه حيث يقول: «اللهم اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف، وأبرهما بر الأم الرؤوف، واجعل طاعتي لوالدي، وبري بهما أقر لعيني من رقدة الوسنان، وأثلج لصدري من شربة الظمآن، حتى أوثر على هواي هواهما، وأقدم على رضاي رضاهما، وأستكثر برهما بي وإن قل وأستقل بري بهما وإن كثر».

ولما سئل أحد الصالحين عن بر ابنه؟ قال: «ما مشيت نهارًا إلا مشى خلفي، ولا ليلًا إلا مشى أمامي، ولا على سطح بيت وأنا فيه».

الأستاذية التربوية للأمومة

أستاذية الأم العربية غنية بنت عفيف لولدها حاتم الطائي في السخاء والأريحية في الكرم كما تفيض بذلك أخبارها، وأستاذية فاطمة بنت الخرشب الأنمارية لأولادها الأربعة في السيادة والطموح، وبفضلها صاروا كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها، وأستاذية أم الصحابي الجليل عبدالرحمن بن عوف فكان لقولها "أنفق يا عبدالرحمن" أبلغ الأثر فيما عرف عنه من الكرم الفياض ابتغاء وجه الله تعالى، وأستاذية أم الإمام مالك بن أنس الذي أقر لأمه بفضل صرفه عن الغناء والطرب إلى التفقه في الدين حتى صار من أعظم أئمة الإسلام المشهورين، وأستاذية الأم الفزارية أسماء بنت خارجة لابنتها قبيل زفافها فقد أوصتها قالت: يا بنيتي إنك خرجت من العش الذي فيه درجت فصرت إلى فراش لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أرضًا يكن لك سماءً... إلى آخر الوصية المشهورة.

الإشادة بالأبناء النجباء والأمهات النجيبات

الأم هي المدرسة التي يتربى فيها الإنسان منذ نعومة أظفاره وتعطيه من أروع المثل العربي، فقد أورد الزمخشري في كتابه أساس البلاغة: مالك إلا أمك وإن كانت جارية. وقد كانت إحدى النساء العربيات تأتي بولدها الصغير قبل زحف الصباح على الدنيا بالحركة والنور، ثم تقف به فوق تل مرتفع في حنان دافق وحنين فياض: أي بني وريحانة فؤادي خذ صفو هذا النسيم قبل أن تكدره أنفاس الخلائق.

تلك هي الأم الحنون في قمة أمومتها التي لا ترتفع إلى مستواها أية قمة أخرى ولو كانت قمة الزوجية التي دلت التجارب قديمًا وحديثًا على أنها دون قمة الأمومة بكثير، وأين الزوجية من الأمومة؟ فقد حدثتنا أمهات الأدب العربي القديم أن صخر بن الشريد طعنه ربيعة بن ثور الأسدي طعنة ألزمته الفراش؛ حيث قامت على تمريضه والعناية به اثنتان هما أقرب الناس إليه وأعزهم عليه: أمه الكريمة، وزوجه سلمى التي هي ابنة عمه. أما أمه فقد ظلت على وفائها له وعنايتها به حتى اللحظة الأخيرة من حياته، وأما زوجه وابنة عمه فسرعان ما ضاقت به ذرعًا؛ فقد قالت سلمى لأمه: لا هو حي فيرجى، ولا هو ميت فينسى! وقد سمعها زوجها صخر فكانت كلمتها هذه أشد وقعًا عليه من مرضه، وجاشت نفسه بمشاعره الملتاعة في هذه الأبيات المؤثرة التي جاءت في الشعر والشعراء لابن قتيبة:

أرى أم صخر لا تمل عيادتي                           وملت سليمى مضجعي ومكاني

وما كنت أخشى أن أكون جنازة                     عليك ومن يغتر بالحدثان

لعمري لقد أفهمت من كان نائمًا                   وأسمعت من كانت له أذنان

وأي امرئ ساوى بأم حليلة                              فما عاش إلا في شقًا وهوان

ذلك غيض من فيض الأمومة في أدبنا العربي القديم وتراثنا الإسلامي العظيم الذي يعتز في ظلال الأمومة الوارفة بعد كتاب الله تعالى بنفحات الأمومة التي تعبق بها وتتوهج بأريجها عشرات المؤلفات من الكتب الإسلامية.


على الطريق ولو تناءينا

شعر: محمد بن ظافر الشهري (السعودية - الخبر)

إن اللحظات الإيمانية التي يعيشها الداعية في رحاب إخوته رفقاء الدعوة لا يمكن أن تنسى، تلك الساعات التي يملؤها الذكر والتواصي بالحق والصبر. إن لقاءهم في الدنيا قصير مهما طال وناقص مهما قارب الكمال، واللقاء الكامل الوحيد لا يكون إلا في جنات الخلود.

يعاتبني لطول الابتعاد                                   وليس العتب من شأن الأعادي

ويحسبني نسيت وهل ذكرنا                         زمان الوصل إلا بالبعاد؟

رموني بالجفاء فقلت حسبي                        بأن خليفتي فيكم فؤادي

ولو جافيتكم لجفوت قلبي                          فدون جفائكم خرط القتاد

سلوا عني ظلام الليل ماذا                            يطيل إذا تناءينا سهادي!

أحس بغربة في البعد عنكم                         وإني بين أهلي في بلادي

لحقت بركبكم نحو المعالي                           وشرع نبينا للركب حادي

وما ألفيت فيكم من مريد                            لسوء أو سقيم الاعتقاد

فمنكم من يقوم الليل حتى                         ينال الأمن في يوم التناد

ومنكم مولع بالعلم يرجو                             ثواب الله لا ذكر العباد

ومنكم أمة يبكون شوقًا                                وهم يتلون آيات الجهاد

وأنكم الثبوت إذا تمادت                              فرائص غيركم في الارتعاد

وأنى يطرق الإنفاق يومًا                                مسامعكم تعاجله الأيادي

ولا تغريكم باللهو ليلى                                   ولا ترجون وصلًا من سعاد

ولستم أهل مزمار وطار                                ولا تغشون ساحات النوادي

رأيت الخير يكسوكم جميعًا                        فأنتم بين مهدي وهاد

جعلتم من كتاب الله حصنًا                        لكم وقت الرخاء وفي الشداد

أأنساكم وكيف تراي أنسى                          ولحن خلودكم في القلب شادي؟!

وهل ينسى المحب؟ وكيف ينسى؟              ولم ينس الأعادي من يعاد؟

ولكن ليس بد من فراق                                 لندعو في النجود وفي الوهاد

إذا عشنا بحاضرة جميعًا                             فمن لتهامة في البوادي؟

ومن ذا ينشر التوحيد فيها                           ويكشف زيف فكر الاتحاد؟

ومن لكتائب الإيمان يذكي                            حماستها فقد نادى المنادي

أرى اللهب المؤثر في حراك                            ويبقى ساكنًا كوم الرماد

وماء المزن كالمسجون حتى                            إذا ما سال يملأ كل وادي

فهيا نبتني بالعزم مجدًا                                 وثيق الطنب مرفوع العماد

ونحمل مشعلًا للنور ندعو                          لمبدئنا بجد واجتهاد

ونوقظ أمة نامت طويلًا                                فقرّح جنبها طول الرقاد

ونغسل بالهداية كل قلب                             تغلفه الخطيئة بالسواد

وفي وقت يجور القحط فيه                          نروي بالعقيدة كل صاد

ومهما نفترق فالود باقٍ                                  ولن يقضي الفراق على الوداد

على نفس المحجة سوف نبقى                    لنفصم باليقين عُرى الفساد

ونرجو أن يكون لنا لقاء                                بظل العرش في يوم المعاد

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2123

207

السبت 01-سبتمبر-2018

الحج موسم الرحمات

نشر في العدد 12

139

الثلاثاء 02-يونيو-1970

ركن الأسرة - العدد 12

نشر في العدد 2101

1028

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

تلك هي إحدى معجزات هذا الكتاب