; المجتمع الثقافي | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2002

مشاهدات 68

نشر في العدد 1498

نشر في الصفحة 48

السبت 27-أبريل-2002

  تاريخ الموضوعات الإسلامية في السينما

ليس بجديد أن تطرح السينما محلياً وعالمياً موضوعات إسلامية، أو تعرض المواضع ومواضيع من سيرة النبي.. لكن يسجل للكثير منها أن احتياطاً عالياً، واحترازاً حذراً يتخذ بحق هذه الأعمال... إلى الحد الذي يضمن لها جسراً أمناً إلى الجماهير المسلمة، ويضمن لها مرتقى طيباً إلى الحقائق التي ينتظمها عقد السيرة النبوية الشريف.

وعلى سبيل المثال... فيلم «هجرة الرسول» الذي تم إنتاجه عام ١٩٦٣م من تأليف عبد المنعم شميس عن سيناريو وإخراج حسين حلمي المهندس، قد تم إسناده فنياً وعلمياً إلى الدكتور أحمد الشرباصي الذي قام بوضع تخيل مبدئي للديكورات والملابس والإكسسوارات، وحين أعترض الأزهر على بعض الأخطاء والمشاهد ... تمت مراجعة الفيلم مرات عدة، حتى تم الحصول على الموافقة العلمية والفنية من الأزهر فيما بعد. 

وأيضاً فيلم «فجر الإسلام» عن قصة عبد الحميد جودة السحار (۱۹۱۳ - ١٩٧٤م)، الذي أنتج عام ۱۹۷۱م، وهو من أهم الأعمال السينمائية للسحار، قد بدأ تصويره عام ١٩٦٦م، مع اتخاذ الشيخ عبد الحكيم سرور مدير الشؤون العامة بالأزهر، مستشاراً دينياً للفيلم، والدكتورة سعاد ماهر مستشاراً تاريخياً.. كما حرص السحار على دعوة فضيلة الدكتور محمد الفحام شيخ الأزهر لحضور تصوير بعض المشاهد من الفيلم فقام ولأول مرة في تاريخ الأزهر، بإنابة وقد عنه من كبار رجال الأزهر لحضور تصوير آخر أيام الفيلم... ولقاء الممثلين في مواقع التصوير.

أول الحكاية

وطويلة هي قصة التناول الفني للسيرة النبوية الشريفة بين حسن التناول وسوئه، وبين تجلية الحق وتلبيسه مروراً به ظهور الإسلام عن الوعد الحق لطه حسين عام ١٩٥٠م، وهو أول فيلم ديني إسلامي في تاريخ السينما، وقد ظل طه حسين يقاضي القائمين على الفيلم، إلى أن انتهى إلى تعيين حارس قضائي على الفيلم يشرف على عرضه، ويجمع إيراداته من دور السينما ليكون شريكاً مع منتج الفيلم إبراهيم عز الدين، ولم يكتف طه حسين بالمبلغ الذي عرض عليه من المنتج، وهو (١٥٠٠) جنيه، وكان أكبر مبلغ يتقاضاه مؤلف حينئذ... بل طرق أبواب المحاكم ليكون شريكاً على الشيوع ... بعيداً بعيداً .... عن مقدمة الفيلم التي يجلجل فيه صوته الرحيم قائلاً: إن هذا الفنان يجرب فنه في ظهور الإسلام وكيف شع نوره على هذه البقعة من الأرض، فاستنارت وأضاءت ما حولها!!.. 

وتتابعت المحاولات مع انتصار الإسلام عام ١٩٥١م وهو الفيلم الديني الثاني في تاريخ السينما المصرية، وقدمه المخرج أحمد الطوخي ومحمد حلمي شلتوت الذي استشعر خطورة وأهمية هذا اللون من الفن الإسلامي، فأسس بالاتفاق مع الطوخي شركة أفلام شلتوت الإنتاج وتمويل الأفلام الدينية السينمائية، وأعلن أنه سيتخصص كمخرج وكاتب سيناريو في إخراج الأفلام الدينية فقط.. وهو ما حدث بالفعل حيث اعتزل بعد تقديمه ثلاثة أفلام فقط...

أشرف على المراجعة العلمية لهذا الفيلم الشيخ محمد الزيني مفتش عام وعظ مديرية الجيزة وتقدمت الفيلم كلمة يقول فيها أحمد الطوخي باسم الله العلي القدير، أتقدم للشعب المصري والعالم الإسلامي بقصة «انتصار الإسلام» وهي أول ما كتبت وأخرجت مستمداً من وحي الدين النصر والعون راجياً من الله التوفيق والرضا. 

الطريف المحزن أن هذا الفيلم قد عرض إبان قيام ثورة يوليو ٥٢ التي أفقرت الأغنياء ولم تغن الفقراء، فاعتبرت محمد حلمي شلتوت الذي أنشأ الشركة الإسلامية، أحد المطلوبين لعد التها الاجتماعية، فطاردته وأنهت دوره في المجتمع!. 

ثم تابع أحمد الطوخي رحلته بفيلم بلال مؤذن الرسول، وهو الفيلم الديني الثالث في تاريخ السينما المصرية، وعرض لأول مرة عام ١٩٥٣م يوم الاثنين ٧ سبتمبر، وهو من أفضل الأفلام الدينية.. ويسجل لهذا الفيلم أنه أشرك في التمثيل فريقاً متكاملاً من الممثلين الملتزمين إسلامياً، حيث استعان بفريق المسرح الجماعة الشبان المسلمين الذين تمرسوا من قبل في كثير من الأعمال المسرحية الإسلامية، وتم تصدير الفيلم بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  (البقرة: ۲۱۸).

الدكتور الشرباصي كاتباً للسيناريو والحوار

كم هي مشهورة جملة الشيخ الشرباصي التي يقول فيها على عالم الدين أن يتفنن وعلى رجل الفن أن يتدين... لذا فقد خاض تجربة الفن الإسلامي بنفسه مسرحياً وسينمائياً... 

حيث كان الكاتب الأول لمعظم مسرحيات فريق التمثيل بجماعة الشبان المسلمين.. إلا أنه قد خاض التجربة الفنية السينمائية باحتراف في فيلم خالد بن الوليد عام ١٩٥٥م حيث قام بمراجعة الفيلم علمياً، واشترك في كتابة السيناريو والحوار مع حسين صدقي وحسين حلمي المهندس وعبد العزيز سلام، بل كان أكثرهم حماسة حتى إنه قام بتسجيل السيناريو والحوار كله بصوته على شرائط تسجيل بأداء تمثيلي ينم عن تمكنه وتذوقه الفني العالي... 

ويمر شريط الفيلم الديني بأفلام «الله أكبر» عام ١٩٥٨م، وهجرة الرسول عام ١٩٦٣م كما أسلفنا، و«فجر الإسلام» عام ١٩٧١م... وعلى الجانب الآخر كان التجار من الفنانين يعيثون فساداً باسم الفيلم الإسلامي، حيث كان شارل نحاس في نفس الفترة - من بدايات الفيلم الديني تقريباً يقوم بإنتاج فيلم «السيد البدوي» عام ١٩٥٣م ليقدم شخصية - مختلفاً حولها - حافلة عملاً رديناً بالسحر والمعجزات والخوارق وليقدم . مليئاً بالعري والإغراء وحوار الأجساد الملتهبة. والرقصات الخليعة.

كتب السيناريو والحوار للفيلم بيرم التونسي فأغرق في الدغدغة والإثارة والهبوط وتم الزج باسم الشيخ محمد البناء مستشاراً دينياً للفيلم!!. وعلى نفس المنوال المختل كان فيلم «شهيدة الحب الإلهي رابعة العدوية عام ١٩٦٢م، وهي أم الخير بنت إسماعيل، رابعة أخواتها.

وتمضي قافلة الأفلام

ثم تكررت التجارب بين الإحسان والإساءة في تناولها لجوانب من السيرة العطرة وما يتعلق بها من أيام الإسلام والمسلمين... مثلما حدث مع فيلم الشيماء أخت الرسول ، حين تعاقدت مؤسسة السينما مع أديب الإسلام الكبير علي أحمد باكثير على شراء قصته «شادية الإسلام». بألفي جنيه، لتقدمه بالألوان أول مارس عام ١٩٧١م بعد أن أفسد عبد السلام موسى وصبري موسى كتابة السيناريو، ولم يوفق عادل عبد الرحمن في الحوار الذي أخل بقصة باكثير أيما خلل، لكن الفضل في نجاح هذا الفيلم يرجع إلى الحشد الهائل في الإخراج الذي قام به حسام الدين مصطفى، حيث استعان فيه بمواد إخراجية مبهرة في التصوير والتنفيذ، حتى بلغ عدد الخيول المستخدمة في الفيلم ٢٥٠٠ حصان و ١٥٠٠ جمل .... كما يرجع نجاح الفيلم أيضاً إلى الأناشيد التي أبدعها الشاعر الإسلامي الراحل عبد الفتاح مصطفى مثل: أشرقت شمس الهدى والنجاة. وطلع البدر علينا، وصدق وعده، وهواجريحاه وما يرى جراحي وكم ناشد المختار ربه التي استغرقت نصف وقت الفيلم تقريباً ..

جدير بالذكر أن هذا الفيلم قد حضر تصويره المخرج السوري الأمريكي مصطفى العقاد مخرج فيلم «الرسالة» في منتصف الثمانينيات فيما بعد، وخريج نفس الجامعة التي تخرج فيها حسام الدين مصطفى وهي جامعة كاليفورنيا الجنوبية بأمريكا، وهي نفس الجامعة التي تخرج فيها عبد السلام موسى كاتب السيناريو أيضاً.

الإفساد اليهودي

ويسجل تاريخ السينما إفسادات خطيرة وكثيرة، قام بها فريق يهودي يعمل وفق تنسيق منظم، على رأسهم كما يقول المؤرخ السينمائي أحمد الحضري.. وداد عرفي الذي أراد يوما . عن عمد - تمثيل منظر، الصلاة... في فيلم «ليلى» فجعل المصلين يصلون والمؤذن واقف بينهم.. وعبثاً حاولوا إفهامه أن المؤذن يؤذن قبل الصلاة لا في أثنائها، وأن هذا المنظر يدل على جهل تام بالإسلام فلم يمتثل إلا بالقوة الجبرية!!.

وفي الفيلم نفسه «ليلى» - الذي كان اسمه نداء الله، فقالوا له: إن اسم الجلالة لا ينبغي أن يوضع على لافتات الأفلام العارية المخلة - أراد وداد تمثيل فتاة بدوية تسجد أمام تمثال أبي الهول، وتناجيه بقولها: أيها العلي العظيم الساهر على شعبي منذ الأزل في ملكوتك أعد لي حبيبي وعبثاً أيضاً حاولوا إفهامه أن البدو لا يعبدون إلا الله ولا يعبدون أبا الهول.. ولكنه - كما يقول أحمد الحضري - لم تكن يهوديته قد فاحت بعد ..؟! 

وتفاجئنا أيضاً بدايات السينما المصرية بوجود شخصية شالوم اليهودية الشهيرة بطلاً لأربعة أفلام. هي ٥٠٠١٠ عام ۱۹۳۳م، و «شالوم الترجمان عام ۱۹۳۵م، والعز بهدلة عام ١٩٣٧م وشالوم الرياضي عام ۱۹۳۷م.. وكلها للمخرج توجو مزراحي، وهو مخرج متمصر من أصل إيطالي يهودي الديانة.. ولكن كل هذه الأفلام باعت بالفشل لعدم تقبل الجمهور لها .. حيث كانت مأساة فلسطين قد بدأت أحداثها تغلي في قلوب وصدور المسلمين إبان ثورات القدس عام ۱۹۲۰م ويافا ۱۹۲۱م والبراق عام ۱۹۲۹م وثورة ۱۹۳۳م إلى ثورة القسام الجهادية الاستشهادية عام ١٩٣٦م.

 

 واحة الشعر

صرخة من عمق المأساة

ليل الكؤوس تديره السمار    

 

والناس في غفلاتهم مزمار

يلهون في دعة على أوتارهم

 

وجسومهم.. في عريها أقذار

يتسابقون إلى الردى في كرهم 

 

والموت.. في أيامهم هدار

فالكافرون تكاتفوا في بغيهم

 

وتعاونوا.. في قتلنا وتباروا 

والمسلمون تنافروا في عيشهم

 

وتناحروا فجموعهم أشطار 

ما بين جبار على إخوانه 

 

وعلى العدو تخونه الأنصار

يا إخوتي زاغت بنا الأبصار

 

وقلوبنا ضاقت بها الأوتار

هذا العدو يدوس فوق رؤوسنا

 

وسلاحه من حولنا أسوار

نفدت ذخيرتنا وقل عديدنا

 

فسلاحنا الآيات والأذكار

أطفالنا في كل أرض شردوا

 

جوعاً.. وعرياً والنفوس كبار

ما عاقنا قتل الشيوخ ودورنا

 

تاهت بها الأمجاد والأقمار

أخواتكم يا مسلمون تهتكت

 

إن الأسود تغير حين تثار

ما عدت أجزم أننا من أمة

 

معنى الرجولة، إننا أحرار

الذل خيم. فانهضي يا أمتي 

 

فجميعنا تجري بنا الأقدار 

يا أمتي طال السبات فأيقظي

 

أعراضهن فهل لكم ثوار؟

يا أمتي كنا شعاع هداية

 

للناس فالدنيا بنا أنوار

كنا حماة العدل فاسال ضدنا 

 

يخبرك أنا أمة أبرار

سل كل أرض قد وطئنا تربها

 

ستجيبك الأمجاد والآثار

سل سيف خالد عن مآثرنا التي

 

غنى بها سعد كذا عمار

سل عن معاركنا التي ما صاغها

 

كذب ولا حملت بها أفكار

سل عن حنين وسل عن اليرموك ما

 

دوى بها نذل ولا خوار

سل بدر عن أعدادنا في حربنا

 

وسل المنايا هل لها أوتار ..؟ 

سل مصر واسأل شامها عن عزنا

 

سارت به الركبان والأطيار 

يا مسلمون وضج في قلبي الأسى 

 

وتقاتلت في داخلي الأمرار 

يا مسلمون، وفي فؤادي حسرة

 

لا يحتويها داخلي إضمار

يا مسلمون، ودمعتي قد فتقت 

 

صبري وجرحي نازف موار 

يا مسلمون، وما عساي أقول في

 

عصر.. يسيرنا به التيار

يا مسلمون وألف بيت في دمي

 

ما صغته ستصوغه الأشعار

لو كان فينا مؤمن متوثب 

 

ما ساد فينا الشر والأشرار

لو كان فينا من بقايا خالد

 

بعض الأسود لهابنا الكفار

ياليل.. حدث عن بقايا أمة

 

مملوكة يغتالها استعمار 

تجري بها الأيام حبلى بالمني

 

في عالم أحلامه تنهار 

يا ليل سوف تزول هذا وعدنا

 

من ربنا.. وستورق الأشجار

يا شمس غيبي في بقايا أرضهم

 

في أرضنا تتنافس الأسفار 

يا نجم كن سهماً على أعدائنا

 

واضرب وجوه الكفر يا إعصار

يا صبح نور بالفلاح طريقنا 

 

وانصر جموع الحق يا جبار 

يارب إنا قد أتينا نشتكي

 

ظلماً وأنت الواحد القهار 

 

الرابط المختصر :