; المجتمع الثقافي عدد (1200) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي عدد (1200)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1996

مشاهدات 68

نشر في العدد 1200

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 21-مايو-1996

• ومضة

رغم إعجابهم بحديثه إلا أنه بقي في نفوس بعضهم عدد من التساؤلات وعلامات التعجب والاستهجان حيث قال أحدهم: هل يكفي أن أصبر أمام من يشتمني ويسئ الأدب معي؟ ألا يشعره ذلك بضعفي ويغريه بالمزيد؟ وقال آخر: لا يمكن إيقاف أذاه إلا إذا واجهته بمثله؛ لأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، وأنشد ثالث: ومن لم يزد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم يُظلم، ورفع رابع عقيرته قائلًا: كيف يكون تعاملنا مع التجربة الأخلاقية في أثناء الأزمات والحروب؟ وتلطف خامس بقوله: عند التعامل مع الأولاد يحتاج المربي أحيانًا إلى شيء من الشدة حتى يستقيم له أمر تربيتهم أو تربية شريحة منهم على الأقل.

 وهكذا توالت الأسئلة والاستفسارات، والرجل ساكت لم ينبس ببنت شفة، ولم يفارقه هدوؤه المعتاد، ولما همَّ بالكلام صمت الجميع حتى الذين بقي عندهم بعض الاستفسارات، أصغوا بعناية لعله يجيب على أسئلتهم أثناء حديثه.

لم يخصص واحدًا من الأسئلة السالفة بإجابته وإنما أراد أن يجيب على جملة واحدة بهدف تعميق الفكرة وتأكيد أهميتها فقال: إن المواقف التي تعالجها التجربة الأخلاقية، تشبه الأمراض التي تحضر لها الدواء المناسب حسب إشارة الطبيب، لكن هذا الدواء يمر بمراحل عديدة منذ أن كان عشبًا في الأرض وإلى أن أصبح مركبًا علاجيًّا، أما في مجال «التجربة الأخلاقية» فإن صاحبها هو الطبيب وهو المريض وهو الذي يستحضر الدواء ويجرب الخلطات حتى يستقيم له أمر العلاج. 

لنأخذ مثلًا الطفل الذي نريد تنشئته على خصال وخلال حميدة فإننا نتودد إليه أولًا فإذا شعرنا أن التودد زاد عن حده فإننا نلجأ إلى أسلوب أخر فيه ترغيب أو ترهيب حسب الحاجة ويحدد الحالة التي نتعامل معها، أو نستعين بالمعلم في إكمال الدور الذي نقوم به أو نبحث عن الصحبة الصالحة التي تؤثر فيه أو نختار من الأسرة من يُكِنَّ له الطفل احترامًا أو حبًّا أو خوفًا، وفي كل مرحلة أو خطوة ربما نزيد المقدار أو تنقصه، وعندما نكتشف الخلل نعمد إلى إصلاحه بتعديل الأسلوب أو المسلك التربوي.. إننا بهذه التجربة الاخلاقية، نعالج أنفسنا حتى نصبح مؤهلين للتعامل مع الآخرين.

 

• إصدارات مختارة

• مجلة الأدب الإسلامي

تواصل مجلة الأدب الإسلامي «التي تصدرها رابطة الأدب الإسلامي العالمي» رحلتها الأدبية المثمرة، فتحمل في عددها الثامن زادًا أدبيًّا غنيًّا ومتنوعًا، يطوف أرجاء الإبداع والبحث والدراسة، ويقدم لنا نماذج معبرة مما يكتبه أدباء الإسلام في شتى أقطار الأمة الإسلامية. 

يتحدث الدكتور «عبد القدوس أبو صالح» عن مصطلح الأدب الإسلامي الذي لقي معارضة عندما طرح في الساحة الأدبية وتراوحت المعارضة بين رفض المصطلح ووضع بدائل عنه، ويناقش الكاتب -الذي يرأس تحرير المجلة- مقالات المعارضين ليصل إلى اعتماد مصطلح الأدب الإسلامي، بوصفه مصطلحًا دالًا وشاملًا. 

ويعالج الدكتور «إبراهيم السامرائي» كتاب «السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني» متناولًا حياة أبي الفرج الأصفهاني وما أثير حولها، ويعرض لكتاب الأغاني ومضمونه ويخلص إلى أن «الانحياز» يفسد العلم.

وتنشر مجلة «الأدب الإسلامي» دراسة طويلة وجيدة عن الناقد الراحل الدكتور محمد محمد حسين. يرحمه الله- بقلم «محمد عبد الحميد محمد خليفة» وتبرز الدراسة جهود الرجل في الدفاع عن الهوية الإسلامية وخدمة الأدب الإسلامي، حيث ساعدته على ذلك قدرة نقدية شاملة تدعمها بصيرة ساطعة ودقة منطقية في رصد الظواهر الفكرية والأدبية.

وتقدم المجلة لقراء العربية- لأول مرة- شاعرًا ماليزيًّا، وتعرف بشخصيته وشعره من خلال مقالة الدكتور «محمد مصطفى بدوي» عن الشاعر الماليزي المسلم «أحمد كمال عبد الله» وهو من شعراء ماليزيا الشباب الذين يحملون الإسلام في قلوبهم وشعرهم، ويبدو اهتمامه بالقضايا والأحداث الجارية واضحًا في شعره، كما تبدو عميقة في فهم جذور البلاد التي تعيشها الأمة الإسلامية في أيامها الراهنة، ومن قصائده التي تشير إلى ذلك قصيدة «موزاييك» ويتحدث فيها عن النظام التربوي السائد ويقول فيها:

«إن نظام التربية -مثل سفينة منجرفة مع التيار- والريح الغربية الفاسدة تنفخ النار في الرماد». 

وتنشر المجلة في هذا السياق ترجمة القصيدة الشاعر الماليزي «أكمل بن الشيخ الحاج محمد زين» وهي بعنوان «قد بُحَّ صوتنا»، ومنها:

إخواننا -ها نحن إخوانكم في الدين- معًا نصلي كل وقت- من كل ركن، نبعث بتعازينا بينما الأجساد الجامدة ترسل إلى الموقف الأخير- ستة عشر منا يهتفون- وقد بُحَّ منا الصوت- ونحن نندب الناس الذين ليس لديهم وقت- ليسلموا عليكم- ليس لديهم الوقت كيما يحملوا السلاح معكم- وعلى كل حال فإننا نفهم- لأجل من أنتم تسقطون».

وفي المجلة دراسة عن الشاعر علي محمود طه بوصفه شاعر العروبة والإسلام كتبها، الدكتور حسن فتح الباب، وعلي محمود طه صاحب القصيدة الشهيرة: «أخي جاوز الظالمون المدى» التي كتبها عن مأساة فلسطين وهناك دراسة أخرى حول النثر الفني عند أهل الحديث كتبها محمد رستم، وعرض لمجلة قافلة الأدب الإسلامي التي تصدر بالأوردية في شبه القارة الهندية.

يضم العدد الثامن من مجلة الأدب الإسلامي، عروضًا للكتب الجديدة، ومقابلة أدبية ومختارات من ثمرات المطابع وأقلامًا واعدة، فضلًا عن القسم الرئيسي الذي يضم الإبداع الأدبي من قصص وقصائد ومسرحيات لنحو خمسة عشر أدبيًّا وشاعرًا، كما يضم ثبتًا بموضوعات السنة الثانية من عمر المجلة، وثبتًا آخر بأسماء الكتاب والشعراء الذين كتبوا هذه الموضوعات.

ويترقب القراء العدد القادم الذي خصصته المجلة للأديب الكبير الراحل الدكتور «نجيب الكيلاني» وقد جرى إعداده منذ وفاته وتوضع له اللمسات الأخيرة الآن، وتواصل «مجلة الأدب الإسلامي» رحلتها المثمرة بإذن الله.

 

• الرباط الوثيق بين آداب العرب وتاريخهم وبيئتهم

بقلم: عبد الرحمن جميعان

ترتبط آداب العرب بالتاريخ وبالبيئة والدين، فلا انفكاك ولا مناص لدارس الآداب من هذا الرباط المحكم، فجميعها مقرونة بقرنٍ واحد لا تكاد تُفصم.

 ومدارسة هذا الخليط معوانٌ لفهم الأدب وتاريخه، ثم فهم هؤلاء الناس الذين أقاموا هذا العلم وقاموا به، فمن رام دراسة جزء من الأدب فقد أبعد المذهب، إذا لم يُدرك هذه الحقيقة، وكان كمن جز سمط اللآلئ فتناثرت حباته على الأرض وفرط العقد، فعندئذ تتفكك العلائق، وتنفصِمُ العُرى، فيصعب الولوج إلى آدابنا لمدارسَتها ثم يكون اقتراف الخطأ، ويتراكم هذا الخطأ إلى أن يأتي اليوم الذي تتفكك فيه الآداب وتفترق عن التاريخ، وتبتعد عن الدين فلا يعبِّر الأدب عن حالة الأمة، ولا يدل إلا على تاريخ ممزق لا يدري متي ابتدأ وإلى أين يصل ولا أي طريق سَلَك.

فمدارسة الآداب، وعلى وجه الخصوص، آداب أمتنا العربية والإسلامية لا يكون، ولا يأتي ثماره إلا بذلك الربط المُحكم بين أجزائه.

وحتى لا نذهب بعيدًا نضرب لذلك مثالًا:

 لو أراد كاتب مثلًا أن يكتب عن شاعر من شعراء الجاهلية، فماذا عليه أن يفعل؟ 

لو أخذ الشاعر وانتزعه من تاريخ أمته، وأخذ بعض فقرات من شعره، وبعض أقاويل يختطفها خطفًا من هنا وهناك، لاضطرب في فهم أسلوب ومغزى ومعنى شعره!! فهل هذا طريق لدراسة آدابنا؟ لا شك أن هذا الطريق قد درج عليه كثير من محققي التراث اليوم ومن كتبة المقالات، ولكنه ليس الطريق السوي لدراسة آثار هذه الأمة.

إن الطريق السليم الذي قد يفتح مغاليق في التاريخ وفي الحركة وفي فهم الشعر هو:

  1. دراسة البيئة العربية وقراءتها قراءة درس وفهم ووعي.
  2.  دراسة تاريخ الشاعر وتحركاته وهجراته وحروبه وعشقه من مصادر  شتى، ثم ربط الأشباه بنظائرها، ونقد وتحليل النصوص.
  3. عند ذلك تأتي قراءة ديوان الشاعر قراءة متأنية واعية، يقف عند كل كلمة، وكل قصيدة ليفهم الروح التي تحرك القصيدة وليتعرف على الحادي الذي تتراقص الألفاظ أمامه لتتحدد المعاني سليمة صحيحة.

هذه بعض أصول الطريق، وعسى بهذا الطريق نستطيع أن نفهم ما يرنو الشاعر إليه، وما تصبوا إليه كلماته!.

والذي جرني إلى هذا الكلام وألجأني إلى هذا المدخل هو ما قرأته لكاتب اشتهر بإعداد السيناريوهات الإذاعية والتليفزيونية في مقالة بدأها بذكر قصة لبيد في أحد طرقات الكوفة ثم ألقى نتيجتها كأنها قضية مسلم بها وهي أن أشعر الناس ثلاثة: امرؤ القيس وطرفة ولبيد

ولو رجع كاتبنا إلى كتب الطبقات وكتب الأدباء الذين ألفوا في الأدب الجاهلي لما ألقى الكلام على عواهنه:

ففي كتاب الديباج «أبو عبيدة-معمر بن المثنى التيمي» يقول: اتفقوا «العرب» على أن أشعر الشعراء في الجاهلية امرؤ القيس بن حُجر الكندي والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمى، ثم اختلفوا أيهم أشعر ثم أورد الخبر الذي ذكره الكاتب.

وعلَّق أبو عبيدة قائلًا محتجًا على كلام لبيد -رضي الله عنه- فقال من يحتجُّ عليهم: إنما قول «لبيد» اختيار لنفسه كما يختار الرجل الفارس والشاعر وليس كالمجتمع عليه ثم جعل نفسه ثالثًا.

ثم قال في ص7: قال أبو عمرو بن العلاء: وخداش بن زهير أشعر في نظم الشعر من لبيد إنما لبيد «صاحب صفات» (۸۷).

ثم يأتي صاحب «فحول الشعراء» ص ٥٤ ويذكر الخبر، ويستل منه تفضيل امرئ القيس وطرفة، ولا يلتفت إلى لبيد -رضى الله عنه- ولا يضعه في طبقة امرئ القيس ولا مع الحطيئة وكعب بل يضعه في الطبقة الثالثة من طبقاته مع الشماخ، ونابغة بني جعدة وأبو ذؤيب الهُذلي وعندما يتكلم عن الشماخ -رضي الله عنه- يقول:

«فأما الشمَّاخ، فكان شديد مُتون الشعر «عباراته وألفاظه وصياغته» أشدُّ أسر كلام من لبيد «بناء وتركيب الكلام» وفيه كزارة «شدة في الألفاظ»،  ولبيد أسهل منه منطقًا» ص ۱۳۲، «شاکر».

وفي الطبقات ص ١٣٦ قولة لا أدري قرأها الكاتب أم لا؟

فلعلها هي التي ظنها في تفضيله «وكان في الجاهلية خير شاعر لقومه: يمدحهم ويرثيهم، ويعد أيامهم ووقائعهم وفرسانهم».

فهذه العبارة لا توحي بتفضيله حتى على شعراء قومه، وإنما هو أفضلهم لقومه، نظرة وفاء وتقدير لقومه فقط وليس وراء ذلك شيء!!.

نعم هناك نص ذكره الدكتور «إحسان عباس» محقق ديوان لبيد «الكويت ١٩٨٤» «نقلًا عن الأغاني ١٤/٩٧»: في ص ۲۱ لأن النابغة عندما أنشده لبيد بعض القصائد، ثم أنشده معلقة «عفت الديار» قال النابغة «اذهب فأنت أشعر العرب».

وهذه الرواية عن حمَّاد الراوية، ويقول ابن سلام عن حماد «هذا ولقد كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها، حمَّاد الراوية، وكان غير موثوق به وكان ينحل شعرًا لرجل غيره وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار » ص ٤٨.

والنص يحتاج إلى نظر.. وإن اعتبرها محقق الديوان وهو مَن هو!!

ومن أراد فليرجع إلى ديوان لبيد ففيه مقدمة رائعة حول لبيد وشعره وعصره.

 

• حجة دامغة

دُعِي الإمام أبو حنيفة لمناظرة بعض الزنادقة الملحدين وضُرِب لذلك موعد محدد، ولما حان الوقت المضروب اجتمع الزنادقة في المكان المحدد على ملأ من الناس، وتأخر الإمام أبو حنيفة عن الموعد المحدد، وانتظر المجتمعون حتى ضاقوا ذرعًا بذلك التأخير، وأخذ الزنادقة يتيهون إعجابًا بأنفسهم وبما يَدَّعُون من إنكار الخالق سبحانه، متخذين من غياب الخصم عن موعد المناظرة دليلًا على عجزه، وما كاد تيه الملحدين بأنفسهم وبدعواهم يبلغ أوجه، وما كاد تبرُّم الحاضرين يبلغ ذروته، حتى حضر الإمام أبو حنيفة وبادر بالاعتذار عن تأخره محتجًّا بأنه كان مزمعًا على الحضور في الوقت المحدد فقال: لقد كنت على الطرف الثاني من النهر ولم أجد مركبًا ينقلني عبر النهر فاضطررت للانتظار طويلًا غير أني لم أظفر بحاجتي، ولما يئست من وصول مركب ينقلني إلى الشاطئ الآخر من النهر هممت بالعودة إلى منزلي غير أني رأيت على النهر بعيدًا ألواحًا من الخشب قادمة بنفسها وما إن وصلت قريبًا مني، حتى بدأت هذه الألواح الخشبية ينضم بعضها إلى بعض لتصير بين يدي زورقًا، فركبته وقطعت به النهر وقدمت إليكم، قال: الزنادقة جميعًا: أتهزأ بنا يا أبا حنيفة؟ وهل يمكن أن تأتي ألواح الخشب بنفسها كما وصفت فتشكل زورقًا، فقال لهم هذا ما اجتمعتم لتجادلونني فيه، فإذا كنتم لا تقبلون أن زورقًا يصنع نفسه بنفسه فكيف تدَّعون أن هذا الكون المتقن العجيب بما فيه من سماء وأرض وإنسان وحيوان قد أوجد نفسه بنفسه من غير خالق موجد، فبهت الزنادقة ووقفوا لا يحيرون جوابًا بعد أن لزمتهم الحجة الدامغة وأسلموا على يديه -رضي الله عنه-.

 محمد أبو سيدو

الرابط المختصر :