العنوان المجتمع الثقافي (عدد 1277)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1277
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 25-نوفمبر-1997
إنها تذكرة
بالقرآن كنتم أمة قارئة
إعداد: مبارك عبد الله
مازال البعض منا يشعر بالحاجة إلى أجانب يشيدون بدينه وعظمة حضارته وتميزه وقيمته في الحياة المعاصرة، لذلك ترانا في ترويج ما يدلي به الأجانب المنصفون من إطراء وإشادة بديننا وحضارتنا، ولا ينسى جيلنا ما كان لكتاب «حضارة العرب» لغوستاف لوبون من مكانة وإقبال في الوسط الإسلامي، ولعل من آخر ما صدر في هذا المجال، كتابات الفيلسوف الفرنسي روجي جارودي، ومن أهم الدوافع للتجاوب مع هذا الصنف من القول في الإسلام شعورنا بالضعف أمام الحضارة الغربية، ويتفاوت هذا الشعور تفاوتًا صارخًا أحيانًا، إذ يكاد يصل الأمر إلى الإقرار بالهزيمة والاستسلام.
مؤخرًا انعقد مؤتمر بأوروبا في موضوع «محاربة الأمية» فقال المندوب الإسباني لمندوب المغرب: أستغرب أن تتفاحش بينكم ظاهرة الأمية وقد عرفتم بالأندلس بأنكم أمة قارئة إذ لم يكن في هذه البلاد أمي واحد في المدن والقرى، وذلك بفضل القرآن الذي قضى على الجهل والأمية، وفي الوقت نفسه يعلم الأخلاق ويهذب السلوك، إنكم أيها المسلمون في غنى عن المناهج الغربية ذات التكاليف الباهظة، والنتائج الهزيلة بالنسبة لمحاربة الأمية بتعليم القرآن.
وقد عاد المندوب المغربي إلى بلده عازمًا على محاربة الأمية بالقرآن ومناهجنا في تحفيظه لقدرته على التغيير والتثقيف والتنمية الاجتماعية، وهكذا أفادنا مندوب أوروبي إفادات مهمة عن تاريخنا الحضاري، وموقعنا الثقافي المتميز بفضل القرآن الكريم.
وقد صدق، فبالقرآن كنا أمة قارئة ومتحضرة ورائدة وغنية، وسائدة ومبدعة، ومتقدمة ومكتفية، وفاتحة ومانحة، وسليمة من أمراض الحضارات المادية والمنحرفة، فمتى يقتنع المهووسون بتقليد الغرب بأن القرآن الكريم هو مصدر تقدمنا وقوتنا، وخروجنا من الظلمات إلى النور؟
د. عبد السلام الهراس
عصر تغيير المصطلحات أو جماعة القاموس الجديد
بقلم: د. عبد الرزاق حسین
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ (العصر: 1-3).
إن هذه الألفاظ التي تكون لحمة اللغة وسداها، محفورة في ذاكرتنا، منقوشة على صفحات قلوبنا، منسوجة في خلايا عقولنا، ولا يمكن التخلي عنها، بل يستحيل نقلها إلى معان أخرى.
ومع أن علماء اللغة يؤكدون على أن اللفظة تظل -عبر سيرها الزمني الطويل- تحمل دلالة وضعها الأصلي مهما طرأ عليها من تعديل في حمل دلالات رديفة أو مشابهة أو إضافية، إلا أن جماعة القاموس الجديد وأصحاب شعار عصر تغيير المصطلحات يرون أنه قد مر زمان طويل على استعمال دلالات الألفاظ في معانيها المألوفة المعروفة، وكما قيل:
وطول بقاء المرء في الحي مخلق *** لديباجتيه فاغترب تتجدد
والماء يأسن لدوام بقائه وعدم جريانه، ومن هنا طلعوا علينا بنظرية التضاد، التي شرحوها لنا على النحو الآتي:
لماذا نظل ونحن في عصر ثورة المعلومات نتمسك بأهداب الألفاظ؟ وكأننا مجبورون على أن نبقى نكن لها ما كان يكنه لها أجداد مضوا، وكأنها لا زالت كما هي، لماذا لا تحدث ثورة جديدة، فنلبس الألفاظ أثوابًا تناسب عصرنا؟ لماذا لا نفجر دلالاتها؟ ونغير أسماءها، فنزيل عن ظهورنا كل عبء هذا التاريخ الطويل لها، ونمسح من مشاعرنا ما ارتسم فيها من ارتباط وألفة.
فمثلًا، لماذا يظل مصطلح «الخيانة» منفرًا تشمئز منه النفوس، وتضطرب له الأفئدة فمن الممكن أن يتحول إلى معنى «الأمانة» فتنطقه بشعور راض، وإحساس مريح.
ولماذا لا تصبح الكراهية حبًا، والغدر وفاء والحلو مرًا، والرذيلة فضيلة، والبيع شراء، والغاصب وريثًا، واللص شريكًا، واليد السفلى خير من العليا؟
حاورنا جماعة القاموس الجديد، وأتينا لهم بالأدلة العقلية والنقلية، وأبنا لهم عن صعوبة مسح الأدمغة والشرايين التي تخللتها هذه الألفاظ، فعموا وصموا وقالوا:
هذا هو عصر تغيير المصطلحات، هذا هو قاموسنا الجديد فمن رضي بمصطلحاتنا الجديدة، فجعل الأخ عدوًا، والعدو حبيبًا، والقاتل المغتصب متحضرًا، والشهيد مجرمًا، والجهاد إرهابًا، والإذعان رجولة، والوطن هجرة، رضينا عنه، وأرسلنا له نسخة من قاموسنا، ومن لم يوافقنا حولنا مصطلحه من حي إلى ميت.
ضحكنا في سرنا، وقلنا: سنظل متمسكين بالحق والصبر اللتين وردتا في سورة العصر، وسنرفض عصر تغيير المصطلحات.
وإن أجبرنا على دراسة نظريتهم، نقول لهم بمنطقهم: الرضا هو الغضب، والموافقة هي المخالفة، ﴿ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ﴾ (سورة طه: 47).
اليونسكو.. هل تنظر بعين واحدة؟
بدأت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة تنفيذ مشروع «كتاب في جريدة» الرامي إلى نشر بعض الكتب مسلسلة على صفحات اثنتين وعشرين جريدة عربية توزع قرابة ثلاثة ملايين نسخة يوميًا.
وقد وضعت اليونسكو ثلاثة اعتبارات عند اختيار الكتب المنشورة وهي ألا يخدم النص أي إعلام سياسي أو ديني، وألا يتضمن أي إساءة أخلاقية للرأي العام حسب قول المشرف العام على المشروع شوقي عبد الأمير.
ولكن استعراض أسماء الكتاب الذين ستنشر كتبهم في السلسلة يكشف غير ذلك، فالمشروع يبدأ بكتاب لأدونيس الشاعر السوري الذي تخلى عن اسمه العربي «علي أحمد سعيد» واتخذ اسمًا لأحد آلهة الفينيقيين في زعمهم وكتاباته لا تخدم أي هدف ديني بالفعل، كما قال مدير المشروع ولكنها تطعن في العقيدة، وفي القيم الدينية.. ويكفي أن ينسب إليه قوله إن الله أعمى! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
أما بقية القائمة فتشمل أسماء سعد الله ونوس، ونجيب محفوظ، وصلاح عبد الصبور، وأمل دنقل، ورضا منيا، وإلياس فوري، والطاهر وطار، وهؤلاء جميعًا معروفون باتجاهاتهم العلمانية.
فأين الحياد الثقافي الذي نصت عليه اعتبارات المنظمة العالمية لاختيار الكتب المنشورة وهي تتضمن كتابات وكتابًا يتعمدون الإساءة إلى الدين، ويعدون ذلك جزءًا من رسالتهم التي يناضلون من أجلها ..
قصة قصيرة.. الطريق إلى الجنة
بقلم: عبد الرحمن فرحانة
في ماء عينيه كانت تستحم نسائم الصبح المعطرة بفيح أزاهير اللوز والليمون... كان منتداه اليومي ومرتع طفولته تحت أشجار الزيتون التي تحتضنها سفوح تلال القرية... وبالتحديد تحت زيتونة رومية في جاكورة أبي محمود... في ظلها كان يذاكر دروسه اليومية وتحت أغصانها يقرأ أشعاره بصوت عال...
وبمحاذاة جذعها المسود والمتآكل من فعل السنين الممتدة عبر الزمن السحيق كان يتلو في مصحفه الصغير ورفيقه الحبيب... ورغم أن المصحف الشريف يضم بين دفتيه عشرات السور الكريمة إلا أنه كان يختارها من بين كل السور ..الإسراء.. لأنها كانت تجمع روح الوحي والوطن في معنى ورمز واحد، وبصوت عذب يحن له الصخر الأصم بدأ يتلو ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ (سورة الإسراء:آية رقم (1))
ومع كل آية تفيض دموعه لتبلل لحيته النامية حديثًا التي لم تصلها شفرة الحلاقة أبدًا.
يغلق مصحفه الصغير ويربت بحنو بالغ على جذع الزيتونة بكفه الغضة ويحرك شفتيه بصوت مسموع وكأنه يلقي قصيدة رائعة:
أنت هنا أيتها الزيتونة المباركة منذ آلاف السنين كم من الغزاة انحنوا ليمروا عابرين من تحت أغصانك الشماء قد يكونون قد سرقوا بعضًا من حياتك المباركة في كل عهد مروا فيه من هنا... إلا أنهم عبروا كما يعبر العابرون من فوق جسر أشم... وهؤلاء مثلهم.... سوف يعبرون... يا زيتونتي المباركة.. قدمي وجذعك مغروسان هنا في كبد هذه الأرض.. أما هؤلاء القردة والخنازير... لا بد راحلون ولا عليك يا زيتونتي الحبيبة .... سيكون لي معهم جولة لن ينسوها وستظل جذورك المتينة هنا ... تسيخ في عمق الأرض، وأغصانك المخضرة فستبقى تهتز بحبور لتلعب مع نسمات الغرب وعصافير المساء لعبتها الحبيبة لم يكن رائد يهذي أو ممن يهيم سارحا مع أحلام اليقظة، إنه ابن الكتائب، وإذا قال فعل هكذا تعلم من «الكتائب.... أن يُغطي الفعل مساحة الكلمات ولربما أكثر بكثير. تعلم كيف يكون الفعل ضخمًا لكي يثقب جدار الهزيمة الذي يحيط بالأمة من هدير المحيط في طنجة وحتى مآذن بخارى.
هبط رائد من فوق التلة المكتظة بأشجار الزيتون الخضراء يتقافز فوق الصخور السمراء مرددًا سأثقب جدار الهزيمة سأثقب جدار الهزيمة ... سأمزق أسفار السلام الزائف واتجه هناك... نحو، نحو ذلك الرجل الذي سيمنحه مفتاح الجنة كما يتصور، وطرق الباب... ومن خلف سور عتيق نمت عليه طحالب خضراء قائمة خرج صوت حذر من هناك؟
أنا رائد... عاشق الجنة.
ومع صوت رائد ظللت من بداخل البيت سحابة من طمأنينة فطفق يقول:
أهلا .... مرحبًا بك يا رائد... ظننتك عدلت عن الأمر.
سامحك الله يا أخي... وهل عهدت أبناء الكتائب يتثاقلون، وها أنا أتيتك لكي أسألك متى الصيد؟
غدًا إن شاء الله ... بعد الفجر كُن جاهزًا
-وأين سيكون
لا تستعجل ... غدًا ستعرف إن شاء الله
وانطلق رائد عندما تيقن من ساعة الصفر وبعدما تحقق من أن الطريق إلى الجنة بات سالكًا بمشيئة الله ولم يتبق إلا ساعة الانطلاق وبدأ يشعر بأن الساعات المتبقية من عمره طويلة جدًا وكأنها عقود من الزمن، الشيء الوحيد الذي كان ينسيه تمدد الزمن عندما كان ينظر في صفحات المصحف الشريف يتلو كلمات ربه الذي سيفضي إليه بعد سويعات قليلة، أو عندما ينظر في عيني أمه اللتين تشعان محبة غامرة وحنانًا دافقًا ولكن ما يحيره... كيف سيودع والده.... وفجأة وجد نفسه في فناء البيت يهمس في أذن أبيه. سامحني يا أبتاه... قد أسافر سفرًا طويلًا وأتوسل إليك أن ترضى عني.
فسأله والده بدهشة بالغة:
ولكن إلى أين؟
غدا ستعرف يا أبي
وتطهر رائد وتطيب وكأنه سيزف إلى عروسه... وأخذ يصلي ... ويصلي ويردد الدعاء
وكلماته تتردد في جوف الليل البهيم: اللهم اجعلني سهمًا من سهامك في نحور اليهود وأمهمن خلف ستار الظلمة في الغرفة الأخرى تسمع صلاته ونشيجه وتزداد خوفًا ممتزجًا بالحيرة.
وأمضى معظم ليله في الصلاة والدعاء...
وبعد صلاة الفجر فاجأ أمه بعناق حار عند بوابة فناء البيت الخارجي بعيدًا عن الأعين، وقال لها باندفاع عارم:
وداعًا يا أماه.... أنا ذاهب إلى الجنة إن شاء الله، فقابلته بعناق أحر وبكلمات ممتزجة
بالدهشة والحيرة والخوف:
ماذا تعني يا ولدي؟
اليوم... وربما بعد ساعات ستعرفين كل شيء.
وانطلق للبيت العتيق الذي يحبه... عند أبي القعقاع ... ولف الحزام هناك حول وسطه.
ولبس لباسه جيدا... وقال لأبي القعقاع:
ولكن لم تقل لي ... أين سيكون الصيد؟
وعلى الفور أجابه بلهجة الأمر العسكري
في القدس ... الباص رقم ١٨
نفس الباص الذي ركبناه أنا وأنت مرارًا في الشهر الماضي.
نعم نفس الباص... ونفس الخط... انطلق على بركة الله !!
فقال رائد بحروف تخرج بوداعة من بين شفتيه الدقيقتين اللتين صقلتهما كلمات الوحي:
سمعًا وطاعة يا أخي.
وتسلل بين قطعان اليهود بزيه اليهودي وجدائله التي تشبه جدائل اليهود المتدينين وبين كل خطوة وخطوة كان يكبر في سريرته الله أكبر من جيش يهود... الله أكبر من مخابرات يهود... الله أكبر من دولة يهود.
وصعد الباص في رحلة الموت.. بل في رحلة الشهادة.... هناك نحو الحور العين في العلياء ومنذ أن صعد الباص قرأ آية الكرسي سبع مرات وفجأة توقف عن تلاوتها وأخذ يحدق النظر بركاب الباص اليهود وبداخله صوت ناري يجلجل ولكن دون أن تتحرك شفتاه... وكلما تقدم الباص في المسير يعلو الصوت في أعماقه... اليوم سأثأر منكم لجدي الذي قتلتموه في الهجرة الأولى ولكل الضحايا من قبله ومن بعده... اليوم سأمزقكم أشلاء مثل فرانس الطير الجارح... اليوم سأفتتح ثقبًا في جدار الهزيمة الوهمي الذي يحيط بنا ... اليوم... وتسللت يده اليمني نحو وسطه متمتمًا الله أكبر.
ويدوي انفجار رهيب يمزق أركان الباص ليتحول إلى كومة من حديد محترق... وتتطاير الأشلاء في كل اتجاه... أما رائد - ابن كتائب عز الدين القسام.... فقد ذهب إلى الجنة كما قال لأمه عند وداعها .
صدام حضارات أم سنن إلهية؟
مهما بلغت الحضارة الغربية السائدة من تقدم مادي فلن تخرج عن سنن الله في الكون
بقلم: أحمد محمد كنعان
قبل عدة سنوات صدر في الولايات المتحدة کتاب «نهاية التاريخ» للأمريكي من أصل ياباني «فرانسيس فوكو ياما»، فأثار موجة عارمة من الجدل في الأوساط الفكرية والسياسية بسبب ما ادعاه المؤلف من توقف عجلة التاريخ عند النموذج الحضاري الغربي، بزيه الأمريكي على وجه الخصوص... وبعده بفترة وجيزة طلع علينا أمريكي آخر هو «صاموئيل هنتنجتون» بمقالته الشهيرة حول «صدام الحضارات» التي نشرها في المجلة الفصلية الأمريكية (Foreign Affairs) وأثارت في حينها زوبعة أكبر مما فعل كتاب فوكو ياما، وكانت انتقادات وتعليقات واسعة في شتى أنحاء المعمورة لما زعمه المؤلف من أن الصراع بين الحضارات قد وصل إلى لحظة الحقيقة، وأنه على وشك أن يحسم نهائيًا لصالح النموذج الحضاري الغربي الذي سيكون على رأس نظام عالمي موحد تسود فيه الحرية السياسية. والديمقراطية ويتبنى النمط الاقتصادي الحر الذي سوف ينهى إلى غير رجعة كل الأنظمة التي جربها البشر على مر التاريخ .... ومؤخرًا أعاد هنتنجتون أطروحته هذه من جديد في كتابه الذي صدر بعنوان & The Clash of Civilization)
(The Remaking of World Order وأكد فيه مجددًا تفوق النموذج الحضاري الغربي على غيره من النماذج التي عرفتها البشرية ومبشرًا بتعميم هذا النموذج في شتى أنحاء المعمورة.
وواضح دون ريب ما تنطوي عليه هذه الطروحات من أهداف تنأى بها عن الموضوعية وتجعلها أقرب إلى الأيديولوجيا التبشيرية منها إلى التحليل العلمي الرصين ذلك أنها تحكم على الحالة الحضارية الغربية من خلال وضعها الراهن.
وتتجاهل بصورة مزرية سنن التاريخ وليس هدفنا في هذه المقالة الموجزة أن نفند أقوال القائلين بمثل هذه الطروحات، وإنما نود بيان ملامح المعادلة الحضارية، كما بينتها آيات القرآن الكريم والتي على ضوئها يظهر بجلاء ووضوح تهافت تلك الطروحات، ويفضح ما فيها من دس لا يخفى على كل ذي لب.
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا؟
يبين الله تعالى في آيات كثيرات من القرآن الكريم أنه سبحانه قد خلق هذا الكون وفق منهج سنني مطرد، وأنه قد أخضع كل أمر فيه لسنة «قانون» لا تتبدل ولا تتحول وأن هذه السنن تسري على حياة الأمم مثلما تسري على بقية المخلوقات المادية، ولهذا نجد القرآن الكريم يردنا مرارًا وتكرارًا للنظر في قصص الأمم الغابرة لاستنباط تلك السنن التي على أساسها تنهض الأمم أو تنحط أو تبيد ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾ (سورة الروم: 42)، وذلك لأن التاريخ بمنظور القرآن الكريم هو المختبر الحقيقي لصواب الفعل البشري أو خطئه، ومن ثم فإن العودة إلى صفحات التاريخ وفهم سنن الوجود الاجتماعي يكسبنا القدرة على تسخير هذه السنن في بناء المجتمع الفاضل الذي يعيد هذه الأمة إلى موقع الشهادة على العالمين ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة البقرة: ١٤٣) هذا الموقع الذي يفترض أن تتصدره أمة القرآن. أمة الرسالة الخاتمة.
ومن هذا المنطلق فقد بينت آيات عديدة من القرآن الكريم سنن المعادلة الحضارية التي تتخلف، والتي تحكم مصائر البشر على اختلافهم وتنوعهم، ومن هذه السن
سنة التدافع الحضاري: وهي التي بينها قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سورة البقرة: ٢٥)، فقد اقتضت حكمة الخالق عز وجل أن يكون بين البشر نوع من التدافع «الصدام» حسب تعبير هنتنجتون الذي يمنع استئثار طائفة من البشر بمصير البشرية كلها إلى نهاية التاريخ... وسنة التدافع هذه ماضية إلى يوم القيامة باعتبارها سنة مطردة وليس كما زعم هنتنجتون وأضرابه من أن الصراع على وشك التوقف وأن السلام العالمي لن يلبث أن ينشر جناحيه على العالم نعم قد تهدأ حدة الصراع حينًا من الزمان حتى ليخيل إليك أن البشرية قد بلغت أخيرًا سن الرشد وآمنت بأن الصلح خير إلا أن النظرة المدققة في صفحات التاريخ تنبيك أن مرحلة السلام ما هي إلا وقفة عابرة كاستراحة المحارب بين جولتين.... وهذا إشكال معقد يحتاج إلى مزيد من المناقشة قد نعرض له في مقالة قادمة إن شاء الله تعالى.
سنة التداول الحضاري: وقد بينها قوله تعالى: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة آل عمران:140) فليس لأمة من أمم الأرض أن تستأثر بمشعل الحضارة حتى آخر الزمان وقد تناوبت على حمل هذا المشعل حتى الآن أمم كثيرة جدًا، ذكر منها المؤرخ البريطاني الشهير «أرنولد تونبي» في موسوعته القيمة «دراسة التاريخ» أكثر من (650 أمة) ثم تخلت عنها لتسلمها إلى غيرها.
وهكذا هي سنة الله في خلقه، ومن ثم فإن الزعم بنهاية التاريخ عند نموذج حضاري بعينه كما فعل فوكو ياما وقرينه ما هو إلا من قبيل «التسويق» الفاشل لبضاعة لن تجد لها بعد حين قصير من الزمان من يشتريها وليس انهيار حلم الحضارة الاشتراكية، عنا ببعيد
3- سنة الهلاك أو التدهور: وهي سنة جارية لن ينجو من قبضتها أي من أمم الأرض حتى المؤمنة منها، لقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (سورة الإسراء: 58)، فليس لأمة مهما أوتيت من جبروت سياسي أو تقدم تقني أو علمي أن تبقى في القمة حتى آخر الزمان بل الكل إلى هلاك أو إلى عذاب مدمر «انحطاط» قبل يوم القيامة والعجيب أن الانهيار غالبًا ما يجيء وأهل الحضارة في قمة النشوة. كما بين الله عز وجل في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة يونس: 24)، فإذا بلغت الأمة غاية حضارتها، وظن أهلها أنهم قد بلغوا أوج التطور وأنهم قد ملكوا زمام الأمور كما يخيل للكثيرين اليوم من حال الحضارة الغربية... جاءها الهلاك أو حل بها الخراب والانحطاط، وهذه أيضًا سنة جارية مطردة من سنن الله في الخلق نجد شواهدها في صفحات التاريخ وفي أطلال الحضارات البائدة التي تملأ الأرض.
4- سنة إتاحة التطور الحضاري للجميع: فليس التقدم الحضاري حكرًا على أمة من أمم الأرض دون غيرها كما زعمت بعض النظريات العنصرية «النازية مثلًا»، وكما يزعم اليوم دعاة الغرب، كما أن الحضارة ليست محصورة بالمؤمنين دون الكافرين كما قد يخيل لبعضهم، وفي هذا يقول تعالى: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (سورة الإسراء: 20)، ومن ثم فإن الحالة الحضارية قد تقوم على قيم إيمانية وأسس أخلاقية، وقد تفتقد هذه القيم والأسس كما حال الحضارة الغربية اليوم.
وهكذا... نجد أن الحضارة الغربية السائدة اليوم والتي يروج بعضهم!!؟. لنموذجها مدعيًا أنها النموذج الجدير بالاقتداء، وأن التطور البشري قد وقف عندها باعتبارها قد بلغت القمة لا تخرج عن سنن الله في خلقه، وأنها تندرج في إطار تلك السنن، وأنها ليست سوى مرحلة من مراحل التاريخ، وسوف يجيء يوم قريب أو بعيد، فيطويها التاريخ في سجلاته لتمسي مجرد ذكرى ومن يدري فقد تغيب حتى عن ذاكرة التاريخ نفسه فلا يعود يذكر من أطلالها شيئًا كما فعل مع كثير من الحضارات التي بادت واندثرت ولم تحفظ لنا سجلات التاريخ عنها شيئًا، فهل من مدكر؟
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
طلب مني صديق عنواني الدائم.. فتساءلت، ومتى كان للمهاجرين في هذه الأرض عنوان؟
عنواني الدائم؟
عنواني؟
أو تسألني عن عنواني؟
يا ويح العمر
وويح قوافل هذا العصر
وويح فؤادي وجناني
***
عنواني الدائم تطلبه؟
ما أعجبه من عنوان!!
عنواني يسكن بين القهر
وبين الجور
وبين تحدي ظلم العصر
وبين سطور الأحزان
عنواني طير بحري
يشكو من هجر الشطآن
ومحارة حب هائمة...
تاهت في شعب المرجان
أضمومة ورد ذابلةٌ
تشتاق لعودة نيسان
وقصيدة حب غاضبةٌ
تزأر في وجه الطغيان..
عنواني يبحر فوق الموج..
وتحت الموج
وفوق المد...
وتحت الجزر..
وعند صخور الخلجان..
لا مرفأ أبدًا يقبله..
كي يرسو عند الشطآن..
***
عنواني غادر مسكنه..
قد هاجر يحلق بالثورات. وفي أشعار الركبان
وبالجنات...
وبيت بين شعاع الشمس...
وضوء البدر النوراني
قد هاجر يحلم ببلاد.
تسمو بحقوق الإنسان.
وتدين بشرع الرحمن
ما زال يحلق في الأجواء..
ويسبر أغوار الأعماق...
يجدف بين النيران.
***
عنواني يبحث عن بيت
عنواني يبحث عن وطن....
حُر... أهواه ويهواني
وإذا ما سرت بهذا الكون
ولاح بقلب الظلمة نور
يهتك ستر الليل...
ليولد نور الفجر..
يفتح ورق الورد
ويعصر قلب الشهد
ويعقد حبل الود الروحاني
فاخشع للنور وخالقه..
واضممه فذلك عنواني.
***
عنواني يقطن بين سطور العز
وبين تراث المجد
وبين رماح الهند.
وبين شعاب الإيمان
وتراه هنالك محفورًا
في قلب الصخر
بظفر الصبر...
ونبض القلب.
وبوح الحب
وتراه فلكًا من أمل
قد أبحر عبر الطوفان
***
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل