; المجتمع الثقافي .. عدد 1431 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي .. عدد 1431

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

مشاهدات 61

نشر في العدد 1431

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

 الأقصى في ديوانية «الوفاء» 

الرياض: شمس الدين درمش

شهدت ديوانية «الوفاء» في مدينة الرياض للشيخ أحمد محمد باجنيد «أمسية شعرية» حضرها عدد من الشعراء الشيوخ والشباب الذين أفرغوا مشاعرهم المتأججة بعزمات الأشبال المجاهدين في عرين المسجد الأقصى المبارك. 

وقد أدار الأمسية الدكتور عبد الرزاق الحمد، وتناوب الشعراء في قراءة قصائدهم وإلقائها من مقطوعة قصيرة إلى معلقة بلغت مائة بيت.

بدأت الأمسية بمقطوعة للدكتور أحمد الخاني عبر فيها عن مشاعره تجاه فلسطين ودرتها القدس والمسجد الأقصى، يقول:

بروحي درة الآمال يا عطر الرياحين 

أحيي صمتي الهدار في روح البراكين 

وهذا الصاعق المغوار في قلب الملايين 

ثم قرأ الشاعر عبد الرحمن العبد الكريم قصيدة عبر فيها بأسلوب قصصي عن انقضاضه على جندي يهودي بحجر مما جعله يسقط أرضًا، فتسرع أخته الشجاعة فتأخذ سلاح الجندي وتطلق عليه النار وتقتله بسلاحه.

         *                 *                  *

وينجح الشاعر في تصوير دور المجاهدة الفلسطينية المسلمة قائلًا:

فتناولت أختي السلاح بسرعة *** وبخفة وعزيمة وحذار 

ورمته منه بطلقة أسدية *** فشفت غليل لداتها والجار

رأس الدخيل تناثرت أجزاؤه *** عبر الطريق على شفير هار

قالوا لها: يا أخت كيف قتلته *** ولديه رشاش حيي النار

قالت: ألا تدرون أني فظة *** عند النزال، وبضة في الدار

وفي قصيدة «القنبلة الإيمانية» للشاعر فيصل الحجي نسمع صرخة الإيمان الصادقة، والعزيمة المتوثبة يقول فيها: 

فجر عيونك إن رأك طغاة *** لا تغمضن له كأنك شاة

وانحر بنحرك كل سيف إنما *** تلقى السيوف على لهاك وفاة

واثقب بجبهتك الرصاص كأنه *** خرز يصاغ الزينة وبراة

أطلق دماءك كالرصاص على العدا *** إياك أن تتوقف الطلقات 

ويقلب الشاعر في هذه الأبيات الصور المألوفة المعتادة، فالعيون تتفجر في الطغاة، والنحور والأعناق تقطع السيوف لا تنقطع بها، وجبهة المجاهد تثقب الرصاص فتجعلها خرزًا للزينة لا تنتقب بها، أما دماء الشهيد فهي تنطلق نحو العدو كالرصاص لتقضي عليه، إنها صور مستقاة من حجارة الأشبال المجاهدين التي تصد الحديد والنار! 

وإن عقيدة الإيمان تقلب الموازين الأرضية حقًا فتجعلها لصالح المؤمن يقول الشاعر فيصل الحجي:

وعقيدة التوحيد صححت الرؤى *** فانظر لما جاءت به الآيات

عاش الذين إلى القبور تسابقوا *** والساكنون قصورهم قد ماتوا

أما الدكتور حيدر الغدير، أحد الشعراء الذين يرتادون ديوانية الوفاء»، فقد كان ثابت الخطوات، واضح الكلمات حين قال مقدماً لقصيدته «هدية الدرة»: أنا من المنحازين إلى القائلين بأن المشروع الصهيوني يتأكل ويتلاشى وحجتي في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ﴾ والحديث الشريف المعروف «حتى يقول الحجر والشجر».

وقد صور قصيدته هدية الدرة بلسان الطفل محمد جمال الدرة مهداة إلى المسلمين أملاها على الشاعر يقول في مطلعها: 

فدى للقدس والأقصى حياتي *** وما أبقاه من بعدي مماتي

يطل على الدنا موتي شهيدًا *** وتنقله القناة عن القناة 

فيغدو الموت راوية بليغًا *** وأبلغ من روايته حياتي 

ويجول الشاعر في الزمان والمكان فيصف واقع المسلمين المرير ويبين أثر موت الشهيد في أمته:

فموتي هون الدنيا عليهم *** فبات الموت أغلى الأمنيات 

فعادوا مثلما ترجو منانا *** ليوثًا ضاربات قاحمات 

يربط النصر النهائي بالعودة إلى الدين حقًا واقتران الصلاة بالجهاد سواء بسواء فيقول:

سيأتي النصر أحسن ما رجوتم *** إذا صار الجهاد أخا الصلاة 

ثم ألقى الشاعر محمد ناصر الخليف قصيدة بعنوان صرخة القدس استلهم فيها تاريخ الجهاد قديمًا وحديثًا، وما للقدس من مكانة دينية عظيمة عند المسلمين، فقال:

القدس تصرخ والأقصى يناديني *** ها فاطردوا طغمة الأشرار والدون

ألم أكن لكم بالأمس قبلتكم *** وكنت مهد رسالات تناجيني

ألم أكن مجمعًا للرسل أمهموا *** محمد أي عز أي تمكين

ويبقى أمل الأقصى في هذا *** الجيل الذي تدرع بالتقوى 

وتسلح بالحجر فيقول:

يبقى لي اليوم من أطفال أمتنا *** جيل تدرع بالتقوى سيفديني

سلاحهم حجر يدمي، ونارهمو ***  تلك الذخيرة من كف المساكين

وقرأ الشاعر محمد أمين أبو بكر قصيدة قوية من شعر التفعيلة بعنوان «مارد الصحراء» تغلي بالغضب والمشاعر المتأججة من كلماتها:

تحطم غضبة الأطفال

جدران السجون 

تصوغ من آثارها الحمرًا

مقاليعًا وأحجارًا 

ونارًا موجها الهدار 

فوق جحافل الطغيان يلتطم

وطفل القدس يهتف أعطيني 

أماه أكوام الحجارة واكسري 

من أجل ذلك ما تبقى 

من سقوف القهر 

من رعب المشانق 

من سياط الذل 

حتى تسمع الهمم

              *       *      *

وكان الشاعر اليمني الشاب «ناصر العشاري» ضيف الديوانية، فألقى قصيدته المعلقة التي بلغت مائة بيت وجعل عنوانها «بركان» فكانت كلماته نفثات من البركان الثائر، وجاءت الأبيات التي تنتهي بالراء الساكنة لتساعد الشاعر في إعطاء معانيه القوية جرسًا وإيقاعًا هادرًا، وغلب على القصيدة كثير من الصيغ الإنشائية من الأمر، والاستفهام المتكرر ليظهرها بصورة خطبة شعرية، فاكتسبت القصيدة من هذه الصيغ مزيدًا من القوة النفسية المناسبة للمقام، وليس الأمر على إطلاقه، كما يرى بعض النقاد بأن الشعر لا يصلح فيه الخطاب المباشر والتقرير دائماً، يقول الشاعر في مطلع قصيدته مخاطبًا «محمد الدرة»:

عد للأرائك يا محمد، والضريح لكل شاعر 

أسفي علي ومن تودع حين تلتهب المشاعر 

اسفاه والعبرات من حمم تحدر في المحاجر

ويعبر عن أثر موت الطفل محمد الدرة فيقول: 

فبكاك بشرى، وانحناؤك ثورة، والصمت هادر 

غادر لأرحب من ملاذ الياس خلف ابيك غادر 

غادر فليس يجوز إلا أن تموت بسهم غادر

ويقول في ختام قصيدته:

قد يخجل الأحياء بعدك يا محمد إذ تفاخر 

قد يبصر الشعب الضرير طريقك الأبدي زاخر

فتسجر العبرات نارًا والشجون بها مواخر

مهلًا محمد كي أجيب عن الختام ولست ساخر 

أنا ما ابتدأت لئن بدأت فليس للبركان آخر 

وشارك في الأمسية كل من د. عبد القدوس أبو صالح رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية والأديب الكبير محمد راضي صدوق، والدكتور عبد الرزاق الحمد مدير الأمسية.

                     *           *            *

فقد قرأ د. عبد القدوس قصيدة بعنوان «شيخ الجهاد» قال في تقديمه لها قيلت هذه القصيدة بعد أن زار الحاج أمين الحسيني -رحمه الله- مدينة الرياض قبيل وفاته بأشهر قليلة، وكان يتحدث على عادته عن القضية التي نذر لها حياته ودمه وماله، وامتد حديثه نحوًا من ثلاث ساعات متواليات، وكانت الدموع تخضل لحيته البيضاء، وهو يناشد الحضور أن ينقلوا وصيته إلى كل مسلم غيور، وكانت تلك الوصية الا يصالح العرب اليهود مهما طال أمد الحرب بينهم والا يرفعوا لتحرير فلسطين راية سوى راية الجهاد.

   *          *            *

ويتابع د. عبد القدس قائلًا: فنظرت إليه فرأيت فيه فلسطين كلها والعمامة على رأسه كأنها قبة الأقصى فكتبت بيتين أعطيتهما له في اللقاء، ثم صار البيتان قصيدة، وهما:

ما أنت إلا فلسطين ورايتها *** تعلي الجهاد فلا يأس ولا خور

فقلبك المسجد الأقصى وقبته *** عمامة الطهر لا عار ولا وضر

وتعد هذه القصيدة من روائع شعر د. عبد القدوس أبو صالح الذي مازال متفرقًا لم يجمعه ديوان.

          *         *            *

أما الأستاذ محمد راضي صدوق فقد نقل هو الآخر صورة حية من الذاكرة، وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد داهم عساكر الاحتلال الصهيوني بيت عائلته في طولكرم سنة ١٩٦٧م، وأجلوا العائلة عن البيت بالقوة وقعدوا يسكرون على أوراقه في مكتبه، فكتب هذه الكلمات من وقع ذلك الحدث:

 ستظل الكاسات تدور 

هذا زمن الري 

أطفئ في أمعائك نار العطش التاريخي 

الساعة تشرب في بيتي 

الساعة تمضغ أعصابي 

تصنع لي موتي 

لكن غدًا يوم آخر 

ستظل الكاسات تدور 

وسيظل الزمن المطعون يدور 

بيتي قد يصبح بيتك 

موتي لابد غدًا يصنع موتك 

كما قرأ مقطوعة أخرى قالها في التاريخ نفسه يوم سقوط القدس تحت الاحتلال اليهودي وفي مشاركة مدير الأمسية د. عبد الرزاق الحمد بقصيدة عنوانها «السلام» تحدث عن خداع اليهود بعملية السلام، وما يعانيه الشعب الفلسطيني من الاحتلال، وإصراره على انتزاع حقه، جاء في القصيدة.

بعد التشرد والضياع أمل يهدهد لن تراع

يا قدس كفكف دمعة الحسرات والحق المضاع 

وامسح جبينك وامسح الرهق المعنى بامتقاع 

يا فرحة المنكوب والمكروب في أمل اجتماع 

انسته أمال السراب جهاد أبطال القراع 

ودم الشهيد على التراب بمسكه العبق المضاع 

وختم القصيدة بروح الألم والأمل قائلًا: 

يا قدس هذا الوصل بذلًا إن مللت من استماعي 

ذلي أشد على وطئاً فاقبلي مني وداعي

              *              *               *

وقد شارك عدد من الشعراء الآخرين بقصائد مختلفة تناولت الوضع العام للأمة الإسلامية منهم الشاعر يوسف عبد الرحمن الحمود بقصيدته أيها المذياع صبرًا، والشاعر فهد بن علي العبودي بقصيدة «آلام وأمال» ود. أحمد البراء الأميري بقصيدة من ديوان والده «نجاوى محمدية» ود عبد الجبار دية بقصيدة عن آثار القرآن الكريم في نفس المؤمن.

وقد أنهى د. عبد القدوس هذه الأمسية ببث الأمل في النفوس إجابة عن سؤال طرحه د. عدنان النحوي وهو:

لماذا لا تقوم أمتنا من سباتها رغم كثرة العوامل الداعية إلى النهوض القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة والمصائب المتوالية، فقال د. عبد القدوس: إن الأمة الإسلامية أمة التحديات عبر تاريخها الطويل، وإن النصر أت إن شاء الله وإن وضع أمتنا اليوم ليس أسوأ مما كانت عليه قبل مجيء صلاح الدين الأيوبي.

 

ملامح التجديد الأدبي عند «باكثير» (٢من٢)

جمع الأديب الراحل علي أحمد باكثير بين الالتزام الفكري وبين الإبداع الفني، وهي صورة من النبوغ الذي قلما يجتمع لأديب، بل إن كثيرًا من الإبداعات الفنية تذبل تحت وطأة الالتزام العقائدي، وتعجز عن التوفيق بين متطلبات الإبداع والفن وبين خدمة الأفكار والأيديولوجيات.

رائد التجديد الشعري:

والحقيقة أن النبوغ الأدبي لـ «باكثير» -رحمه الله- بدأ وهو لا يزال طالبًا في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، عندما تحمس لإثبات عظمة اللغة العربية وقدرتها على التعبير، فقام بترجمة فصول من مسرحية شكسبير الشهيرة «روميو وجوليت» بالشعر المرسل في عام ١٩٣٦م. ثم بعدها بعام كتب مسرحية «إخناتون ونفرتيتي» بالأسلوب نفسه مما حفظ له دورًا مؤسسًا ومكانة ريادية في تحديث الشعر العربي في العصر الحديث بابتكار نوع جديد من القوالب الشعرية هو «الشعر المرسل» الذي تحول منذ نهاية الأربعينيات إلى مدرسة جديدة فرضت وجودها في العقود الأخيرة، وتنازع أكثر من شاعر عربي ادعاء الريادة والسبق الزمني في ابتكار «الشعر المرسل أو الحر»، لكن نوعًا من المراجعة والإنصاف جعل أدباء عرب بارزين يقرون له باكثير بالريادة في هذا النوع من الأدب، فخصص د. عبدالعزيز المقالح أشهر أدباء اليمن الأحياء - دراسة خاصة عن ذلك.. كما أقر الشاعر العراقي الشهير «بدر شاكر السياب» وهو أحد شاعرين تنازعا ريادة الشعر المرسل مع نازك الملائكة في مجلة الأدب البيروتية (عدد يونيو ١٩٥٤ م ص ٦٩)، بهذه الريادة قائلًا: «وإذا تحرينا الواقع وجدنا أن الأستاذ المعلم أحمد باكثير هو أول من كتب على طريقة الشعر الحر في ترجمته الرواية شكسبير روميو وجوليت»، واعترف الشاعر المصري المعروف: صلاح عبد الصبور بالريادة لباكثير في مقال له نشر في مجلة «المسرح» المصرية في عددها رقم (۷۰) الصادر في فبراير ۱۹۷۰م.

وتكشف رسالة الدكتوراه للباحث اليمني د. أبو بكر الباكري -عن البناء الفني للشكل المسرحي عند باكثير- عن مدى المعاناة التي واجهها وهو يبحث عن شكل مناسب لإخراج ملحمته الكبرى عن «عمر بن الخطاب»    -رضي الله عنه- في نهاية الخمسينيات، وكان الحل هو ترك المضمون يختار الشكل الذي يناسبه أي ارتباط الشكل بالمضمون بعيدًا عن تقليد أشكال المسرح الغربي التي خدمت واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا معينًا، وكان تقليد الكتاب العربي لها سببًا في تسطيح تناولهم للواقع العربي ومشكلاته والعجز عن النفاذ إلى جوهر التركيب الاجتماعي المحلي وصراعاته الدفينة، وفيما تفرد باكثير في الوصول إلى هذه الرؤية فقد ظل الآخرون يعانون من هذه المعضلة في وقت متأخر من التسعينيات ورأوا ضرورة البحث عن أشكال وقوالب تلائم القضايا العربية، فاتجه بعضهم للاستعارة من مسرح الكاتب الألماني «بريخت» وهو شكل ملحمي فيما اتجه «توفيق الحكيم» إلى اعتماد قوالب من التراث العربي كالحكواتي والمداح والمقلداتي». 

أستاذ الملاحم المسرحية

تميز الإبداع الأدبي لـ «باكثير» بظواهر عدة، كان أبرزها ظهور «ملحمة عمر» في ١٩ جزءًا تناولت حياة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب الذي يوصف بأنه مهندس الحضارة الإسلامية، وهذه الملحمة جمعت بين المفهوم الأرسطي «طويلة وغير محدودة الزمان»، وبين ملحمة «بريخت» في التزام النثر والرؤية التنويرية وإيقاظ الوعي العام في تبني فكرة واحدة ملخصها أنه لا يصلح آخر عبر هذه الأمة إلا بمثل ما صلح به أولها كما «باكثير» عن «ملحمة عمر» التي تعد الوحيدة عن نوعها في الأدب العربي.

بل إن «باكثير» يعتبر أن ملحمة عمر -التي صورت عصرًا بأكمله في جوانبه السياسية والعسكرية والاجتماعية- كانت تهدف إلى تأكيد حاجة الأمة الإسلامية إلى نوعية الزعيم الإسلامي الأمين الذي يجمع بين اتباع السنة والاجتهاد في ابتداع الوسائل الجديدة في مواكبة التطور وربما كانت هذه الرؤية رسالة غير مباشرة من باكثير للزعامات العربية في تلك الفترة التي شهدت ظهور تيارات وزعامات شطت في مواقفها واتجاهاتها المغايرة للإسلام.

وفي سبيل إعداد «ملحمة عمر»، حصل باكثير على منحة تفرغ أدبي لمدة عامين، وقرأ مائة كتاب من ثلاثين ألف صفحة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، من أجل الإلمام بتفاصيل حياة عمر -رضي الله عنه- والوقائع المتنوعة التي اتصلت بحياته حتى وفاته.

وإذا كانت «ملحمة عمر» قد تم إعدادها في زمن واحد، إلا أن الباحث «البابكري» قدم رؤية جديدة -على حد علمنا- تبين أن الإنتاج الأدبي لباكثير -بمختلف أنواعه- يمكن تصنيفه بأنه مجموعة من الملاحم تختزل كلها رؤيته في قضية فكرية واحدة هي: تقديم الإسلام الصحيح وكشف خصومه الدول الاستعمارية الصليبية الشيوعية، اليهودية الباطنية الإباحية والدكتاتورية فبالإضافة إلى «ملحمة عمر» هناك مجموعة من الأعمال المتتابعة والمتفرقة التي تشكل ملحمة خاصة بفلسطين بدءًا بمسرحية «شيلوك الجديد»، و«شعب الله المختار» وهي ملحمة تحدثت عن قيام «إسرائيل» وهزيمة العرب قبل حدوثها بسنوات، كما تحدثت عن ظهور خلافات خطيرة بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين تؤدي إلى زوال إسرائيل بثورة تقودها حركة مناهضة للصهيونية، ويعود اليهود كل إلى وطنه وتقوم دولة عربية من عرب فلسطين مسلمين ومسيحيين ويهود.

وهناك أيضًا مجموعة من المسرحيات تشكل ملحمة واحدة تتحدث عن مقاومة الاستعمار ابتداء من مسمار جحاء وإمبراطورية في المزاد التي تضمنت دعوة للجهاد ضد البريطانيين في قناة السويس وهناك ثلاث مسرحيات تناولت المقاومة ضد الحملة الفرنسية «الوحدة والثعبان أحلام نابليون، مأساة زينب»، ثم مسرحية عودة الفردوس، عن المقاومة الإندونيسية ضد الاحتلال الهولندي والياباني. 

وفي مسار مقاومة أعداء العروبة ولغتها هناك مجموعة من المسرحيات عن الوحدة العربية «إخناتون ونفرتيتي، والوطن الأكبر»، ومسرحية حبل الغسيل الشهيرة التي فضحت الاتجاهات الشعوبية ضد القرآن واللغة العربية وربط فيها بين دعاة النعرات الإقليمية ودعوة إحلال العامية بدلًا من الفصحى. (۱)

وفي مسرحية «الزعيم الأوحد» سنة ١٩٥٩م فضح الاتجاه الدكتاتوري الشعوبي وتنبأ بنهاية مؤسفة للزعيم العراقي عبد الكريم قاسم تحققت بعد ذلك، وفي رواية الثائر الأحمر، أدان الاتجاهات الباطنية والظلم الرأسمالي وهم يمثلان الخطر على الأمة في صورة الشيوعية والرأسمالية، وبشر بسقوط الشيوعية وأنظمتها كما حدث بعدها بأربعين عامًا عندما انهارت المنظومة الاشتراكية (۲)، وفي السياق نفسه وضع باكثير مسرحية أخرى عن الباطنية اسمها «سر الحاكم بأمر الله».

وفي مجال مقاومة الاتجاهات المنحرفة، كتب باكثير مسرحيات متعددة تتحدث عن جملة من الأخلاق العامة والاجتماعية الفاسدة مثل الظلم في «الفرعون الموعود، وأوزوريس وشهرزاد»، و«السلسلة والغفران» من عاقبة الزني و الدنيا فوضى عن دعوة المساواة المشبوهة بين الرجل والمرأة، وعن موقف الإسلام من غزو الفضاء والسلام كتب مسرحيتي «هاروت وماروت» و«فاوست الجديد» في إطار إسلامي يحقق الخير للإنسانية، وفي مسرحية «أوديب» رفض باكثير الرؤية المعروفة التي تجعل الإنسان فاقدًا لتقرير مصيره بحرية ومتحملًا المسؤولية حياته، فأوديب في الرؤية الغربية يسير وفق حلم مجهول يتنبأ بأنه سوف يقتل أباه ويتزوج أمه، ويرتكب أوديب جرائمه فيما تظهره المسرحية بأنه مسلوب الإرادة لكن باكثير يرفض هذا التفسير ويجعل الخير ينتصر في «أوديب» ولا يتحقق الحلم لأنه يكون مؤامرة دبرها كهنة المعبد.

وهناك مسرحيات أخرى صغيرة تتحدث عن مفاهيم وأخلاقيات إسلامية مثل: الصبر، والزهد، والدعوة إلى الله، وحقوق الجار، والعفو عند المقدرة، وعلاج قسوة القلوب والحث على الرزق الحلال والنصيحة، والغلو في الدين، والصدع بالحق، وكلها تتضمن رؤية باكثير عن دور الإسلام في حياة الفرد والجماعة، والأمة، والحياة بصورة عامة.

ولا شك أن التأمل في تراث باكثير يؤكد أن هذا الأديب صاحب دور ريادي إسلاميًا وأدبيًا، ويستحق تراثه أن يتم إبرازه بطرق متعددة ترد له بعضًا من الدين الذي له في أعناق أبناء العروبة والإسلام.

ولعل أبرز المطلوب –الآن– هو تبني المنظمات الإسلامية الأدبية والثقافية والدعوية فكرة إحياء تراث باكثير وإعادة إخراجه للجمهور بصورة تليق بالرجل وجهاده الفكري والأدبي، وتسهيل الحصول عليه وتنفيذ فكرة طبع الأعمال الكاملة طباعة لائقة بهذا الأديب الكبير.

كما يتمنى كثيرون أن تتبنى رابطة الأدب الإسلامي العالمية عقد ندوة خاصة بالأديب الرائد باكثير، تدرس جوانب أدبه المختلفة وترسم طريقًا للأدب الإسلامي يستلهم أعمال الرواد وينشط حركة النقد الأدبي الإسلامي.

وأخيرًا.. فإن باكثير عانى كثيرًا من التجاهل والجحود والسخرية عندما سيطر اليساريون والشعوبيون على منابر الإعلام والأدب، وقد حان الوقت لتسليط مزيد من الأضواء على شخصيته وإبداعاته.

الهوامش

  1. كانت نهاية اليساريين المتطرفين في المسرحية تشبه نهاية تيار: علي صبري على يد الرئيس السابق السادات.

  2. وجدت رسالة من المستشرق المجري: عبد الكريم جرمانوس في مخطوطات باكثير يصف فيها «الثائر الأحمر» بأنها أعظم رواية في القرن العشرين.

واحة الشعر 

                             رسالة إلى باراك 

شعر: أحمد حسبو 

اقتل فإن القتل فيه حياتي * * * واجرح فإن الجرح طوق نجاتي\

اقتل ستلقى تحت كل ثنية * * * بطلًا جديدًا رافعًا راياتي

اسفك دمائي كي تروي تحتها * * * غرس البطولة يانع الثمرات 

اقتل محمدًا الصغير ليستوي * * * بالله ربي جابر الكسرات

اكسر عظامي كي يزيد تعلقي * * * واسحق وليدًا طاهر النظرات

اقتل جنينًا في حشاشة أمه * * * بطلًا كبير الشأن في لحظات

لم يرحموه ويتركوه لوالد * * * كم ود لو يُخفيه في الحدقات 

وإذا بهم في خسة معهودة * * * قد أمطروه بوابل الطلقات

ليزف للفردوس حيًا خالدًا * * * وتبوء أنت بوافر اللعنات

ولينقل التلفاز أروع صورة * * * همجية في عالم السادات 

الأرض تمقت خطوكم من فوقها * * * واسال رمال * في الفلوات

والبحر يلعنكم ويلعن فعلكم * * * لعنًا كبيرًا هادر الموجات 

والجو يرجمكم ويرجم حقدكم * * * والكون ينعتكم بشر نعات 

بل في كتاب الله نقرأ وصفكم * * * مكرًا وغدرًا * زين بالبسمات 

ولقد فهمنا الدرس فاعلم جيدًا * * * لن تستطيع خداعنا مرات

أنا عبقري في كتيبة «خالد» * * * بحماسي الدفاق ريح عات

أنا ما ولدت لكي اعيش مكبلًا * * * فالجبن ليس طبيعتي وصفاتي

أنا ههنا معي الإله مؤيد * * * ومنير دربي في دجى الظلمات

أنا ههنا نار ستحرق من بغى * * * ومن اعتدى أو دنس الحرمات

أنا إن سقطت فقصتي محفورة * * * في خاطر ابني، في ضمير فتاتي

ما ضاع حق خلفه مستبسل * * * مستمسك بهداية الآيات 

فأنا هنا، وطني هنا، قبري هنا * * * عيشي هنا، وهنا كذاك مماتي

قررتها ومواصل تحقيقها * * * ألا مكان بموطني لغزاة

اقتل فإن الموت أصبح حرفة * * * اتقنتها بمهارة وثبات

اقتل ستخرج ثورة جبارة * * * تجتاحكم من تحت كُلِّ رفات

اقتل فقد بعنا الإله نفوسنا * * * في صفقة من أربح الصفقات

وعدًا عليه ووعده حق أتى * * * في الذكر، والإنجيل والتوراة

من أجل أولى القبلتين ابيعها * * * مستبشرًا وتهون كل حياة

من أجل مسرى المصطفى سأعيده * * * غض الاذان، محرر الصلوات 

من أجل طفل بالأسى روعته * * * من أجل أم تُرسل الأنات

من أجل شيخ سار يحمل همه * * * متسائلًا: هل سامع لشكاتي؟

من أجل شعب سوف نجمع شمله * * * ونلمه من مهجر وشتات

إن كنت ذئبًا جاء يقتل حلمنا * * * فأنا هنا الجزار لست بشاة

أنا عائد لحجارتي ولخندقي * * * ومعي صباح رائع القسمات 

أنا كافر بسلام أوسلو، فاشهدوا * * * وبكل صلح يقتضي إسكاتي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2062

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 17

100

الثلاثاء 07-يوليو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 17